“إيكونوميست”: “أرسلوه بعيدا”! أو “الوسيلة الإماراتية المبتكرة للتخلص من المعارضين”

|نشرت على الإيكونوميست بتاريخ 21 يوليو 2012

ترجمة: د. حمد العيسى (نقلا عن مجلة إيكونوميست، 21 يوليو 2012، وبحسب تقاليد المجلة لا يذكر اسم الكاتب)

تمهيد المجلة: دولة الإمارات العربية المتحدة ابتكرت وسيلة جديدة للتخلص من المعارضين ولكن أحمد عبد الخالق لا يريد الذهاب إلى هناك!

أحمد عبد الخالق ناشط سياسي يدير موقعا على شبكة الانترنت لتسليط الضوء على محنة آلاف الأشخاص عديمي الجنسية الذين يعيشون في الخليج، وأبعد من دولة الإمارات العربية المتحدة (الإمارات)، حيث كان قد عاش فيها حياته كلها.

في البداية حاولت السلطات إرساله إلى دولة جزر القمر، وهي أرخبيل صغيرة قبالة الساحل الشرقي لأفريقيا، والذي لم يسبق له أن زاره ولا يربطه به أي رابط. ولكن حكومة جزر القمر قالت إنها لا تريد استقبال أحمد عبد الخالق، ولذلك في النهاية تم إرساله قسرا إلى تايلند، وهي بلد لا صلة له به.

هذا وقد عوقب عدة ناشطين آخرين في دولة الإمارات هذا العام بتجريدهم من جنسياتهم. ولكن من الصعب ترحيل الناس عديمي الجنسية. ولذلك، وفقا لمركز الإمارات لحقوق الإنسان، وهو مجموعة ضغط مقرها لندن، صادرت سلطات دولة الإمارات العربية المتحدة جواز سفر عبد الخالق الإماراتي وأصدرت له بدلا منه جواز باسمه تابع لدولة جزر القمر.

ووفقا لتقارير صحفية، فإن دولة الإمارات ذات الغنى الفاحش دفعت لدولة جزر القمر التي تعتبر أفقر دولة عربية عدة ملايين من الدولارات لكي تستطيع هذه الدولة الخليجية الثرية أن ترسل الناس الذين أصبحوا مصدر إزعاج لها إلى هذه الجزر النائية. لكن، في هذه المرة، لم ترغب السلطات في جزر القمر في استقبال السيد عبد الخالق.

إنه واحد من خمسة ناشطين إماراتيين سجنوا لعدة أشهر في العام الماضي بتهمة «إهانة الحاكم» بعدما قاموا بالتوقيع على عريضة طالبت بهيئة تشريعية منتخبة.

في الوقت الحالي سمح حكام دولة الإمارات، التي تضم سبعة إمارات تقودها أبو ظبي (الأغنى) ودبي (الأكثر تفتحا)، لـ 129 ألف ناخب تم اختيارهم بحذر دخول انتخابات المجلس الوطني الاتحادي، وهو مجرد هيئة استشارية.

وكان السيد عبد الخالق ينتظر لأسابيع ترحيله، ولكنه رحل فورا عندما أعلنت السلطات عن كشف مؤامرة مدعومة من الخارج «تهدد الأمن القومي» و«تتحدى الدستور». هذه الاتهامات مبهمة على نطاق واسع، ويمكن أن تشمل أي شيء: من الإرهاب إلى توقيع عريضة من أجل التغيير السلمي.

كما لا يسمح بوجود أحزاب سياسية أو مظاهرات في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد ألقي القبض على شخص واحد في وقت سابق من هذا العام بسبب تغريدة على تويتر قال فيها إن الأجهزة الأمنية كانت شديدة الوطأة.

ووفقا لمركز الإمارات، فقد اعتقل ما لا يقل عن عشرة أشخاص في 16 يوليو، بمن في ذلك د. محمد الركن، وهو ناشط بارز في مجال حقوق الإنسان. كما اعتقل هذا العام عدة أشخاص آخرين، من بينهم ابن عم حاكم الشارقة، وهي واحدة من الإمارات السبع. السلطات لا تود الاعتراف بعدد المعتقلين السياسيين أو مكان احتجازهم.

وفي حين كان معظم هؤلاء المعارضين المعتقلين العام الماضي من الليبراليين العلمانيين، إلا أن المعتقلين هذا العام يميلون إلى أن يكونوا إسلاميين مرتبطين بحركة محلية: «الإصلاح»، الذين شجعهم نجاح إخوتهم في مصر وتونس وغيرهما.

وخاض قائد شرطة دبي ، ضاحي خلفان، في الآونة الأخيرة على تويتر خصومة كبيرة  مع يوسف الشيخ القرضاوي، وهو شيخ من الإخوان مقره في قطر. اتهم الشرطي الإسلاميين بالنفاق، وإنهم يحبون مثل أي شخص آخر الملذات الدنيوية في دبي.

الرابط الأصلي للمقال على الإيكونوميست:

http://www.economist.com/node/21559385

Advertisements

لماذا لا يتغيّر المجتمع: الميل لتبرير النظام

هذه التدوينة مترجمة عن تدوينة منشورة في مدونة علم النفس، الرابط بالأسفل

 

 

“تميل المجتمعات للمحافظة على تقاليدها.  التمرّد هو ردّ فعل متباعد نتيجة للمعاناة في تاريخ الإنسانية: لدينا حالات لا نهائية لشعوب خاضعة في مواجهة الاستغلال من حالات التمرّد على السلطة”—زن، 1968

هل تساءلت يوما لماذا يبدو من الصعب على المجتمع أن يتغيّر؟ أعتقد أن أغلبنا فكّر في هذا السؤال…

واحدة من الإجابات هي أن البشر لديهم نزوع فطري للحفاظ على الوضع الراهن.  البشر يفكرون هكذا طيلة الوقت.  يميلون لمسايرة ما يألفونه و يعرفونه أكثر من المخاطرة بالسير نحو خيار غير مألوف و مجهول…

يشعر الناس بالأمن في الإطار الذي يعيشون بداخله في مقابل خطر المجهول.  و هذا جزئيا يفسّر لم يقبل الناس على شراء نفس الأشياء التي اعتادوا شراءها من قبل، أو ارتياد نفس المقاهي و المطاعم، أو التمسّك بنفس الأفكار و القناعات…

هذا السلوك الإنساني يدعى “الميل لتبرير النظام” و ينتج عنه عواقب متناقضة كما يفسرها البحث العلمي1 و كما شرحها جوست و زملاءه بالعام 2004:

  • الفقراء لا يدعمون بقوة الآراء السياسية التي من شانها إصلاح أوضاعهم.  وجدت استطلاعات الرأي أن محدودي الدخل لم يختلفوا عن الأثرياء في دعم سياسات الضرائب التي من الممكن أن تزيد من دخلهم.  و بشكل عام فإن القناعات السياسية التي يحملها الناس لا تتفق مع أوضاعهم و مداخيلهم في مجتمعاتهم.
  • و للغرابة، كلما زاد حرمان الأشخاص من حقوقهم كلما زاد احتمال دعمهم لنظام لا يدعم مصالحهم.  هذا يعود إلى “التنافر المعرفي”2.  في مثال لهذا من الولايات المتحدة الأمريكية، تثق جماعات محدودي الدخل من اللاتينيين بمسؤولي الحكومة أكثر مما يثق بها اللاتينيون من أصحاب المداخيل المرتفعة.
  • أما أكثر الأشياء إثارة للقلق: كلما ازدادت مظاهر عدم المساواة في المجتمع  كلما ازداد ميل الأشخاص لتبرير النظام.  مثلا في البلدان التي يحمل فيها الرجال تحيزا أكبر ضد النساء يزيد دعم النساء للنظام.

يبدو أن البشر يميلون لتبرير عدم المساواة في الأنظمة، مثل الاعتقاد بأن الفقراء هم هكذا لأنهم لا يعملون بجد كاف، أو أن الأغنياء يستحقون الثراء الذي حصلوا عليه، و بشكل لايصدّق، فإن هذا يعني أن بعض (و ليس كلّ) الديوك الرومية ستستمر في انتخاب موسم الكريسماس…

مأخوذ عن مدونة علم النفس:

http://www.spring.org.uk/2012/07/why-society-doesnt-change-the-system-justification-bias.php

  1. نظرية “التبرير الاجتماعي” تقوم على الفرضيات التالية:
  • هناك دافع فكري لتبرير الترتيب الاجتماعي الهرمي الموجود بمجتمع ما
  • هذا التبرير مسؤول بشكل جزئي عن ترسيخ الإحساس بالنقص في الأفراد المنتمين لجماعات مهمّشة
  • هذا السلوك يظهر من الأفراد بشكل ضمني و لا واع
  • بشكل غير مفهوم، يكون هذا السلوك أقوى ما يكون عند الفئات الأكثر تعرّضا للإيذاء بسبب الفرق في المكانة الاجتماعية

2. مفهوم “الوعي التنافري”  يعود إلى تجربة نفسية اجتماعية قام بها فيستنجر و كارل سميث في العام 1959 بهدف معرفة ما نقوله لأنفسنا حتى نبرر سلوكياتنا و تفكيرنا.  التجربة ممتلئة بالخداع المتعمد للمشاركين و تم أداءها في العام 1959 في جامعة ستانفورد على طلبة البكالوريوس.

كجزء من المقرر الدراسي كان على الطالب المشارك أن يقوم بالتجربة بهدف “قياس الأداء” لمدة ساعتين في كل مرة.   بداخل معمل التجارب يخبر الباحث الطالب المشارك أن الهدف هو قياس تأثير توقعات الطالب على تجربته.   هناك مجموعتين من المشاركين، مجموعة يتم تهيئة أفرادها لتعرف مسبقا بواسطة مشارك قبلها بما يمكن أن تتوقعه من التجربة، و مجموعة لم تعط أي معلومات أو توقعات عن التجربة.

يسأل الباحث الشخص المشارك أن يقوم بتحريك بعض البكرات في صندوق لمدة ساعتين، في النهاية يشكر الباحث المشارك و يخبره بأن العديد من الأشخاص وجدوا التجربة ممتعة، و يطلب الباحث من المشارك أن يقوم بإخبار الشخص القادم بعده –من المجموعة التي ستمنح بعض المعلومات- أن التجربة ممتعة بالفعل في مقابل دولار واحد و ربما بعض المشاركات الأخرى في المستقبل.  في غرفة أخرى يتم عمل مقابلة مع المشارك الأول بعد انتهاءه من المشاركة حول رأيه في التجربة.

تظهر خدعة أخرى في التجربة عندما يظهر للمشارك الأول أن المشارك الذي يليه قد تلقّى مبلغ 20 دولار و أنه أعطى أسوأ تقييم للتجربة بعد انتهائها لأنها مملة.

تهدف التجربة لمعرفة كيف يعالج الإنسان فكرتين متعارضتين مع بعضهما: أن يعتقد شخص بأن التجربة مملة و مع ذلك يمنح دولارا لإخبار مشارك بعده بأنها كانت ممتعة.  و نشأت بعد التجربة نظريات متعددة لتفسير تعامل الإنسان اليومي مع الأمور المتناقضة.  مورتون هنت أورد بعض الأمثلة في “قصة علم النفس”:

عند محاولة الانضمام لمجموعة ما، كلما ازدادت صعوبة الدخول كلما زادت قيمة و أهمية العضوية، و لتفسير التناقض بين العوائق الكثيرة التي قد يضطر الإنسان لمواجهتها للانضمام لمجموعة ما في مقابل بساطة المجموعة  الفعلية أو انعدام قيمتها للشخص، يجنح الإنسان لتبرير الأمر بأن الانضمام للمجموعة كان في الواقع ممتعا.

يفسّر الناس نفس المعلومات بمعان مختلفة تماما حتى يدعمون رؤيتهم الخاصة للعالم.  عندما نقرّر رأينا في مسألة متفق عليها فإننا نميل لتجاهل ما يناقض راينا و التركيز على كل ما من شأنه تدعيم رأينا.

تميل الناس لتعديل آرائهم لتتفق مع سلوكياتهم حتى عندما تكون في جوهرها غير أخلاقية، فالسارقين من رؤسائهم سيبرروا لأنفسهم عملهم بأن الجميع يفعل ذلك أو أن الموظفين لا يجنون ما يكفيهم من الأموال و بالتالي يستحقون ما يسرقونه.

هناك عدد كبير من التصرفات التي يمارسها الناس بسبب “الوعي التنافري” عبر التفكير في تبريرات لا نهائية لسلوكهم.  الانتباه لهذا الأمر يجعلنا نتجنب السقوط ضحية لأسوأ عاقبة لهذا الوضع: تصديق الأكاذيب التي نخدع بها أنفسنا.

http://www.spring.org.uk/2007/10/how-and-why-we-lie-to-ourselves.php

سوريا: أزمة معقدة و علمانية مهددة

بقلم: عماد يوسف

عِرفت سوريا خلال العقود الأخيرة نظاماً اجتماعياً علمانياً واضحاً. ولو أنَّ هذا النظام كان منقوصاً في المستوى السياسي المتعلّق بهرم الدولة ومؤسساتها الكبرى، ودائرة القرار المحيطة، إلاّ أن تجلّيات العَلمَنة التي شكلّت نموذجاً استثنائياً للتعايش في المنطقة، كانت من الوضوح بحيث أنها أُعتِبرَت مثالاً يُحتذى لدى الآخرين خارج سوريا.

عرفت سوريا خلال العقود الأخيرة نظاماً اجتماعياً علمانياً واضحاً. ولو أنَّ هذا النظام كان منقوصاً في المستوى السياسي المتعلّق بهرم الدولة ومؤسساتها الكبرى، ودائرة القرار المحيطة، إلاّ أن تجلّيات العَلمَنة التي شكلّت نموذجاً استثنائياً للتعايش في المنطقة، كانت من الوضوح بحيث أنها أُعتِبرَت مثالاً يُحتذى لدى الآخرين خارج سوريا.
لا شك أنَّ القيادة السابقة لسوريا (ماقبل العام 2000) قد عملت على انتهاج الكثير من التوازنات التي تتناقض مع الفكر العلماني لحزب البعث، فاشتغلت على إرضاء الجميع (طوائف، عشائر، أديان، إثنيات، قبائل، وجاهات مدن ومناطق، وغيرها) سعياً لإرضاء المجتمع الأهلي السوري المتنوّع للحفاظ على سدّة السلطة والحكم وضمان عدم خروج أيّ كلمة رافضة. وقد كان الرئيس الراحل حافظ الأسد (ماستر) حقيقي في إرضاء الجميع، وامتهان البهلوانية الحذقة جداً في سبيل الإبقاء على نظام حكمه. طبعاً ساهم عامل انتماء الرئيس حافظ الأسد إلى الطائفة الثانية في سوريا من حيث الحجم، ساهم في تعزيز هذا النهج “غير الرسمي” والذي تحوّل لاحقاً إلى عُرْف عامّ، بدأت تأخذ به قيادات حزب البعث المدنية، الوجه السياسي للسلطة. والقيادات الأمنية والعسكرية، التي تشكّل الحامي لهذا النظام والداعم له. حيث تحوّلت هذه الثقافة أو النهج، إلى أحد أهمّ أدوات النظام عزّز استمراريته الثابتة من خلالها، “ويمكن أن نسميّ هذا؛ (التوازن الأهلي) إذا صحّ التعبير”. وخاصة بعد شباط 1982 عندما حسم صراعه مع الإخوان المسلمين في مدينة حماة. وبدأت دفّة الحكم تنحو أكثر باتجاه شخصنة النظام وتقديس الفرد، وقولبة المؤسسات وخاصة الأمنية منها بقوالب فئوية دقيقة الإختيار لضمان الموالاة العمياء والمطلقة لنظام الحكم. وقد ترافق ذلك كلّه مع اطلاق يد المسؤولين لجني مكاسب المرحلة السابقة التي انتصروا فيها على الإخوان، فعاثوا فساداً في البلاد، في الكسب غير المشروع، والفساد، والبيروقراطية. وصولاً إلى المركزية المطلقة، وتحويل البلاد ومؤسساتها إلى ما يُشبه المزارع لهؤلاء القيّمين عليها..!
تعود ثقافة العلمانية في سوريا إلى عوامل كثيرة، يمكن فقط ذكر بعضها هنا بسبب ضيق المساحة، فقد كان لوقوف الشعب السوري وقفة واحدة ضدّ الإستعمار الفرنسي الأثر الكبير في إذابة الفوارق المذهبية والطائفية والدينية في سوريا، وكان صعود فارس الخوري(المسيحي الكاثوليكي) كرئيس للبرلمان عام 1949 أكبر دليل على تجاوز المجتمع السوري لتشابكاته الدينية وتعقيداتها، وتناقضاتها البنيوية التي كانت قد ذللّتها نزعات المدّ القومي والوطني التي حملتها المشاريع القومية (حزب البعث العربي الاشتراكي 7 نيسان 1946 نموذجاً)، وكذلك مشاريع اليسار الاشتراكي والمدّ الشيوعي بعيد الثورة البلشفية في روسيا 1917 (الحزب الشيوعي السوري بزعامة خالد بكداش الكردي عام 1926)، ومفاهيم الديمقراطية والحرّيات التي حمل بعضاً منها الاستعمار الأوروبي في العالم العربي. يمكن أيضاً إضافة عامل التنوّع السوري مع عوامل أخرى، وقناعة السوريين أنفسهم بضرورات تحقيق شروط العيش المشترك بعد أن فقدوا جزءاً كبيراً من سوريا الكبرى (فلسطين ولبنان والأردن) ما جعلهم أكثر تماسكاً وتعاضداً في التصدّي لأي محاولات جديدة لشرذمة ما تبقى من سوريا، وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي أفشلت محاولة فرنسا تقسيم سوريا عام 1926 وانتهت في عام 1936. مجمل هذه العوامل زرعَت في العقل الجمعي السوري(الباطني) خوفاً شديداً على البلاد، وخاصة لدى السياسيين، وفي لقاء مع الشيخ صالح العلي أحد قادة الثورة السورية، يعكس هذا الرأي بشكل قاطع، عندما سئُل عن نسبة السنّة في سوريا، فأجاب بأنها كلّها سنّة. وحين سئُلَ وأين العلويون إذاً؟! قال بالحرف: ” عندما يُستهدف السنّة في سوريا، تصبح سوريا كلّها سنة”*..!
في معرض البحث عن مظلّة شاملة، وهوية جامعة تؤسس لانتماء أعرض من الانتماء الأهلي والديني الضيّق، نرصدُ في تلك الحقبة اقبالاً كبيراً عند الأقلّيات الإسلامية والمسيحية، والإثنية للانضواء في أحزاب يسارية قومية واشتراكية تكون عابرة للانتماءات ماقبل الوطنية. وهذا كان أيضاً من العوامل التي حرثت الأرض لجذور الثقافة العلمانية السورية في أحد جوانبها المعرفية الذي يتجلّى بقبول الآخر كما هو، والتعايش معه كما يكون، لا كما نريده نحن. وبدأ شيئا فشيئاً يذوب الفارق بين أقلّية وأكثرية، وبين مذهب وآخر، وقومية وأخرى. وصولاً إلى 8 آذار عام 1963 حيث استولى حزب البعث على السلطة. يمكن هنا ملاحظة أربع حقبات رئيسية، من عام 1963 وحتى حركة 23 شباط في عام 1966 . ومن 1966 إلى عام 1970 سنة استلام الفريق حافظ الأسد السلطة. ومن 1970 إلى عام 1982 تاريخ انتصار النظام البعثي في حربه على الإخوان الملسمين. يمكن القول بأن الحقبات الثلاث الأولى، كانت سوريا تسير بحسب احداثيات المنطلقات النظرية لحزب البعث قولاً، ونهجاً، وتطبيقاُ. في عام 1985 عُقِد مؤتمر لحزب البعث، وكان الأخير الذي عُقد في عهد حافظ الأسد حتى وفاته في العام 2000. أمّا الحقبة الرابعة والتي تمتد من عام 1982 وحتى العام 2000 فهي الحقبة الأخطر والتي تخللتها الإنزلاقات الفكرية في النهج والتطبيق، حيث غاب الفكر الإيديولوجي الحزبي نهائياً عن الساحة بعد أن تمَّ استبداله بالعصا الأمنية لمن عصا، والجزرة لمن والى وصفّق، ودخلت سوريا في حالة ستاتيكية خطيرة جداً، كان من أهم سماتها :
1- تعزيز سيطرة النظام وقوته على الدولة والمجتمع.
2- فتح الباب أمام الإمتيازات والمكتسبات غير المشروعة لرجال الموالاة والسلطة.
3- العمل بقوة على عسكرة المجتمع بما فيها الجامعات من خلال نظام التدريب الجامعي.
4- التخلّي شيئاً فشيئاً عن رفاق الدرب في المراحل السابقة “السياسيين منهم والعسكريين” من غير المضمونة ولاءاتهم المطلقة.
5- كبح الحياة السياسية في المجتمع وخنقها وصولاً إلا إلغائها بالمطلق.
6- شخصنة النظام وإظهاره بهالة من القدسية في شخص الزعيم المفدّى والذي تدور في فلكه الدولة برمّتها. بالإضافة إلى نتائج كارثية كثيرة في التصحير الثقافي والفكري والركود الاقتصادي والانغلاق الاجتماعي بسبب الأحداث التي شهدتها سوريا من حرب الإخوان والسلطة. وعوامل أخرى جانبية جعلت من سوريا تشهد بدايات العدّ الخلفي، أو كالقطار الذي يُسافر بعكس الاتجاه، فتتحول إلى دولة يبقى فيها رئيس وزرائها محمود الزعبي مدة 15 عاماً متواصلة دون تغيير ..
كان مستهجناً جداً لدى السوريين أن يُسأل شخص ما عن طائفته، أو دينه، أو حتى قوميته. وكنا نتقاجأ في حالات كثيرة بمدير مدرسة كردي، أو آشوري أو كلداني. ولا نعلم عن دينه شيء. أمّا في الجامعات فكان السوريون يدرسون سنوات طويلة دون أن يعرفوا ما دين زميلهم في الغرفة نفسها أو مذهبه، أو أستاذهم الجامعي، أو رئيس الجامعة. أو حتى دين وزير التعليم الذي يتبعونه أو مذهبه أو قوميته. وفي المدن والمناطق نادراً ما كنا نسأل عن دين المحافظ أو رئيس المنطقة أو مذاهبهم. وفي ملايين الأبنية في جميع المدن السورية، يسكن عائلات من جميع الانتماءات الدينية والقومية والتي تتشابك وتتعايش كأبناء العائلة الواحدة. كذلك هناك قرى كاملة وعلى امتداد مساحة الأراضي السورية، نرى فيها هذا النموذج للتعايش حيث يكون قاطنوها من قوميات وأديان، بل وحتى طوائف مختلفة ومتنوعة. كان السوريون بعيدين جداً عن البركان المذهبي الذي يوشك أن يُذيب المنطقة بحممه ونيرانه، وذلك حتى وقت قريب جداً قبل الحراك الذي بدأ فيها في 15 آذار 2011.
ساهمت الأحداث الأخيرة( الثورة السورية) بما انضوى تحت جناحيها من تيارات سلفية ووهابية وإخوانية، وبما مارسته السلطة من طرق خاطئة جداً، وغير مدروس يغلب عليه طابع الحماقة والعماء، ساهم الطرفان في الهاب المشاعر المذهبية والطائفية والدينية في المجتمع السوري. والذي كان على ما يبدو مهيئاً لهذا اللهيب، يعود ذلك إلى التجارب المحيطة به في العراق ولبنان، والمدّ الشيعي الكبير في المنطقة بموازاة مشروع وهابي سلفي يجتاحان العقل العربي الذي فرّغته الحكومات من مضامينه خدمة لاستمراريتها في السلطة، إذا لا يستوي بحال من الأحوال الاستبداد والتنوير. بل الجهل والاستبداد هما صنوان لا ينفصلان..!
تخوض سوريا اليوم (معارضة، ونظاما، وشعبا) حرباً داخلية ضروسا تُهدّد وجودها كدولة، وتهدد مجتمعها بشرياً وإنسانياً واقتصادياً، ومن أكثر ما تهدد في هذا المجتمع هو فقدان نموذج العلمانية الجميل الذي كان سائداً في سوريا خلال عشرات السنين التي مضت. فالاصطفافات المذهبية والدينية والطائفية قد بلغت ذروتها، وأضحى الحديث في انتماء هذا أو ذاك من البديهي جداً في الأحاديث العامة والخاصة. وباتت شريحة كبيرة من السوريين تنظر إلى الآخر نظرة اقصائية قمعية، ويغالون في بعض الحالات لتصل حد القتل، والتصفية الجسدية. وهذه ثقافة دخيلة على سوريا ومجتمعها. ولم تكن أبداً حاضرة فيه. رغم بعض الحوادث والأحداث التاريخية التي حصلت هنا وهناك، إلاّ أنها لم تتحوّل يوماً إلى ثقافة عامة شاملة. وبقيت في حدودها الضيّقة والمضبوطة ذاتياً.
يمكن إرجاع أسباب هذه الصراعات المذهبية والطائفية في المنطقة إلى عوامل عديدة، نذكر منها هنا:
1- المشروع الوهابي الأصيل الذي يسيطر في منطقة الخليج على الدولة والمجتمع.
2- الثورة الإيرانية التي اندلعت في عام 1979 وأطاحت بنظام الشاه وبنت ما يُشبه الإمبراطورية المذهبية الشيعية الإثني عشرية ” بحسب دستور البلاد”.
3- وجود إسرائيل كدولة دينية متطرّفة مما انتج في المقابل تطرفاً آخر لتحقيق التوازن السيكولوجي في أذهان الناس وعقولها.
4- سقوط بغداد وتسعير الحرب المذهبية فيه بين سنته وشيعته بتغذية ودعم من عوامل خارجية كثيرة بينها أمريكا وإيران والسعودية وسوريا.
5- الحرب الأهلية اللبنانية وثقافتها التي عمّت المنطقة مع تطور وسائل الإعلام الجماهيرية الواسعة التي أصبحت في كل بيت وفي متناول كل طفل وهرم وشيخ وعجوز.
6- غياب الفكر التنويري العربي واحباط المشاريع القومية والوطنية وعجزها عن مواجهة المدّ الديني الأصولي منه وهو الأكثر خطورة.
7- غياب اليسار العالمي والفكر اليساري وصعود اليمين العالمي المتطرّف وخاصة في امريكا وبريطانيا والذي يعوّل كثيراً على الدين (الإنجيليون الجدد في أمريكا، جورج بوش الإبن نموذجاً)
8- وهو الأهمّ؛ غياب التنمية والتنمية المستدامة وانضمام جيوش عريضة من العاطلين عن العمل سنوياً إلى سوق العمل العربي مما أوجد بيئات حاضنة وحاملاً اجتماعياً هيّأ لنموّ هذه المشاريع بسبب الفقر والعوز ونقص الخدمات وغياب الدولة كمفهوم ومضمون، والفساد والنهب الممنهجين، وتهميش الطبقات الأكثر فقراً وغيابها عن التأثير في المجتمع. مما جعلها فريسة التجنيد للضخّ الديني الذي تمّوله عدّة دول في المنطقة.
هذه الظواهر الخطيرة التي تضرب العالم العربي، وسوريا منه، يستوجب التوّقف طويلاً للتأمل بأسبابه ودواعيه ونتائجه الكارثية. ولأنَّ سوريا هي بلد من الأهمية بمكان بسبب طاقاتها الفكرية والثقافية الكبيرة، فإننا نحاول هنا الإبقاء على إرثٍ تاريخي عريق يمكن أن يشكّل لبِنة قوية لإعادة إنتاج مشروع النهضة العربي الذي خاب واندثر منذ أربعينات القرن الماضي. واليوم نحن أمام تحدّيات هائلة، نبارك من خلالها التحوّلات الديمقراطية التي حملها غبار الطلع في الربيع العربي، ولكنّ السؤال الأهمّ هو : هل يجب علينا أن ندمّر هنا لنبنيِ هناك؟ أم أنها معادلة حتمية، تذهب بشياطين السياسة لتأتِي بديناصورات الدين
المنقرضة؟!
عن موقع الأوان للثقافة العقلانية: الموقع محجوب في السعودية، الرابط:

تجارة العبيد في البحر الأبيض المتوسط

هذه التدوينة مأخوذة عن موقع الأوان للحوار العقلاني وهي موقع محجوب في السعودية، وضعتها هنا للفائدة العلمية 

by هوك فردريك Hauke Friederichs

ترجمة: محمد المهذّبي
 .كم عاش من العبيد المسلمين في أوروبا؟ ليس من السهل اليوم تقدير ذلك ولا توجد أرقام دقيقة. في نهاية القرن السابع عشر كان هناك في ليفورنو، التي يبلغ عدد سكانها إحدى وعشرين ألفا، تسعمائة عبد. أ فينابولي التي يقطنها حوالي ثلاثمائة ألف ساكن –واحدة من أكبر مدن أوروبا-، على ما يبدو عشرة آلاف عبد…
كانت للقراصنة المسلمين من الجزائر وتونس وطرابلس سمعة سيّئة. غير أنّ أسواق العبيد وجدت أيضا في نابولي وبرشلونة المسيحيتين.
تطلق مدافع قلعة الجزائر ستّة عشر طلقة تحيّة للقراصنة العائدين وهم يجرّون وراءهم غنيمتهم المتمثّلة في سفينة القبطان هازنبرغ من هامبورغ. يتوقّف غزاة البحر بالميناء في حين يتجّه قبطان القراصنة مباشرة إلى البرّ فلديه صيد ثمين ليبلغ عنه.
كان من بين ذلك الصيد يوهان ميشائيل كيهن (Johann Michael Kühn) شابّ الخامسة والعشرين القادم من مدينة غوتا (1). كان مجروحا يرتدي أسمالا بالية وفي غاية الجوع بعد أن تعيّن عليه الصبر طويلا على متن السفينة. استولى الجزائريون قبل أسابيع قليلة على تلك السفينة وتحديدا في بداية أفريل من سنة 1725 وقتلوا بعض أفراد الفريق ثمّ رموا بجثثهم في البحر.
كانت سفرة الهامبورغيين في الأصل متّجهة إلى قادس (2)، ولكنّها انتهت بشكل مفاجئ قرب رأس القديس فنسنت أقصى جنوب غربي البرتغال. عندما اكتشف الرجل المكلّف بالحراسة سفينة كبيرة غريبة، بادر إلى دقّ ناقوس الخطر. “أتراك أتراك!”، صاح مخاطبا من بداخل السفينة. توجّه القراصنة مباشرة نحو الألمان بسرعة كبيرة. فقط قبل وقت قصير من الهجوم رفعوا علمهم ليتبيّن أنّهم قادمون من الجزائر.
كانت الدولة الإفريقية الشمالية يومها، شأنها شأن تونس وطرابلس، خاضعة لدفع الإتاوة لسلطان إسطنبول وتمثّل صوريا جزءا من الإمبراطورية العثمانية، غير أنّها تتصرّف عمليا بشكل سياديّ إلى حدّ كبير. “قطعان بائسة من ذوي البشرة الداكنة” أو”الشيطان التركي” كما سمّت الصحف الألمانية الأولى في القرن السابع عشر قراصنة شمال إفريقيا ويسمّون “برباريسكي”(3) في الغالب. لقد عاشت الجزائر وتونس وطرابلس، “الدول البربرية”، من القرن السادس عشر إلى بداية القرن التاسع عشر على القرصنة بصفة شبه كلّية.
 
المسيحيون “ذهب أبيض”
شأنهم شأن القراصنة الصوماليين الذين يهدّدون اليوم أمن خليج عدن والمحيط الهندي، كانوا أقلّ اهتماما بشحنات السفن منهم بالسفن في مجملها إذ يختطفون الطاقم والمسافرين لابتزاز الفدية. وعندما لا يكون ضحاياهم من عائلات غنية أو ممّن يقف وراءهم فاعل خير ليفتديهم، يتمّ عندها استعبادهم. في إفريقيا موطن مئات الآلاف من عمال السخرة الذين كانوا يعانون من العمل الشاقّ بمزارع القطن بأمريكا الشمالية وجد لقرون عبيد بيض عرفوا مصيرا مماثلا. كان البحارة المسيحيون يخشون البربرسكيين الذين يسلبونهم حريّتهم أكثر من كلّ القراصنة الآخرين.
حتّى يوهان ميشائيل كيهن وبقية أفراد الطاقم أصابهم الخوف حين اقترب “الأتراك” أكثر إلى أن صار يمكنهم سماع الصراخ. اتجه القبطان هازنبرغ إلى فريقه :”أبنائي الأعزّاء، إنّهم غزاة حقيقيون، ولذا فعلينا الاختيار بين أحد خيارين، إمّا العبودية أو الموت. أمّا الهروب فلا قدرة لنا عليه”.
قرّر الفريق المقاومة وبيع حريّته بثمن غال. أعدّوا الدروع وشحنوا البنادق، غير أنّ الأتراك الملاعين انتصروا بعد ساعات من القتال، كما يروي “كيهن” في كتابه “وصف عجائب الحياة والأسفار” (4) الذي حرّره له كاتب مجهول وصدر في مسقط رأسه مدينة غوتا. تكبّد البحارة الأسر لسنوات وأصبح يوهان ميشائيل كيهن “عبدا أبيض” بشمال إفريقيا. لم ير معظم رجال سفينته بعد ذلك أبدا.
اقتيد مباشرة من الميناء إلى ساحة البادستان حيث سوق العبيد بالجزائر كجزء من الغنيمة التي تمّ اقتسامها بين شركاء سفينة القراصنة. قاد المنادي كيهن عبر “هذه الساحة الجامعة لكلّ المعذّبين في الأرض” وثمّن الألماني :” من يدفع أكثر؟” غير أنّ التجّار قدّموا له أقلّ من المطلوب، فتمّ تقييد الأسير بسلاسل ثقيلة وحبسه في حفرة مظلمة. يعود كيهن من جديد في اليوم الموالي إلى سوق العبيد، عاريا “كما ولدته أمّه”، يلامسه الغرباء ويجبر على الركض والقفز. اشتراه بعد ذلك قبطان القراصنة تحديدا، ذاك الذي سلب حرّيته. أمر السيّد الجديد كيهن بتجهيز السفينة للغزوة القادمة. وعندما انطلقت سفرة سفينة “الشمس الذهبية” بعد ذلك بأسابيع، من أجل تحصيل غنائم جديدة، كان “كيهن” مع من كان على ظهر السفينة.
هجمت “الشمس الذهبية” أوّلا على زورق ثمّ على سفينة تجارية من هامبورغ. وعندما حمل الأسرى على متن السفينة “حدث لهم ما حدث لي في السابق حيث نزعت ملابسهم ولم يترك لهم سوى سراويلهم القديمة التي يرتدونها في السفينة وميدعاتهم وتمّ منحهم الضرب بسخاء مع غذاء أقل” كما ورد في “وصف عجائب الحياة والأسفار” لكيهن. تعيّن عليه مرافقة سادته في الغزوات لسنين عديدة وكانت سنين ملؤها الخوف والضرب واليأس.
خزينة تحرير العبيد بهامبورغ
طيلة ثلاثة قرون – من عصر مارتن لوثر إلى نهاية عصر نابليون- تقاسمت الآلاف المؤلفة من البحّارة والمسافرين في السفن وسكّان سواحل إسبانيا وإيطاليا مصير البحار الألماني بعد أن اختطفهم قادمون من شمال إفريقيا وباعوهم عبيدا.
اعتبر المسيحيون “ذهبا أبيض”. كان البربرسكيون في الغالب يهتمّون بالغنائم البشرية أكثر منهم بالأكياس والبراميل المكدّسة في غرف الشحن. وفي البانيوس (5)، أحياء العبيد، كان المئات وأحيانا الآلاف من المسيحيين يعاملون معاملة العبيد. كان من بينهم في القرن السادس عشر الأديب الإسباني ميغيل سربنتس الذي استلهم فترة معاناته في أعمال من بينها روايته المشهورة “دون كيخوته”.
كان يعيش في مدينة الجزائر وسكانها المائة ألف، خلال منتصف القرن السابع عشر، ما بين ثمانية وأربعين ألف عبد. كانوا يعملون لدى العائلات الغنية في العناية بالحدائق وتقديم المشروبات ومساعدة النساء فضلا عن الطبخ والخدمة. أمّا من كان أقلّ حظّا فيجبر على التجديف في المراكب أو العمل بمقاطع الحجر أو في الحقول. لا يحصل على الحرّية إلاّ من جاءت فديته من أوروبا أو الذي يعتنق الإسلام.
كانت الكنائس الأوروبية تخشى على الخلاص الروحي للعبيد، وكانت دائما ما ترسل رجال دين إلى شمال إفريقيا من أجل تثبيت دين الأسرى. ولتخليص النفوس المكرهة، تشتري بعض الفرق المسيحية بانتظام عبيدا وتحرّرهم. وخلال قرون نشأ نظام واضح المعالم بقواعد وأسعار ثابتة، يعتمد على تجار إسبان وإيطاليين كوسطاء مع وكلاء لهم بالجزائر وتونس وطرابلس. وحتّى الديبلوماسيون المعتمدون بشمال إفريقيا تمّ إشراكهم في هذه التجارة. كان الكثيرون يكسبون أموالا لا بأس بها من الاشتغال بالنخاسة في العبيد البيض.
يصعب أن تقدر عائلة واحدة على جمع المبلغ المطلوب للفدية. في شمال ألمانيا، لا سيما في الموانئ البحرية الكبيرة، يتمّ جمع المال للبحّارة المخطوفين. وجدت في كنائس هامبورغ تماثيل تجسّم الضحايا في شكل بحّارة من خشب بسلاسل حديدية حقيقية في الأيدي والأرجل، كانت تستحضر لدفع رواد الكنيسة للتبرّع بالمال.
ويقع تمويل الفدية بالمال المجموع وكذلك بالمنح التي تهبها الأميرالية (6) إضافة إلى ما يتمّ اقتطاعه من البحّارة. تضرّرت تجارة هامبورغ مع إسبانيا بالخصوص بسبب البربرسكيين. فقد وقع في “الأسر التركي” أكثر من ألف بحّار خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. فمنذ 1624 تمّ إنشاء صندوق تحرير العبيد بالمدينة الهانزياتية (7)، وهو يعتبر إحدى أوائل شركات التأمين البحري، مهمتّه الوحيدة استرجاع الهامبورغيين المخطوفين.
كان ما يسمّى بأب العبيد، أمين الصندوق، يتجوّل عبر المدينة لجمع المال. وكان هو الذي ينظّم تسليم الفدية أيضا، وهي مهمّة تتطلّب الصبر. تمرّ شهور أحيانا لكي تصل الرسائل أو المبالغ المرسلة أو الصرف من شمال ألمانيا إلى شمال إفريقيا. وفي الدانمارك وأراضيها التابعة لها بمنطقة هولشتاين أنشئت أيضا صناديق تحرير العبيد في بداية القرن الثامن عشر.
كان البحّارة يبلغون أسعارا عالية في أسواق العبيد. ويعتبر ربّان السفن والقائمون على المقصورات أو ضاربو المدافع مطلوبين بشكل خاص ويقع إجبارهم على الخدمة. “وجدير بالذكر أنّ الأتراك ما كانوا ليقدروا على القيام بعمليات السطو البحرية لو لم يكن لديهم عبيد مسيحيون يصنعون سفنهم ويقودونها”، فيما يروي كريستيان غوتليب لودفيغ المشارك في رحلة إفريقية من ساكسن سنة 1732 انطلاقا من الجزائر.
نجح بعض العبيد المسيحيين كقراصنة. ونقل المسيحيون ممن اعتنقوا الإسلام للبربرسكيين تقنيات جديدة في مجال صناعة السفن وفي استعمال المدفعية ولكن أيضا في فنّ الملاحة. تقدّم غزاة البحر بعد سنة 1600 في المحيط الأطلسي نحو الشمال، إلى أن وصلوا سنة 1627 حتىّ إلى إيسلندا على ما يقال. هناك قام القراصنة بأخذ بعض سكّان الجزيرة معهم إلى الجزائر. ووصل القراصنة أيضا إلى مصبّ نهر الإلب (8) على ما يبدو، حسب مؤرخي هامبورغ. ولكن ليس ذلك مؤكّدا. من الثابت أنّهم تقدّموا إلى حدود بريطانيا العظمى.
كان الهولنديون والفرنسيون وقوى بحرية أوروبية أخرى يشترون دائما سفرات بحرية مؤمنة ويدفعون الإتاوات للجزائر وطرابلس وتونس من أجل ذلك. وعندما ينكث البربرسكيون العهد- وهو كثيرا ما يحدث- يرسل الملوك المسيحيون حملات تأديبية للبحر الأبيض المتوسط. تمّ قصف الجزائر مرّات عديدة. غير أنّ ذلك لم يفد بشيء ضدّ القرصنة، فقد خسر الهولنديون لوحدهم في الفترة من 1617 إلى 1625 عددا كبيرا من السفن وصل إلى مائتين وستّ بسبب قراصنة شمال إفريقيا.
وخسرت هامبورغ الفخورة فيما بين 1613 و1621 مع ذلك ستّا وخمسين سفينة. استثمر مجلس المدينة المعروف تقليديا بشحّه مبالغ كبيرة لإنشاء سفن حربية ترافق وتؤمّن البعثات التجارية. وعندما خفضت المدينة مستوى الحماية المرافقة في القرن الثامن عشر بسبب ارتفاع النفقات، خسرت في الفترة من 1719 و1747 من جديد خمسين سفينة تجارية بسبب البربرسكيين وتمّ خطف ستمائة واثنين وثمانين بحّارا كعبيد. وفي منتصف القرن كان حوالي مائة عبد من أهل هامبورغ في الجزائر لا يزالون في انتظار الفدية.
غير أنّ المسيحيين من جانبهم لم يتصرّفوا مع رهائنهم المسلمين بشكل أفضل. ففي كل مكان من شواطئ الإمبراطورية العثمانية كانت أنظمة فرسان مالطة والقديس ستيفانوس من ليفورنو تسعى لاصطياد سفن المسلمين. “كورسو” هي الكلمة التي كان يطلقها فرسان مالطا على حملاتهم التي تتمّ مرّات كل سنة. كانت طواقم السفن تتعرّض للاستعباد وتفرض عليها السخرة.
“”أصبحت الجزائر وتونس وطرابلس في ثلث القرن الأخير للمحمّديين تماما مثلما كانت جزيرة مالطا للمسيحيين. فقد قامت تلك الدول بحروب مستمرّة ضدّ الأوروبيين مثلما فعل فرسان مالطة ضدّ المحمّديين” على حدّ قول الرحّالة إلى الشرق الألماني- الدانماركي المشهور كارستن نيبور. ويعتبر أحد أفضل العارفين بشمال إفريقيا في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر. وفي مجلّة المتحف الألماني يكتب نيبور كيف أنّه التقى في القاهرة مسلما روى له وصفا مرعبا لمعاناته عندما وقع في الأسر لدى فرسان مالطة. ” استمع الواقفون حوله من الرعاع باهتمام وقدّموا له صدقة ولعنوا من وقت لآخر فرسان مالطة أيضا باعتبارهم برابرة كفارا.”
“صراع الثقافات” في البحر الأبيض المتوسط
فرسان مالطا الذين يتمّ أسرهم من طرف المسلمين ينتهون عادة في المشانق فهم يعتبرون قراصنة في الامبراطورية العثمانية. أما بالنسبة للمسيحيين الأوروبيين فإنّ الحملات البحرية ضدّ المسلمين الكفرة تعتبر على العكس من ذلك مشروعة إن لم تكن واجبا دينيا. يبرّر فرسان مالطة هجوماتهم بـ”صراع الثقافات” (9) في البحر الأبيض المتوسط. في سنة 1664 وصل الفرسان الغزاة إلى تحقيق نجاح كبير بسطوهم على السفينة التركية “السلطانين”. ووقع في الأسر ثلاثمائة وخمسون رجلا. وكان من بين ما سباه القراصنة المسيحيون أيضا إحدى نساء السلطان وابنها. تمّ اختطاف الولد من أمّه وتعميده وتربيته على الدين المسيحي قبل تقديمه للدومينيكانيين. هناك حقّق الشابّ في ما بعد نجاحا تحت اسم “دومينيكو أوتومانو”.
أمّا أغلب المسلمين فكانوا مع ذلك يباعون من قبل أنظمة الفرسان في أسواق العبيد بمالطا وليفورنو ونابولي وبرشلونة، وكذلك في موانئ صغيرة مثل ميناء كالياري الإيطالي حيث كان القراصنة المسيحيون يضعون غنائمهم البشرية للبيع. كان جيوليلمو بريبوست أحد هؤلاء المحتالين الذين يسافرون للغزو قرب سواحل المغرب العربي حيث اشتهر باختطاف الأطفال. على ميناء كالياري مباشرة يقدّم أولادا وبنات للبيع من بينهم أطفال في سنّ الرابعة إلى السادسة وأحيانا حتى الرضّع. كانت رسائل الحملات البحرية (10) لملك سافوا تشرّع لبريبوست مثل هذا الفعل الشنيع.
كم عاش من العبيد المسلمين في أوروبا؟ ليس من السهل اليوم تقدير ذلك ولا توجد أرقام دقيقة. في نهاية القرن السابع عشر كان هناك في ليفورنو، التي يبلغ عدد سكانها إحدى وعشرين ألفا، تسعمائة عبد. أما في نابولي التي يقطنها حوالي ثلاثمائة ألف ساكن –واحدة من أكبر مدن أوروبا-، على ما يبدو عشرة آلاف عبد. ولكن كان من بينهم أيضا عبيد من إفريقيا السوداء.
لقاء والد غوته بعبيد مسلمين في ليفورنو
تعيّن على العبيد الذين سباهم المسيحيّون التجديف في زوارق البحرية الحربية أو العمل بحظائر الدولة أو مصانع السفن أو مقاطع الحجارة أو كخدم عاديين أو للوجهاء. كتب “يوهان كاسبار غوته” والد الشاعر المعروف في “رحلة عبر إيطاليا” عن زيارة لحيّ العبيد في ليفورنو سنة 1740. كانت المدينة الإيطالية الميناء الأهمّ لفرسان ستيفانوس التوسكانيين وقاعدة للكثير من القراصنة المسيحيين. “إنّها منطقة معزولة” يكتب “غوته” الأكبر عن البانيوس ” يتم فيها حشر العبيد والموقوفين للتجديف في الزوارق والذين يسمح لهم خلال النهار بكسب قوتهم في المدينة”. غير أنّه لم ير الجامع “التركي” وهو قاعة بسيطة يجتمع فيها العبيد للصلاة.
تصرّف القراصنة المسلمون والمسيحيون بحدّة كبيرة تجاه سفن الطرف الآخر. ولذا فقد بقي البحر الأبيض المتوسط غير آمن خلال ثلاثة قرون. فحتى في سنة 1787، أي إثر سبعة وأربعين عاما من الرحلة الإيطالية لأبيه، تخوّف “يوهان فولفغانغ فون غوته” من غزاة البحر الجزائريين عندما ركب سفينة فرنسية من صقلية إلى نابولي. ونجد صدى لاحقا لذلك الخوف في جملة ميفيستوليس في الجزء الثاني من فاوست : ” توجب عليّ أن لا أعرف الرحلة بالسفينة : الحرب والتجارة والقرصنة/ ثلاثة تتحّد ولا مجال للفصل بينها” (11).
هذه الثالوث المتحد هو ما عرفه أيضا “يوهان ميشائيل كيهن” القادم من غوتا والذي اختطف على متن سفينة تجارية من هامبورغ. حصل رئيسه في العمل على مال كثير من بيع البحّارة المخطوفين وتسلّم مقابل كيهن، الذي خدمه لسنوات دون راتب، في النهاية مبلغ خمسمائة وسبعين رايشستالر (12). دفع ذلك المبلغ القنصل الهولندي بالجزائر وجاء المال من عند وجهاء بلد كيهن ومن جمع التبرعات بغوتا وألتبورغ ومن صندوق تحرير العبيد بهامبورغ ومن ميراثه الشخصي. بعد أربعة عشر سنة وشهرين وسبعة عشر يوما انتهى استعباد كيهن. كان ذلك على حدّ قوله زمانا “تحمّلت فيه كلّ ما يقع تحت مسمّى المعاناة الإنسانية”.
غادر موطن معاناته على متن سفينة شراعية.”في 12 جويلية 1739 جدّفنا بفضل ريح مواتية بعيدا عن الجزائر الملعونة” يكتب كيهن. حملته السفينة إلى مرسيليا. وفي المدينة الساحلية الفرنسية يلتقي صدفة بحامد “الأسود” الذي تعيّن عليه العمل عبدا بمصنع فرنسي للسفن. تعرّف عليه كيهن في الجزائر خلال رحلة غزو وحصل عندها تبادل للأدوار. أصبح كيهن رجلا حراّ في حين صار حامد عبدا بعد أن أسره فرسان مالطا على ما يروى قبل ثلاث سنوات. “تمنيت له حظا سعيدا… وذكّرته بالمعاملة التي يلقاها العبيد المسيحيون البؤساء الذين وجبت عليهم المعاناة والتحمّل” يكتب كيهن.
في السادس والعشرين من ديسمبر سنة 1739 عاد إلى غوتا. لم تتوقف قرصنة البربرسكيين إلاّ باستيلاء الفرنسيين على الجزائر سنة 1830. غير أنّ أثر يوهان ميشائيل كيهن ضاع بسرعة. يبقى ثابتا فقط أنّه في سنة 1740، أي حتى قبل طبع كتابه “وصف عجائب الحياة والأسفار”، غادر مدينته الأصلية ليركب البحر من جديد.
عن صحيفة “دي تسايت” الألمانية
الكاتبة :Hauke Friederichs
المصدر : DIE ZEIT, 16.5.2012 NR.21
هوامش (المترجم) :
1) Gotha مدينة صغيرة بمقاطعة تورنغن شرق ألمانيا.
2) Cádiz بالأندلس جنوب إسبانيا.
3) Barbaresken تطلق على بلدان المغرب العربي خلال الفترة من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر.
4) Merkwürdige Lebens-und Reisebeschreibung
5) Bagnos ويعتبرها البعض سجونا أو “مخازن” للعبيد البيض لا سيما لمن هم على ملك “الدولة”.
6) Admiralität وهي أعلى سلطة بميناء هامبورغ من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر هدفها حماية السفن التجارية.
7) Hanseatisch نسبة إلى كلمة Hanse التي تعني “مجموعة”. وتطلق قديما على مدن هامبورغ وبريمن ولوبيك المعروفة بتجارتها البحرية والتي تحالفت من أجل حماية مصالحها المشتركة.
8) نهر الإلب Elbe يشق مدينة هامبورغ ليصبّ في بحر الشمال أما منبعه فهو بجبال تشيكيا.
9)  Kampf der Kulturen :رغم أنّ كاتبة المقال تضع المصطلح بين ظفرين إلاّ أنّ استعماله في مثل هذا السياق ربّما كان يحتاج إلى توضيح.
10)  Kaperbriefeوهي رسائل يقدّمها الملوك وتسمح لحاملها بمطاردة وتدمير أو إيقاف سفن الجهات المعادية وتسمى بالفرنسية Lettre de marque أو Lettre de course.
11) هكذا وردت في الأصل :
»Ich müßte keine Schiffahrt kennen: / Krieg, Handel und Piraterie, / Dreieinig sind sie, nicht zu trennen.«
12) Reichstaler: عملة ألمانية تعود إلى القرن السابع عشر.
رابط المقال:

حول ضرورة العلمانية

كتب بقلم: محمد محمود

 عن: الأوان لثقافة علمانية عقلانية (الموقع محجوب بداخل السعودية)

قضية العلمانية هي قضية الساعة في العالمين العربي والإسلامي وخاصة بعد ثورات الربيع العربي والانتصارات الانتخابية الأخيرة الكاسحة للحركة الإسلامية في تونس ومصر. ورغم الانحسار البادي في حركة العلمانيين وضعف حضورهم الفكري والسياسى في البلاد الإسلامية، إلا أن ضرورة العلمانية وقوة الحجة العلمانية وسلامتها لم تتأكد مثلما تتأكد اليوم على ضوء مجموع تجارب هذه البلاد وواقع الانحطاط والتخلف الذي تعيشه والذي يلعب الإسلام دورا أساسيا في تشكيله وعيا واستجابة.

[1]

نشأت العلمانية، كما هو معروف، في سياق الصراع بين الدولة القومية والكنيسة في أوربا. ولقد كانت الشرارة التي أشعلت هذا الصراع هي التمرد الرافض الذي قاده القس مارتن لوثر في بداية القرن السادس عشر ضد الكنيسة الكاثوليكية وفسادها، وكانت هذه بداية حركة الإصلاح الديني التي لم تقسم الكنيسة فحسب وإنما قسمت أوربا نفسها إلى أوربا كاثوليكية وأوربا بروتستانتية. ولقد أدّى هذا الانقسام، علاوة على أسباب أخرى، للحرب التي عرفت بحرب الثلاثين عاما والتي استمرّت من عام 1618 إلى عام 1648، وهي حرب ذاق فيها الأوربيون ويلات وفظائع فادحة وعظيمة. وعندما انتهت الحرب بتوقيع اتفاقية صلح ويستفاليا (Westphalia) (منطقة في ألمانيا) كانت أوربا قد تعلمت درسا هاما وهو ضرورة إبعاد الكنيسة عن شئون الدولة والحكم. ودخلت كلمة ”علمنة“ (secularization) لأول مرة في القاموس السياسي عندما استعملها الموقعون على الصلح لتدلّ على عملية نقل المناطق التي كانت خاضعة للسلطات الكنسية لسلطات جديدة غير كنسية. وكانت هذه العملية التي عبّرت عنها كلمة علمنة هي الأساس لبزوغ العلمانية (secularism) كموقف فكري يدعو لفصل الدين عن الدولة.

هذا التاريخ الأوربي ما لبث أن تداخل مع تاريخ المسلمين لأن المسلمين كانوا فعليا جزءا من أوروبا وقوة استعمارية ذات حضور وخطر منذ عام 1453 عندما سقطت القسطنطينية في يد الأتراك العثمانيين. ولقد أعقب سقوطَ القسطنطينية تمددٌ إسلامي بلغ ذروته عندما هيمن العثمانيون على أواسط أوروبا ووقعت البلقان واليونان والمجر تحت سيطرتهم ووصل جيشهم أعتاب فيينا عام 1529. وكان من الطبيعي أن تدفع الدولة العثمانية ثمن نجاحها في أوروبا إذ أصبحت قوة أوروبية تؤثر في أوروبا وتتأثر بما يحدث في أوروبا. وفي هذا السياق الكبير ما لبثت الدولة العثمانية ذات الإيديولوجية الإسلامية المرتكزة على الشريعة أن اصطدمت بالتحولات العلمانية التي عصفت بأوروبا.

ولقد واجه العثمانيون أزمة مرجعيتهم الدينية في إطار أزمة كبرى هي التحدي السياسي والعسكري المتمثل في مطامح القوى الاستعمارية الأوربية التي أرادت إضعاف إمبراطوريتهم واقتسامها. وكان من الواضح للعثمانيين منذ بدايات القرن التاسع عشر أن نظام الملل القروسطي الذي وزّع مواطني الإمبراطورية العثمانية حسب أديانهم وطوائفهم لم يعد يفي بطموحات ومطالب الواقع الجديد الذي خلقته تحولات أوروبا. وكان لا بدّ لهم من مواجهة التحدي والاستجابة له. ولقد كانت استجابة العثمانيين استجابة حكيمة ومرنة وواقعية إذ شرعوا بإدخال إصلاحات قانونية وإدارية جذرية، وهي الإصلاحات التي عُرِفت بالتنظيمات وانتظمت الإمبراطورية من عام 1839 إلى عام 1876. وفيما يتصل بالشريعة فإن حركة التنظيمات لم تحجم عن إلغاء الكثير من أحكامها ومظاهرها التي تتعارض مع روح العصر. وهكذا ألغيت في عام 1840 عقوبتا الرجم وقطع اليد، وألغي الرق وتجارته في عام 1847، وفي عام 1858 ألغي حد الرِّدّة. واحتذى العثمانيون حذو أوروبا في أمر آخر هام وذلك عندما تبنوا فكرة المواطنة (وهذه كانت من أكبر ثمرات التحوّل العلماني في أوروبا) فألغوا مظاهر تمييز الشريعة ضد غير المسلمين، والتي كان أبرزها الجزية، وساووا بين المسلمين وغير المسلمين في الشهادة وسمحوا لغير المسلمين بدخول الجيش. ولقد حاولت حركة العثمانيين الجدد، وهي حركة ترجع نشأتها لعام 1865 وشكّلها مثقفون تأثروا بأفكار الثورة الفرنسية والفكر الدستوري، إصلاح بنية النظام السياسي ليصبح نظاما ملكيا دستوريا ذا مجلس برلماني. ونجح العثمانيون الجدد في إقناع النظام بإدخال قانون أساسي عكس قناعاتهم الدستورية. إلا أن هذا النجاح كان قصير الأمد إذ ما لبث أن تحرّك السلطان عبد الحميد الثاني ضد هذه الإصلاحات وعطّل أول برلمان عثماني عام 1878.

[2]

وعلى ضوء هذا الواقع التاريخي يتّضح لنا بطلان الصورة التي يرسمها المفكرون الإسلاميون عندما يتحدّثون عن العلمانية وكأنها تجربة أوربية خالصة ولا علاقة لها بالإسلام وبواقع المسلمين إلا في سياق الهيمنة الاستعمارية. صحيح أن العلمانية كفكرة (مثلها مثل الديمقراطية التي لم يعد أغلب الإسلاميين يرفضونها) كانت بنت الواقع الأوربي وعكست تحولاته التاريخية والسياسية. إلا أن العلمانية كموقف فكري وسياسي يرتّب العلاقة بين الدين والدولة تمثّل إمكانية فكرية كامنة ومستقرّة في أي مجتمع فيه دين ودولة. وبهذا المعنى فإن الاحتمال النظري لطرح مسألة فصل الدين عن الدولة داخل المجتمع الإسلامي لم يكن يقلّ عن الاحتمال النظري لطرح نفس المسألة داخل المجتمع الأوربي المسيحي، وكل ما في الأمر أن عوامل تاريخية معينة هيأت لأوروبا أن تسبق العالم الإسلامي وباقي العالم فتتبنى الخيار العلماني (والديمقراطي) ليصبح جزءا من ثقافتها وممارستها السياسية (وتنطبق نفس الحجة على نمو العلم الحديث مثلا إذ أن الاحتمالات كانت موجودة داخل العالم الإسلامي إلا أن ظروف أوروبا وفّرت الخميرة والظرف المواتي الذي دفع بالعملية لأفقها الأكبر). وكان من الواضح للعثمانيين، وخاصة الصفوة المثقفة، أن العلمانية هي الخيار الصحيح وخيار المستقبل وأن الإسلام خيار تاريخي لا يصلح كنظام للحكم ولمواجهة تحديات العصر.

هذا الانقلاب الفكري لم يمثّله مثقفون علمانيون فقط مثل مثقفي حركة العثمانيين الجدد وغيرهم وإنما مثّله أيضا مثقفون دينيون، كان أبرزهم علي عبد الرازق (ت 1966)، تلميذ محمد عبده (ت 1905)، الذي أصدر عام 1925 كتابه الشهير الإسلام وأصول الحكم والذي رفع فيه شعار أن الإسلام ”رسالة لا حكم، ودين لا دولة“. وهكذا فرّق عبد الرازق بين الدين والدولة في الإسلام تفريقا صارما وانتقد الخلافة الإسلامية انتقادا عميقا وهاجمها معتبرا إياها سببا أساسيا من أسباب انحطاط المسلمين في أمور دينهم ودنياهم. يقول عبد الرازق بهذه الصدد ”ثم إذا الخلافة قد أصبحت تلصق بالمباحث الدينية، وصارت جزءا من عقائد التوحيد، يدرسه المسلم مع صفات الله تعالى وصفات رسله الكرام … تلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين، أضلوهم عن الهدى وعموا عليهم وجوه الحق … وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة … والحق أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارف عليها المسلمون … والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وإنما تلك خطط سياسية صرفة، لا شأن لدين بها … ولا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدّوا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه. وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم، على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وما دلّت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.“ (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000، ص 181-182). ورغم أن عبد الرازق يتحدث وكأنه يستند على مرجعية دينية إلا أن حجته تنطلق في واقع الأمر من المنطلق العلماني المألوف الذي يفرّق بين الدين والدولة ويصرّ على الفصل بينهما. وأسلوب عبد الرازق هذا للتعبير عن علمانيته لا يختلف عن أسلوب أستاذه محمد عبده وسائر الإصلاحيين المسلمين الذين ينجذبون للمواقف التحولّية الجديدة ثم يلجأون بعد ذلك لتوطينها وترسيخها عبر منطق يعتمد لغة الخطاب الديني. وجذرية الخطاب الذي تبنّاه عبد الرازق، وهو الشيخ الذي أنتجته مؤسسة الأزهر العريقة الحاملة دوما لراية الدفاع عن التراث التقليدي، لا تبرز فقط في إصراره على التفرقة العلمانية بين ”الخطط الدينية“ (أي الدين) و”الخطط السياسية“ (أي الدولة) وإنما أيضا في تبنيه للعقل كأساس لتنظيم شئون الحياة. ولقد دلّ إصدار عبد الرازق لكتابه على شجاعة فكرية وسياسية كبيرة، إذ لم يكن إعلان رفضه للدولة الإسلامية وتبنيه للعلمانية تحديا للمؤسسة الدينية فحسب وإنما كان أيضا تحديا لرغبة الملك فؤاد الذي كان يطمح لوراثة منصب الخلافة بعد إلغاء الجمهورية التركية الوليدة للخلافة العثمانية في مارس 1924. (ولقد دفع عبد الرازق ثمن شجاعته عندما سحب منه الأزهر شهادته وأخرجه من زمرة العلماء وفصلته الدولة من وظيفته كقاض بالمحاكم الشرعية).

[3]

ولكن ما الذي حدث على مدى العقود الماضية، التي كادت تبلغ التسعة، منذ أن أصدر عبد الرازق كتابه؟ هل فقدت الحجة العلمانية قوتها ومعناها، مما جعل التيار الإسلامي يصبح تيارا شعبيا كاسحا ويمثل تيار المعارضة الأساسية في أغلب البلاد الإسلامية؟ إن أسباب صعود التيار الإسلامي وهيمنته الحالية عديدة ومعقّدة وليس هذا مجال الدخول في تفصيلها، إلا أن ما نلاحظه بشكل عام ويصلح مدخلا لحديثنا عن ضرورة العلمانية هو أن الحركات الإسلامية سواء كانت في السلطة أم المعارضة لا تستطيع تجاهل التحولات المرتبطة بعملية العلمنة في البلاد العربية والإسلامية والقفز فوقها.

دعنا نبدأ الحديث عن ضرورة العلمانية بالحديث عما نعنيه بالتحولات المرتبطة بعملية العلمنة (secularization). رغم أن ثمة تداخل وعلاقة بين العلمانية والعلمنة، إذ يرتبط كلاهما بالعلاقة بالدين، إلا أن العلمنة تدلّ على عملية اجتماعية متميزة ومستقلة إلى حد عن العلمانية. فبينما أن العلمانية تعبّر عن موقف فلسفي وسياسي يدعو لفصل الدين عن الدولة، فإن العلمنة تعبّر عن مجموع التحولات الاجتماعية والمعرفية وتحولات القيم التي تضعف هيمنة الدين في حياة الناس وتنزع سلطته تدريجيا، وهي العملية التي لخّصتها العبارة الجامعة للاجتماعي الألماني ماكس فيبر (ت 1920) عندما تحدّث عن ”نزع السحر عن العالم“(“disenchantment of the world”). ولعل أبرز وأهمّ تحوّل اجتماعي في المجتمعات الإسلامية في القرن العشرين هو خروج المرأة من البيت وانخراطها في العملية التعليمية والانتاجية جنبا إلى جنب الرجل، وهو خروج ما لبثت المؤسسة الدينية أن قبلته رغم مقاومتها له في البداية (وهي مقاومة لا نزال نشهد ذيولها ممثلة في موقف حركة طالبان في أفغانستان). وعلى المستوى المعرفي نجد أن الدين في عالمنا المعاصر قد فقد هيمنته المعرفية في تفسير العالم، إذ ظهر نشاط معرفي آخر، وهو العلم الحديث، ينافس الدين في تفسير العالم ويتفوّق عليه، مما جعل الدين بشكل عام يتراجع كمصدر لمعارفنا عن العالم. ويمكننا أن نقول نفس الشيء بشكل عام عن مجال القيم إذ أن أحكامنا الأخلاقية مثلا لم تعد تخضع في كل الأحوال للمرجعية الدينية. وهكذا ورغم الحضور الكثيف والخانق للخطاب الديني في العالم الإسلامي، ورغم القوة السياسية الكاسحة للحركات الإسلامية وأحيانا عنفها التصفوي في مواجهة خصومها، ورغم الانتشار الكثيف للرموز الخارجية للتدين الاجتماعي (وأبرزها الحجاب) إلا أن السياق العام هو سياق علمنة تجرّد الإسلام من سلطته تدريجيا ولا يستطيع منها فكاكا، مثله في ذلك مثل سائر الأديان في عالمنا المعاصر.

ومثلما عنت العلمانية في حدّها الأدنى في أوروبا فصل الدين عن الدولة وعنت في حدّها الأعلى إبعاد الدين عن المجال العام ليصبح نشاطا مقتصرا على المجال الخاص والشخصي لا يخرج عنه (وبذا يصبح علاقة بين الإنسان وموضوع عبادته)، فإنها تعنى فى سياق الإسلام نفس الشيء. وهكذا فإن العلمانية في العالم الإسلامي هي نقيض الدولة الإسلامية، سواء كانت هذه الدولة مظهرا متحققا (كما هو الحال في السعودية وإيران مثلا) أم مشروعا قيد التحقق (كما هو الحال في مصر أو تونس مثلا). وكفاح العلمانيين في العالم الإسلامي اليوم هو بشكل عام كفاح في مستوى الحد الأدنى، والاستثناء الوحيد هو تركيا حيث نجد أن الإسلاميين قد قبلوا بالعلمانية في مستوى الحد الأدنى (أو على الأقل قد أعلنوا قبولهم لها) وأن العلمانيين يكافحون لرفع الالتزام العلماني للحد الأعلى باعتبار أن ذلك هو ما يشكّل الضمانة الحقيقية لحماية الإنجاز العلماني على المدى البعيد.

وربما يتراجع الإسلاميون في بلاد إسلامية أخرى مثلما تراجع اسلاميو تركيا، وربما يكون هذا التراجع في حالة الحركة التركية أو أية حركة أخرى تراجعا حقيقيا مستندا على مراجعة مخلصة لموقفهم الفكري وربما يكون تراجعا تكتيكيا القصد منه انتظار ظرف أفضل للانقضاض على العلمانية. إلا أن كل ذلك يجب ألا يعني شيئا للعلمانيين إذ أن طبيعة معركتهم الفكرية والسياسية ضد الدولة الإسلامية لن تتغير، فهي معركة من أجل الديمقراطية والحريات الأساسية وأشكال التحقق والتفتّح الإنساني التي لا يمكن أن تتحقق في ظل دولة دينية.

[4]

سنركز في حديثنا على ضرورة العلمانية على مستوى ما وصفناه بالحد الأدنى لتحقّقها وهو فصل الدين عن الدولة. وبهذا الصدد سنقتصر على حجتين أساسيتين وهما حجة الحرية الفكرية وحجة المواطنة.

تقف مسألة حرية الفكر والضمير والدين في قلب المواجهة الفكرية بين العلمانية والمشروع الإسلامي. وهذه الحرية تمثّل في واقع الأمر حجر الزاوية الذي يستند إليه الموقف العلماني في نقده للدولة الدينية ورفضه لها. فالدولة الدينية، في تجلياتها المسيحية التاريخية وفي تجلياتها الإسلامية التاريخية والمعاصرة، تتسم على الدوام بمعاداتها لحرية الفكر والعقيدة. ويظهر هذا العداء في أغلظ تجلياته في عصرنا الحالي في البلاد التي تحتكم للشريعة الإسلامية مثل السعودية وإيران والسودان والتي تحرّم قوانينها الجنائية الخروج عن الإسلام وتعاقب من يبدّل دينه بالقتل. ولقد امتدّ هذا الحَجْر والعنف الديني ليطال أفرادا علمانيين استباح الإسلاميون دماءهم وقتلوهم مثل ما حدث للعلماني المصري فرج فودة عام 1992. ويجب ألا نستغرب مثل هذه المقاومة لحرية الفكر ومثل هذا العنف في السياق الإسلامي المعاصر إذ أن ذاكرة الحركات الإسلامية تستلهم دولة محمد وخلفائه في المدينة وهي دولة تلازمت نشأتها، تاريخيا، مع قهر المشركين وإجبارهم على قبول الإسلام ولم تقبل بحرية من أصبحوا مسلمين من المشركين أن يعودوا لشركهم.

إن الحرية الفكرية هي الشرط الأولي الذي تستند عليه الديمقراطية، إذ لا ديمقراطية بدون حرية سياسية وفكرية ودينية. وانطلاقا من هذا فإن الموقف العلماني يساوي بين الأديان والمعتقدات ويصرّ على ضرورة خلق أرضية مستوية لا يتميز فيها أصحاب أي دين أو معتقد على أصحاب الأديان أو المعتقدات الأخرى. وبالمقابل فإن الدولة الدينية تصرّ على ضرورة التمييز لصالح دينها. وهكذا نجد مثلا أن الدولة القائمة على الشريعة الإسلامية تشجّع المواطنين على ترك أديانهم واعتناق الإسلام (وربما تجبرهم على ذلك إن كانوا ”مشركين“ أو ”وثنيين“) وتعاقب من يترك الإسلام. ولقد أدّى السياق العلماني لنتيجة تبدو وكأنها مفارَقة إذ توفّرت للأديان، كل الأديان، حريات وضمانات في هذا السياق ربما تكون غير مسبوقة في تاريخ المجتمعات الإنسانية. والمسألة الهامة التي لابد من التأكيد عليها في هذا المقام أن الوضع الأمثل الذي تتاح فيه لأصحاب الأديان والمعتقدات حريتهم الكاملة في الممارسة والتعبير من غير أن يتغولوا على حريات الآخرين يرتبط بشرط الديمقراطية، إذ أن غياب الديمقراطية من الممكن أن ينتج عنه نظام علماني استبدادي. وعندما نتمعّن العلاقة بين العلمانية والديمقراطية فإننا نجد أن النظام الديمقراطي هو نظام علماني بالضرورة، إلا أن هذا لا يعني أن النظام العلماني نظام ديمقراطي بالضرورة. ومثلما قدّمت أوروبا نموذج الدولة العلمانية الديمقراطية فإنها قد قدّمت أيضا نموذج الدولة العلمانية الاستبدادية. وهكذا رأينا في حالة أنظمة أوروبا الشرقية الشيوعية مثلا نماذج الدولة التي أعلنت إلحادها، وهو وضع حوّل الإلحاد لمعتقد رسمي تحميه الدولة وميّزت الدولة بالتالي ضد الأديان وباقي المعتقدات. وهكذا فالوضع الأمثل للدولة العلمانية هو وضع الدولة العلمانية الديمقراطية، وهي دولة ليست بمؤمنة وليست بملحدة وإنما تلتزم الحياد التام بإزاء الدين.

نأتي الآن إلى مسألة المواطنة. إن المواطنة بمفهومها المعاصر تعني المساواة بين المواطنين في حقوقهم المدنية والسياسية والاجتماعية، وهي حقوق قد أصبحت في العالم الديمقراطي حقوقا دستورية بمعنى أن قانون الدولة الأساسي أو دستورها يضمنها ويحميها. وهذا المفهوم المعاصر للمواطنة مفهوم علماني نشأ تاريخيا في أوروبا في معارضة مفهوم الدولة المسيحية للمواطنة. إلا أن المنشأ الأوربي لفكرة المواطنة القائمة على المساواة لا يعني بأن المفهوم غريب على الواقع الإسلامي. فالإسلام مثله مثل المسيحية يفهم المواطنة فهما يقوم على التمييز بين المواطنين. ولقد ميّز الإسلام تاريخيا بين المسلمين وغير المسلمين وبين الرجال والنساء وبين الأحرار والعبيد. وعند تحليل مراتب المواطنة حسب رؤية الشريعة الإسلامية يتبيّن لنا أن المواطنين ينقسمون لأربع درجات: فالرجل المسلم الحرّ مواطن من الدرجة الأولى، والمرأة المسلمة الحرّة مواطنة من الدرجة الثانية، والكتابي (أي اليهودي أو المسيحي) مواطن من الدرجة الثالثة، والعبد مواطن من الدرجة الرابعة. أما المشرك فيسقط عنه حق المواطنة تماما ويصبح طريدا مطاردا يُخيّر بين الإسلام والسيف.

وفي السياق المعاصر الذي زال فيه الرق فإن المواجهة مع المشروع الإسلامي تتركّز على حقوق المرأة وحقوق غير المسلمين. فكل أشكال التمييز ضد المرأة (وأبرزها قوانين الأحوال الشخصية والميراث والشهادة) وكل أشكال التمييز ضد غير المسلمين هي أشكال تمييز يجب أن تزول حسب منطق المواطنة القائمة على المساواة. وتظل مواجهة أشكال التفرقة والتمييز هذه من كبرى واجبات العلمانيين في العالم الإسلامي اليوم.

[5]

كان من المأمول أن تدخل البلاد العربية والإسلامية القرن الواحد والعشرين وقد حسمت مسألة الدولة الدينية واحتضنت أنظمة ديمقراطية علمانية. إلا أن ذلك لم يحدث. فالبلاد الإسلامية بشكل عام هي من أكثر البلاد التي تعاني من عجز ديمقراطي وعجز في مجال احترام حقوق الإنسان. ونجد اليوم أن الإسلام كإيديلوجية سياسية هو أكثر الأديان مقاومة للعلمانية وأن الدول الدينية لا توجد إلا في العالم الإسلامي (باستثناء الفاتيكان). ولقد أدّى صعود الخطاب الإسلامي والحركات الإسلامية لانتشار التعصب وصعود العنف الذي ما يزال يدفع ثمنه الباهظ المواطنون في العديد من البلاد المسلمة. إن الدولة الإسلامية بتجلياتها المعاصرة والحركات الإسلامية قد أدخلت العالم الإسلامي اليوم في أزمة عميقة. ولكن هذه الأزمة لا تعني أن شعوب العالم الإسلامي لا تملك من مصادر القوة الداخلية ما يجعلها تتجاوزها. وإن كانت شعوب العالم الإسلامي قد أدركت إدراكا مباشرا أن الخروج من الأزمة يقتضي الديمقراطية فإنها ستدرك أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون ديمقراطية حقيقية تضمن حرية المواطنين ومساواتهم التامة من غير العلمانية.

هامش:

– العلمانية هنا بفتح العين وليس بكسرها كما ينطقها البعض. وعلمانية تقابل في الإنجليزية كلمة (secular)، والأصل اللاتيني لهذه الكلمة يأتي من كلمة (saeculum) بمعنى العالَم. وبذا فإن الاشتقاق في كلمة عَلماني من كلمة العالم وليس من كلمة العِلم. ولقد ذهب البعض إلى أن الاشتقاق من كلمة العالم اشتقاق غير صحيح. إلا أن هذه الحجة تهمل الجانب المفهومي للكلمة، وهو الجانب الأساسي، لتركّز تركيزا شكليا على منطق القواعد الصرفية للغة العربية. والخلط الآخر الذي يقع، وغالبا ما يقع بشكل متعمّد لاعتبارات السياسة، هو استبدال كلمة علماني بكلمة ”مدني“، إلى حد أن البعض يتحدث عن ”دولة مدنية“. بالطبع لا يوجد شيء اسمه ”دولة مدنية“، وكلمتا ”علماني“ و ”مدني“ تعبران عن مفهومين مختلفين. فإن كان المعنى الأساسي لكلمة علماني هو فصل الدين عن الدولة فإن كلمة مدني تشير للنشاطات والتكوينات الاجتماعية التي ينضم لها المواطنوان بشكل طوعي. ومجموع هذه التكوينات يطلق عليها اسم ”المجتمع المدني“ وهي تكوينات توجد في فضاء متوسط يقع بين الدولة (ذات السلطة القهرية في علاقتها بالمواطنين إذ أن التعاقد معها قائم على الخضوع لقوانينها) والأسرة (الوحدة الاجتماعية الأساسية التي نولد فيها ويبدأ تطبيعنا الاجتماعي في سياقها).

تدريب الأئمة الأفغانيين على إنهاء العنف ضد النساء

نشر هذا المقال في الفهنجتون بوست في 21 فبراير 2012 حول دور رجال الدين في حماية النساء من العنف

بواسطة: دايزي خان و فزيلة صديقي

في السابع عشر من نوفمبر العام 1999، شهد العالم صورة مرعبة: سيدة أفغانية تدعى زارمينا تم جرّها عبر ملعب كرة قدم و قتلها بواسطة طالبان.  كامرأة مسلمة كان الغضب الذي شعرت به لا يمكن وصفه.  يعلّم الإسلام الأمل، الرحمة، و الحب و لا يشجّع بأي شكل على العنف الذي ارتسم على شاشة تلفازي يومها.  دفعني الغضب الذي شعرت به  لفعل شيء.  و لذلك في العام 2005 أنشأت مبادرة النساء المسلمات في الروحانية و المساواة (حكمة) لمواجهة عدم المساواة بين الجنسين في الإسلام.

في العام 2010 تشاركت منظمة حكمة مع امرأة أفغانية من عضواتها لتجربة برنامج مبتكر “برنامج تدريب الأئمّة على إنهاء العنف ضد النساء” و الذي سيقوم بتوضيح المفاهيم المشوهة و الأبويّة لنصوص القرآن.  من خلال البرنامج تم تدريب خمسين إماما من أكثر الأئمّة احتراما في مدينتي جلال أباد و كابول على خمسة حقوق قطعيّة منحها الإسلام للنساء: التعليم، الميراث، الزواج، الحق في الملكيّة، و المشاركة الاجتماعية.   قرّرنا تدريب الأئمّة لأن المجتمع الأفغاني يثق بهم و يحترمهم بما فيهم جماعات طالبان.

الشهر الماضي أرسلت مديرة البرنامج فزيلة صديقي لأفغانستان لتقوم بتقييم ميداني لتجربة البرنامج.  و ألهمت بالقصص التي سردتها لي عند عودتها، رسمت تلك القصص صورة مختلفة عن القصص المؤسفة التي كنت أسمعها دائما.  و هنا تقرير يحرّك المشاعر من زيارة فزيلة الميدانيّة:

 “قابلت العديد من الرجال و النساء الشجعان ممن يقدّرون التقدّم و ممن يروّجن بحماس لحقوق النساء.  قال لي الأفغانيّون أن مجتمعاتهم مستعدّة للمشاركة مع الأمريكيون لاستحضار التقدّم الذي يحترم قيمهم و ثقافتهم المحلية.  و مع ذلك لا يعمل المجتمع الدولي (بما في ذلك جمعيات الدعم الغير حكومي الأميركية) من خلال مفهوم لحقوق الإنسان يستخدم رؤية إسلامية.  و لذلك لم ينجح سوى عدد ضئل من الجماعات الغير حكومية في أفغانستان في النفاذ عبر جدار الثقافة و الدين لتحقيق أي تغيير اجتماعي.  و في ذلك السياق، و عبر تغيير القلوب و العقول عبر تدريب الأئمة على حقوق النساء وفق الفهم الإسلامي، استطعنا نحن النساء الأمريكيات المسلمات التفرّد في تنشيط التغيير المستدام في أفغانستان.

تأثرت بهذه المجموعة الدراسية المكونة من سبعة عشر إماما من أعلى الأئمة مقاما في مدينة كابول.  سافر كل هؤلاء الأئمة بطيب نفس لمسافات طويلة ليجلسوا معي لمناقشة فعالية و تحديات برنامج تدريب الأئمة بعد فترته التجريبية.  عند وصولهم، كان هناك إمام مترددا في تواجدي معهم في نفس المكان -كمحامية مسلمة أمريكية لم تخجل أو تتردد في إعلان جنسيتها الأمريكية- نظر الإمام في عيني مباشرة بوجه صارم و قال لي “نحن قلقين من أن يملي علينا الغرب حقوق المرأة، من غير المسلمين.  سوف نحارب هذا الإملاء، و لكن إن أتت تعاليم حقوق المرأة من القرآن فنحن مستعدون للترحيب بالفكرة و سنستمع لكل ما لديك”… خشية من أن أكون شعرت بالإهانة انحنى عضو مشارك بالبرنامج نحوي و همس في أذني “نحن الأفغانيين أشخاص ذوي كبرياء، نحن إحدى الشعوب القليلة التي لم تهزم عسكريا أبدا، و لذلك لا نريد قيم مجتمعات أخرى لتفرض علينا” تدخّل إمام آخر و قال  “أنت فقط تسمعين تلك القصص المؤسفة و هي تؤسفنا أيضا و تحزننا.  وهي تمثّل جرائم لا يمكن تبريرها و لا علاقة لها بالإسلام و لا بعقيدتنا.  و لسبب ما يتم ترويجها كأنها الأعراف الطبيعية لنا حول العالم”…

قال بعدها إمام كان يقدّر وجودي بابتسامة “نحن مجتمع مسلم نحترم القرآن و برغم ذلك ينقصنا بشكل كبير فهم القرآن”، و أضاف ” تركنا تعاليم ديننا و لذلك لدينا المشكلات… النساء محرومات من حقوقهن بسبب القوانين القبلية و الثقافية السائدة. عبر هذا البرنامج بدأنا ببطء ننفتح على فهم جديد لحقوق النساء في الإسلام”، سرد لنا إمام آخر قصة رجل كبير في السن استمع إلى خطبته عن حقوق الزواج، كان ذلك الرجل متأثرا للغاية بما ذكره الإمام حتى أنه أمسك بياقة ثوبه و بكى “لن يستطع أحد مساعدتي، ذهبت فرصتي، ارتكبت كافة أنواع العنف ضد بناتي.  استوليت على مهر كل واحدة منهن عند زواجها، لم ألحق أيا منهن بالتعليم، و أجبرتهن على الزواج.  إنهن يتعذبن كل يوم بسبب ما فعلته. لماذا لم تحدثنا بهذه الخطبة من قبل؟” ردّ عليه الإمام “لم يفت الوقت، لدينا جيلا جديدا لتنشئته”.  بعد سماعنا لهذه القصة ردّ أحد أكبر الأئمة في الاجتماع و كان في منتصف الثمانينات “القرأن عمره 1500 عام و في وقت نزوله كان الكتاب الأكثر حداثة في حقوق المرأة.  كنا أكثر تقدّمية في حفظ حقوق النساء وقت نزول القرآن قبل أن يفكّر في هذه الحقوق أي أحد آخر”…

و بالرغم من أن الأئمة كانوا على علم بحقوق المرأة في الإسلام، أخبرني العديدون منهم بأن البرنامج أسهم في نمو معلوماتهم و منحهم أدوات أكثر في مناقشة حقوق النساء في اجتماعاتهم الدينية على الرغم من تلقّيهم تهديدات بالقتل.  بقي الإمام الذي تردد عند تواجدي في البداية صامتا طيلة الساعتين التي اجتمعنا فيها.  و عندما كنا على وشك إنهاء الاجتماع قرّر أن يتحدّث مرة أخرى “في البداية كانت الجموع تتوقف في منتصف خطبة الجمعة إن كانت عن حقوق النساء و تصرخ “أنت تدعو للتغريب” و لكنّا حافظنا على موقفنا و أجبنا ” هذه الحقوق ليست قيم غربية إنها ممنوحة للنساء في القرآن و الحديث” هذا البرنامج منحنا شجاعة، كان مفيدا أن نشعر بأن الأئمة كلهم يدعون لنفس الشيء في الوقت نفسه”، أنهى الإمام المتردّد الاجتماع بإنقاذي “إن كنت فعلا مهتمّة بصدق بالعمل من خلال الفهم الإسلامي بلا أي أهداف خفيّة فنحن متحمّسين بصدق للعمل معك”.  ابتسم وقتها لي و ذكر دعاء “فلتجد كل النساء المسلمات في العالم صوتهن الموحّد في المساواة التي منحها لهن دينهن”…
تزداد الثقة بنا لأننا نقابل الأفغانيين في بلادهم و نعمل من خلال ما يؤمنون به.  على سبيل المثال، بدلا من أن تبيت في معسكر أو فندق فإن فزيلة قبلت دعوة للإقامة في منزل أفغاني أثناء رحلتها.  دائما ما يسأل الأمريكيون ما الذي يفعله المجتمع المسلم الأمريكي لتغيير الأوضاع للنساء في أفغانستان. هذه إجابتنا.  رحلة فزيلة أثبتت أن الإسلام ليس هو العدو بل التطرّف.  المسلمين الأمريكيين استطاعوا عبور الحيطان الرسمية التي بنيت بواسطة الأخطاء الدينية في الفهم.  نستطيع فعل ذلك عبر مواجهة سوء الفهم للدين و اكتشاف جماله و قوّته في نفس الوقت…. و بينما كنّا نشاهد الصور و نستمع لذكريات فزيلة عن الرحلة نظرنا لبعضنا عبر طاولة الاجتماعات و كنّا عاجزين عن الحديث… كنّا متعجبين كيف فشلت بلادنا (امريكا) في إيجاد برامج مماثلة و الاستفادة من المجتمع الأمريكي المسلم، وهو ما يعيدني لاقتباس من رحلة فزيلة:

“بعد انتهاء اجتماع الأئمة التجريبي، جلست في مكتب البرنامج لشرب الشاي و الالتصاق بجهاز للتدفئة هربا من البرد “لم أتوقع البرد القارص في أفغانستان بالرغم من تنشئتي في بافالو نيويورك” و بينما كنت أقلّب في دفتر ملاحظاتي، نظر إليّ مسؤول في البرنامج و قال “لم يكن على الحكومة الأمريكية أن تنفق الملايين على الحرب، كان عليها بدلا من ذلك إشراك الأئمّة (فيما يخصّ حقوق المرأة) و كان كل شيء سيكون مختلفا اليوم”… و نظر بعدها بحسرة بعيدا ثمّ هزّ رأسه و عاد للعمل…”

http://www.huffingtonpost.com/daisy-khan/afghanistan-imams-end-violence-against-muslim-women_b_1287885.html

خائن لوطني

أعمدة
خـــائن لــــوطني
منصور النقيدان
منصور النقيدان

لم أكن أفكر قبل العام 1997 أن أكون يوماً كاتباً في الصحف، لكن صديقاً سودانياً من عائلة الطيب ابن المهدي من آل القاضي في أم درمان، قال لي يوماً ونحن في عنبر 2 في الزنزانة ,5 إنني قد أصلح أن أكون يوماً كاتباً معروفاً أو شيئاً من هذا القبيل، وحين كتبت له رسالة وداعية قبل نقلي إلى بريدة مسقط رأسي، مر بي قبل الرحيل بساعات وقال لي ‘’قرأت الرسالة، ربما تكون كاتباً يقرأ لك الناس، هذا رأيي.. فكر في الأمر’’. بعد سنة واحدة فقط نشرت أول مقال لي.
كان في مدينتي شيخ جليل من آل المهيلب قد بلغ الثمانين من العمر، إذا أعجبته قرعة في السوق، أو بقرة حلوب، أو فرخ نخلة، أو تيساً سورياً، أو شاباً جذعاً يتوقد ذكاء ويتدفق نشاطاً، قال ‘’هذا وطني’’. كل شيء من أي شيء فهو ‘’وطني’’. كانت الوطنية عنده مرادفة للجودة الفائقة، للجماد والعتاد والحيوان وحتى الإنسان. توفي هذا الشيخ الناسك قبل ثمان سنوات. وكان بحق وطنياً رائعاً. اليوم بعد ثمان سنوات لا أدري ماذا أصنع؟ كيف أكون وطنياً.
في لحظة عصيبة مررت بها – خرست فيها كل الصحف السعودية حتى تلك التي لم تتردد بنشر مقال مترجم لسلمان رشدي في صفحة الرأي – لم يقف معي إلا صحيفة ‘’الوسط’’ البحرينية وخصصت ملفاً كاملاً للوقوف معي، كتبت مقالاً فيها عن خارطة الإسلاميين في السعودية، فجاءني العتب من جهات عليا عبر صديق لي ‘’كن وطنياً يا منصور، تراهم عاتبين عليك الكتابة في صحيفة شيعية لا تريد للبلد خيراً’’.
في اجتماع لرؤساء تحرير الصحف وعشرات من الكتاب السعوديين استدعينا إلى اجتماع سري مع مسؤول كبير في أبريل/ نيسان 2003 كانت خلاصتها أننا لكي نكون وطنيين حقيقيين فعلينا أن نتجنب الظهور في قناة ‘’الجزيرة’’. تجنبتها. ولكنني حين شاركت للمرة الأولى في تليفزيون القناة الأولى السعودي، أردت أن أكون وطنياً حين انتقدت تصريحاً لمسؤول سعودي كبير لم يكن متحمساً في مؤتمر صحافي لمنع السعوديين من القتال في العراق، قبل الاحتلال بأيام، فاضطرب مقدم البرنامج، وتنصل من الأمر وكأنني نطقت بلسانه، فأسفت بيني وبين نفسي لما بدر مني، وشعرت أنني جانبت الصواب وقلت ربما كان يفترض بي أن لا أشير إلى الموضوع أساساً إن كنت وطنياً صادقاً، ولكنني فوجئت أن أصحاب الشأن لم يكونوا مستائين، وان أحدهم اتصل بالتليفزيون وقال ‘’ليتكم زدتم من وقت البرنامج’’. فكرت بعدها أن البعض ربما يفهم الوطنية بشكل مختلف، وقبل تفجيرات مايو/ أيار 2003 بيومين كتبت مقالاً في جريدة الرياض، وذكرت بعض القصص التي وقعت في الجوامع والتي تشيد بأسامة بن لادن، فاتصل بي مسؤول كبير، تلاه أمير آخر يسألني عن صدق تلك القصص، وبعد تردد وتقليب للأمر، قلت في نفسي ‘’لا.. هذا لا يليق، هذه وشاية’’. ثم أقنعت نفسي أن القصة شهدها آلاف المصلين وليست سراً، هذا وقت الوطنية، ذكرت له الأسماء، ثم غرقت بعدها أسبوعاً كاملاً مكتئباً.
وحين كنت أتجهز للخروج من غرفتي في فندق هيلتون في القاهرة في الثامن من نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 للمشاركة في برنامج حواري على قناة ‘’أوربت’’ مع عماد الدين أديب، تداركني أحد أصدقائي بدقائق وقال لي ‘’يسلمون عليك ويقولون.. خلك وطني.. اثبت وطنيتك’’. لم أكن اعرف بالضبط ما هو المطلوب، لكنني فهمت أن الحذر مطلوب وأن أتجنب توجيه أي انتقاد إلى الحكومة، أو الملك وولي عهده والنائب الثاني. كنت حذراً للغاية. نجحت ليلتها. فلم أمدح ولم أذم. وفي نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني من ذلك العام ارتكبت إحدى الجرائم، حين نشرت في صحيفة أجنبية انتقدت فيها لأول مرة المؤسستين الدينية والسياسية، بعد أسبوع قال لي ضابط كبير في الاستخبارات ‘’لقد أسأت إلى بلدك حين انتقدت الوهابية’’.
عرفت أن بعض الليبراليين كانوا مستاءين للغاية لأنني ذكرت في المقال أن الملك الراحل فهد كان مريضاً، بعدها بأيام في الثاني عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2003 طالبني أعضاء من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مني بحضور مدير تعليم الرياض السابق عبدالله المعيلي أن أكتب اعتذاراً للملك في الصحف عن إشارتي لمرضه، لأنني لم أكن وطنياً حينما كتبتها، وبعدها بشهور قال لي صديق ‘’إن أميراً شاباً قال لهم في مجلس حضره وزير الإعلام السابق، لو أنني كنت كاتب المقال لسحبت مني الجنسية’’. أصابني الرعب بعدها، وأدركت أنني لم أكن وطنياً بل كنت أقرب إلى الخائن. أصبحت أكثر حذراً. وبعد لقاء في مجلة أميركية انتقدت فيها السلفية كنت حذراً من أن أشير إلى الوهابية باسمها، ولكن المحررة كانت أكثر ذكاءً، أبلغني رئيسي في العمل رسالة أن ولاة الأمر مستاءون، ويقولون لك ‘’الوطني لا يقول مثل قولك’’.
وبعد عذاب ضمير أزعجني وأقلقني لسنتين شعرت فيها أنني خذلت أولئـك الإصلاحيين الصادقين الذين زج بهم في السجون، جاء إيقاف أحد الصحافيين بسبب كلمات فاه بها في منتدى على الإنترنت كانت كفيلة أن ينال عقاباً قاسياً في السجن لو أنه سلم من حكم قضائي يطالب بقطع رأسه والحكم بردته. أغلقت على نفسي ليومين في مكتبتي حزيناً على قلة حيلتي، وخذلاني لمن يحتاج نصرتي، فكتبت مقالاً في موقع قناة ‘’الجزيرة’’ الفضائية على الشبكة، عن الحرية الفكرية والصحافية، حاولت فيه أن أسدد ديوناً تأخرت في أدائها، وأكفر عن أخطائي، بعد أيام عرفت أنني ارتكبت جريمة الجرائم ‘’الهجوم على بلدي والتطاول على القضاء، والأمراء، والشيوخ وأهل السنة’’، وجريمتي الأخرى كتابتي في موقع الجزيرة. لقد خنت وطني في نظرهم.
الخوف والرعب يحاصرني كلما فكرت أن أكون حراً ومستقلاً وشجاعاً. يلهمني عبدالله القصيمي، ويدهشني خالد الدخيل، ويسحرني الجابري، وعبدالوهاب المسيري، ولو خيرت يوماً لما اخترت إلا أن أكون صاحب حايط في الخبوب الغربية لبريدة، يغلق دكانه مع مغيب الشمس ويخلد إلى النوم الثانية والنصف بالتوقيت الغروبي.
ينوء كاهلي برد الجميل لأصدقاء وأمراء، أصبحت في نظرهم الابن الضال وناكر الجميل و’’المهبول اللي ما عليه شرهة’’. أخشى أن أكون وحيداً يشمت بي الكارهون، ويهزأ بي المتطرفون، ويتجنبني من يفترض بهم أن يكونوا هم الأقرب إلي وأنا الأقرب إليهم، أولئك الذين يتجنبونني لأن سموه قد ينزعج للغاية أن عرف بمجالستهم لي، أخشى أن يطعنوني في ظهري فيهاجمونني في مواقعهم، كما فعل بعضهم من قبل ويفعلونه اليوم وكل حين، وكما كتب صديق سابق حينما خرجت على قناة العربية في سبتمبر/ أيلول ,2004 فكتب في جريدة الجزيرة السعودية يحرض ضدي ويتهمني بجرح مشاعر المسلمين، كل هذا لأنني لم اسمح له أن يتخذني مطية عند أمير يرجو منه شرهة أو الحصول على صفقة.
وكم مرة تداركت نفسي عن كتابة حقائق ونشر وقائع رأيتها وسمعتها، حتى لا يقال إنني لست وطنياً. ولما نشرت الصحف عشرات المقالات تهاجم إيران وتتهمها بتأجيج حرب لبنان، وكتب آخرون يدافعون عن حزب الله وإيران التزمت الصمت لأنني لم أشأ أن أكتب مالا أؤمن به، قيل لي بعدها ‘’لقد أضعت فرصة ثمينة تثبت بها وطنيتك’’. وحين أخبرني صديق أنه مع مجموعة من الصحافيين كتبوا عريضة يتسولون فيها قطع أراض من حاكم خليجي فاحش الثراء، وأنهم أحسنوا إلي وكتبوا فيها اسمي معهم تألمت كثيراً وهددت أنني سوف أفضح كل شيء في الصحف إذا لم يحذفوا اسمي من ورقتهم. فعلت كل هذا ظناً مني أنني وطني. ولما أن قتل بعض رجال الأمن الأبرياء بطريقة وحشية على أيدي بعض المجرمين الخوارج، جللتني الظلمة وأحاطت بي الأحزان، فأرسلت تعزية لمن يهمهم الأمر من المسؤولين ثم ترددت كثيراً قبل إرسالها لأشخاص لا أحبهم. صراعاً مع نفسي. حسمتها وقلت ‘’هكذا فافعل إن كنت وطنياً’’.
وحتى اليوم كلما توقفت عند مكتب الجوازات قادماً إلى الرياض، متسائلاً دوماً هل سأخرج من المطار في باص نحو زنازين ‘’عليشة’’، أو سألقى اتصالاً من شعبة الإعلام مساء يوم وصولي ‘’لا تتعب روحك، إذا فرغت مرنا عندنا لك ورقة’’.أم سأكون بعد يوم بين أهلي ودلال القهوة والتمر السكري؟ وإذا توقفت عند مكتب الجوازات قافلاً إلى ولدي وزوجتي، رجف فؤادي وأنا متربص أنتظر لعشر دقائق ماذا سيحمل العريف ذو الشريطين من خبر وعيناي لا تفارق جوازي الأخضر. أعتذر لكل أولئك الذين خذلتهم، فلم أدافع عنهم. ولكل تلك الشلل والتجمعات التي لم أعرف يوماً طريقي إلى مجالسهم، ولم أخط يوماً حرفاً على بياناتهم. هكذا وطنيتي.