ما بعد حمزة… تقنين الاستبداد الديني

“كتبت هذه التدوينة بطلب من فهد الحازمي و نشرت أولا في مدونة “سم ون

من الطريف التأمل في حقيقة أن إتاحة حرية التعبير تاريخيا هو الذي مكّن المفكّرين و الرسل من نشر رسالاتهم و أفكارهم،  أين كان سيصبح الإسلام اليوم لو لم تتح فرصة لحامل الرسالة في التعبير و نشر رسالته و في الاجتماع و التحالف مع أتباعه و ممارسة حقهم في الاعتقاد و التصرّف؟  هل توقّع أحدنا اليوم بعد أن ساد هذا الدين أن تستخدم أحكامه ذريعة لكبت حرية التعبير لكل مختلف و قمع حرية الاعتقاد؟…

“و ما عليّ إذا ما قلت معتقدي… دع الجهول يظن الحق عدوانا”… ابن عربي

المدخل لمفاهيم حرية التعبير و الاعتقاد يمكن تلخيصه بالسؤال التالي:”هل يضرّ أي إنسان أن يحمل غيره رأيا أو اعتقادا مخالفا لرأيه أو لقناعاته؟” الإنسان هنا ليس سياسيا يمثّل الحكومة و ليس نائبا عن عموم الناس يقرر عنهم صناعة السياسات العامة، الإنسان هنا فرد يقرر فقط في فضائه الخاص قناعاته و ممارساته الذاتية، الإجابة عن هذا السؤال ستحدد الموقف العام من حرية التعبير أو الاعتقاد…

القبول بمبدأ حرية التعبير و الاعتقاد قائم على قاعدتين أساسيتين: أولا أن اختلاف العقائد و التوجهات أمر حتمي لايمكن تفاديه في أي مجتمع بشري، و ثانيا أن التعاطي السلمي مع الاختلافات العقائدية هو الوصفة الأمثل للعيش المشترك، صناعة الإسلام عبر الفرض أو القانون غير ممكنة، حتى في السعودية التي تحشد كل مواردها نحو هذا الهدف، لم يوجد بعد أي مجتمع متماثل عقائديا حتى في حياة صاحب الرسالة نفسه، التنوع الفطري في قناعات الناس و اعتقاداتهم يعترف به أي مجتمع تجاوز عقدة الاستنساخ الديني القسري لكل أفراده، فلا يمكن زرع الإيمان في القلوب و فرضه على النوايا بقوة السلطة و رعاية رجال الدين، الدين ليس لقاحا نلقّمه لأطفالنا خوفا من “خلية إلحاد”  أو نقاش فلسفي محتمل، و في نصوص الوحي نفسه و سيرة حامله ما يكفي من الأدلة  لمساندة هذه الحقيقة…

يبقى هنا – بعد التسليم بحتمية اختلاف العقائد و ممارسات الإيمان- تنظيم العلاقات العامة بين البشر في مجتمع يحفظ لهم حق ممارساتهم الدينية من التشويه أو الانتقاص، وهو هنا جوهر المحاولات المدنية لاحتواء الاستبداد الديني، التهويل الساذج لخطر الإلحاد أو الاختلاف الذي يمارسه البعض خوفا على “ثوابت المجتمع” غير دقيق، منبعه في الأغلب الحرص على مناطق نفوذ رجال الدين و بعض المتنفّذين، يوفّر الدين قدسية ما و حصانة تمنع من المساءلة عن غياب الحقوق العامة و الخاصة، و على العكس تماما فالمشتركات العامة بالمجتمع و التي تمسّ العلاقات بين الناس لا تتعلق بإيمان أي فرد أو مسؤول من عدمه، و إلا لما وجدنا دولا “كافرة” تتحقق فيها معايير الرقي و الأمن و العدالة الاجتماعية على افضل ما يحفظ الكرامة الإنسانية و دولا “مسلمة” تشيع فيها ثقافة الغابة و غلبة المتنفّذ و التعدّي بلا مساءلة على النفس و المال و الكرامة، و ليس بعيدا –على سبيل المثال- ما تعاني منه مجتمعات إسلامية نتيجة لمأسسة الوصاية الدينية و فرضها على الناس بالرغم من عواقبها المؤلمة، الأمثلة تتجاوز نموذج الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى عشوائية و تحيّز القضاء المذهبي و تقديس الحاكم و تسييس الفتاوي ضد عموم الناس لخدمة مصالح الطبقات المتنفّذة، الفضاء العام هو منطقة المصلحة المشتركة بين عموم الناس، وهوعقد اجتماعي متغيّر بحسب المستجدّات لتحقيق متطلبات العيش الكريم بغض النظر عن الهوية الدينية للمجتمع ككل أو لأفراده، “أقصى” ما يبحث عنه أي مواطن في الفضاء العام هو الأمن من الخوف و من الحاجة و تحقيق معايير الكرامة الإنسانية و ليس حماية دينه من شخص مختلف في الاعتقاد، في كل زاوية في بلادنا عامل مسيحي أو بوذي أو غيره ولم ينقص من إسلام أحد شيئا، لا يشترط الإسلام في إقرار العقد الاجتماعي ولا  مباركته من كبار العلماء أو المشايخ، و يبقى جوهر الإيمان و محله في ممارسات الفرد و قناعاته الخاصة، النيّة الخالصة في الأعمال كلها -و ليس الإكراه و الفرض بالأنظمة و القانون- هي أساس الثواب و العقاب الإلهي…

الاعتراف بالكرامة المتأصلة في كل أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، أفضى تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، غاية ما يرنو إليه عامة البشر هو انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة و التحرر من الفزع والفاقة” ——- المدخل للإعلان العالمي لحقوق الإنسان

في هذا الموسم الحاسم للعالم العربي حيث ترتفع أصوات المطالبين بالإصلاح خشية تحويل الوطن إلى كهنوت لا ينتهي استبداده سوى بثورة تطيح بالأخضر و اليابس، ينحاز مجلس الشورى –كالعادة- إلى سياسة العصر الحجري في تجريم الاختلاف في التعبير و الاعتقاد،  يدرس الآن في المجلس مقترح نظام لفرض “عقوبات رادعة” على من يمتهن أو يقلل أو يتطاول على المقدسات، في صيغة عبارات المقترح التجريمية و الرادعة ما يغني عن تفاصيله، مشكلة مقدساتنا التي ترعاها الأنظمة السابقة و المقترحة أنها لا تتوقف عند حدود العقد الاجتماعي، بل تمتد لتشمل المال العام و مسؤولي الدولة و المشايخ و فتاويهم و منتسبي الهيئات الدينية و كل ما يمس مناطق النفوذ المتخمة بالتجاوزات، شرعنة الاستبداد الديني لا تعني فقط فقدان الفرصة الذهبية في حادثة “اختطاف و اعتقال” شاب تجرّأ على البوح بما في قلبه بدلا من تعزيز الحل السلمي للنزاعات، و لكن المضي نحو سياسات الانجراف إلى الهاوية في مجتمع انشغل علماءه بتصنيف جنوني لعقائد البشر إلى “ديني: مواطن صديق، و لا ديني:  خائن عدو”، لن تتوقف محاكمة العقائد و النوايا عند محرقة حمزة بل ستتحول إلى مزايدة شعبية، يدخل فيها رجل الدولة لتأكيد شرعيته و السياسي لحصد ولاءات جديدة و اللامتحيز من الناس لتأمين جبهته الضعيفة، كم فرصة تتسرّب من أيدينا نحو المدنية؟ المجلس العاجزعن إقرار نظام يحمي الضعفاء و العاجزين بيننا من الإيذاء بعد 5 أعوام من المداولات لا يستغرقه تقنين صلاحية النوايا و أصالة استنساخ العقائد في شبابنا و مواطنينا سوى شهرين…

هل سينجح النظام المقترح في قمع كل حمزة بيننا؟ كم هاربا ستعيده قسرا طائرات المباحث؟  كم سجينا ستقوم وفود و لجان المناصحة -التي يدفع معاشاتها شعبا لا يجد وظيفة أو سكنا- بالتصديق على توبته؟ كم قضية سينشغل بها الرأي العام لشخص جريمته أنه لا يحمل نفس الاعتقاد و القناعات؟ و الأهم هل سيقوى الإسلام و يثبّت المجتمع ركائزه كلما أطحنا بشاب يبوح و يصرّح بما يعتقده؟ أي معايير ستتحوّل قانونا لتعيين الثوابت؟ أي عقوبات ستوضع لفرد يصرّح بما يخالج قلبه و ما يعتقده؟ لا يصعب كثيرا تخمين الإجابة في بيئة أدمنت ثقافة العقاب و غلبت فيها ذهنية التحريم و فقه سدّ الذرائع…

“من يطالبون بأن تتولى الحكومة تنظيم شؤون العقل و الروح أشبه ما يكونون برجال يخشون بشدة أن يقتلهم شخص ما فيهربون منه بقتل أنفسهم”———- هاري ترومان

Advertisements

الطريق إلى السماء

“كلما قبّلتْ شفةٌ شفتي انعقدت نطفةٌ في النجوم” هذه الكلمات للشاعرة الايرانية الراحلة فروخ فرخ زاده من دبوان “عمّدني بنبيذ الأمواج” استوقفتني للحديث عن الحب الذي هو جادة الطريق إلى السماء أعني الحب المنطلق من الأعماق إلى الآفاق وهو بالضبط ما يشكّل التجربة الصوفية التي يقصدها طلاب الحقيقة لا تلاميذ الشريعة. الحقيقة التي لا تحتاج لطقوس وهياكل وسجون من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد، تتحول فيه الحياة إلى عقوبة والصبر عليها عملية تعذيب متواصلة.

الصوفية المقصودة هنا لا تعني الدروشة وطرقها التي ازدهرت زمن الخلافة العثمانية ولازمت فرق الانكشارية في حرويها. بل الصوفية بمنحاها الإيجابي وبموقفها من الصراع الإجتماعي، تلك التي خطّت طريق التسامح وقبول الآخر لأنها رأت بعين الرحمة وسمعت بأذن المودة ولامست بيد العطف من جهة. والحب الصوفي الذي أشعل أقطاب التصوف الإجتماعي(1) به الحرب على السلطات الثلاث، سلطة الدولة وسلطة الدين وسلطة المال من جهة ثانية، من أجل الأهداف الأسمى، وأولها تمهيد الطريق إلى السماء بحرية المعتقد التي تعني تعددية المناهج وقبول المختلف “فالحق واحد مهما اختلفت الطرق المؤدية إليه” أو كما قال جلال الدين الرومي “عقدَ الخلائقُ في الإله عقائداً..وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوهُ” ” ثم السعي الحثيث من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية لعامة الناس وتحقيق العيش الكريم لهم في حالة من الاعتدال لا ترف فيها ولا شظف، بتعبير آخر العمل في سبيل سعادة الانسان أو “راحة الخلق” كما يعبر الشيخ عبد القادر الجيلي. الحب عند هؤلاء القوم، أعني أقطاب التصوفي الاجتماعي، هو الصراط المستقيم وهو أقصر خط بين نقطتين على الطريق الواصل بين الأرض والسماء، أو بين الخلق والحق. والجنة عندهم جنتان “جنة النعيم وجنة المعرفة فجنة المعرفة أبدية وجنة النعيم مؤقتة” كما يقول أبو يزيد البسطامي، أو كما يستعيذ متصوف آخر هو “ابن سبعين” فيقول “أعوذ بالله من همة تقف ومن عقل يقنع”. والنساء هن فاكهة بستان الأرض وثمار جنة السماء. من هنا جاءت مقولة صدر المتألهين فيلسوف المتصوفة الملا صدرا الشيرازي التي يقول فيها “حب النساء هو الطريق إلى حب السماء”، فكانت هذه الكلمات هي المدخل إلى مباحثه الفلسفية أو تحليقاته في تخوم “وحدة الوجود”، وهو القائل “وجود الكافر ضرورة، لإعمار الدنيا”.

ويجادل بالقول ليس هناك خلود في النار بل إن من العدل أن لا يتجاوز العقاب على الذنوب قدر عمر الإنسان. ومن الشيرازي إلى الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، صاحب مذهب الحب، الذي يروي الحديث الشريف الذي يقول: ” إن الحق يتجلى يوم القيامة للخلق في صورة منكرة، فيقول أنا ربكم الأعلى، فيقولون نعوذ بالله منك، فيتجلى في صورة عقائدهم فيسجدون له”. فالله حقيقة لا يصل إلى أعتاب اطلاقه مخلوق، فهو المجهول، ولا يزيد نصيب العبد منه عن صورة مخلوقة، فالانسان في الحقيقة لم يعبُد سوى نفسه لأن الصورة من خلقه هو. فما ثمة الا عابدٌ وثناً”.(1) من هنا صار قلب الشيخ “قابلا كل صورةٍ .. فمرعى لغزلان ودير لرهبان”.

وبينما طوّل الأنبياء الطريق إلى الله كما جاء على لسان أحد المتصوفة، نجدهم، أي المتصوفة، وقد أزالوا عقبات العقيدة وحجابها بقولهم “عدد الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق” وقصّروا المسافة بالاتصال المباشر والاستغناء عن الوسطاء الذي يتضمنه الحديث القدسي المعروف “لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن”. وما يحمله من معاني الحكمة المتروحنة التي هي أبعد ما تكون عن سلطة الدين وطقوسيته ورجاله الذين أسسوا للفرقة والتشاحن بالبغضاء عبر المذاهب والفتاوى والاجتهادات التي تسعى للتمايز على أساس المفاخرة بامتلاك الحقيقة ولعن المخالفين. تلك السلطة التي واجهها أقطاب التصوف الاجتماعي بهمة عالية وعزيمة لا تلين ودفع البعض منهم حياته ثمنا لخياره هذا وخير مثال على ذلك ما تعرّض له الحلاج والسهروردي الشهيد، والمعارضة الصوفية لسلطة الدولة–على حد تعبير هادي العلوي- “التزام مثقفي يقع خارج السياسة اليومية لأن المتصوفة لم يكونوا سياسيين محترفين بل أوجدوا عقدة معارضة في الوسط الثقافي جعلت المثقف يطيل الحساب مع نفسه قبل أن يقدم على تصرف يقربه من الدولة وقد عاشت العقدة حتى يومنا هذا ولا تزال تتحكم في خيارات المثقفين..كما إن التشديد في مقاطعة الدولة هو شكل غير مباشر من التحريض عليها، والمعارضة عند الصوفية مقام والمقام صفة لازبة في ذات الصوفي يرسخها بالمجاهدة”.

وفي العودة للحديث عن الحكمة نبين إنها التي يراد منها تمهيد الطريق للتذاهن الحر مع الله أو السماء خارج سلطة الدين قد يمارسه المؤمن والملحد على حد سواء في أفق يؤكد أن (روحانية الحكيم نقيض للدين، وهذه صرح بها شيخ المعرة الذي يرجع إليه كشف النقاب عن سر مجهول يخالف ماعليه الناس. فالدين والروح متخالفان. الدين علاقة حسية بإله مجسم؛ صنم مرئي وملموس عند الوثنيين، ورجل جالس على العرش عند السماويين. ومن هنا الجوهر الحسي البدني للشخصية الدينية. إن رجل الدين يحمل عقيدة دنيوية في مجمل تفاصيلها التي تشمل العالم الآخر، لأن الآخرة نعيم مادي حسي يتمتع به الجسد ويكون مكملا لنعيم الدنيا أو معوضاً عنه، وليس للروح ما تفعله في هذه العلاقة الحسية. وقد انتبه المعري إلى المنحى اللذائذي للشخصية الدينية بينما رسم بتجربته الخاصة صورة النقيض الروحي للملحد.

فالروحانية وصف حاصر للحكيم واللذائذية الحسية أمر مشترك لرجل الدين ورجل الدولة وبين الدين والدولة اتقاق حولها لكن الدين يتميز عن الدولة بمبدأ سعادة الدارين، التي تجتمع لرجل الدين دون صاحب الدولة الذي يقتصر نصيبه على الدنيا)(2) من هنا جاءت معارضة أقطاب التصوف الاجتماعي لسلطة الدين المتحالفة مع سلطة الدولة وأسست للنضال من أجل تحرير الانسان من العبودية للانسان أولاً والسعي لعقد جديد بين الله والانسان ثانياً. قوام هذا العقد المحبة لا الخوف، والتواصل الحر لا الطقوس الثقيلة، يروي البسطامي حادثة جرت معه فيقول: “خرجت إلى الحج فاستقبلني رجلٌ في بعض المتاهات فقال: أبا يزيد إلى أين؟ فقلت إلى الحج فقال كم معك من الدراهم؟ قلت معي مئتا درهم فقال: فطف حولي سبع مرات وناولني المئتي درهم فإن لي عيالاً فطفت حوله وناولته المئتي درهم”. وهكذا حوّل البسطامي بالمحبة “راحة الخلق” إلى فرض واجب يتجاوز الطقوس الدينية. أو كما بقول الجنيد البغدادي “إذا صحّت المحبة سقطتْ شروط الأدب”. ومن هذا التلميح الذي لاحاجة بعده للتصريح نختم مع كلمات لسلطان العاشقين يقول فيها:

أصلّي فأشدو حين أتلو بذكــرها وأطربُ في المحرابِ وهي أمامـي

وفي الحجِ إن أحرمت لبّيتُ باسمها وعنها أرى الإمساكَ فطر صيـامي

بمن أهتدي في الحبِ لو رمتُ سلوةً وبي يقتدي في الحبِ كل إمـــامِ

وفي كل عضو فيّ كل صبابـــة إليها وشوقٌ جــاذبٌ بزمـــامي

الهوامش:

1- التصوف الاجتماعي مصطلح أول من استخدمه المفكر الشهيد حسين مروة.

2- المعجم الصوفي د. سعاد الحكيم ص 88.

3- مدارات صوفية هادي العلوي ص 42.

http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%85%D8%A7%D8%A1.html

الدوائر المغلقة

كانت مصادفة أن يأتي انفجار كنيسة الإسكندرية وأنا على وشك إنهاء رواية «أربعون قاعدة للحب»، الانفجار سلّط الضوء من جديد على الخلاف التقليدي بين الأديان وليس فقط بين أتباع الدين الواحد، تتابعت على إثر الحادث سجالات مثيرة للاهتمام بين طوائف المجتمع المصري، أبرزها بالنسبة إلي هو تخلي بعض القيادات الفكرية الإسلامية التقليدية كالدكتور العوا، أمين عام اتحاد علماء المسلمين، عن حديث أدلى به سابقاً يتهم فيه الكنائس بتخزين الأسلحة ثم يتراجع بعد حدوث التفجيرات عما أورده ويبرر مقولته بأنه لم يذكر في خطابه سوى ما أثبتته قضايا رسمية في ملفات الشرطة ولم يقصد التحريض.

على أن ذلك بالطبع لا يمنع من خطورة تبني موقف إعلامي ضد الكنائس وخصوصاً في مجتمع شديد التدين كالمجتمع المصري. للدكتور العوا أتباع كثيرون وكلماته لا تحمل الوقع نفسه الذي تحمله كلمات محاضر النيابة.

من السهل للمتدينين المتحمسين الاعتقاد بأنهم يملكون الفهم الأصح للعالم ولإرادة الله فيه، ومن اليسير أن يجدوا في خطابات بعض العلماء والمفكرين من يدعمون رؤيتهم للعالم ويطالبونهم بتوسيع مساحاتهم الدينية وفرض صحة اعتقاداتهم؛ لأن هناك من يتآمر على دينهم.

تلك المعضلة الأخلاقية الدينية ليست جديدة تماماً، تتابعت فصولها في كرّ وفرّ بين مختلف الأديان وحتى بين طوائف الدين الواحد.

وتأتي رواية المؤلفة التركية وأستاذة العلوم السياسية الأميركية ومناضلة حقوق الإنسان وباحثة دراسات المرأة إيليف شفك لتعيد خلق عناصر الصراع التقليدي بين طوائف الدين ومستجدات المجتمع في روايتها المبدعة “أربعون قاعدة للحب”

الرواية تحكي عن تحولات متعددة، أولها لسيدة أميركية تقليدية تعمل محررة لمخطوطة مقدّمة للنشر بواسطة مؤلف جديد. في أوراق الرواية يتنقل القارئ بين قصتين، قصة شخصيات المخطوطة وقصة الأثر الذي تحدثه المخطوطة في حياة المحررة والمؤلف.

تحكي المخطوطة عن الحدث الأكثر إثارة في حياة العالم الصوفي التاريخي رومي، عن تحوله من عالم وواعظ تقليدي ينقل صفوة العلوم الدينية بتنظير مثالي بعيد عن واقع بلدته التاريخية الصغيرة إلى عالم صوفي يرى المعنى الروحي الأسمى خلف النصوص الجامدة، للقائه بشخصية شمس الدين التبريزي الفريدة، حيث يبدأ في الاقتراب من الطبقات الغائبة في مجتمعه ويكتشفهم للمرة الأولى بعد حياته الطويلة بينهم، وينقطع عن رواده من صفوة المجتمع وسلاطينه، تحركه للمرة الأولى حاجات الناس الحقيقية للوعظ والحراك الاجتماعي بدلاً من اتباع مطلق للخطوط المرسومة للدعاة من المجتمع، يستلهم المعاني الخفية في الكون التي يكتشفها حديثا ويحيل إلهامه إلى شعر آسر يفيض بالحب والحنين، كشف الدرويش شمس الدين التبريزي لرومي في عبارات وأفعال محدودة وحدة الأرواح في الكون وأهمية الكلمة ومعنى الروحانية الحقيقي وخطأ الاعتقادات الجامدة والنقل الصرف بلا روح ولا حب، رمى الدرويش بكتب رومي القيمة في الماء وألهمه البحث عن المعنى الحقيقي من الوجود بعيداً عن أسر النص. الرسالة التي حملتها الرواية هي رسالة الكاتبة وهي أيضاً الرسالة الأسمى التي يمكن أن يحملها كل إنسان منا، وقد أوردتها في حديثها أمام مؤسسة تيد العالمية: «إن أردت تدمير أي شيء كمرض ما أو حتى روح إنسانية فكل ما تحتاجه هو حصره بداخل أسوار سميكة، كلنا نعيش بداخل دوائر إما اجتماعية أو أسرية أو ثقافية أو دينية لا نختارها غالباً، وإن لم يكن لنا وسيلة ما للتواصل مع ماهو خلف دوائرنا المغلقة فسنتعرض بشكل أو بآخر للانزواء والتلاشي بسبب ذلك الحصار، تتلاشى مخيلتنا، تضيق قلوبنا وتجف إنسانيتنا إن بقينا طويلاً بداخل شرنقتنا الثقافية الخاصة، حيث كل شخص حولنا هو نسخة شبيهة بنا، المجتمع المكوّن من نفس النسخ هو أكبر خطر يهدد عالم اليوم العالمي، حيث يميل الناس لعمل التجمعات المبنية على أوجه التشابه ويبدؤون في إطلاق التصنيفات على من حولهم وخلق الأنماط أو الستيريوتايب، وأحد وسائل خرق هذه الثقافة المحدودة هو عبر القصص».

حديثها بالطبع كان عن أثر الرواية والأدب المتخيّل في صنع معابر وهمية تمكننا نحن قراء الأدب من عبور دوائرنا الضيقة المصمتة والنهل من العالم وحياة شخصياته كما تعرضها الروايات، تمنحنا وسيلة ما لتجربة تلبّس شخصيات خيالية مختلفة عن واقعنا وتمنحنا فرصة لتفهم ورؤية العالم كما تراه تلك الشخصيات، وترفعنا بعيداً عن واقعنا لتوحدنا مع المختلفين عنا، على أمل أن يجعلنا ذلك أكثر تفهماً وروحانية وعقلانية في تعاملنا مع الاختلاف، سواء في الظروف السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو حتى حدود الجنس البيولوجي.

يبقى للكلمات مفعول السحر في خلق الصور النمطية وشحن الجموع معاً، في بلاغة يقرر حسن الشحّاذ في الرواية «لا أتوقف عن الاندهاش من التغيير العظيم الذي يصبغ الناس حين ينضمون إلى جماعة ما، أشخاص عاديون بلا تاريخ في العنف يتحولون إلى عدائيين مستعدين للقتل حتى لأجل جماعتهم»، وتبقى لمواقفنا وأفعالنا أهمية كبرى حتى ولو لم نشعر بها كما يقرر عزيز مؤلف المخطوطة الصوفي في مراسلاته مع المحررة «هل تعرفين أن شمس التبريزي يقول إن العالم كقدر طبخ هائل يضم خليطاً ما يتم إنضاجه؟ لا نعرف بعد ماهو؟ كل ما نفعله أو نشعر به أو نفكر فيه هو مكوّن ما في ذلك الخليط، نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا ماذا نضع في ذلك القدر؟ هل نضيف الاحتقار والعداء والعنف والغضب؟ أم نضيف الحب والانسجام؟»

ماذا يضيف كل فرد منا إلى وطن ممتلئ بطوائف متعددة وطبقات مختلفة وأنماط متغايرة؟

http://www.ted.com/talks/elif_shafak_the_politics_of_fiction.html

متحدين نقف

لم تكن مبادرة كمبادرة مركز الحوار الوطني حول «القبلية والمناطقية والتصنيفات الفكرية وأثرها على الوحدة الوطنية» لتثير لدي كثير اهتمام من قبل، ربما لأنني من سكان جدة ذات الخليط المميز من الأعراق كافة والأجناس، وحيث مشكلة الطائفية لا تبرز كسبب للاختلاف عادة، لكن زيارة أخيرة قمت بها على إثر دعوة كريمة من سيدات لجنة التواصل الوطني بـ«الشرقية» أثارت لدي أكثر من علامة استفهام، مبادرة تواصل تهدف إلى دعم التعارف المباشر بين أبناء المناطق المختلفة في بلادنا، وهي مبادرة بدأت من ناشطات القطيف حتى تزول الصورة النمطية الخاطئة عن هذه المنطقة لدى جميع أبناء الوطن وبناته، هي مبادرة مختلفة لأنها فرصة فريدة لنلتقي كشعب واحد بعيداً من حواجز المذهبية والمناطقية والمنصب والطبقة الاجتماعية.
طفت مع سيدات من سائر مدن المملكة في مدن القطيف «صفوى وسيهات وتاروت ودارين»، حضرنا شعائر «عاشوراء» وتجولنا في الطرق الموشحة بالسواد والحزن، استمعنا إلى علماء دين ومفكرين ونشطاء ورياديات في العملين الاجتماعي والثقافي، أدركنا وقتها أن من سمع ليس كمن رأى، لمست في بنات وأبناء القطيف خصالاً فريدة لم يكن لي أن أعرفها سوى بلقائي بهم، مجتمع متجانس في وحدته وتاريخه ورسالته، يحمل صوراً متعددة من الريادة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي، يرتفع فيه صوت الوعي والتفكير الموضوعي، ويظهر جلياً في منتوجه الثقافي والفكري والأدبي.
توقفت هنا عند معنى الانتماء والولاء الذي كثيراً ما يختلط في أذهان البعض، ثقافة الشك في ولاء المختلف في انتمائه المذهبي أو العرقي أو الجنسي حتى تضرب بجذورها في أطياف المجتمع كافة، على رغم عدم ثباتها أو تأكيدها على أرض الواقع، الشيعة ساندوا الحكومة قلباً وقالباً في حرب العراق، ولم يقدموا انتماءهم الديني على ولائهم الرسمي للدولة، شخصيات رفيعة من أصول عربية وغير عربية، من بخارى وجاوة وباكستان والعراق ومصر وغيرها، استقرت هنا في المملكة منذ عقود وأنتجت لنا أفضل الخبرات التي تخدم الوطن في القطاعات كافة بلا استثناء، لم يلغ انتماؤهم العرقي المختلف ولاءهم لهذا الوطن، سيدات منحن فرصاً نادرة للتعليم والعمل في قطاعات ذكورية طاردة وأبدعن تماماً في أداء رسالتهن بكل اقتدار، على رغم التهميش العام لأهمية مشاركتهن في الوطن، بعد زيارة القطيف بمدنها وأهلها كتبت تدوينة في موقعي الخاص على الانترنت أهل القطيف ومجتمعهم الفريد والمختلف، أثنيت على إبداعهم وإصرارهم على وطن واحد، على رغم مشاعر التخوّف والشك التي يتعرضون لها، لم أكن أتوقع أن تحوز التدوينة على ردود أفعال بهذه الكثرة وكأني أثرت جرحاً غائراً أسكنه الصمت والتجاهل وأعادته الكلمات للحياة.
تعليقات من سنّة يحذرنني من ممارسات الشيعة ويدعونني لمشاهدة ما خفي علي منها، وتعليقات من الشيعة تهنئني بإنصافي لهم وبمحاولة ردم الهوة التاريخية بينهم وبين الوطن كافة، برز لي وقتها أكثر من أي وقت مضى أهمية مفهوم الانتماء والولاء، وهو كما ذكر المفكر محمد آل محفوظ الولاء الواحد للوطن الذي يجمع تحت لوائه أطيافاً متعددة من الانتماءات المذهبية والمناطقية والعرقية.
لن تجتث كلماتي ولا الخطاب الثالث لمركز الحوار الوطني مشاعر الرفض والانقسام التي يتعامل بها عموم الناس مع المختلفين عنهم ولكنها ستحرك بعض العقول للتفكير في مثل تلك المفاهيم، لا نحتاج أن نكون نسخاً متعددة من بعضنا البعض لنثبت ولاءنا للوطن، لا نحتاج لإثبات أن اختلافنا لا يضر غيرنا وأنه لا يشمل عناصر معادية أو مؤذية للغير، وحدها القوانين تكفل ألا يؤذي أي فرد الآخر في مجتمع مدني متطور.
في المجتمع الحديث لا يمكن محاكمة الأفكار، تُحاكم فقط الأفعال المثبتة، وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية لم يكن الاختلاف سبباً لرفع راية الشقاق والرفض بل كان دائماً التهميش من فئة ضد فئة هو العامل المشترك في قيام الفرقة والشقاق، هذه القاعدة الكونية في احتواء الاختلاف مثبتة منذ القدم، أسردها «إيسوب» في إيجاز بديع في القرن الـ «16»: «متحدين نقف، ومتفرقين نسقط».
تضرب في الوقت الذي تخلق الهوية والانتماء الديني مصدراً كبيراً هنا للانتماء وفرقة وحاجزاً من الشك والحذر من الاقتراب، بادر الناشطون في القطيف بإنشاء لجنة التواصل الوطني لرأب هذا الصدع والخلل، المبادرة معنيّة بدعوة شخصيات من أرجاء الوطن كافة لحضور شعائر «عاشوراء» الخاصة والتجول في المنطقة للاطلاع على تاريخها وعلى إبداع أهلها المميز بهذه المناسبة، شملت الدعوات شخصيات من مطارق الوطن وفئاته كافة، في الدعوة والإعلام والتعليم العالي ومعظم مرافق الدولة.
الحدث الأهم كان الزيارة الكريمة للأميرة عادلة بنت عبدالله، التي كانت أفضل دلالة على ترسيخ الانتماء والولاء لوطن واحد بلا تمييز، وكان لزيارة الشيخ سلمان العودة ولقاؤه بالشيخ حسن الصفار الأثر الأفضل في درء دعاوى الفرقة لاختلاف المذهب.
لن أستطيع أن أؤكد على أهمية وحدة الوطن وتساوي الجميع تحت لواء المواطنة بأفضل من كلمات أبناء القطيف، الشيخ محمد الحبيب، والمفكر محمد آل محفوظ، والدكتور توفيق السيف، الرسالة التي أحب أهل القطيف أن تصل أصداؤها إلى سائر مناطق الوطن عبر شخصياته المختلفة، هي رسالة التعايش السلمي والمزج الواعي بين أطياف الوطن، إنهاء الانكفاء والإقصاء الذي يمارسه أبناء الشيعة بأنفسهم، أو يُمارس ضدهم.
تمنى محدثونا إنهاء الرؤية النمطية للشيعة ككيان مختلف يرتبط انتماؤه الديني بولاءات خارجية، تمنوا أن يتم توضيح الفرق بين الولاء والانتماء، أن الشيعة بانتمائهم إلى مذهب مختلف لا يزالون مواطنين تحت لواء واحد مع السنة وأبناء وبنات هذا الوطن كافة، عبر لجنة تواصل ترددت رسالة التسامح والتعايش والاعتراف بالاختلاف، أهمية أن نصنع نسيجاً متماسكاً وإن اختلفت ألوانه وخاماته، نسيجنا السعودي أقوى وأفضل وأكثر صدقاً وانتماءً وولاءً كلما منحناه حقه في الاختلاف والتعبير، كلما مددنا نحن أيضاً أيادينا لتتصل بأياديهم.

عودة الإمام


انبهر الإمام محمد عبده اثناء رحلته الشهيرة إلى فرنسا كمشرف على أول فوج مصري من الطلبة المبتعثين بمظاهرحضارة الغرب في مدنهم و باختلاطهم الإنساني و كانت تجربة الحياة في فرنسا عامل أساسي في دعوته الإصلاحية عند عودته إلى مصر و تشجيعه لأبناء بلاده على تعلم فنون و علوم الحضارة الحديثة، وبالطبع كان ذلك التغيير في الاتجاه و الفكر متوقعا من الإمام الذي نشأ في أوساط يكثر فيها الجهل و تقل فيها مظاهر التقدم والمدنية… و لكن هناك شيئ ما في عصرنا الحديث من الانفتاح على الغرب و سهولة الحصول على المعلومات يجعل مثل صدمة الإمام بمعرفة حضارة الغرب أمرا شبه مستبعد من أي شخصية عربية في عصرنا الحديث، و المتأمل لما ما كتبه عالمنا الجليل الشيخ عائض القرني أثناء رحلته إلى باريس تغمره الدهشة لقراءة انطباعاته عن الغرب، لقد شمل الشيخ نفس الشعور الذي شمل الإمام محمد عبده وتبدى له نفس الاكتشاف الذي توصل إليه والفارق هنا أن الشيخ يعيش في القرن الواحد والعشرين ولا يعدم وسيلة من اطلاع على إعلام أو استخدام للتكنولوجيا أو وسائل لسفر ميسر أو مؤتمرات للتعرف والتوصل إلى ثقافة الغرب ومظاهر حضارته بينما عاش الإمام محمد عبده في القرن التاسع عشرالذي تميز بمحدودية و صعوبة التنقل والتوصل إلى العلم والمعرفة بالآخر، وهذا في الحقيقة  واقع يكشف انعزال علماؤنا في هذا العصرعن مستجدات الحياة وانغماسهم في دوائر مغلقة… يكتشف الشيخ بكثير من الصدمة و الحذر أيضا أن الغرببيين قد جملتهم رقة الحضارة بلطف المشاعر وحفاوة اللقاء وأدبيات المخالطة، ويرى ويلاحظ آداب التعامل لدى الفرنسيين و إيثارهم له في زحام المداخل و مساعدتهم له في البحث عن وجهته فيتأثر بذلك كثيرا و يقدم اعترافه بتقدمهم حضاريا و إنسانية تعاملهم والذي يخشى أن يلقى عليه من متابعيه اتهاما بالولاء للغرب، والشيخ يعزو مظاهر الرقي في التعامل الإنساني الذي لحظه إلى قوة حضارة الغرب التي أفلحت في تقويم وتهذيب طباع البشر، كما يغمره اكتشاف الآخر(الغرب) بصدمة اكتشاف ما تفقده النفس (الواقع العربي) والتي باغتت أيضا الإمام محمد عبده عند إقامته في باريس، و لأن الضد بالضد يعرف فالشيخ أصبح الآن أكثر إدراكا لغلاظة و جفوة الخلق و البشر في مجتمعه الملحوظة حتى في رجال الدين “وهو منهم” كما ذكر، وهو يأسف على تجهم رجال الدين و غلاظة رجال الشرطة والجنود و قسوة الأزواج و لؤم الزوجات وتكبر المسؤولين و تفاخرهم على من يراجعوهم، فيحمل نفس الدعوة الإصلاحية التي حملها الإمام محمد عبده من قبل و يدعو أيضا إلى تطبيق “صارم” للشريعة لتغيير خلق الناس و تعاملهم لإعادة توجيههم إلى نفس مستوى اللطافة و الرقي في التعامل الذي لمسه في الغرب والذي حث عليه الإسلام واختفى من سلوك أتباعه مع الزمن وهو يقترح اقتراحا لطيفا -وبالطبع غير قابل للتطبيق لأن لا أحد يرى عيبا في نفسه وبالتالي لن ينفذه أحد- أن تكون هناك معاهد لتعليم الناس آداب التهذيب و التعامل كمسؤولين وعلماء وكأزواج….وقد قرأت بكثير من التقدير اعتراف الشيخ بجفائه و جفاء رجال العلم و الدين و لذلك أحترم كثيرا الشيخ عائض لاعترافه بالحق ولو على نفسه ولشجاعته الأدبية في ملاحظة و ظهار القصور في نفسه وفي مجتمعه وهو هنا نفس الباحث المصلح الذي عهدناه دائما، و ربما كان عدم جموده و نشاطه الفكري المتجدد في البحث في طبائع النفوس و سلوك المجتمعات و بعده عن مظاهر الأمور إلى مضامينها هو ما يميزه عن كثير من العلماء التقليديين ، وهو بذلك يخالف كثيرا التفكير النمطي المتعارف عليه من الشيوخ وطلبة العلم، والشيخ أيضا قد تعرض بسبب “تجدده” إلى كثير من الهجوم من مراقبيه ممن يرون في تصريحاته كثيرا من التردد والعودة عن آراء سابقة له في الفتوى كقضية قيادة المرأة للسيارة و غيرها، وللشيخ مقولة شهيرة في ذلك ” تلقيت اتهامات عديدة فالحداثيون يعتبروننا خوارج، والتكفيريون يشنعون علينا بأننا علماء سلطة، بينما ما زال بعض السياسيين مرتابين منا، وهناك من يرى أننا مجرد راكبي موجة، وأننا غيرنا جلودنا لكي نحقق بعض المكاسب، متناسين أننا ندفع الثمن غالياً”… و العجيب أن تغيير الجلود الذي أشار إليه الشيخ و مارسه في بعض الأحيان في فتاويه و آرائه هو سنة الحياة فلا شيء يبقى على حاله وليس هناك خير أو شر مطلق والأمور نسبية تتغير في أهميتها بحسب الزمان و المكان و مستجدات الأمور، و التغيير على النمط السائد في الفكر و العمل هو أيضا ما يقاومه وبشدة التيار التقليدي من العلماء و طلبة العلم خشية الفتنة والغزو الفكري وغيرها من المسميات وهم بذلك يحصرون أنفسهم في نفس الخانة الضيقة التي عاش فيها الإسلام و المسلمين في العصور السابقة “المظلمة” ويفوتون على أنفسهم وعلى أتباعهم التنافس مع الحضارات وتبادل الثقافات الذي ينقح بالضرورة الفكر و يثري المجتمع… و تجدد “الاكتشاف” و تغيير القناعات لدى العلماء و المفكرين ليس دليلا على تغيير المباديءالأساسية ولكنه دليل على تغير الملامح وعلى زيادة وضوح الفكرة و تبين المعرفة وهو سلوك طبيعي يصاحب الإنسان خلال مراحل نضجه ولذلك تتجدد دعوات كثير من المفكرين والعلماء بتجدد و تطور تجاربهم واطلاعهم كما هو ملحوظ من سير العديد منهم في التاريخ الإسلامي… والنظرة إلى الغرب كمجتمع إنساني يمتلك حضارة تستحق التوقف و الإعجاب و ربما أيضا الاقتباس تنافي بالطبع مبدأ الولاء والبراء الذي شهدنا العديد من تفسيراته المغلوطة بسبب قصور الفهم والجهل بطبيعة الآخر و الذي تمت إزالته مؤخرا من المقررات المدرسية… والأهم في انطباعات الشيخ عن رحلة باريس هو كونها تمثل رد فعل متجدد و إعادة نظر في قضية التعامل مع غير المسلمين و التي شكلت معضلة في الفكر الإسلامي الحديث كثيرا ما انتهت بالانعزالية و الابتعاد عن التعاطي مع الغرب ربما نتيجة لقلة الوعي بالآخر، كما تمثل انطباعات الشيخ دعوة بالفعل لإعادة النظر في تعامل العلماء و المفكرين مع مستجدات الحياة و الاطلاع على العالم خارج محيطهم اليومي الضيق خصوصا مع سهولة الوصول على المعلومات حاليا، و تمثل أيضا دعوة للعلماء للبدء بالإصلاح الذاتي فالجيل القادم من العلماء لن يغفر له عموم الناس عودته عن تصريحاته و آرائه لعدم اتصاله و قلة معرفته بالآخر خصوصا مع توفر وسائل التكنولوجيا و الاطلاع، و العلم و الخطاب الديني الذي يؤثر في فكر وسلوك الناس هو الأولى بقراءة الواقع الحديث و معرفة الثقافات و الحضارات السائدة ليصبح أقدر على التعامل معها و تطوير خطابه و مواقفه عن وعي و علم، وعندها فقط لن نشهد أزمة عودة الأئمة عن آرائهم…


خواطر شاب سعودي

لا شيء أكثر استفزازا من ادعاء العلم و محاولة إقناع جمهور من البسطاء بلا أي منطق سليم و لا وعي جاد بمصائب جديدة تضاف إلى مصائبنا حتى تكتمل المأساة، لذلك السبب بالذات لا أتنقل كثيرا بين برامج التلفزيون العربية خارج نطاق البرامج الإخبارية و أسعد أحيانا بالبرامج الحوارية و لو كانت مسنتنسخة عن برامج عالمية إذ تكشف لنا جانبا ولو بسيطا من شخصياتنا العربية المغمورة بين زحام و زخم الممثلين و المطربين و أشباههم و غوغاء برامجهم التي لا تنتهي، ولكنني توقفت بالخطأ عند “خواطر شاب” و الذي لا أعلم هل هو فكرة مستنسخة عن برنامج عالمي أم لا و لكنها بالتأكيد ذات نكهة عربية شديدة السذاجة، يقدم الشاب في خواطره إحصاء ما لا أدري مدى دقته عن تزايد عدد النساء العوانس في المملكة فوق الثلاثين عاما، و يؤكد الشاب أن السبب هو ضعف موارد الشباب حديثي التخرج للإقدام على مشروع الزواج…لم أستطع أن أتوقف لحظة لاستيعاب العلاقة بين الشاب حديث التخرج الذي لا يستطيع الزواج في بداية حياته و بين النساء العوانس فوق الثلاثين عاما حيث عاجلنا الشاب بمفاجأة أخرى ذكرتني ببرامج هالة سرحان الشهيرة عن مدى انتشار العادة السرية و الشذوذ الجنسي بين الشباب و البنات بل أنه قام باستطلاع بين الشباب و البنات على شاشة التلفزيون حيث قدم كل ضيف و ضيفة وجميعهم من الشباب السعودي نسبة تقريبية لانتشار الشذوذ و العادة السرية تقدر بين 50 و حتى 80 في المائة بين الشباب و الشابات على حد ذاكرتي المزدحمة حاليا، و لا أدري هل أصبحت العادة السرية جهرية أم ماذا حيث يفتي الجميع بمدى انتشارها،  أما الاستنتاج الذي توصل إليه الشاب و قدمه في خواطره في الحلقة حول سر انتشار هذه العادات هو في عدم إقدام كل أسرة على تزويج ابنها في الخامسة عشرة  وهو السن الأنسب للزواج من الناحية الفسيولوجية، و يقترح على كل أسرة أن تبدأ بتزويج شبابها صغارا وأن لا تلقي بالا إلى ادعاءات تصريف طاقات الشباب في النشاطات الرياضية مما يعني بالضرورة  أن يتولى رب الأسرة الإشراف على الأسر الجديدة جميعا في عائلة واحدة سعيدة تعيش في منزل كبير تتحقق فيه الخصوصية لكل زوجين صغيرين كما تشرف الأم فيه على أولادها و على زوجاتهم و ينفق الأب فيه على الأم و الأولاد و على كل شخص يصل للخامسة عشرة و يفتتح بدوره أسرة جديدة و ملحقاتها، و لنا أن نتخيل مدى إمكانية تطبيق ذلك في الأسرة السعودية التي يبلغ متوسط أبناءها خمسة أطفال إن لم يكن أكثرو ما أجمل أن يتم استخدام مقتطفات من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم كالعادة لتأكيد هذا المنطق و تمريرهذه الأفكار، و بعيدا عن الإمكانية الفعلية  لتطبيق هذه النصيحة من الناحية المادية و المعنوية فقد فات على الشاب مقدم الحلقة وهو يندفع في خطبة عصماء عن أهمية الأخذ بنصيحته و إلا فسدت أخلاق الشباب أن يذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزوج حتى بلغ الخامسة و العشرين ولم يبحث عن الحاجة الفسيولوجية بقدر ما بحث عن الاحتواء و الحنان لدى السيدة خديجة رضي الله عنها كما لم يصرح الرسول لمن لا يملك المال بالزواج بل أوصاه بالصوم لأن الزواج في عالم الواقع وليس التلفزيون ينوء بالأعباء المادية التي لا يشكل المهرو الحفلات الذي يعتقد الشاب والضيوف بأنه سبب عدم الزواج شيئا منها ، العبء الحقيقي الذي يواجه الشاب هو قوامة الزوج على أسرته الجديدة من زوجة و أطفال ماديا و معنويا وتربويا، على الشاب بالطبع أن يتحمل الإنفاق المادي على الأسرة الجديدة بتوفير أبجديات الحياة الكريمة من مسكن و ملبس و علاج و تعليم و فواتير و غيرها، ليست الحياة مجرد حاجات فسيولوجية ينبغي علينا تلبيتها و الانصياع لها و إلا تفشت بيننا العادات السرية و الانحراف، ففي مقابل كل تلبية لحاجة ما هناك ثمن وعبء ينبغي أن نبذله، و يمكن بالطبع أن تكون الصورة التي قدمها الشاب للزواج المبكر ممكنة في وسط معين من العائلات و التي تمتلك الإمكانيات المادية و لكن حتى لو تمكن شبابها من الزواج في الخامسة عشرة يتبقى هناك قدرا لا يستهان به من المحاذير بالنظر إلى ارتفاع نسبة الطلاق في مجتمعاتنا، فهل القدرة على الإنفاق كافية لإنجاح الزواج، ألا يلزم قدرما من النضج و الوعي للتعامل مع شريكة و شريك جديد و مع ضغوطات جديدة تفرضها طبيعة الزواج، نحن أبناء ثقافة لا تعطي قدرا من الوضوح أو الحدود العادلة في توقعات كل من الشريكين من الآخر و في تعاملات الأهل مع الزوجين مما قد يفسر معاناة العديدين وفشلهم غالبا في تحقيق معاتي الزواج التي أجملها القرآن في المودة و الرحمة، الإسلام واضح في موانعه و محاذيره ولا يمكن تبرير تفشي الانحلال بعدم الاستطاعة على الزواج في فترة المراهقة، كما يمكن البحث عن أسباب الانحرافات لدى المراهقين في مجتمع مثل مجتمعنا تمنع فيه مسببات ومداخل الشهوات و ينشط فيه الوعظ الديني،  وإذا كانت الإحصائيات التي قدمها الشاب صحيحة من حيث عدد العوانس فوق الثلاثين و مدى تفشي الانحرافات السلوكية بين المراهقين و المراهقات فنحن أمام مصيبتين مختلفتين تحتاج كلا منهما إلى دراسة دقيقة،  أما محاولة عمل ارتباط ما بين زيادة نسبة عنوسة النساء فوق الثلاثين و بين ارتفاع متطلبات الزواج فهذا أمر خال من المنطق و من الحقيقة، فالنساء فوق الثلاثين لسن من الأهداف المحتملة للشباب حديث التخرج في بحثه عن زوجة، كما أن توفير الإمكانات المادية للشباب لن يؤدي بالضرورة إلى زواج سعيد، ربما كان من الأفضل أن يتم بحث الأسباب الحقيقية و الواقعية لعزوف النساء عن الزواج و تشجيع الرجال على السعي الجاد في العمل و الكسب وتحمل المسؤولية لتحقيق رغباتهم بالزواج، و ربما كان من الأفضل أيضا أن يتم توضيح طبيعة الزواج ومسؤوليته عند تشجيع المراهقين بكل حماسةعلى الإقدام عليه، أتخيل الآن قدر الحرج الذي سيواجه والد كل شاب في الخامسة عشرة شاهد البرنامج و تحمس لطلب الزواج من والده كما لا أستطيع بالطبع إلا أن أتساءل عن مدى الرقابة و الإعداد في مثل هذه البرامج و التي تحمل بكل حسن نية وسوء تقدير لواء النصيحة في مجتمع ينوء بمصائب سلوكية وثقافية ويحلم بمن ينتشله منها وليس بمن يزيدها تعقيدا …

أرض الهجرة


قرر دانيال المسلم الأمريكي الجديد أن يأخذ زوجته و أطفاله الثلاثة إلى الصومال و التي سمع أن بها حكومة إسلامية جديدة، باع وزوجته أثاثهما القليل و تبرعا بقدر كبير للمعوزين قبل شد الرحال إلى الأرض الجديدة، بالرغم من الرحلة الشاقة و قضاء ثلاثة أيام كاملة في مطار دبي خوفا من الفتنة وصلت العائلة أخيرا إلى مقصدها، و بالطبع حاصرت الحروب و المطاردات العائلة مما اضطر الرجال للرحيل بعيدا عن النساء و الأطفال، بعد ثلاثة أيام من الضياع في الأدغال تم القبض على دانيال و حجزه، في الحجز اكتشف عن طريق من سبقه وفاة زوجته أثناء رحلة الهرب متأثرة بالحمى و الملاريا، ودفنها كالشهداء بلا أي غسل أو كفن لإتمام رحلة الهرب، اكتشف أيضا أن طفلتيه بقيتا وحدهما مع امرأة أخرى بينما هرب ولده أثناء الرحلة خوفا في الأحراش، قضى دانيال لياليه في حجزه مصليا و داعيا الله ليعيد له أولاده، وهو ما تحقق له أخيرا عند عثور السلطات عليهم و ترحيلهم جميعا للولايات المتحدة، يقضي دانيال الآن حكما بالسجن لعشرة سنوات بتهمة التدرب مع جماعات مسلحة بينما يمكث أطفاله مع والديه، قصة دانيال التي تروجها بتفاصيلها المكتوبة بخط يده من حجزه الانفرادي الجماعات المسلمة هنا ترسم بين سطورها الكثير من لمحات التاريخ الإسلامي في بدايته، فهناك  الهجرة التي شبه بها دانيال رحلته وزوجته مع الجماعة المسلمة التي ينتمي إليها، و هناك الأحلام التي تدله على طريق الصواب و تكشف له الأقدار و الغيب، و هناك الابتلاءات العظيمة التي تجعله أكثر إيمانا و صبرا و احتسابا، و ذكر الله و مقدار الإيمان الذي يأتي في كل جملة مكتوبة، قراءة دانيال تعكس مقدار الحماس الذي يحمله و زوجته المتوفية للإسلام، دانيال ابن الثامنة و العشرين وجد نفسه مناضلا لهدف أوصله لزنزانة أمريكية منفردة لا يرى منها ضوء الشمس و لا غيره من البشر لأكثر من ساعة في اليوم، وحيدا محروما من أسرة قتلت فيها الأم وتشتت فيها الأطفال، يختتم دانيال قصته المكتوبة بالعبارة الشهيرة لشيخ الإسلام ابن تيمية أثناء سجنه ” إن قتل كانت لي شهادة و إن نفوني كانت لي هجرة و إن حبسوني كان لي معبدا” في تأكيد لتأثره الكبير بمباديء التضحية و الكفاح في سبيل الله، على أن قارئا مثلي ربما يتوقف أكثر من مرة عند مثل تلك القصة، و أهم سبب أوقفني هو لماذا؟… لماذا انضم دانيال إلى جماعة ما و ما الذي انطوى عليه فكر الجماعة و توجهها حتى يدفعه للرحيل إلى الصومال التي عركتها المآزق السياسية و المجاعات و الاضطرابات في كل نواح الحياة، و كيف لم يحتاط بأقل قدر من الحذر فيتناول و أسرته تطعيمات الأمراض الوبائية المتعارف عليها في تلك المناطق؟ قصة دانيال تفتقد لأهم تفصيل، ماهو دافعه؟… ربما كان دانيال كغيره من البسطاء يبحث في الصومال المتنازع عليها عن الخلافة الراشدة و أمير المؤمنين الذي سيقيم دولة العدل و  يهدم دولة الباطل، و ربما كان أيضا وبدون أن يشعر عضوا مضللا في جماعة غير معروف أهدافها، وهو يسجل في قصته مسامحته لصديق كفاحه الذي وشى به تحت ظروف الاعتقال، ليس دانيال الأول أو الأخير في رحلته المؤلمة، الجماعات الدينية و التي تخدم أهدافا سياسية ما و تسعى في ذلك لتجنيد الضعفاء و تحميلهم عبء رحلة غير مأمونة العواقب في حلم مجنون بالسيطرة أمر متكرر في أديان و فلسفات عديدة و ليس تحت لواء الإسلام فقط، ربما كان دافعه الإحباط الذي قد يشعر به الضعفاء تجاه واقعهم، حيث تختفي هشاشة الهدف خلف بطولات تاريخية و عبارات جذابة قوية، تستنفر همما ساذجة حالمة بعالم خيالي لم يوجد و لن يوجد على هذه الأرض، فتترك الحالمين معلقين بفكرة العالم العادل الفاضل أو السعي للشهادة بحثا عنه و الانتقال إلى جنات و نعيم، و قد قسم الباحثون في تكون الجماعات المتطرفة الأهداف التي تجذب بها المنتسبين إليها إلى ثلاثة أهداف أساسية هدف فكري أو فلسفي مثل سبب ما لوجود الإنسان أو هدف ما للحياة، ثانيا سبب سياسي كالحمية القومية و الدفاع عن الجماعة، و ثالثا هدف شخصي كنيل الشهادة مثلا أو التميز عن الآخرين بلا هدف،  الكثيرون ماتوا أو قتلوا أو سجنوا لغايات لم تخدم أهدافهم أو مصالحهم و انتهى كفاحهم صفحة في تقرير حكومي و إرثا ثقيلا يطارد أفراد عائلتهم و معارفهم، يعود المناضلون بحثا عن قضية في الغالب خائبين تستقر بهم مطافهم في ركن ما في منازل من تبقى من أسرهم، تستمر الحياة بغيرهم و تتركهم وحدهم هكذا يتساءلون عن جدوى ما سعوا إليه يوما و هل تركوا أي أثر لمن بعدهم، مثل دانيال يعيش في أوطاننا الكثير، عاد أبو محمد الأردني إلى قريته بعد أعوام قضاها مع جماعة التبليغ باحثا عن جمهور ما ليبلغه في أصقاع البلاد، تاركا خلفه بناته و أولاده يصارعون الحياة بمعرفتهم، عاد فوجد الأطفال كبروا و الأم شاخت، لم يعرفوه و لم يعرفهم للوهلة الأولى و عاش بينهم ولا يزال غريبا كما لو أنه مازال يسعى في الأصقاع، لا يعمل أبو محمد فالحياة التي عاد إليها لا تحتاج إلى الحالمين و أصحاب الخطب المفوهة و قد يمنحه إمام المسجد وقتا في خطبة الجمعة حتى يفي بحق الجار، و بالرغم من أنه لا يتواصل كثيرا مع من حوله إلا أنه يحمد الله سرا على نجاته من السجن الذي حجب الكثيرين ممن ذهبوا معه، دانيال و أبو محمد و غيرهم من الحالمين ممن فقدوا المغزى أثناء الطريق أو ممن فقدوا أرواحهم