تفاصيل من التحرير 25 يناير 2013

حملتني الصدفة للقاهرة في ذكرى 25 يناير الثانية، منذ اللحظة الأولى كان حديث الثورة و مسار الفشل السياسي طاغيا، في الطريق إلى الفندق من المطار احتلت مفردات البطالة و العنف و الانفلات الأمني و غياب السياسات العادلة حديث سائق التاكسي، أشار لي بيده إلى جانب الطريق: هذه المساكن المتهالكة لاتزال موطنا للفقراء و أشار للجهة الأخرى أما هذه فهي مساكن الأغنياء، لم يتغير شيء، تغير الأشخاص بينما حضر الدين مبررا للاستيلاء على السلطة.

في نهاية يوم 25 يناير و بعد يوم طويل تفضّل عليّ أحد مرافقينا باصطحابي لميدان التحرير، كنا خمسة سيدات من عدة دول و ثلاثة رجال من مصر، للتو وصلتني رسالة نصية من صديق تحذرني من التحرش الشائع ضد النساء في التحرير،  أحاط بنا الرجال طيلة الطريق تحسّبا لكن شيئا لم يحدث، الطريق للتحرير خال من السيارات بعد إغلاقه و في هذه الساعة من المساء لم يبق عدد كبير من المتظاهرين، فور وصولنا لمدخل الميدان لاحقتنا نداءات باعة الكمامات الطبية “اشتري صحتك بجنيه”، تابعنا السير بينما يحذرنا أحد الباعة من خلفنا بأننا سنندم، فور دخولنا للميدان شممنا رائحة الغاز ثم أوشكنا أن نختنق، بالكاد كنا نفتح أعيننا، وزّع مرافقي مناديله الورقية علينا لتغطية وجوهنا ثم سحبنا أحد الشباب لمنصة بدائية يقف أمامها شاب بقنينة يطلق رذاذها على وجوه المتحلّقين حوله، يسألني مرافقي إن كنت أعرف ماهية المادة بداخل القنينة؟ “هذا خلّ” يحكي لي كيف طوّر الثوّار حلولهم لمواجهة الأمن، لم أستطع أن أفتح عيني ووجدت شابا أمامي يوزع القليل من المادة المتبقية في قنينة ماء يحملهاعلى مناديل العابرين المختنقين من حوله سكب قليلا على منديلي و أرشدني لمسحه على عيناي المغلقتين… سرنا بعيدا و استطعت فتح عيناي أخيرا… جماعات صغيرة متفرقة من الشباب تتوزع في الميدان و صوت أحدهم يخطب من مكان بعيد، مررنا على لافتات نشرتها أحزاب متعددة، أحزاب المرأة والمعارضة و مواطنين من جبهات مدنية مختلفة: المطالب هي تمكين الجميع و البعض يطالب برحيل مرسي… سأحاول هنا أن أصف شيئا لاتدركه الكلمات… السير في الميدان هو مجرد رمزية لفعل الإرادة، تعلم وقتها أن كل ما عشته من قبل من تجارب اعتقدت فيها أنك تملك تأثيرا ما لا يرقى لسيرك الرمزي في هذا الحشد، هل كنت تبحث عن  معنى الحق في تقرير المصير؟ و كيف يجعلك ذلك في موضع الخطر  و في موضع القوة في الوقت نفسه؟ أنت وهذا الحشد تصبحون واحدا، أنت قوي بقدر قوتهم، تحميك صلابتهم و شجاعتهم، أنت أيضا ضعيف مثلهم في هشاشة وجودك في هذا الفضاء المفتوح على احتمالات القنص أو الاختناق، لكنك مدفوع بإرادة جمعية لوطن حر تملك أنت صناعته، هل هناك شيء موسوم بامتلاك الوطن أكثر من هذا الفعل؟ أنت من يسير على ميادينه و يقرر من يحكمك و ماهي الرسالة التي تنوي طبعها في وجدان هذا الفضاء الحر، أنت تمتلك إرادتك الحرة، صوتك، أرضك ووطنك

قبل خروجنا من الميدان اشار لي مرافقي إلى شبابا ملثم تقبع بين أقدامهم زجاجات المولوتوف استعدادا للمواجهة : “القصاص أو الفوضى”، نسير خلف بعضهم في مسيرة تحملهم لشارع ينتهي بحاجز أمني أمام ماسبيرو، الدخان كثيف و أسود، اعتقدنا في البداية أن مبنى ما يحترق، شلالات من الغاز الأسود تسقط على الشباب الثائر و تختفي معها زجاجات المولوتوف، يتجسّد هنا مفهوم “الاستخدام المفرط للقوة“، وأتعجب من تصميم المتظاهرين على التقدم و العودة فور انتشار الغاز للمواجهة من جديد، اي إرادة؟

يوجهنا مرافقينا للعودة فربما تقع قنبلة غاز بالقرب منا و ربما تشتد المواجهة فيبدأ استخدام الرصاص الحي، نعود أدراجنا و أصوات الطلقات ترتجّ حولنا، كل الأصوات و المشاهد تختلط حولي: باعة الأقنعة لا يزالون جائلين، و عبث صبية بالجري و مطاردة بعضهم في الشوارع الخالية من السيارات، و دهشة المتابعين من جرأة قوات الأمن في التصويب على المتظاهرين و في وسط دوائرهم تماما، و أغنية عتيقة لأم كلثوم في جهاز يحمله أحدهم… المجد لمصر و المجد للشهداء

“لم يكن الموت هو الذي يخيفها، لم يعد الموت يخيفها… من هي؟ قطرة في بحر، و البحر مواج بها و من غيرها، و إن ماتت فهي واحدة من الآلاف الذين ماتوا، و إن عاشت فهي واحدة من الملايين الذين اغتصبوا حقهم في الحياة…” الباب المفتوح ( صدرت عام 1960) للروائية المصرية لطيفة الزيّات (1923-1996)

Advertisements

مملكة الإنسانية

حمل ملف الاعتقالات السعودية الكثير من الجدل على مدى السنوات السابقة، هناك مواجع منشورة تحكي قصص الحبس الانفرادي و التعرض للإساءة و التهديد و التعذيب و الحرمان من العلاج حتى الوفاة، بيننا من يكافح لوضع ملف الاعتقال في الضمير العام بينما يدفع بعض المدافعين ثمن مواقفهم خلف القضبان، و يبرز خلف كل ذلك الجدل أسئلة حول مصداقية الأمن العام و سلطة وزارة الداخلية و فعالية أنظمة الضبط و الاعتقال و التحقيق -إن وجدت-، هناك أيضا أسئلة أهم حول القضاء الشرعي البعيد –كما يفترض- عن التحيّز، لكن قراءتي التالية متحيّزة للأسف بحدود المعلومات الوحيدة المتوفرة لي كمتابعة من خارج مثلث المشكلة: المعتقلون و السلطة و الأنظمة…

يهمني بداية توضيح مصطلح الاعتقال التعسّفي: وهو الاعتقال المبني على تقدير أو اختيار قاض أو شخصية ما لها سلطة بلا مرجع نظامي، وهو أيضا الاعتقال الناتج عن ممارسة سلطة مطلقة أو غير مبني على دليل عقلاني أو طبيعي…

من هم المعتقلون تعسفيا؟

أي مواطن أو مقيم يتم اعتقاله بلا مسوّغ قانوني منصوص عليه نظاميا هو معتقل تعسفيا، أي موقوف على ذمة تحقيق أمني بلا مراعاة لضوابط التوقيف و مدته هو معتقل تعسفيا، أي مسجون بتهمة غير منصوص عليها نظاميا أو تعدّى اعتقاله فترة الحكم عليه هو معتقل تعسفيا، بالنتيجة تحمل مراكز التوقيف السعودية و السجون عددا من المعتقلين تعسفيا إما لخلل في إجراءات الضبط و التحقيق و الاعتقال أو لفشل في إجراءات التسريح، من بين المعتقلين تعسفيا النساء بلا محرم مستعد لتسلمهن حال انتهاء عقوبتهن، و من بينهم سجناء الرأي و بعض أصحاب عرائض الإصلاح و  عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان و عدد من المتظاهرين، و من بينهم المعتقلين على خلفية تهم اجتهادية “تعزيرية” غير منصوص عليها بوضوح في الأنظمة، و من بينهم “أصحاب الفكر الضال” كما تسمّيهم أجهزة الدولة أو المتطرفين دينيا…

 الفئة الضالّة أو بالأصحّ المتطرفون…

هؤلاء نسبة لا يستهان بها بين المعتقلين تعسفيا، و لأنهم الورقة المستخدمة من أجهزة الدولة لتبرير الاعتقال التعسفي فلا بد من تناول وضعهم بشيء من التفصيل، يأتي هؤلاء من خلفيات دينية صارمة، و مطالبهم تنحصر بالعادة في تمكينهم من تنفيذ الاحتساب -بشكله الاجتماعي غالبا أو السياسي نادرا- لتحويل معالم الدولة إلى النسخة الدينية الأقرب لرؤيتهم، منذ بداياتها واجهت السلطة مشكلات متعاقبة مع أصحاب هذا الفكر و غالبا ستستمر في المواجهة إن اتبعت نفس الأسلوب، البيئة الحاضنة و القابلة للتطرف الديني مستمرة في التعليم و الممارسات العامة، و الخطاب الرسمي يشجّع ممارسة و تداول الإرث الديني بلا نقد أو تمحيص عقلاني، و الدافع لدى السلطة مفهوم حيث تبقى أهم وظائف الدين ضمان اتباع الناس للسلطة كممثّلة للدين، و بالتالي انقياد الناس لأي سياسة عامة بلا نقد أو معارضة تذكر كتحريم التظاهر مثلا، التطرف بمعناه الحرفي هو الاندفاع و الاستماتة في ترويج و تطبيق منهج ديني أو سياسي بلا إعمال للعقل أو النقد، و هنا تتّضح أزمة السلطة في معالجتها للتطرف الديني، فهو أداة مفيدة لضمان الطاعة في أي سياسة عامة كالتدخل العسكري في البحرين مثلا بتبريرها بدوافع دينية، و في الوقت نفسه تتوقف السلطة عند عدم السماح للممارسة المتطرفة بالاكتمال، مطالبات المتحمّسين دينيا لا تتوقف عند الاحتساب الاجتماعي و لكن عند تطبيق مفاهيم الخلافة الراشدة بما تشمله من جهاد عسكري و تمكين للعلماء من النصيحة و الاحتساب العلني على الوزراء و الأمراء أيضا، فكيف تكيّف السلطة مشكلة التطرف في الوقت نفسه الذي تحافظ فيه على ورقة الدين الرابحة في إخضاع الناس؟ يكون ذلك بترويج متلازمة تجعل بقاء السلطة مرادفا لبقاء الدين، تصبح السلطة مقدّسة وفوق النقد و النصيحة سرية أو غير ضرورية، الاعتراض مسموح طالما سمحت به السلطة و مرفوض و مطارد طالما تعارض مع إرادة السلطة، و تبرز مع هذا الوضع الحاجة لفقهاء تتماشى فتاويهم و دعواتهم مع احتياج السلطة، و تبدأ هنا أزمة المتابعين في الثقة  في السلطة و العلماء المتحالفين معها، ملامح رفض الدولة و الشكّ في ممارساتها تكشفها الرمزية في خطاب المعتقلين و أسرهم: أرض الحرمين، حرائر و أحرار الجزيرة، فكّوا العاني و الأسير “و ليس المسجون”، و غيرها كثير…

المتطرفون في النهاية يمارسوا تحريضا شعبيا من منطلق ديني، الحل هو فسح قنوات التعبير عن الرأي و ضمانها حتى لا تتحول رغبات النصيحة/ الرأي إلى عنف مضاد، لا بديل عن السماح و القبول بحرية التعبير للجميع حتى تقابل الأفكار المتطرفة نقدا كافيا لمعادلتها و تحييدها،  و من المهم تأطير صلاحيات الدولة و صلاحيات المواطنين بلغة قانونية مفهومة حتى تصبح مرجعية اعتقال أي متعدّ على سلطة الدولة عادلة و واضحة، أما أن تتصرّف السلطة بحرّية مطلقة في اعتقال أي متطرف بلا مرجعية واضحة خوفا من عواقب لم تحدث بعد و بلا أي دليل قاطع على تخطيط يثبت تورّطه فلن يجلب سوى المزيد من الأسرى و المزيد من المتحوّلين لصفّهم…

 

السلطة في دولة ملكية مطلقة

السلطة المعنية بملف الاعتقال تشمل وزارة الداخلية ومن يتبعها إداريا، وزارة الداخلية منشأة ضخمة يتعاقب على إدارتها عددا من الأمراء مما يحصّنها ضد النقد، و تشمل عددا ضخما من إدارات الدولة و مفاصلها عدا اللجان الفرعية و المتداخلة في الإدارات المدنية و الوزارات الأخرى كعمادات الجامعات المختلفة مثلا، و من المهم هنا مراجعة ملامح الدولة البوليسية وهي الدولة التي تمارس تحكّما صارما و قمعيا بجوانب حياة الناس الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، وهي متلازمة للحكم الشمولي فلا يمكن تحت مظلته تحديد الفرق بين الأنظمة و بين سلطة النافذين السياسية و التنفيذية، فكلاهما مصدرا للتشريع و الممارسة الرسمية، تعميمات وزارة الداخلية مثلا تعلو على أنظمة الدولة أو تحلّ محلها و الشواهد كثيرة…

لاجدال أن السلطة المطلقة تهدد الأمن العام بذاتها، حتى لو آمنّا بأن السلطة تعمل للصالح العام تبقى منطقة من الغموض لا يمكن كشف فسادها في غياب الضمانات و القيود على السلطة، الإعلام و المنظمات الحقوقية المستقلة هي الأذرع الأهم لتسليط الضوء على مخالفات السلطة، والقوانين و الأنظمة هي ضمانات عدم الاستبداد و التعسف في استخدام السلطة لصلاحياتها، أيضا توظيف السلطة لبعض أطرافها للتأكد من تطبيق الأنظمة و عدالة المحاكمات لا يفيد، الجمعيات الحقوقية الحكومية على قدر إيماني بأمانة و مصداقية العاملين فيها و الشخصيات الإعلامية المحسوبة على السلطة لن تسهم في ترسيخ الثقة الشعبية بأداء السلطة، و الاستمرار في التصرّف بصلاحية مطلقة و بلا اعتراف بأحقية لعموم الناس في مراجعة الأداء الحكومي و التأكد من انضباطه سيخلق المزيد من الشائعات و الشك في مصداقية الدولة و اداءها، و لعل أهم ما يمكن للدولة أن تقدّمه في قضية المعتقلين أمنيا أن تسمح للوفود المستقلة بالتأكد من عدالة الاعتقال و انضباطه و القبول بنتائج البحث المستقل بلا تشويه أو هجوم، المقصد الأهم من تحقيق الأمن يتجاوز اعتقال المشبوهين إلى حيازة الثقة الشعبية في السلطة، السعودية تمرّ بمرحلة انتقالية هامة في تاريخها الأمني و تركيبتها السكانية لا تحتمل العلاجات التجميلية كلجان المناصحة و بناء المزيد من السجون و التجميل الإعلامي لأداء القائمين على السلطة…

أنظمة متجمّدة و صلاحيات فوق القانون

ليس هناك ما يدل على ضبابية الوضع القانوني مثل التهم التي تواجه المعتقلين: تعطيل التنمية، التأليب على ولي الأمر، التشكيك في نزاهة و تديّن كبار العلماء، وصم الحكومة بأنها دولة بوليسية، اتهام السلطة القضائية بالظلم، و غيرها على نفس الشاكلة…

لن يجد الباحثون أي تنصيص قانوني رسمي يبحث دلالات هذه التهم و عواقبها القانونية، غياب النص القانوني يمثل مرونة للسلطة في ملاحقة أصحاب الرأي و اختيار التهم الملائمة،  و حتى في حالات وجود نظام قانوني كنظام المرافعات الجزائية فهناك العديد من الشواهد التي تم فيها تجاوز النظام، صلاحيات التعزير للقاضي الشرعي أيضا متّسعة و غير مقيّدة بمرجع محدد، تمثّل هذه مشكلة كبيرة بالنظر لتعدد آراء الفقه الديني في الأثر و تعارضها في نفس الحكم أحيانا، و لا يطالب أي قاض بوضع مبررات متعارف عليها لإصدار الحكم، كما تعيد محكمة التمييز أي دعوى إلى نفس المحكمة البدائية لإعادة النظر فيها بواسطة القاضي نفسه في حلقة مفرغة يعاد فيها تدوير الحكم المختلف عليه بأيدي صانعيه…

حصل القطاع القضائي على دعم مادي كبير لتطوير المرافق و الآليات، إلا أن العنصر الأهم وهو الأنظمة و القائمين عليها لا يزال متواضعا بالنظر لتطور و تعقيد تركيب الدولة و تداخل مفاهيم حديثة التزمت بها الدولة كالتعبير عن الرأي و حقوق الإنسان مع مصطلحات شرعية كولي الأمر و البيعة و التعزير…

الحل الواضح هو توافق الأنظمة المحلية مع المعايير العامة محليا و دوليا في صياغة القوانين و الالتزام بها، و خلق آليات تضمن أمن المتهم في الضبط و الإحضار و التحقيق و الاعتقال، و ضمان عدالة المحاكمة بكل عناصرها بداية من أنظمة واضحة عادلة متوافقة مع معايير العدالة و مرورا بقضاة ذوي تأهيل قانوني و إنساني شامل و انتهاء بعلانية كافية تضمن سلامة إجراءات المحاكمة و التحقيق…

عدم وضوح الوضع السياسي و القانوني في ملف الاعتقال هو نتيجة مباشرة لسياسات الحكم المطلق و تغييب المواطن، الشفافية و المشاركة في صناعة القرار و تطوير أجهزة الدولة بما يضمن تحقيق مصالح المواطن هي المخرج الوحيد ليس فقط لأزمة الاعتقال و لكن لمعظم أزماتنا السياسية و الاجتماعية، ضريبة التعامل الأمني المستمر مع المشكلات أكبر من قدرتنا على احتوائها، عندما صرّح خالد الجهني للإعلام قبل اعتقاله بقليل أننا نعيش في سجن كبير كان يقصد ضريبة الأمن التي يدفعها: أن تأكل و تشرب و تحصل على العلاج في مقابل مصادرة حريتك، ماهي الفائدة التي جناها المجتمع من اعتقاله لسنة و أكثر في مقابل رأي سلمي ألقاه؟أي مصلحة يجنيها المجتمع من اعتقال صاحب رأي سلمي و ترك العابثين بمصالح الناس الاقتصادية و الاجتماعية أحرارا بلا أي مساءلة؟  أيهما يحتاج المجتمع لعزله؟ السؤال مطروح لكل من يراقب ملف الاعتقال…

هذه التدوينة جزء من حملة #مدونة_اعتقال

لماذا لا يتغيّر المجتمع: الميل لتبرير النظام

هذه التدوينة مترجمة عن تدوينة منشورة في مدونة علم النفس، الرابط بالأسفل

 

 

“تميل المجتمعات للمحافظة على تقاليدها.  التمرّد هو ردّ فعل متباعد نتيجة للمعاناة في تاريخ الإنسانية: لدينا حالات لا نهائية لشعوب خاضعة في مواجهة الاستغلال من حالات التمرّد على السلطة”—زن، 1968

هل تساءلت يوما لماذا يبدو من الصعب على المجتمع أن يتغيّر؟ أعتقد أن أغلبنا فكّر في هذا السؤال…

واحدة من الإجابات هي أن البشر لديهم نزوع فطري للحفاظ على الوضع الراهن.  البشر يفكرون هكذا طيلة الوقت.  يميلون لمسايرة ما يألفونه و يعرفونه أكثر من المخاطرة بالسير نحو خيار غير مألوف و مجهول…

يشعر الناس بالأمن في الإطار الذي يعيشون بداخله في مقابل خطر المجهول.  و هذا جزئيا يفسّر لم يقبل الناس على شراء نفس الأشياء التي اعتادوا شراءها من قبل، أو ارتياد نفس المقاهي و المطاعم، أو التمسّك بنفس الأفكار و القناعات…

هذا السلوك الإنساني يدعى “الميل لتبرير النظام” و ينتج عنه عواقب متناقضة كما يفسرها البحث العلمي1 و كما شرحها جوست و زملاءه بالعام 2004:

  • الفقراء لا يدعمون بقوة الآراء السياسية التي من شانها إصلاح أوضاعهم.  وجدت استطلاعات الرأي أن محدودي الدخل لم يختلفوا عن الأثرياء في دعم سياسات الضرائب التي من الممكن أن تزيد من دخلهم.  و بشكل عام فإن القناعات السياسية التي يحملها الناس لا تتفق مع أوضاعهم و مداخيلهم في مجتمعاتهم.
  • و للغرابة، كلما زاد حرمان الأشخاص من حقوقهم كلما زاد احتمال دعمهم لنظام لا يدعم مصالحهم.  هذا يعود إلى “التنافر المعرفي”2.  في مثال لهذا من الولايات المتحدة الأمريكية، تثق جماعات محدودي الدخل من اللاتينيين بمسؤولي الحكومة أكثر مما يثق بها اللاتينيون من أصحاب المداخيل المرتفعة.
  • أما أكثر الأشياء إثارة للقلق: كلما ازدادت مظاهر عدم المساواة في المجتمع  كلما ازداد ميل الأشخاص لتبرير النظام.  مثلا في البلدان التي يحمل فيها الرجال تحيزا أكبر ضد النساء يزيد دعم النساء للنظام.

يبدو أن البشر يميلون لتبرير عدم المساواة في الأنظمة، مثل الاعتقاد بأن الفقراء هم هكذا لأنهم لا يعملون بجد كاف، أو أن الأغنياء يستحقون الثراء الذي حصلوا عليه، و بشكل لايصدّق، فإن هذا يعني أن بعض (و ليس كلّ) الديوك الرومية ستستمر في انتخاب موسم الكريسماس…

مأخوذ عن مدونة علم النفس:

http://www.spring.org.uk/2012/07/why-society-doesnt-change-the-system-justification-bias.php

  1. نظرية “التبرير الاجتماعي” تقوم على الفرضيات التالية:
  • هناك دافع فكري لتبرير الترتيب الاجتماعي الهرمي الموجود بمجتمع ما
  • هذا التبرير مسؤول بشكل جزئي عن ترسيخ الإحساس بالنقص في الأفراد المنتمين لجماعات مهمّشة
  • هذا السلوك يظهر من الأفراد بشكل ضمني و لا واع
  • بشكل غير مفهوم، يكون هذا السلوك أقوى ما يكون عند الفئات الأكثر تعرّضا للإيذاء بسبب الفرق في المكانة الاجتماعية

2. مفهوم “الوعي التنافري”  يعود إلى تجربة نفسية اجتماعية قام بها فيستنجر و كارل سميث في العام 1959 بهدف معرفة ما نقوله لأنفسنا حتى نبرر سلوكياتنا و تفكيرنا.  التجربة ممتلئة بالخداع المتعمد للمشاركين و تم أداءها في العام 1959 في جامعة ستانفورد على طلبة البكالوريوس.

كجزء من المقرر الدراسي كان على الطالب المشارك أن يقوم بالتجربة بهدف “قياس الأداء” لمدة ساعتين في كل مرة.   بداخل معمل التجارب يخبر الباحث الطالب المشارك أن الهدف هو قياس تأثير توقعات الطالب على تجربته.   هناك مجموعتين من المشاركين، مجموعة يتم تهيئة أفرادها لتعرف مسبقا بواسطة مشارك قبلها بما يمكن أن تتوقعه من التجربة، و مجموعة لم تعط أي معلومات أو توقعات عن التجربة.

يسأل الباحث الشخص المشارك أن يقوم بتحريك بعض البكرات في صندوق لمدة ساعتين، في النهاية يشكر الباحث المشارك و يخبره بأن العديد من الأشخاص وجدوا التجربة ممتعة، و يطلب الباحث من المشارك أن يقوم بإخبار الشخص القادم بعده –من المجموعة التي ستمنح بعض المعلومات- أن التجربة ممتعة بالفعل في مقابل دولار واحد و ربما بعض المشاركات الأخرى في المستقبل.  في غرفة أخرى يتم عمل مقابلة مع المشارك الأول بعد انتهاءه من المشاركة حول رأيه في التجربة.

تظهر خدعة أخرى في التجربة عندما يظهر للمشارك الأول أن المشارك الذي يليه قد تلقّى مبلغ 20 دولار و أنه أعطى أسوأ تقييم للتجربة بعد انتهائها لأنها مملة.

تهدف التجربة لمعرفة كيف يعالج الإنسان فكرتين متعارضتين مع بعضهما: أن يعتقد شخص بأن التجربة مملة و مع ذلك يمنح دولارا لإخبار مشارك بعده بأنها كانت ممتعة.  و نشأت بعد التجربة نظريات متعددة لتفسير تعامل الإنسان اليومي مع الأمور المتناقضة.  مورتون هنت أورد بعض الأمثلة في “قصة علم النفس”:

عند محاولة الانضمام لمجموعة ما، كلما ازدادت صعوبة الدخول كلما زادت قيمة و أهمية العضوية، و لتفسير التناقض بين العوائق الكثيرة التي قد يضطر الإنسان لمواجهتها للانضمام لمجموعة ما في مقابل بساطة المجموعة  الفعلية أو انعدام قيمتها للشخص، يجنح الإنسان لتبرير الأمر بأن الانضمام للمجموعة كان في الواقع ممتعا.

يفسّر الناس نفس المعلومات بمعان مختلفة تماما حتى يدعمون رؤيتهم الخاصة للعالم.  عندما نقرّر رأينا في مسألة متفق عليها فإننا نميل لتجاهل ما يناقض راينا و التركيز على كل ما من شأنه تدعيم رأينا.

تميل الناس لتعديل آرائهم لتتفق مع سلوكياتهم حتى عندما تكون في جوهرها غير أخلاقية، فالسارقين من رؤسائهم سيبرروا لأنفسهم عملهم بأن الجميع يفعل ذلك أو أن الموظفين لا يجنون ما يكفيهم من الأموال و بالتالي يستحقون ما يسرقونه.

هناك عدد كبير من التصرفات التي يمارسها الناس بسبب “الوعي التنافري” عبر التفكير في تبريرات لا نهائية لسلوكهم.  الانتباه لهذا الأمر يجعلنا نتجنب السقوط ضحية لأسوأ عاقبة لهذا الوضع: تصديق الأكاذيب التي نخدع بها أنفسنا.

http://www.spring.org.uk/2007/10/how-and-why-we-lie-to-ourselves.php

الدكتور محمد الركن و اعتقال دعاة السلام

أتى خبر اعتقال الدكتور محمد الركن المدافع عن حقوق الإنسان و المحامي البارز من الإمارات مفاجئا للكثيرين، ليس ذلك لظروف الاعتقال المؤلمة و لكن للدور الإنساني الهام للدكتور كأحد أهم المدافعين عن حقوق الإنسان في دول الخليج العربي و المنطقة، يعرف الكثير من النشطاء الدكتور كأحد المؤسسين للعمل الحقوقي في منطقة الخليج و على الأخص بعد ترؤسه مؤخرا لمجلس إدراة مؤسسة مد الجسور للتدريب على الحقوق، الدكتور الركن هو أحد أبرز القيادات القانونية في المنطقة عمل أستاذا و رئيسا لقسم القانون و تخصص في القانون الدستوري و التجاري و حافظ على روح العدالة و منهج حقوق الإنسان عبر تبنيه لعدد كبير من قضايا معتقلي الرأي و المطالبين بالإصلاح، و للعاملين في المجال الحقوقي يمثّل الدكتور الركن إلهاما و رمزا كبيرا في النضال السلمي، تمتزج في شخصيته قيم العدالة و ثقافة القانون الشرعي و الدولي و أصالة إنسان الخليج البسيط بتواضعه و قيمه النبيلة، و بالنسبة لي يعكس الدكتور عبر روح دعابته اللطيفة أكثر الشخصيات سلمية و تسامحا و قبولا في الوسط الحقوقي الخليجي  …

يأتي اعتقال الدكتور في سياق حملة اعتقالات نشطة تقوم بها سلطات دول الخليج مؤخرا ضد عدد من النشطاء كجزء من سياسة عامة للتحكم بالانتقادات المطالبة بعمليات إصلاحية واسعة و شاملة في دول الخليج،  أسقطت الإمارات في وقت سابق الجنسية عن سبعة من المطالبين بالإصلاح من المواطنين، و على إثر ذلك تبنى الدكتور الركن -كجزء من رسالته كمحام بارز في الحقوق المدنية و داعية لحقوق الإنسان- حملة وطنية و عالمية للدفاع عنهم، و توالى ظهوره الإعلامي و تنسيقه مع الناشطين في الإمارات و غيرها للمساعدة في إعادة الاعتبار للمواطنين السبعة و ترسيخ النهج الحقوقي و القانوني في تعامل الدولة مع مطالب النقد و الإصلاح، قبل بضعة أيام أرسل الدكتور بريد إلكتروني يحوي خبرا إعلاميا عن عزم الحكومة الإماراتية توجيه اتهام لمجموعة من المعتقلين الإماراتيين بتهم تمسّ أمن الدولة و أعرب عن قلقه من أن تكون مجموعة الإصلاحيين من موكّليه هي المستهدفة و المقصودة بهذا الاتهام الخطير، تم اعتقال الدكتور مباشرة بعد إرساله للبريد الإلكتروني بيوم واحد، و أتى خبر اعتقال سالم الشحي وهو محام إماراتي من المدافعين عن حقوق الإنسان بعد خبر اعتقال الدكتور بوقت قصير،  و تمّ اعتقال الشحي بعد ذهابه لمقر الأمن و استفساره عن موكليه الدكتور الركن و المنصوري…

 ما يتعرض له النشطاء و المطالبين بالإصلاح من منع للسفر و توقيف و اعتقال و تضييق في المعيشة  و أحكام جائرة بهدف تثبيط الهمم و زرع التخويف هو جزء من سياسات عامة لا يبدو انها تضع في الاعتبار  التأثير السلبي و المعاكس لدى عموم النشطاء و الناس، فلا يبدو أن الحراك العربي ترك تأثيرا في السياسات العامة لدول الخليج، التعامل الأمني الصارم و تكميم الأفواه و الأشخاص عبر الاعتقال و الحبس و التخويف لم يعد مجديا في عصر الشبكات الاجتماعية و اعلام المواطن، و على الأخص في الوقت الذي لم تعد فيه الحقوق الإنسانية مجرد شعار يزيّن الخطابات الرسمية للمسؤولين، غضب الشارع العربي على وفاة أحد النشطاء في مصر أثناء اعتقاله أو على كرامة أهدرها جهاز الأمن لن يتوقف عند حدود جغرافية ثرية و لا أمنية، لا يستهدف الدولة ووحدتها و أمنها شيء أسوأ من سياسات القمع، الحرية لمحمد الركن…

كيف يمكن لكم مساعدة الدكتور محمد الركن؟ بالكتابة مباشرة إلى رئيس وزراء الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم و نائبه الشيخ سبف بن زايد آل نهيان و وزير العدل الدكتور جوعان الظاهري، نص الرسائل موجود بالرابط، كما يمكن لكم الترويج لمدونة الدكتور الركن على صفحاتكم الاجتماعية و بريدكم الإلكتروني، و هي تحوي كافة المعلومات المتعلقة بالدكتور محمد الركن و أخبار اعتقاله المنشورة عالميا و محليا…

إضافة في 11 أغسطس 2012

ترجمة لمقال الإيكونومست بواسطة د. حمد العيسى

مقاربة أولية بين الثورات العربية و العالمية


ثمة إجحاف كبير في مقاربة الثورات العربية مع غيرها من الثورات التي عرفها العالم، لا سيما الثورات الأوروبية، ومن ناحية الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومع ذلك يمكن المجازفة بالقول إن مثل هذه المقاربة قد تبعث على الإعجاب بتلك الثورات المستحيلة والمدهشة التي اندلعت فجأة في بعض البلدان العربية، وعلى عكس كل التقديرات، والتي اكتسبت خصوصيّتها وفرادتها من انطلاقها من نقطة الصفر تقريبا، إذ لم تكن ثمة انتفاضات أو هبّات أو حراكات ممهّدة لها، كما لم يحرّكها نمط من مثقفين ثوريين ولا طبقة اجتماعية محدّدة ولا حزب بعينه، كما حدث في التجارب الأخرى.

وفوق كل ذلك فإن هذه الثورات جاءت من دون الاستناد إلى برامج معدّة أو نظريات معروفة، ورغم الحرمان التاريخي من السياسة ومصادرة الحريات والتحكّم المطلق في البلاد والعباد، أي بخلاف كل التجارب الثورية المعروفة.


الثورات العربية قامت من أجل إسقاط أنظمة الاستبداد والفساد، الأمر الذي تمّت ترجمته في مقولة “الشعب يريد إسقاط النظام”، وفي رفع الشعارات المتعلقة باستعادة الحرية والكرامة والعدالة

لكن ما الذي ألهم الثورات العربية إذاً؟ واضح منذ البداية، أي من المحطّة التونسية، أن هذه الثورات قامت من أجل إسقاط أنظمة الاستبداد والفساد، الأمر الذي تمّت ترجمته في مقولة “الشعب يريد إسقاط النظام”، وفي رفع الشعارات المتعلقة باستعادة الحرية والكرامة والعدالة لعامة الشعب.

وبالمحصلة فقد قامت هذه الثورات، على نواقصها وثغراتها ومشكلاتها، بعمل تاريخي عظيم، أولاً، بإحداثها القطيعة التاريخية الضرورية والمطلوبة مع النظم السياسية الاستبدادية السائدة في معظم البلدان العربية منذ عقود، مما يعني أن الأحوال السياسية بعد الثورات لن تكون كما قبلها البتّة. ثانياً، إن هذه الثورات جلبت الشعب إلى مسرح التاريخ، وهو أمر يحدث لأول مرة في التاريخ السياسي لهذه المنطقة، وهو أمر على غاية في الأهمية وسيكون له ما بعده. ثالثاً، ثمة مأثرة لهذه الثورات تتمثّل في أنها فتحت المجتمعات في البلدان العربية على ذاتها، كي تتعرّف على اختلافاتها ومشتركاتها، وعلى التنوّع والتعددية الكامنين فيها، بعد طول انغلاق، كانت النظم التسلّطية غذّته بسيطرتها الشمولية على الدولة والمجتمع، رغم كل ما يبدو من سلبيات ومشكلات وتخوّفات تحيط بهذا الانفتاح.

الآن، وعلى ضوء الخصوصيات التي ذكرناها، وعلى ضوء ما يجري من تعثّرات في مصر وليبيا واليمن مثلاً، ربّ قائل إن هذه الثورات تعاني من نواقص ومشكلات وتحدّيات كبيرة وصعبة ومعقّدة، وإن هذه الثورات، التي استطاعت إسقاط عديد من الأنظمة السياسية، لا تبدو قادرة على بناء نظام سياسي جديد يليق بالتضحيات التي قدّمتها ويتناسب مع حاجات المجتمع، ويتلاءم مع الحداثة السياسية والتطورات الدولية.

أيضاً، ربّ قائل إن القوى التي أطاحت بالنظم الاستبدادية لا تبدو متوافقة على حدود، أو على معنى الديمقراطية التي ينبغي إرساؤها لإدارة الدولة والمجتمع والعلاقات بين المواطنين، وهذا ما يتجلّى في تغييب قيمة الحرية في العملية الديمقراطية، وفي المعركة على مضامين الدستور.

أخيراً، ربّ قائل إن هذه الثورات، التي كسرت حال الانغلاق في مجتمعاتها، تواجه محنة الاستقطاب الهويّاتي، على خلفية بروز العصبيات الدينية والإثنية والعشائرية والمناطقية. مع العلم أن هذه العصبيات كان جرى الاشتغال على تكريسها والتحكّم فيها والتلاعب بها طوال العقود الماضية، بدلاً من حلّها أو تجاوزها، عبر تشكيل الهوية الوطنية الجمعية، على أساس مدني، وعلى قاعدة المساواة بين المواطنين الأحرار.

لكن ماذا يعني ذلك؟ أو إلى أين سنصل من هنا؟ هذا يعني أن الثورات العربية لن تنهي المهمات المتوخّاة منها على أكمل وجه أو بالشكل المتخيّل أو المأمول، وأن العملية الثورية التي انفتحت في بعض بلدان هذه المنطقة، وبسبب من خصوصيّتها، قد تحتاج إلى مسار تاريخي طويل ومضني، وأنها قد تتعرّض إلى مشكلات وتراجعات ومقاومات، ليس من قبل قوى النظام القديم فحسب، وإنما بسبب التجاذبات الجديدة التي لابد أن تتشكّل مع قيام النظام الجديد، المتشكّل بعد الثورة، أيضاً.

يجدر لفت الانتباه هنا إلى أن كل ما ذكرناه لا ينبغي أن يبعث على التشاؤم، ولا يأتي من قبيل التقليل من أهمية الثورات الحاصلة، أو ضرورتها أو شرعيتها أو عدالتها، وإنما الغاية المرجوّة منه تتحدّد في لفت الانتباه إلى حقيقة مفادها أن الثورات ليست بمثابة عملية انقلابية، سطحية، وجزئية، وسريعة. والحقيقة أنها ليست كذلك إلا بالنسبة لاجتثاث السلطة السياسية القديمة، أما نسبة إلى عملية تغيير البنى والعلاقات والمفاهيم (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، التي تم تكريسها عبر قرون أو عقود، فهي تحتاج إلى زمن يقدّر بعديد من السنوات، لا إلى مجرّد فترة زمنية تقدّر بعدّة أشهر.

هذا ما تعلّمه تجربة الثورات التي جرت عبر قرون في عديد من البلدان، ولا سيما تجربة الثورات في البلدان الأوروبية وفي المستعمرة الأميركية (السابقة)، التي استمرت كل واحدة منها عقودا من الزمن، والتي صاحبها إسقاط سلطات وإقامة أخرى، وتخلّلها قمع ومحاكم تفتيش وصراعات وحروب أهلية وخارجية.

فهذه ألمانيا، مثلاً، احتاجت بعد ثورة الإصلاح الديني، التي اندلعت في القرن السادس عشر، إلى ثورة ثانية في العام 1848، بغرض التخلّص من الحكم الملكي، بعد التخلص من الاستبداد الكنسي، وإقامة الدولة القومية، وتعزيز الحريات السياسية.

مع ذلك فإن هذه الثورة لم يكتب لها النجاح أيضاً بسبب تدخّل الدول المجاورة وعدم التوافق الداخلي، مما أدى إلى عودة القوى الأرستقراطية إلى الحكم، وهو الوضع الذي مهّد لمجيء بسمارك وإقامة الدولة القومية الألمانية.

أيضاً، ففي الفترة بين 1918 و1933 أقيمت جمهورية “فايمار” بعد ثورة أطاحت الحكم القيصري، لكن هذه الحقبة انتهت بكارثة على ألمانيا وعلى أوروبا كلها، مع صعود هتلر وتولّي الاجتماعيين القوميين (النازيين) السلطة، وهي حقبة انتهت بهزيمة الفاشيّة وانقسام ألمانيا إلى دولتين، إلى حين تحقّق انهيار جدار برلين (1989) وتحقيق حلم ألمانيا الواحدة التي باتت بمثابة قاطرة للوحدة الأوروبية السياسية والاقتصادية.

أما في إنجلترا، فقد احتسبت الحرب الأهلية التي استمرت سبعة أعوام (1642-1649) كثورة، إذ نجم عنها إعدام الملك شارل الأول والتحوّل نحو الجمهورية، لكن هذا الأمر لم ينجح مع كرومويل، الذي يفترض أنه ثار ضد استبداد ملك إنجلترا، والذي حاول أن يجعل من نفسه دكتاتوراً جديدا، فألغى البرلمان، وقسّم البلاد بين جنرالات الجيش، مما يذكّر بما يجري في مصر هذه الأيام.

وعلى أية حال فقد اختطت عملية الإصلاح والتغيير، فيما بعد، وجهة أخرى: دستورية وسلمية وتدريجية، لاسيما أن السلطة الملكية عاضدت ثورة الإصلاح الديني بسبب مصلحتها في وضع حدّ لنفوذ السلطة الروحية، وفيما بعد استطاعت البرجوازية الإنجليزية تحقيق التحولات المطلوبة وتحويل الملكية المطلقة إلى ملكية دستورية برلمانية منذ أواخر القرن الثامن عشر، ومع إنشاء المملكة المتحدة.

وبالنسبة للثورة الأميركية، ومع أنها كانت موجهة لتحقيق الاستقلال عن “التاج البريطاني” (وهو ما حصل في 1783) إلا أنها كانت أكبر وأخطر من ذلك بكثير، إذ نتج عنها إقامة الولايات المتحدة الأميركية كدولة ديمقراطية على أساس فدرالي وعلى قاعدة فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية (كما جاء في دستور 1787).

لكن الولايات المتحدة هذه احتاجت بدورها إلى حرب أهلية (بين الشمال والجنوب) لإلغاء نظام الرقّ، وهي حرب استمرت عدة أعوام (1860-1865)، وتكلّفت مقتل 620 ألف جندي ومدني، نصفهم هلكوا بسبب ما جرّته الأحداث من خراب ومجاعات. كما احتاجت إلى ثورة أخرى تمثلت هذه المرّة بثورة مواطنيها السود ضد التمييز العنصري (1954 و1968) من أجل الحقوق المدنية والمساواة، وهي الثورة السلمية التي قادها بشجاعة مارتن لوثر كينغ، مدعوما بعشرات الملايين من الأميركيين السود.


تعتبر الثورة الفرنسية، وشعاراتها “الحرية والإخاء والمساواة”، (1789-1799) أيقونة الثورات الأوروبية، كون تأثيراتها عمّت القارة وشمل إشعاعها العالم

وتعتبر الثورة الفرنسية، وشعاراتها “الحرية والإخاء والمساواة”، والتي استمرت وقائعها عشرة أعوام (1789-1799) أيقونة الثورات الأوروبية، كون تأثيراتها عمّت القارة وشمل إشعاعها العالم. وقد ابتدأت هذه الثورة بإلغاء الملكية المطلقة، والامتيازات الإقطاعية للطبقة الأرستقراطية، والنفوذ الديني الكاثوليكي، وتوحيد السوق الوطنية، ووضعت أسس الديمقراطية السياسية وأعلنت حقوق الإنسان، وأقرّت الزواج المدني.

لكن هذه الثورة شهدت اضطرابات شديدة إذ عرفت ثلاثة أنواع من الحكم في سنوات معدودات، أولها الملكية الدستورية (حيث تم تقييد سلطة الملك)، وثانيها إقامة نظام جمهوري متشدّد بعد أن تم تنفيذ حكم الإعدام بالمقصلة بالملك لويس السادس عشر (1893)، وثالثها، سيطرة البرجوازية على الحكم، حيث استعانت بعدها بالضابط نابليون بونابرت الذي قام بدوره بتتويج نفسه إمبراطورا فيما بعد. وعموما فقد احتاجت فرنسا إلى عديد من الثورات (1848 و1870) كي تنصّب نفسها كدولة ديمقراطية ليبرالية، فضلا عن العديد من الحروب التي خاضتها خارج أراضيها للدفاع عن ثورتها.

أما الثورة الاشتراكية في روسيا فقد بدأت ممهّداتها في ثورة 1905 التي لم تلق النجاح بسبب قمعها من قبل السلطة القيصرية، وبسبب خلافات القوى المشتركة فيها. وقد لزم الروس بعدها 12 عاماً حتى تقوم ثورتها الاشتراكية، التي نجحت بسبب تحطم الجيش الروسي في الحرب العالمية الأولى، وبسبب تآكل الحكم القيصري.

ومع كل ذلك فإن هذه الثورة تمخّضت عن ثلاث مراحل، أولاها، تمثّلت بنوع من ازدواجية السلطة بين الحكم القيصري وقوى الثورة. وثانيتها تمثلت بإسقاط الحكم القيصري نهائيا (1917)، في حين تمثلت المرحلة الثالثة بحرب أهلية استمرت زهاء خمسة أعوام، ونجم عنها مصرع مليوني مواطن، وبهذا المعنى فهي ثورة دموية عنيفة مثلها مثل الثورة الصينية.

وعلى صعيد مضامينها الثقافية والفكرية، فإن التجربة الثورية في الدول الأوروبية تختلف تماماً عن تجربتنا، كونها سليلة ثورات الإصلاح الديني وتحرير العقل، كما سبق أن ذكرنا، وقد سهّل ذلك الاكتشافات الجديدة في مجال العلوم والتكنولوجيا وظهور المدن والثورة الصناعية ونمو الأسواق القومية وظهور البرجوازية كطبقة في ذاتها ولذاتها، وهي أمور لم تحصل عندنا بعد.

هكذا ففي ظل تلك المناخات والتطورات استطاعت العلمانية أن تفرض نفسها، في السياسة والثقافة والمجتمع، كمذهب يترتب عليه فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية، وعدم تسييس الدين أو تديين السياسة، وفق شعار: “الدين لله والوطن للجميع”، وهو أمر ما زال موضع أخذ وردّ في مجتمعاتنا، وفي محاولات صوغ الدساتير اللازمة لبلداننا.

بعد ذلك، أي بعد العلمانية والعقلانية، عرفت أوروبا الثورات السياسية التي تتوخّى الاعتراف بالحريات الفردية وبالمجال الخاص للفرد، وهي التي تكثّفت في ما يعرف بالمذهب التحرّري (الليبرالي). ويترتّب على هذه المسألة في السياسة تعريف المواطن، على أساس مدني، لا ديني ولا إثني ولا عشائري، مما يضمن الاندماج المجتمعي والمساواة أمام القانون ونشوء هوية وطنية جمعية. كما ينجم عن ذلك اعتبار الدولة واسطة عقد اجتماعي بين مواطنين أفراد متساويين، لا بين جماعات متمايزة ومختلفة ومتنافسة، أو متنازعة. وعلى الصعيد الفردي ينجم عن ذلك الاعتراف بالحريات الشخصية، بما فيها حرية الرأي والتعبير، والمشاركة السياسية، واحترام الخصوصية الفردية.


الديمقراطية عندنا تبدو ناقصة، أو غير ناضجة، أو مختلفا عليها، والسبب يكمن في ضعف أو تشوّش مفاهيم الحرية والفردية فيها، على عكس وضعها في أوروبا

هكذا يمكن التمييز في التحقيب للأفكار الثقافية والثورات السياسية في أوروبا، حيث جاءت حركات الإصلاح الديني والنزعة العلمانية أولاً (في القرن السادس عشر)، ثم حقبة العقلانية، متلازمة مع الليبرالية، مع ديكارت وكانط وهيغل، ومع لوك وروسو وستيوارت مل (بين القرن السابع عشر والتاسع عشر)، وصولاً إلى حقبة الدولة الديمقراطية الليبرالية، التي بدأت ملامحها في الظهور منذ أواخر القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن العشرين.

ولعل هذا التحقيب للثورات، ومضامينها الفكرية، يفسّر عدم وجود تعارض بين العلمانية والليبرالية، أو بين الليبرالية والديمقراطية، في التجربتين الأوروبية والأميركية، ذلك أن العلمانية جرى تضمينها في الليبرالية، في حين وجب تحقيق التلازم بين الليبرالية كنظرية في الحرية الفردية، وفي إعلاء شأن الإنسان واعتباره قيمة مطلقة، وبين الديمقراطية، كنظرية في السياسة وكطريقة حكم وإدارة للمجتمع والدولة.

هذا ما يفسّر أن الديمقراطية عندنا تبدو ناقصة، أو غير ناضجة، أو مختلفا عليها، والسبب يكمن في ضعف أو تشوّش مفاهيم الحرية والفردية فيها، على عكس وضعها في أوروبا. وبديهي أن الحلّ يكمن في تحقيق التلازم بين الديمقراطية والليبرالية، وتأسيس المجتمعات على أساس المواطن باعتباره الوحدة الأساسية في المجتمع، لا الجماعات الدينية أو الإثنية، وإعلاء شأن الحريات الفردية في الدساتير، فهذا وحده ما يضمن تخليص مجتمعاتنا من واقع التسلّط والاستبداد والفساد، ومن سياسات الهويات المغلقة والمتناحرة والمتنازعة والمتمايزة، ومن شبهات تسلط أكثرية ما على أقلية ما.

وقصارى القول ثمة للثورات الشعبية الحاصلة في بعض بلداننا عديد المشكلات والنواقص والمخاوف والتحديات، لكنها مع ذلك بمثابة طريق لا بد من ولوجه لكسر حلقة الاستعصاء التي يمثلها الاستبداد، من أجل الدخول في التاريخ،

وقيام المواطن والمجتمع والدولة حقّاً في البلدان المعنية، هذا ما تقوله تجارب الثورات التي حدثت عبر التاريخ.

مأخوذ عن: الجزيرة نت (http://www.aljazeera.net/pointofview/pages/e18dbe0a-23e9-4fcd-84e2-763a2a0d443d)

حول ضرورة العلمانية

كتب بقلم: محمد محمود

 عن: الأوان لثقافة علمانية عقلانية (الموقع محجوب بداخل السعودية)

قضية العلمانية هي قضية الساعة في العالمين العربي والإسلامي وخاصة بعد ثورات الربيع العربي والانتصارات الانتخابية الأخيرة الكاسحة للحركة الإسلامية في تونس ومصر. ورغم الانحسار البادي في حركة العلمانيين وضعف حضورهم الفكري والسياسى في البلاد الإسلامية، إلا أن ضرورة العلمانية وقوة الحجة العلمانية وسلامتها لم تتأكد مثلما تتأكد اليوم على ضوء مجموع تجارب هذه البلاد وواقع الانحطاط والتخلف الذي تعيشه والذي يلعب الإسلام دورا أساسيا في تشكيله وعيا واستجابة.

[1]

نشأت العلمانية، كما هو معروف، في سياق الصراع بين الدولة القومية والكنيسة في أوربا. ولقد كانت الشرارة التي أشعلت هذا الصراع هي التمرد الرافض الذي قاده القس مارتن لوثر في بداية القرن السادس عشر ضد الكنيسة الكاثوليكية وفسادها، وكانت هذه بداية حركة الإصلاح الديني التي لم تقسم الكنيسة فحسب وإنما قسمت أوربا نفسها إلى أوربا كاثوليكية وأوربا بروتستانتية. ولقد أدّى هذا الانقسام، علاوة على أسباب أخرى، للحرب التي عرفت بحرب الثلاثين عاما والتي استمرّت من عام 1618 إلى عام 1648، وهي حرب ذاق فيها الأوربيون ويلات وفظائع فادحة وعظيمة. وعندما انتهت الحرب بتوقيع اتفاقية صلح ويستفاليا (Westphalia) (منطقة في ألمانيا) كانت أوربا قد تعلمت درسا هاما وهو ضرورة إبعاد الكنيسة عن شئون الدولة والحكم. ودخلت كلمة ”علمنة“ (secularization) لأول مرة في القاموس السياسي عندما استعملها الموقعون على الصلح لتدلّ على عملية نقل المناطق التي كانت خاضعة للسلطات الكنسية لسلطات جديدة غير كنسية. وكانت هذه العملية التي عبّرت عنها كلمة علمنة هي الأساس لبزوغ العلمانية (secularism) كموقف فكري يدعو لفصل الدين عن الدولة.

هذا التاريخ الأوربي ما لبث أن تداخل مع تاريخ المسلمين لأن المسلمين كانوا فعليا جزءا من أوروبا وقوة استعمارية ذات حضور وخطر منذ عام 1453 عندما سقطت القسطنطينية في يد الأتراك العثمانيين. ولقد أعقب سقوطَ القسطنطينية تمددٌ إسلامي بلغ ذروته عندما هيمن العثمانيون على أواسط أوروبا ووقعت البلقان واليونان والمجر تحت سيطرتهم ووصل جيشهم أعتاب فيينا عام 1529. وكان من الطبيعي أن تدفع الدولة العثمانية ثمن نجاحها في أوروبا إذ أصبحت قوة أوروبية تؤثر في أوروبا وتتأثر بما يحدث في أوروبا. وفي هذا السياق الكبير ما لبثت الدولة العثمانية ذات الإيديولوجية الإسلامية المرتكزة على الشريعة أن اصطدمت بالتحولات العلمانية التي عصفت بأوروبا.

ولقد واجه العثمانيون أزمة مرجعيتهم الدينية في إطار أزمة كبرى هي التحدي السياسي والعسكري المتمثل في مطامح القوى الاستعمارية الأوربية التي أرادت إضعاف إمبراطوريتهم واقتسامها. وكان من الواضح للعثمانيين منذ بدايات القرن التاسع عشر أن نظام الملل القروسطي الذي وزّع مواطني الإمبراطورية العثمانية حسب أديانهم وطوائفهم لم يعد يفي بطموحات ومطالب الواقع الجديد الذي خلقته تحولات أوروبا. وكان لا بدّ لهم من مواجهة التحدي والاستجابة له. ولقد كانت استجابة العثمانيين استجابة حكيمة ومرنة وواقعية إذ شرعوا بإدخال إصلاحات قانونية وإدارية جذرية، وهي الإصلاحات التي عُرِفت بالتنظيمات وانتظمت الإمبراطورية من عام 1839 إلى عام 1876. وفيما يتصل بالشريعة فإن حركة التنظيمات لم تحجم عن إلغاء الكثير من أحكامها ومظاهرها التي تتعارض مع روح العصر. وهكذا ألغيت في عام 1840 عقوبتا الرجم وقطع اليد، وألغي الرق وتجارته في عام 1847، وفي عام 1858 ألغي حد الرِّدّة. واحتذى العثمانيون حذو أوروبا في أمر آخر هام وذلك عندما تبنوا فكرة المواطنة (وهذه كانت من أكبر ثمرات التحوّل العلماني في أوروبا) فألغوا مظاهر تمييز الشريعة ضد غير المسلمين، والتي كان أبرزها الجزية، وساووا بين المسلمين وغير المسلمين في الشهادة وسمحوا لغير المسلمين بدخول الجيش. ولقد حاولت حركة العثمانيين الجدد، وهي حركة ترجع نشأتها لعام 1865 وشكّلها مثقفون تأثروا بأفكار الثورة الفرنسية والفكر الدستوري، إصلاح بنية النظام السياسي ليصبح نظاما ملكيا دستوريا ذا مجلس برلماني. ونجح العثمانيون الجدد في إقناع النظام بإدخال قانون أساسي عكس قناعاتهم الدستورية. إلا أن هذا النجاح كان قصير الأمد إذ ما لبث أن تحرّك السلطان عبد الحميد الثاني ضد هذه الإصلاحات وعطّل أول برلمان عثماني عام 1878.

[2]

وعلى ضوء هذا الواقع التاريخي يتّضح لنا بطلان الصورة التي يرسمها المفكرون الإسلاميون عندما يتحدّثون عن العلمانية وكأنها تجربة أوربية خالصة ولا علاقة لها بالإسلام وبواقع المسلمين إلا في سياق الهيمنة الاستعمارية. صحيح أن العلمانية كفكرة (مثلها مثل الديمقراطية التي لم يعد أغلب الإسلاميين يرفضونها) كانت بنت الواقع الأوربي وعكست تحولاته التاريخية والسياسية. إلا أن العلمانية كموقف فكري وسياسي يرتّب العلاقة بين الدين والدولة تمثّل إمكانية فكرية كامنة ومستقرّة في أي مجتمع فيه دين ودولة. وبهذا المعنى فإن الاحتمال النظري لطرح مسألة فصل الدين عن الدولة داخل المجتمع الإسلامي لم يكن يقلّ عن الاحتمال النظري لطرح نفس المسألة داخل المجتمع الأوربي المسيحي، وكل ما في الأمر أن عوامل تاريخية معينة هيأت لأوروبا أن تسبق العالم الإسلامي وباقي العالم فتتبنى الخيار العلماني (والديمقراطي) ليصبح جزءا من ثقافتها وممارستها السياسية (وتنطبق نفس الحجة على نمو العلم الحديث مثلا إذ أن الاحتمالات كانت موجودة داخل العالم الإسلامي إلا أن ظروف أوروبا وفّرت الخميرة والظرف المواتي الذي دفع بالعملية لأفقها الأكبر). وكان من الواضح للعثمانيين، وخاصة الصفوة المثقفة، أن العلمانية هي الخيار الصحيح وخيار المستقبل وأن الإسلام خيار تاريخي لا يصلح كنظام للحكم ولمواجهة تحديات العصر.

هذا الانقلاب الفكري لم يمثّله مثقفون علمانيون فقط مثل مثقفي حركة العثمانيين الجدد وغيرهم وإنما مثّله أيضا مثقفون دينيون، كان أبرزهم علي عبد الرازق (ت 1966)، تلميذ محمد عبده (ت 1905)، الذي أصدر عام 1925 كتابه الشهير الإسلام وأصول الحكم والذي رفع فيه شعار أن الإسلام ”رسالة لا حكم، ودين لا دولة“. وهكذا فرّق عبد الرازق بين الدين والدولة في الإسلام تفريقا صارما وانتقد الخلافة الإسلامية انتقادا عميقا وهاجمها معتبرا إياها سببا أساسيا من أسباب انحطاط المسلمين في أمور دينهم ودنياهم. يقول عبد الرازق بهذه الصدد ”ثم إذا الخلافة قد أصبحت تلصق بالمباحث الدينية، وصارت جزءا من عقائد التوحيد، يدرسه المسلم مع صفات الله تعالى وصفات رسله الكرام … تلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين، أضلوهم عن الهدى وعموا عليهم وجوه الحق … وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة … والحق أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارف عليها المسلمون … والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وإنما تلك خطط سياسية صرفة، لا شأن لدين بها … ولا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدّوا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه. وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم، على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وما دلّت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.“ (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000، ص 181-182). ورغم أن عبد الرازق يتحدث وكأنه يستند على مرجعية دينية إلا أن حجته تنطلق في واقع الأمر من المنطلق العلماني المألوف الذي يفرّق بين الدين والدولة ويصرّ على الفصل بينهما. وأسلوب عبد الرازق هذا للتعبير عن علمانيته لا يختلف عن أسلوب أستاذه محمد عبده وسائر الإصلاحيين المسلمين الذين ينجذبون للمواقف التحولّية الجديدة ثم يلجأون بعد ذلك لتوطينها وترسيخها عبر منطق يعتمد لغة الخطاب الديني. وجذرية الخطاب الذي تبنّاه عبد الرازق، وهو الشيخ الذي أنتجته مؤسسة الأزهر العريقة الحاملة دوما لراية الدفاع عن التراث التقليدي، لا تبرز فقط في إصراره على التفرقة العلمانية بين ”الخطط الدينية“ (أي الدين) و”الخطط السياسية“ (أي الدولة) وإنما أيضا في تبنيه للعقل كأساس لتنظيم شئون الحياة. ولقد دلّ إصدار عبد الرازق لكتابه على شجاعة فكرية وسياسية كبيرة، إذ لم يكن إعلان رفضه للدولة الإسلامية وتبنيه للعلمانية تحديا للمؤسسة الدينية فحسب وإنما كان أيضا تحديا لرغبة الملك فؤاد الذي كان يطمح لوراثة منصب الخلافة بعد إلغاء الجمهورية التركية الوليدة للخلافة العثمانية في مارس 1924. (ولقد دفع عبد الرازق ثمن شجاعته عندما سحب منه الأزهر شهادته وأخرجه من زمرة العلماء وفصلته الدولة من وظيفته كقاض بالمحاكم الشرعية).

[3]

ولكن ما الذي حدث على مدى العقود الماضية، التي كادت تبلغ التسعة، منذ أن أصدر عبد الرازق كتابه؟ هل فقدت الحجة العلمانية قوتها ومعناها، مما جعل التيار الإسلامي يصبح تيارا شعبيا كاسحا ويمثل تيار المعارضة الأساسية في أغلب البلاد الإسلامية؟ إن أسباب صعود التيار الإسلامي وهيمنته الحالية عديدة ومعقّدة وليس هذا مجال الدخول في تفصيلها، إلا أن ما نلاحظه بشكل عام ويصلح مدخلا لحديثنا عن ضرورة العلمانية هو أن الحركات الإسلامية سواء كانت في السلطة أم المعارضة لا تستطيع تجاهل التحولات المرتبطة بعملية العلمنة في البلاد العربية والإسلامية والقفز فوقها.

دعنا نبدأ الحديث عن ضرورة العلمانية بالحديث عما نعنيه بالتحولات المرتبطة بعملية العلمنة (secularization). رغم أن ثمة تداخل وعلاقة بين العلمانية والعلمنة، إذ يرتبط كلاهما بالعلاقة بالدين، إلا أن العلمنة تدلّ على عملية اجتماعية متميزة ومستقلة إلى حد عن العلمانية. فبينما أن العلمانية تعبّر عن موقف فلسفي وسياسي يدعو لفصل الدين عن الدولة، فإن العلمنة تعبّر عن مجموع التحولات الاجتماعية والمعرفية وتحولات القيم التي تضعف هيمنة الدين في حياة الناس وتنزع سلطته تدريجيا، وهي العملية التي لخّصتها العبارة الجامعة للاجتماعي الألماني ماكس فيبر (ت 1920) عندما تحدّث عن ”نزع السحر عن العالم“(“disenchantment of the world”). ولعل أبرز وأهمّ تحوّل اجتماعي في المجتمعات الإسلامية في القرن العشرين هو خروج المرأة من البيت وانخراطها في العملية التعليمية والانتاجية جنبا إلى جنب الرجل، وهو خروج ما لبثت المؤسسة الدينية أن قبلته رغم مقاومتها له في البداية (وهي مقاومة لا نزال نشهد ذيولها ممثلة في موقف حركة طالبان في أفغانستان). وعلى المستوى المعرفي نجد أن الدين في عالمنا المعاصر قد فقد هيمنته المعرفية في تفسير العالم، إذ ظهر نشاط معرفي آخر، وهو العلم الحديث، ينافس الدين في تفسير العالم ويتفوّق عليه، مما جعل الدين بشكل عام يتراجع كمصدر لمعارفنا عن العالم. ويمكننا أن نقول نفس الشيء بشكل عام عن مجال القيم إذ أن أحكامنا الأخلاقية مثلا لم تعد تخضع في كل الأحوال للمرجعية الدينية. وهكذا ورغم الحضور الكثيف والخانق للخطاب الديني في العالم الإسلامي، ورغم القوة السياسية الكاسحة للحركات الإسلامية وأحيانا عنفها التصفوي في مواجهة خصومها، ورغم الانتشار الكثيف للرموز الخارجية للتدين الاجتماعي (وأبرزها الحجاب) إلا أن السياق العام هو سياق علمنة تجرّد الإسلام من سلطته تدريجيا ولا يستطيع منها فكاكا، مثله في ذلك مثل سائر الأديان في عالمنا المعاصر.

ومثلما عنت العلمانية في حدّها الأدنى في أوروبا فصل الدين عن الدولة وعنت في حدّها الأعلى إبعاد الدين عن المجال العام ليصبح نشاطا مقتصرا على المجال الخاص والشخصي لا يخرج عنه (وبذا يصبح علاقة بين الإنسان وموضوع عبادته)، فإنها تعنى فى سياق الإسلام نفس الشيء. وهكذا فإن العلمانية في العالم الإسلامي هي نقيض الدولة الإسلامية، سواء كانت هذه الدولة مظهرا متحققا (كما هو الحال في السعودية وإيران مثلا) أم مشروعا قيد التحقق (كما هو الحال في مصر أو تونس مثلا). وكفاح العلمانيين في العالم الإسلامي اليوم هو بشكل عام كفاح في مستوى الحد الأدنى، والاستثناء الوحيد هو تركيا حيث نجد أن الإسلاميين قد قبلوا بالعلمانية في مستوى الحد الأدنى (أو على الأقل قد أعلنوا قبولهم لها) وأن العلمانيين يكافحون لرفع الالتزام العلماني للحد الأعلى باعتبار أن ذلك هو ما يشكّل الضمانة الحقيقية لحماية الإنجاز العلماني على المدى البعيد.

وربما يتراجع الإسلاميون في بلاد إسلامية أخرى مثلما تراجع اسلاميو تركيا، وربما يكون هذا التراجع في حالة الحركة التركية أو أية حركة أخرى تراجعا حقيقيا مستندا على مراجعة مخلصة لموقفهم الفكري وربما يكون تراجعا تكتيكيا القصد منه انتظار ظرف أفضل للانقضاض على العلمانية. إلا أن كل ذلك يجب ألا يعني شيئا للعلمانيين إذ أن طبيعة معركتهم الفكرية والسياسية ضد الدولة الإسلامية لن تتغير، فهي معركة من أجل الديمقراطية والحريات الأساسية وأشكال التحقق والتفتّح الإنساني التي لا يمكن أن تتحقق في ظل دولة دينية.

[4]

سنركز في حديثنا على ضرورة العلمانية على مستوى ما وصفناه بالحد الأدنى لتحقّقها وهو فصل الدين عن الدولة. وبهذا الصدد سنقتصر على حجتين أساسيتين وهما حجة الحرية الفكرية وحجة المواطنة.

تقف مسألة حرية الفكر والضمير والدين في قلب المواجهة الفكرية بين العلمانية والمشروع الإسلامي. وهذه الحرية تمثّل في واقع الأمر حجر الزاوية الذي يستند إليه الموقف العلماني في نقده للدولة الدينية ورفضه لها. فالدولة الدينية، في تجلياتها المسيحية التاريخية وفي تجلياتها الإسلامية التاريخية والمعاصرة، تتسم على الدوام بمعاداتها لحرية الفكر والعقيدة. ويظهر هذا العداء في أغلظ تجلياته في عصرنا الحالي في البلاد التي تحتكم للشريعة الإسلامية مثل السعودية وإيران والسودان والتي تحرّم قوانينها الجنائية الخروج عن الإسلام وتعاقب من يبدّل دينه بالقتل. ولقد امتدّ هذا الحَجْر والعنف الديني ليطال أفرادا علمانيين استباح الإسلاميون دماءهم وقتلوهم مثل ما حدث للعلماني المصري فرج فودة عام 1992. ويجب ألا نستغرب مثل هذه المقاومة لحرية الفكر ومثل هذا العنف في السياق الإسلامي المعاصر إذ أن ذاكرة الحركات الإسلامية تستلهم دولة محمد وخلفائه في المدينة وهي دولة تلازمت نشأتها، تاريخيا، مع قهر المشركين وإجبارهم على قبول الإسلام ولم تقبل بحرية من أصبحوا مسلمين من المشركين أن يعودوا لشركهم.

إن الحرية الفكرية هي الشرط الأولي الذي تستند عليه الديمقراطية، إذ لا ديمقراطية بدون حرية سياسية وفكرية ودينية. وانطلاقا من هذا فإن الموقف العلماني يساوي بين الأديان والمعتقدات ويصرّ على ضرورة خلق أرضية مستوية لا يتميز فيها أصحاب أي دين أو معتقد على أصحاب الأديان أو المعتقدات الأخرى. وبالمقابل فإن الدولة الدينية تصرّ على ضرورة التمييز لصالح دينها. وهكذا نجد مثلا أن الدولة القائمة على الشريعة الإسلامية تشجّع المواطنين على ترك أديانهم واعتناق الإسلام (وربما تجبرهم على ذلك إن كانوا ”مشركين“ أو ”وثنيين“) وتعاقب من يترك الإسلام. ولقد أدّى السياق العلماني لنتيجة تبدو وكأنها مفارَقة إذ توفّرت للأديان، كل الأديان، حريات وضمانات في هذا السياق ربما تكون غير مسبوقة في تاريخ المجتمعات الإنسانية. والمسألة الهامة التي لابد من التأكيد عليها في هذا المقام أن الوضع الأمثل الذي تتاح فيه لأصحاب الأديان والمعتقدات حريتهم الكاملة في الممارسة والتعبير من غير أن يتغولوا على حريات الآخرين يرتبط بشرط الديمقراطية، إذ أن غياب الديمقراطية من الممكن أن ينتج عنه نظام علماني استبدادي. وعندما نتمعّن العلاقة بين العلمانية والديمقراطية فإننا نجد أن النظام الديمقراطي هو نظام علماني بالضرورة، إلا أن هذا لا يعني أن النظام العلماني نظام ديمقراطي بالضرورة. ومثلما قدّمت أوروبا نموذج الدولة العلمانية الديمقراطية فإنها قد قدّمت أيضا نموذج الدولة العلمانية الاستبدادية. وهكذا رأينا في حالة أنظمة أوروبا الشرقية الشيوعية مثلا نماذج الدولة التي أعلنت إلحادها، وهو وضع حوّل الإلحاد لمعتقد رسمي تحميه الدولة وميّزت الدولة بالتالي ضد الأديان وباقي المعتقدات. وهكذا فالوضع الأمثل للدولة العلمانية هو وضع الدولة العلمانية الديمقراطية، وهي دولة ليست بمؤمنة وليست بملحدة وإنما تلتزم الحياد التام بإزاء الدين.

نأتي الآن إلى مسألة المواطنة. إن المواطنة بمفهومها المعاصر تعني المساواة بين المواطنين في حقوقهم المدنية والسياسية والاجتماعية، وهي حقوق قد أصبحت في العالم الديمقراطي حقوقا دستورية بمعنى أن قانون الدولة الأساسي أو دستورها يضمنها ويحميها. وهذا المفهوم المعاصر للمواطنة مفهوم علماني نشأ تاريخيا في أوروبا في معارضة مفهوم الدولة المسيحية للمواطنة. إلا أن المنشأ الأوربي لفكرة المواطنة القائمة على المساواة لا يعني بأن المفهوم غريب على الواقع الإسلامي. فالإسلام مثله مثل المسيحية يفهم المواطنة فهما يقوم على التمييز بين المواطنين. ولقد ميّز الإسلام تاريخيا بين المسلمين وغير المسلمين وبين الرجال والنساء وبين الأحرار والعبيد. وعند تحليل مراتب المواطنة حسب رؤية الشريعة الإسلامية يتبيّن لنا أن المواطنين ينقسمون لأربع درجات: فالرجل المسلم الحرّ مواطن من الدرجة الأولى، والمرأة المسلمة الحرّة مواطنة من الدرجة الثانية، والكتابي (أي اليهودي أو المسيحي) مواطن من الدرجة الثالثة، والعبد مواطن من الدرجة الرابعة. أما المشرك فيسقط عنه حق المواطنة تماما ويصبح طريدا مطاردا يُخيّر بين الإسلام والسيف.

وفي السياق المعاصر الذي زال فيه الرق فإن المواجهة مع المشروع الإسلامي تتركّز على حقوق المرأة وحقوق غير المسلمين. فكل أشكال التمييز ضد المرأة (وأبرزها قوانين الأحوال الشخصية والميراث والشهادة) وكل أشكال التمييز ضد غير المسلمين هي أشكال تمييز يجب أن تزول حسب منطق المواطنة القائمة على المساواة. وتظل مواجهة أشكال التفرقة والتمييز هذه من كبرى واجبات العلمانيين في العالم الإسلامي اليوم.

[5]

كان من المأمول أن تدخل البلاد العربية والإسلامية القرن الواحد والعشرين وقد حسمت مسألة الدولة الدينية واحتضنت أنظمة ديمقراطية علمانية. إلا أن ذلك لم يحدث. فالبلاد الإسلامية بشكل عام هي من أكثر البلاد التي تعاني من عجز ديمقراطي وعجز في مجال احترام حقوق الإنسان. ونجد اليوم أن الإسلام كإيديلوجية سياسية هو أكثر الأديان مقاومة للعلمانية وأن الدول الدينية لا توجد إلا في العالم الإسلامي (باستثناء الفاتيكان). ولقد أدّى صعود الخطاب الإسلامي والحركات الإسلامية لانتشار التعصب وصعود العنف الذي ما يزال يدفع ثمنه الباهظ المواطنون في العديد من البلاد المسلمة. إن الدولة الإسلامية بتجلياتها المعاصرة والحركات الإسلامية قد أدخلت العالم الإسلامي اليوم في أزمة عميقة. ولكن هذه الأزمة لا تعني أن شعوب العالم الإسلامي لا تملك من مصادر القوة الداخلية ما يجعلها تتجاوزها. وإن كانت شعوب العالم الإسلامي قد أدركت إدراكا مباشرا أن الخروج من الأزمة يقتضي الديمقراطية فإنها ستدرك أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون ديمقراطية حقيقية تضمن حرية المواطنين ومساواتهم التامة من غير العلمانية.

هامش:

– العلمانية هنا بفتح العين وليس بكسرها كما ينطقها البعض. وعلمانية تقابل في الإنجليزية كلمة (secular)، والأصل اللاتيني لهذه الكلمة يأتي من كلمة (saeculum) بمعنى العالَم. وبذا فإن الاشتقاق في كلمة عَلماني من كلمة العالم وليس من كلمة العِلم. ولقد ذهب البعض إلى أن الاشتقاق من كلمة العالم اشتقاق غير صحيح. إلا أن هذه الحجة تهمل الجانب المفهومي للكلمة، وهو الجانب الأساسي، لتركّز تركيزا شكليا على منطق القواعد الصرفية للغة العربية. والخلط الآخر الذي يقع، وغالبا ما يقع بشكل متعمّد لاعتبارات السياسة، هو استبدال كلمة علماني بكلمة ”مدني“، إلى حد أن البعض يتحدث عن ”دولة مدنية“. بالطبع لا يوجد شيء اسمه ”دولة مدنية“، وكلمتا ”علماني“ و ”مدني“ تعبران عن مفهومين مختلفين. فإن كان المعنى الأساسي لكلمة علماني هو فصل الدين عن الدولة فإن كلمة مدني تشير للنشاطات والتكوينات الاجتماعية التي ينضم لها المواطنوان بشكل طوعي. ومجموع هذه التكوينات يطلق عليها اسم ”المجتمع المدني“ وهي تكوينات توجد في فضاء متوسط يقع بين الدولة (ذات السلطة القهرية في علاقتها بالمواطنين إذ أن التعاقد معها قائم على الخضوع لقوانينها) والأسرة (الوحدة الاجتماعية الأساسية التي نولد فيها ويبدأ تطبيعنا الاجتماعي في سياقها).

السجين 32… قراءة في سيرة حياة محمد سعيد طيب

السجن ليس فقط ذلك الحصار الفيزيائي الذي يمنع عنك تفاصيل الحياة و يعزلك عن كل من و ما تحب، السجن هو أن تعلم أنك تعيش “في سجن كبير” و أنك لا تستطيع أن تهرب منه، الفرق حدود السجن فقط، سجنك الكبير سيصبح أصغر كلما ازددت مقاومة و رفضا، عالمك ذاته مصمّم كسجن، يملك سجّانوك المسجد و المدرسة و الجريدة و التلفزيون و الوظيفة و القانون و المحكمة، يملكون القبيلة التي ستتبرأ منك و تنبذك، و يملكون نقلك بين سجنك الصغير و الكبير كلما أوقفت رفضك و مقاومتك و أعلنت عجزك اليائس…

“إن أردت أن تقتل شيئا فلا تفعل أكثر من عزله و محاصرته”: تقول ايلف شفك عن جدتها التي تعالج الناس بمحاصرة الأرواح الخبيثة و الأوجاع و تركها وحيدة منبوذة حتى تموت… إن لم يقتلك الحصار و العزلة فلأنك تملك تشبثا بالحياة لم يمت بعد…

السؤال الذي لا يراوح عقلك عند مشاهدة وحشية العسكر و السلطة في مواجهة المقاومين في ساحات الربيع العربي: في ميدان التحرير و دوّار الإرادة و ساحة التغيير و دوّار اللؤلؤة: ماذا يمكن أن يحدث إن قاوم مواطن بسيط السلطة؟ هل تشفع له سلميته؟… ماذا يمكن أن يكون ثمن حلمك المشروع في عدالة اجتماعية و دستور و إعلام حر و مسؤلين منتخبين يمكن مساءلتهم بلا قيود؟ ماهو ثمن خطاب مطالبة تكتبه أو توقّع عليه لمن يملك الأمر؟…

“السجين 32” يمنح القاريء فرصة لاختبار واقعية هذه الأسئلة، النضال قديم يسبق عمر السجين “محمد سعيد طيب“، و الحلم المشروع الذي لم يتحقق بعد برغم هذه الرحلة الممتدة عبر عدة عقود…

يقع الكتاب في 400 صفحة تقريبا و اثني عشر فصلا بخلاف الملحقات و الهوامش، حواشي الكتاب تقدم إضافة ثمينة للتنقيب في خلفيات الأحداث و الشخصيات تاريخيا … يسجل كتاب “السجين 32” تاريخا لم يبارح كثيرا قلوب الرجال، في صفحاته الأولى لمحات من مكة و حاراتها و صناعة الرجال في الحجاز القديم، هناك قصة يوردها لقاض يعاقب و يوبّخ وجيها لتعاليه على خادم يمني، يلهم القاضي الحجازي بعدالته محمد سعيد طيب “السجين 32” لحلم دراسة القانون بعد عقود، تنقلك الحكايات الأولى لمدارس الحجاز القديمة: الرحمانية و الثغر و سواها، و تندهش و أنت معاصر للألفية الثانية من حضور الأدب و الفن و السينما في المقرر الدراسي… و تتأكد من مكانة العلم بين الحجازيين حين أنشؤوا جامعتهم الأهلية قبل سنوات عديدة من وصول التعليم العالي الحكومي في المنطقة… رجال الفترة يمرون على الصفحات أمام ناظريك في لمحات سريعة تكشف الكثير… أمير المنطقة الذي لا يحب من “يخصره” إن طلب إخلاء عقار، أمسيات الاحتفاء برجال الأدب، محمد علي حافظ يدعو في مقال له في بداية الستينات للتوزيع العادل للموارد بين المناطق لأن “جدة تستاهل”، اجتماع الفكر و الثقافة في مجلس الثلاثاء… ثم بزوغ الثورة الناصرية و حلم القومية العربية الذي جعل طيب المقاوم الشاب –وقتها- ينضم لحزب الجبهة العربية لتحرير الجزيرة العربية-  في القاهرة…

يحملنا الباب الثاني للمحنة السياسية الأولى في حياة السجين عام 1964 بسبب قرار انضمامه لجبهة التحرير، و يرسم الكاتب المشهد السياسي السعودي وقتها عبر أول اقتراح مقدّم من الكاتب عزيز ضياء لإنشاء نظام للحكم و لجنة لمشروع القضاء، و يتطرق لمقال منشور لمحمد سعيد طيب يطالب فيه بمجلس شورى منتخب بعد وعد الأمير فيصل بإرساء نظام للحكم، يعلّل الكاتب حالة الانفتاح السياسي وقتها برغبة الملك فيصل بكسب النخب الفكرية و فرز توجهاتها السياسية في الوقت نفسه، و ما تلا ذلك في العام 1964 من اعتقال 70 مواطنا من المدن الرئيسية الثلاث من مختلف التيارات، كما يسرد الكاتب شهادات قيّمة منقولة عن أبرز معتقلي تلك الفترة: محمد سعيد طيب و باقر الشماسي تشمل تفاصيل اعتقالهم و محاكمتهم و أسماء المسؤولين في ذلك الوقت… تبدو الكتابة و التوثيق هنا كرد فعل لتحقيق عدالة غائبة ولو بعد حين…

الباب الثالث يتناول تجربة محمد سعيد طيب الأولى في السفر خارج المملكة و منها ابتعاثه القصير لأمريكا، و تستعرض بعض الانعكاسات الشخصية حول أحداث المرحلة كالنكسة و وفاة معلمه محمد فدا و أول حضورله لحفلة لأم كلثوم و الحياة الطلابية للسعوديين في أمريكا و غلبة القضية الفلسطينية وقتها على النشاط الطلابي…

يسرد الباب الرابع المحنة الأولى الحقيقية في حياة محمد سعيد طيب: سنوات الألم و العزلة التي خرج منها لا يعرف المشي… كانت البداية في اعتقاله عام 1969 أثناء أول إجازة دراسية له في الوطن، و يظهر اسم عبد العزيز مسعود مدير عام المباحث وقتها بالمملكة في مشهد بليغ يرفض فيه توجيه اتهام رسمي للسجين: “لو حللوك لوجدوا كل خلية فيك تكن العداء لهذا النظام، أنت لست في حاجة لاتهام و لن يوجه لك اتهام و لن تحاكم” و هذا ما كان، اعتقل طيب مع مئات غيره في تلك الفترة، و يعرض الكاتب لتفاصيل تعذيبه أثناء الاعتقال و منها حرمانه من النوم لثلاثة أيام متواصلة لتوقيع اعتراف، و يعرض الكتاب أيضا لقصص بعض سجناء المرحلة و أسباب اعتقالهم، و يورد جملة لطيفة على لسان طيب غالبا ما تتكرر في سير المعتقلين السياسيين: “لم أفكر بالانتحار أبدا و كنت أقول لهم إذا لم تتخلصوا مني فلن أتخلص من حياتي”… يظهر في نهاية الباب تحليل قيّم عن رؤية طيب لإيجابيات و سلبيات الحكم في عهود الملك فيصل و سعود و خالد، و ينتهي الفصل بعبارة طريفة من السجّان عبد العزيز مسعود لطيب في لقاء لهما بعد الإفراج عنه “روح… الله لا يردّك”…

يستعرض الباب الخامس تجربة محمد سعيد طيب في إنشاء تهامة و تصدرها للمشهد الثقافي الوطني عبر عقود مع الوزارات الرسمية و الهيئات المختلفة، و يكشف فيه طيب عبر لقاءاته الاجتماعية المختلفة وجوها متعددة لرجال المرحلة كوزير الإعلام السابق علي الشاعر و سلفه جميل الحجيلان ووزير المالية محمد أبا الخيل، كما تأسر القاريء قصة الأديب النبيل عبدالله عبد الجبار صاحب سلسلة “التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية” و رفضه لشيك الخمسة مليون ريال الذي لم يصرف أبدا برغم حاجته…

تحت مسمى: “يستدعى بصفة خاصة” يتطرق الباب السادس إلى مقال منشور لمحمد سعيد طيب في مجلة المجلة عام 1984  حول خطورة المثقفون المزيفون على العلاقة بين الحاكم و الناس، كما يتطرق إلى أصداء المقال على القيادة السياسية في عهد الملك فهد وقتها، و يسرد آراء طيب حول دور المثقفين و الثقافة في صناعة الدولة الحديثة و رأيه في حركة تمكين المرأة السعودية، ويختم الكاتب الباب بعرض مقال جدير لمحمد سعيد طيب لرئيس تحرير مجلة اليمامة وقتها د. فهد العرابي الحارثي بعنوان “نعم… المثقف السعودي شاهد ما شفش حاجة”! …

حكاية “العريضة المدنية” في عام 1990 هي محور الباب السابع، و ينسب الكاتب العريضة لأبوها الروحي الشيخ أحمد صلاح جمجوم، ثم يتطرق لمراحل صياغة العريضة مضمومنا و أهدافا و مطالبها العشرة و التي تتلخص في نظام أساسي للحكم و مجلس شورى منتخب و نظام للمناطق (المقاطعات)…  كما يعرض الكاتب أيضا لقصة قيادة النساء للسيارات بحسب رواية منشورة للدكتورة عزيزة المانع في 2004، ويتيح للقاريء قراءة نص العريضة كاملا في ملحق الباب السابع…

الباب الثامن و التاسع من الأبواب القصيرة التي تتناول مواقف محمد طيب من أحداث محددة، يتناول الباب الثامن موقف محمد سعيد طيب من حرب تحرير الكويت و تداعياتها و ظروف كتابه (مثقفون و أمير)، و يعرض لآراء محمد سعيد طيب في الجو الإعلامي المقيّد في مرحلة التسعينات و نتائج عصر الطفرة ، و يختم الباب بمقولة جامعة له: “للأسف تبدو أمراضنا الاجتماعية و كأنها أمراض وراثية تنتقل من جيل لآخر، و كأن الجرثومة بداخلنا عصية لسبب أو لآخر على محاولات العلاج أو نواياه!”… في الباب التاسع يستعرض الكاتب بالتحليل مقالا منشورا لطيب عام 1992 في مجلة روز اليوسف عن قراءته للأنظمة الثلاثة في السعودية: النظام الأساسي للحكم و نظام الشورى و نظام المناطق…

يعود الباب العاشر ليعرض تجربة اعتقال جديدة لمحمد سعيد طيب لمدة 77 يوما في سجن الحائر سيء السمعة على إثر رسالة ساخرة وجهها لصديقه عضو مجلس الشورى في ذلك الوقت و تم تداولها حتى وصلت للملك فهد و الذي أمر باعتقاله بعد تدخل من بعض المشايخ…

في الباب الحادي عشر يتطرق الكاتب لتأثير حادثة سبتمبر 2001 على الجو السياسي في المملكة و مقابلة محمد سعيد طيب في قناة الجزيرة حول الحادثة… و يتناول الكاتب موضوع “خطاب الرؤية” في مطلع 2003 و أسبابه، و ما تلاه من صدور لبيان “الملكية الدستورية” و هي الدعوة المتكررة منذ الستينات، و ردود فعل النظام حول البيانات كوسيلة للمطالبة الشعبية، و يحكي الكتاب قصة اعتقال الطيب لمدة أسبوعين على خلفية لقائه لمجموعة الإصلاحيين بالرياض و قصة التعهد الذي رفض التوقيع عليه و مجموعة القيود المفروضة عليه وقتها و المثيرة للتأمل: عدم الظهور الإعلامي، عدم المشاركة في المناسبات الكبيرة أو تلبية دعوات التكريم… و الطريف أن طيب تفادى المواجهة المباشرة مع السلطات برغم استمرار مشاركته في البيانات و الدعوات الثقافية و فتح مجلسه الفكري في أيام مختلفة… و يتطرق الكاتب لعلاقة طيب مع المفكر محمد حسنين هيكل و أتوقف هنا عند عبارة واسى بها هيكل الإحباط الذي لمسه في طيب من تعثر مسيرة الإصلاح: “الإصلاح عملية تراكمية… حتى كلمات الخائفين تصنع التاريخ و تغيّر مجراه”… كما يحكي الكاتب أيضا تجربته في المنع من السفر لمدة 5 سنوات و رأيه في تجربة مركز الحوار الوطني و جمعية و هيئة حقوق الإنسان و الانتخابات البلدية و علاقته بالشيعة و التيارات الإسلامية و الليبرالية، و يتطرق أيضا لرؤيته لعهد الملك فهد ككل و العهد الحالي للملك عبد الله و الذي تميز -برأيه – بالكثير من الإيجابيات… يختتم الفصل الحادي عشر بمجموعة وثائق هامة لبيانات المرحلة كخطاب التضامن مع الإصلاحيين المعتقلين و الدعوة لقيادة المرأة للسيارة و الإصلاح الدستوري من جديد…

يلمس القاريء في الفصل الأخير عمق المقاوم محمد سعيد طيب: رسالته الإنسانية و ما يمثله له السجن والمنع من السفر، و أيضا مشروعه القومي العربي:”هكذا نحيا و هكذا نموت”… لم يقل محمد سعيد طيب في هذه المحاولة كل شيء –بحسب تصريحه- لكنه قال لنا ما يكفي حتى نعرف أن هناك أشياء لا يمكن عزلها حتى الموت، و أن هناك تواصلا ما بين أرواح المقاومين و أن ربيعا عربيا ينتظرنا و إن طال الخريف…

يبقى أن أقول أن قراءة الكتاب و إن أثارت في نفسي الكثير من المشاعر و التعاطف و الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية إلا أن شيئا لن يعادل شعوري بالتقصير بعد حوار قصير دار بيني و بين السجين الحر محمد سعيد طيب إثر قراءة الكتاب، ذكر لي فيه أن كلمة تقدير و دعم بسيطة هي أقصى ما يمكن أن يسعده بعد هذا المشوار، و أنا هنا أهديه كل الحب و التقدير -برغم منعه من تلبية دعوات تكريمه- لحمله بالنيابة عن وطن كامل همنا و طموحنا و الدعوة لحرياتنا و إن خسر في سبيل ذلك حريته  …

تحديث في الثالث من يناير 2012

توجّه الناشط الحقوقي محمد سعيد طيّب لمطار جدّة مغادرا للقاهرة لحضور حفل زواج ابنته الكبرى الشيماء، و اكتشف وقتها أنه ممنوع من السفر… أثار الموضوع استغراب الكثرين ممن تابعوا بقلق زيادة الإجراءات الأمنية في التعاطي مع دعوات الإصلاح و ربطوا منع طيّب من السفر بتوقيعه الأخير على بيان يطالب فيه بإطلاق سراح معتقلي جدة و القطيف ردما للفتنة الطائفية و ضمانة لحرية التعبير عن الرأي و عدالة المحاكمات، و أنشأ المغردون على تويتر هاشتاج خاص لمتابعة موضوع منع طيّب من السفر

#tayebms

 و يبقى طيّب حتى كتابة هذه السطور في المستشفى إثر وعكة صحية ألّمت به بعد سماع خبر منعه من السفر… تمنياتي له بالشفاء و استعادة حريته المسلوية