ورقة: رؤية لقوانين الأحوال الشخصية في العالم الإسلامي

تمّ تقديم هذه الورقة في ملتقى نسوي في بداية هذه السنة في السعودية:

“الطريق إلى تمكين النساء لا يتمّ إلا عبر تعديل القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية بما يضمن أهليتهن الكاملة و اعتبار شراكتهن في الزواج و ما يتبعه من مسؤوليات وواجبات و مزايا، و كما يظهر استعراض القوانين الشخصية في العالم الإسلامي أن تقرير المصير للمرأة كما تمليه هذه القوانين هو ليس شأن خاص فقط مرتبط بدورها في الأسرة و لكنه شأن سياسي تتقرر بموجبه حقوق كالجنسية و الأهلية القانونية أمام مؤسسات الدولة، و هو شأن اقتصادي تقرر بموجبه الدولة كيف تتوزع الثروة الزوجية أثناء و بعد الزواج، و هو شأن اجتماعي تقرر بموجبه الدولة كيف تتعامل مع الأطفال في أوضاع الزواج المختلفة و مع النساء في ولايتهن على أنفسهن سواء كن أبكارا أو ثيبات، و هو شأن مدني يتحمل فيه المجتمع كلفة إهمال أمن النساء و الأطفال في الفضاء الخاص من العنف و العضل و الإهمال و ممارسات عدم المساواة، و يدفع المجتمع ككل ثمن ذلك التمييز في تفشي الجريمة و الخروج على القوانين الظالمة في حال عدم تحقيقها لمصالح النساء و الأطفال و في كلفة العلاجات الجسدية و النفسية نتيجة سياسات الجبر و العضل و الأسر، على المجتمع المدني أن يناصر قضايا العدالة و المساواة و أمن النساء في المجال الخاص حتى تتم تنشئة الأطفال على هذه القيم و احترام المرأة كشريك متساو في الأسرة و في المجال العام”… يمكن تحميل الورقة كاملة هنا:

 رؤية لقوانين الأحوال الشخصية في العالم الإسلامي

من مصر إلى تونس… هل قلت ثورة حقا؟

بقلم: هالة الدوسري

منشور في عدد خاص للأخبار بمناسبة يوم المرأة العالمي، “الموقع محجوب في السعودية”

هل نجح الحراك العربي على اختلاف صوره من مطالبات إصلاح ومظاهرات وثورات وقلب لأنظمة الحكم بعد عامين على الثورات والمطالبات الشعبية في تحسين أوضاع النساء؟ وهل أصبح هاجس النساء اليوم هو مجرد الحفاظ على المكتسبات القليلة المنتزعة على مدار عقود من النضال؟ ما تكشفه إزاحة قمة الهرم الحاكم في دول الثورات هو واقع مرعب من الجهل والاستقطاب والتهميش المتزايد للفئات الأضعف بمن فيها النساء. يبدو الحراك العربي مجرد إعادة ترتيب للقوى نفسها في نفس مراكز النفوذ أكثر من تمكين المهمّشين والمهمّشات.

وتبدو أسئلة الهوية والموقف حول مكانة المرأة والإنسان عموماً من أهم إفرازات الثورات والمطالبات. موجة استهداف وترهيب المدافعات السلميات ورائدات التغيير لتمكين النساء كانت حاضرة في كل البلاد العربية تقريباً. القتل والتحرش والاغتصاب في مصر، وسوريا، وليبيا، واعتقال المتظاهرات في عُمان، أو اعتقال وتعذيب طبيبات وممرضات لأداء واجبهن في البحرين أو اعتقال سائقة سيارة أو الحكم بجلد أخرى… مشاهد عكست موقفاً سياسياً صارماً من الحراك النسوي. موقف شديد التناقض مع ادّعاءات الضعف والخصوصية المرتبطة بتبرير التهميش الرسمي للمرأة، مشاهدات المواجهة مع السلطات تناقض ما روّجت له السلطات دوماً عن ضعف المرأة وهشاشتها وخصوصية التعامل معها…
«ارحل» لم تكن ضمانة لحقوق النساء، لكنها كانت مجرد كشف للغطاء عن واقع سياسي هشّ لم يسمح له بالتطور والنضج. كشفت الثورات العربية عن ضعف التنظيمات السياسية والمدنية وعن عدم وضوح رؤيتها في الموقف من المرأة. السياسي العربي يعيد مراراً تقديم وتدوير نماذج فاشلة من أنظمة الحكم، إما ديموقراطية صامتة، وإما سياسة الباب المفتوح، وإما إسلامية شوروية. تبدو النماذج دوماً أكثر اختلالاً عندما تصل إلى المرأة. يسمح السياسي للنساء والأقليات بممارسة بعض حقوقهن ما دام لا تؤثر على مصالحه. في مصر ما بعد الثورة، تطرح برلمانية ختان البنات والولاية التعليمية على النساء، وتقييد حق الخلع عن المرأة كقضايا مهمّة تحت ذريعة حماية النساء والحفاظ على الأسرة. وهو دوماً حفاظ يكون عبر تقييد حقوق المرأة لا الرجل، هل كان يمكن تخيّل أن تكون هذه هي مطالبات البرلمانيات في عام 1951 عندما اعتصمت 1500 امرأة من رياديات العمل النسائي في مصر أمام أبواب البرلمان مطالبات بمنح النساء حق الترشّح والانتخاب للنظر بجدية في قضايا النساء من تعليم ومشاركة، حتى أقرّ البرلمان بعد أسبوع واحد منحهن هذا الحق؟
ترفض برلمانية مصر الثورية الكوتا النسائية وتطالب النساء في مجتمع قمعي طالما عارض وضعهن في المناصب العامّة والقيادية أن يدخلن البرلمان عبر صناديق الاقتراع في منافسة غير عادلة ومحسومة شعبياً لمصلحة الرجل. عندما ناضلت نساء العمل الحزبي في مصر من مدافعات ومتظاهرات ومتحدثات من أجل الثورة، لم يتوقعن أن تختفي أسماؤهن من أعلى قوائم الترشيح حتى لا يخسر الحزب في المجتمع الديموقراطي الوليد فرص الترشّح للبرلمان بسبب اسم مرشحة امرأة. المرأة سياسياً أيضاً مطالبة بالتنازل لمصلحة المرشح الرجل للابتعاد عن الصدام وإثبات حسن النيات. لم تختلف الأوضاع في تونس الثورة ولم يكف وضع اشتراط قانوني بتماثل عدد النساء والرجال في مرشحي كل حزب سياسي لمنح النساء الفرصة نفسها. ومن بين 150 مرشحاً في القوائم الانتخابية الحزبية، لم يكن هناك سوى 7% من النساء على رأس قوائم الترشيح، بينما احتل الرجال 93% من المراكز في أعلى القوائم، الكوتا في عالم دأب تاريخياً على التمييز السلبي للنساء تبدو اليوم الإجراء الإيجابي الوحيد لرفع التمييز وإعادة توازن الكفة بين الجنسين…
الواقع يكتبه المنتصر، والمعركة الأهم تأثيراً من اختيار مرشّح لمرحلة جديدة هي صياغة العقد الاجتماعي. الدستور هو الوثيقة الأعلى مرجعية في قوانين الدولة، وإدراج تفاصيل حماية حقوق النساء وتأكيد المساواة وعدم التمييز في الدساتير، تمهّد لتعديل كافة قوانين الدولة بموجبها. والدساتير العربية المكتوبة بلا تمثيل حقيقي من الشعوب لم تتغير كثيراً بعد الثورات، ولم تتحول في معظمها إلى منهج وقوانين ملزمة. اللجان المكلفة صياغة الدستور المصري لم تشتمل بداية على تمثيل نسائي مرضٍ، وأسهمت في ترسيخ نمطية الأدوار المتوقّعة من المرأة في الأسرة. المادة العاشرة في الدستور الجديد تنص على مسؤولية الدولة في التوفيق بين واجبات المرأة نحو أسرتها وبين عملها العام، مع العناية الخاصة بالمرأة المعيلة والمطلقة والأرملة. تفترض المادة أنّ الأسرة مسؤولية نسائية فقط بلا مشاركة من الرجل. لا تعكس المادة مساواة في علاقات الأسرة، ولا ثورة في معنى العقد الاجتماعي ومفاهيمه. وهذا الدستور متشابه مع الدساتير العربية كلها ــ إن وجدت ــ في احتوائه على تفاصيل سلطات الدولة وصلاحياتها وغموضه في تقرير وضمان الحقوق الفردية والشخصية للجنسين. لا نصّ يحمي النساء من التمييز والعنف ولا تجريمهما. المرأة تابعة في الوطن كما هي تابعة في الأسرة. حقوقها في الجنسية ونقلها لأسرتها مقيدة ومشروطة كما حقوقها داخل مؤسسة الأسرة. الحفاظ على العقد الاجتماعي ما زال يؤيد تقييد حقوق وصلاحيات المرأة ودعم حقوق وصلاحيات الرجل. ما زال هناك مَن يبرر نقصان المرأة واكتمال الرجل ذريعة للتمييز. تبرز هنا أهمية الثورة الشاملة: اجتماعية، قيميّة، معرفية، و سياسية…

الشائعة الأكثر خبثاً كانت حول دور الإعلام الجديد في صناعة الثورات. صناعة الثورة ــ لو صحّ استخدام التعبير ــ لم تكن إلا على قدر شجاعة الأفراد، ليس فقط عبر الاعتصام والتظاهر، لكن عبر شجاعة التصريح بأكثر الحوادث ألماً وإحراجاً. الثورة على واقع النساء أسهمت فيها وثائق كشوف العذرية وكشف ممارسات العنف مع المتظاهرات المطالبات بالتغيير. ما كشفته وسائل الإعلام الجديد من شهادات مرئية ومكتوبة أيقظ الضمير الجمعي، وأصبح تحطيم التابوهات التقليدية فعلاً ثورياً صادماً. أحد تجلّياته كان تظاهرات التعرّي أو التهديد به. في المجتمعات العربية المحافظة، ظهرت الأجساد العارية كرد فعل مؤلم على ممارسات استعباد أجساد النساء. لكن قمة الجبل الجليدي كانت واضحة للعيان منذ عقود. منطقة الشرق الأوسط هي الأكثر تمييزاً في العالم ضد النساء. في عام 2005، وضع تقرير التنمية العربية التمييز ضد النساء كإحدى أهم ثلاث مشكلات تؤثر في التنمية في العالم العربي، وعكست معدلات الجهل والفقر المتفشية بين النساء خصوصاً ممارسات تقييد المصير بين النساء والتمييز ضدهن بمباركة دينية. وحتى يتعدى التغيير تبديل الأشخاص إلى تغيير القيموتفكيك مبررات التمييز وإعادة ترتيب موازين القوى، تبقى الثورة وتحدياتها عملية تراكمية ومستمرة…

من مقدمة ملحق الأخبار “صوت النسوة” بقلم بيّار أبي صعب

الديموقراطيّة أنثى 

 هذا الملحق يشبه سيرة «الأخبار». عند كل منعطف أو مفترق طرق، تلتقي الجريدة شركاء يشبهونها. يدخل هؤلاء بلا استئذان، يأخذون مكانهم الطبيعي، ويضيفون بصماتهم إلى التجربة. كان يفترض كتابة الجملة السابقة بصيغة جمع المؤنّث، لكن المذكّر يستعمر اللغة واللاوعي الجماعي. فالقصّة بدأت حين قررت ثلاث شابات، اقتحام مكاتبنا في بيروت، للقيام بمحاولة انقلابيّة. حاولن عزلنا وإصدار عدد كامل من جريدة «الأخبار» في الثامن من آذار (مارس).

بدت الفكرة مغرية، لكن آليّات تنفيذها لم تكن متوافرة آنذاك، فأفسحنا حيّزاً لزميلاتنا النسويّات، ودرجنا على هذه الشراكة منذ سنوات، بأشكال مختلفة. قبل أسابيع عادت صديقتنا الصامدة «ليلى غسّان» باقتراحاتها في «يوم المرأة العالمي»، وقررنا أن نصدر بالاشتراك مع «صوت النسوة» ملحقاً كاملاً، مستقلاً عن الجريدة، تاركين الساحة لمجموعة باحثات وكاتبات وناشطات عربيّات. (يكاد كاتب هذه السطور، لولا «وعيه الأنثوي»، يخجل من كونه «الذكر» الدخيل على هذا الملحق). وقد تولّى التحرير اختيار مجموعة صور ورسوم لترافق المقالات، بعضها من المداخلات الراديكاليّة لمجموعة Femen في أوكرانيا. هذه المجموعة أثارت جدالاً حاداً في الأوساط النسويّة بين تأييد وشجب، بسبب لجوئها إلى أشكال تعبير عنيفة وصادمة تستعمل العري النسائي في الفضاء العام، وذلك كشكل من أشكال الاحتجاج على تشييء جسد المرأة واستغلاله من قبل النظام الرأسمالي (الذكوري). طموحنا أن نحيط بكل الخطابات النقديّة والتحرّكات الاحتجاجيّة، وأن نسهم، بأقصى ما يتيحه الواقع، في سرقة «جذوة النار المقدّسة». ولعلّه التوقيت الأصوب والأصعب للحديث عن حريّة المرأة وحقوقها، في بلد يعتبر العنف حقّاً شرعيّاً للرجل، ولا يعترف بالمرأة مواطنة كاملة، من حقّها أن تمنح جنسيّتها لأولاد من زوج «أجنبي». أين المرأة من هذا الربيع العربي المبتور. فأي ثورة تلك التي تضيق بالمرأة وحقوقها، بدلاً من أن تعطيها مكان الصدارة؟ الحراك الشعبي المشروع والمطلوب من تونس إلى دمشق، ومن القاهرة إلى المنامة، قطفته الرجعيّة، ويرعاه الاستعمار، ويموّله أسياد الردّة. لا ديموقراطيّة من دون تأنيث الوعي الجماعي. الديموقراطيّة أنثى، والثورة كذلك. لنستمع إذاً إلى «صوت النسوة

تفاصيل من التحرير 25 يناير 2013

حملتني الصدفة للقاهرة في ذكرى 25 يناير الثانية، منذ اللحظة الأولى كان حديث الثورة و مسار الفشل السياسي طاغيا، في الطريق إلى الفندق من المطار احتلت مفردات البطالة و العنف و الانفلات الأمني و غياب السياسات العادلة حديث سائق التاكسي، أشار لي بيده إلى جانب الطريق: هذه المساكن المتهالكة لاتزال موطنا للفقراء و أشار للجهة الأخرى أما هذه فهي مساكن الأغنياء، لم يتغير شيء، تغير الأشخاص بينما حضر الدين مبررا للاستيلاء على السلطة.

في نهاية يوم 25 يناير و بعد يوم طويل تفضّل عليّ أحد مرافقينا باصطحابي لميدان التحرير، كنا خمسة سيدات من عدة دول و ثلاثة رجال من مصر، للتو وصلتني رسالة نصية من صديق تحذرني من التحرش الشائع ضد النساء في التحرير،  أحاط بنا الرجال طيلة الطريق تحسّبا لكن شيئا لم يحدث، الطريق للتحرير خال من السيارات بعد إغلاقه و في هذه الساعة من المساء لم يبق عدد كبير من المتظاهرين، فور وصولنا لمدخل الميدان لاحقتنا نداءات باعة الكمامات الطبية “اشتري صحتك بجنيه”، تابعنا السير بينما يحذرنا أحد الباعة من خلفنا بأننا سنندم، فور دخولنا للميدان شممنا رائحة الغاز ثم أوشكنا أن نختنق، بالكاد كنا نفتح أعيننا، وزّع مرافقي مناديله الورقية علينا لتغطية وجوهنا ثم سحبنا أحد الشباب لمنصة بدائية يقف أمامها شاب بقنينة يطلق رذاذها على وجوه المتحلّقين حوله، يسألني مرافقي إن كنت أعرف ماهية المادة بداخل القنينة؟ “هذا خلّ” يحكي لي كيف طوّر الثوّار حلولهم لمواجهة الأمن، لم أستطع أن أفتح عيني ووجدت شابا أمامي يوزع القليل من المادة المتبقية في قنينة ماء يحملهاعلى مناديل العابرين المختنقين من حوله سكب قليلا على منديلي و أرشدني لمسحه على عيناي المغلقتين… سرنا بعيدا و استطعت فتح عيناي أخيرا… جماعات صغيرة متفرقة من الشباب تتوزع في الميدان و صوت أحدهم يخطب من مكان بعيد، مررنا على لافتات نشرتها أحزاب متعددة، أحزاب المرأة والمعارضة و مواطنين من جبهات مدنية مختلفة: المطالب هي تمكين الجميع و البعض يطالب برحيل مرسي… سأحاول هنا أن أصف شيئا لاتدركه الكلمات… السير في الميدان هو مجرد رمزية لفعل الإرادة، تعلم وقتها أن كل ما عشته من قبل من تجارب اعتقدت فيها أنك تملك تأثيرا ما لا يرقى لسيرك الرمزي في هذا الحشد، هل كنت تبحث عن  معنى الحق في تقرير المصير؟ و كيف يجعلك ذلك في موضع الخطر  و في موضع القوة في الوقت نفسه؟ أنت وهذا الحشد تصبحون واحدا، أنت قوي بقدر قوتهم، تحميك صلابتهم و شجاعتهم، أنت أيضا ضعيف مثلهم في هشاشة وجودك في هذا الفضاء المفتوح على احتمالات القنص أو الاختناق، لكنك مدفوع بإرادة جمعية لوطن حر تملك أنت صناعته، هل هناك شيء موسوم بامتلاك الوطن أكثر من هذا الفعل؟ أنت من يسير على ميادينه و يقرر من يحكمك و ماهي الرسالة التي تنوي طبعها في وجدان هذا الفضاء الحر، أنت تمتلك إرادتك الحرة، صوتك، أرضك ووطنك

قبل خروجنا من الميدان اشار لي مرافقي إلى شبابا ملثم تقبع بين أقدامهم زجاجات المولوتوف استعدادا للمواجهة : “القصاص أو الفوضى”، نسير خلف بعضهم في مسيرة تحملهم لشارع ينتهي بحاجز أمني أمام ماسبيرو، الدخان كثيف و أسود، اعتقدنا في البداية أن مبنى ما يحترق، شلالات من الغاز الأسود تسقط على الشباب الثائر و تختفي معها زجاجات المولوتوف، يتجسّد هنا مفهوم “الاستخدام المفرط للقوة“، وأتعجب من تصميم المتظاهرين على التقدم و العودة فور انتشار الغاز للمواجهة من جديد، اي إرادة؟

يوجهنا مرافقينا للعودة فربما تقع قنبلة غاز بالقرب منا و ربما تشتد المواجهة فيبدأ استخدام الرصاص الحي، نعود أدراجنا و أصوات الطلقات ترتجّ حولنا، كل الأصوات و المشاهد تختلط حولي: باعة الأقنعة لا يزالون جائلين، و عبث صبية بالجري و مطاردة بعضهم في الشوارع الخالية من السيارات، و دهشة المتابعين من جرأة قوات الأمن في التصويب على المتظاهرين و في وسط دوائرهم تماما، و أغنية عتيقة لأم كلثوم في جهاز يحمله أحدهم… المجد لمصر و المجد للشهداء

“لم يكن الموت هو الذي يخيفها، لم يعد الموت يخيفها… من هي؟ قطرة في بحر، و البحر مواج بها و من غيرها، و إن ماتت فهي واحدة من الآلاف الذين ماتوا، و إن عاشت فهي واحدة من الملايين الذين اغتصبوا حقهم في الحياة…” الباب المفتوح ( صدرت عام 1960) للروائية المصرية لطيفة الزيّات (1923-1996)

مقابلة في برنامج سيدتي للتعليق حول إجراء تعديلي في إجراءات الطلاق و النفقة

مقابلة حول تمكين النساء مع برنامج اتجاهات

مقابلة برنامج اتجاهات حول العنف ضد المرأة في السعودية

مملكة الإنسانية

حمل ملف الاعتقالات السعودية الكثير من الجدل على مدى السنوات السابقة، هناك مواجع منشورة تحكي قصص الحبس الانفرادي و التعرض للإساءة و التهديد و التعذيب و الحرمان من العلاج حتى الوفاة، بيننا من يكافح لوضع ملف الاعتقال في الضمير العام بينما يدفع بعض المدافعين ثمن مواقفهم خلف القضبان، و يبرز خلف كل ذلك الجدل أسئلة حول مصداقية الأمن العام و سلطة وزارة الداخلية و فعالية أنظمة الضبط و الاعتقال و التحقيق -إن وجدت-، هناك أيضا أسئلة أهم حول القضاء الشرعي البعيد –كما يفترض- عن التحيّز، لكن قراءتي التالية متحيّزة للأسف بحدود المعلومات الوحيدة المتوفرة لي كمتابعة من خارج مثلث المشكلة: المعتقلون و السلطة و الأنظمة…

يهمني بداية توضيح مصطلح الاعتقال التعسّفي: وهو الاعتقال المبني على تقدير أو اختيار قاض أو شخصية ما لها سلطة بلا مرجع نظامي، وهو أيضا الاعتقال الناتج عن ممارسة سلطة مطلقة أو غير مبني على دليل عقلاني أو طبيعي…

من هم المعتقلون تعسفيا؟

أي مواطن أو مقيم يتم اعتقاله بلا مسوّغ قانوني منصوص عليه نظاميا هو معتقل تعسفيا، أي موقوف على ذمة تحقيق أمني بلا مراعاة لضوابط التوقيف و مدته هو معتقل تعسفيا، أي مسجون بتهمة غير منصوص عليها نظاميا أو تعدّى اعتقاله فترة الحكم عليه هو معتقل تعسفيا، بالنتيجة تحمل مراكز التوقيف السعودية و السجون عددا من المعتقلين تعسفيا إما لخلل في إجراءات الضبط و التحقيق و الاعتقال أو لفشل في إجراءات التسريح، من بين المعتقلين تعسفيا النساء بلا محرم مستعد لتسلمهن حال انتهاء عقوبتهن، و من بينهم سجناء الرأي و بعض أصحاب عرائض الإصلاح و  عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان و عدد من المتظاهرين، و من بينهم المعتقلين على خلفية تهم اجتهادية “تعزيرية” غير منصوص عليها بوضوح في الأنظمة، و من بينهم “أصحاب الفكر الضال” كما تسمّيهم أجهزة الدولة أو المتطرفين دينيا…

 الفئة الضالّة أو بالأصحّ المتطرفون…

هؤلاء نسبة لا يستهان بها بين المعتقلين تعسفيا، و لأنهم الورقة المستخدمة من أجهزة الدولة لتبرير الاعتقال التعسفي فلا بد من تناول وضعهم بشيء من التفصيل، يأتي هؤلاء من خلفيات دينية صارمة، و مطالبهم تنحصر بالعادة في تمكينهم من تنفيذ الاحتساب -بشكله الاجتماعي غالبا أو السياسي نادرا- لتحويل معالم الدولة إلى النسخة الدينية الأقرب لرؤيتهم، منذ بداياتها واجهت السلطة مشكلات متعاقبة مع أصحاب هذا الفكر و غالبا ستستمر في المواجهة إن اتبعت نفس الأسلوب، البيئة الحاضنة و القابلة للتطرف الديني مستمرة في التعليم و الممارسات العامة، و الخطاب الرسمي يشجّع ممارسة و تداول الإرث الديني بلا نقد أو تمحيص عقلاني، و الدافع لدى السلطة مفهوم حيث تبقى أهم وظائف الدين ضمان اتباع الناس للسلطة كممثّلة للدين، و بالتالي انقياد الناس لأي سياسة عامة بلا نقد أو معارضة تذكر كتحريم التظاهر مثلا، التطرف بمعناه الحرفي هو الاندفاع و الاستماتة في ترويج و تطبيق منهج ديني أو سياسي بلا إعمال للعقل أو النقد، و هنا تتّضح أزمة السلطة في معالجتها للتطرف الديني، فهو أداة مفيدة لضمان الطاعة في أي سياسة عامة كالتدخل العسكري في البحرين مثلا بتبريرها بدوافع دينية، و في الوقت نفسه تتوقف السلطة عند عدم السماح للممارسة المتطرفة بالاكتمال، مطالبات المتحمّسين دينيا لا تتوقف عند الاحتساب الاجتماعي و لكن عند تطبيق مفاهيم الخلافة الراشدة بما تشمله من جهاد عسكري و تمكين للعلماء من النصيحة و الاحتساب العلني على الوزراء و الأمراء أيضا، فكيف تكيّف السلطة مشكلة التطرف في الوقت نفسه الذي تحافظ فيه على ورقة الدين الرابحة في إخضاع الناس؟ يكون ذلك بترويج متلازمة تجعل بقاء السلطة مرادفا لبقاء الدين، تصبح السلطة مقدّسة وفوق النقد و النصيحة سرية أو غير ضرورية، الاعتراض مسموح طالما سمحت به السلطة و مرفوض و مطارد طالما تعارض مع إرادة السلطة، و تبرز مع هذا الوضع الحاجة لفقهاء تتماشى فتاويهم و دعواتهم مع احتياج السلطة، و تبدأ هنا أزمة المتابعين في الثقة  في السلطة و العلماء المتحالفين معها، ملامح رفض الدولة و الشكّ في ممارساتها تكشفها الرمزية في خطاب المعتقلين و أسرهم: أرض الحرمين، حرائر و أحرار الجزيرة، فكّوا العاني و الأسير “و ليس المسجون”، و غيرها كثير…

المتطرفون في النهاية يمارسوا تحريضا شعبيا من منطلق ديني، الحل هو فسح قنوات التعبير عن الرأي و ضمانها حتى لا تتحول رغبات النصيحة/ الرأي إلى عنف مضاد، لا بديل عن السماح و القبول بحرية التعبير للجميع حتى تقابل الأفكار المتطرفة نقدا كافيا لمعادلتها و تحييدها،  و من المهم تأطير صلاحيات الدولة و صلاحيات المواطنين بلغة قانونية مفهومة حتى تصبح مرجعية اعتقال أي متعدّ على سلطة الدولة عادلة و واضحة، أما أن تتصرّف السلطة بحرّية مطلقة في اعتقال أي متطرف بلا مرجعية واضحة خوفا من عواقب لم تحدث بعد و بلا أي دليل قاطع على تخطيط يثبت تورّطه فلن يجلب سوى المزيد من الأسرى و المزيد من المتحوّلين لصفّهم…

 

السلطة في دولة ملكية مطلقة

السلطة المعنية بملف الاعتقال تشمل وزارة الداخلية ومن يتبعها إداريا، وزارة الداخلية منشأة ضخمة يتعاقب على إدارتها عددا من الأمراء مما يحصّنها ضد النقد، و تشمل عددا ضخما من إدارات الدولة و مفاصلها عدا اللجان الفرعية و المتداخلة في الإدارات المدنية و الوزارات الأخرى كعمادات الجامعات المختلفة مثلا، و من المهم هنا مراجعة ملامح الدولة البوليسية وهي الدولة التي تمارس تحكّما صارما و قمعيا بجوانب حياة الناس الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، وهي متلازمة للحكم الشمولي فلا يمكن تحت مظلته تحديد الفرق بين الأنظمة و بين سلطة النافذين السياسية و التنفيذية، فكلاهما مصدرا للتشريع و الممارسة الرسمية، تعميمات وزارة الداخلية مثلا تعلو على أنظمة الدولة أو تحلّ محلها و الشواهد كثيرة…

لاجدال أن السلطة المطلقة تهدد الأمن العام بذاتها، حتى لو آمنّا بأن السلطة تعمل للصالح العام تبقى منطقة من الغموض لا يمكن كشف فسادها في غياب الضمانات و القيود على السلطة، الإعلام و المنظمات الحقوقية المستقلة هي الأذرع الأهم لتسليط الضوء على مخالفات السلطة، والقوانين و الأنظمة هي ضمانات عدم الاستبداد و التعسف في استخدام السلطة لصلاحياتها، أيضا توظيف السلطة لبعض أطرافها للتأكد من تطبيق الأنظمة و عدالة المحاكمات لا يفيد، الجمعيات الحقوقية الحكومية على قدر إيماني بأمانة و مصداقية العاملين فيها و الشخصيات الإعلامية المحسوبة على السلطة لن تسهم في ترسيخ الثقة الشعبية بأداء السلطة، و الاستمرار في التصرّف بصلاحية مطلقة و بلا اعتراف بأحقية لعموم الناس في مراجعة الأداء الحكومي و التأكد من انضباطه سيخلق المزيد من الشائعات و الشك في مصداقية الدولة و اداءها، و لعل أهم ما يمكن للدولة أن تقدّمه في قضية المعتقلين أمنيا أن تسمح للوفود المستقلة بالتأكد من عدالة الاعتقال و انضباطه و القبول بنتائج البحث المستقل بلا تشويه أو هجوم، المقصد الأهم من تحقيق الأمن يتجاوز اعتقال المشبوهين إلى حيازة الثقة الشعبية في السلطة، السعودية تمرّ بمرحلة انتقالية هامة في تاريخها الأمني و تركيبتها السكانية لا تحتمل العلاجات التجميلية كلجان المناصحة و بناء المزيد من السجون و التجميل الإعلامي لأداء القائمين على السلطة…

أنظمة متجمّدة و صلاحيات فوق القانون

ليس هناك ما يدل على ضبابية الوضع القانوني مثل التهم التي تواجه المعتقلين: تعطيل التنمية، التأليب على ولي الأمر، التشكيك في نزاهة و تديّن كبار العلماء، وصم الحكومة بأنها دولة بوليسية، اتهام السلطة القضائية بالظلم، و غيرها على نفس الشاكلة…

لن يجد الباحثون أي تنصيص قانوني رسمي يبحث دلالات هذه التهم و عواقبها القانونية، غياب النص القانوني يمثل مرونة للسلطة في ملاحقة أصحاب الرأي و اختيار التهم الملائمة،  و حتى في حالات وجود نظام قانوني كنظام المرافعات الجزائية فهناك العديد من الشواهد التي تم فيها تجاوز النظام، صلاحيات التعزير للقاضي الشرعي أيضا متّسعة و غير مقيّدة بمرجع محدد، تمثّل هذه مشكلة كبيرة بالنظر لتعدد آراء الفقه الديني في الأثر و تعارضها في نفس الحكم أحيانا، و لا يطالب أي قاض بوضع مبررات متعارف عليها لإصدار الحكم، كما تعيد محكمة التمييز أي دعوى إلى نفس المحكمة البدائية لإعادة النظر فيها بواسطة القاضي نفسه في حلقة مفرغة يعاد فيها تدوير الحكم المختلف عليه بأيدي صانعيه…

حصل القطاع القضائي على دعم مادي كبير لتطوير المرافق و الآليات، إلا أن العنصر الأهم وهو الأنظمة و القائمين عليها لا يزال متواضعا بالنظر لتطور و تعقيد تركيب الدولة و تداخل مفاهيم حديثة التزمت بها الدولة كالتعبير عن الرأي و حقوق الإنسان مع مصطلحات شرعية كولي الأمر و البيعة و التعزير…

الحل الواضح هو توافق الأنظمة المحلية مع المعايير العامة محليا و دوليا في صياغة القوانين و الالتزام بها، و خلق آليات تضمن أمن المتهم في الضبط و الإحضار و التحقيق و الاعتقال، و ضمان عدالة المحاكمة بكل عناصرها بداية من أنظمة واضحة عادلة متوافقة مع معايير العدالة و مرورا بقضاة ذوي تأهيل قانوني و إنساني شامل و انتهاء بعلانية كافية تضمن سلامة إجراءات المحاكمة و التحقيق…

عدم وضوح الوضع السياسي و القانوني في ملف الاعتقال هو نتيجة مباشرة لسياسات الحكم المطلق و تغييب المواطن، الشفافية و المشاركة في صناعة القرار و تطوير أجهزة الدولة بما يضمن تحقيق مصالح المواطن هي المخرج الوحيد ليس فقط لأزمة الاعتقال و لكن لمعظم أزماتنا السياسية و الاجتماعية، ضريبة التعامل الأمني المستمر مع المشكلات أكبر من قدرتنا على احتوائها، عندما صرّح خالد الجهني للإعلام قبل اعتقاله بقليل أننا نعيش في سجن كبير كان يقصد ضريبة الأمن التي يدفعها: أن تأكل و تشرب و تحصل على العلاج في مقابل مصادرة حريتك، ماهي الفائدة التي جناها المجتمع من اعتقاله لسنة و أكثر في مقابل رأي سلمي ألقاه؟أي مصلحة يجنيها المجتمع من اعتقال صاحب رأي سلمي و ترك العابثين بمصالح الناس الاقتصادية و الاجتماعية أحرارا بلا أي مساءلة؟  أيهما يحتاج المجتمع لعزله؟ السؤال مطروح لكل من يراقب ملف الاعتقال…

هذه التدوينة جزء من حملة #مدونة_اعتقال