السجين 32… قراءة في سيرة حياة محمد سعيد طيب

السجن ليس فقط ذلك الحصار الفيزيائي الذي يمنع عنك تفاصيل الحياة و يعزلك عن كل من و ما تحب، السجن هو أن تعلم أنك تعيش “في سجن كبير” و أنك لا تستطيع أن تهرب منه، الفرق حدود السجن فقط، سجنك الكبير سيصبح أصغر كلما ازددت مقاومة و رفضا، عالمك ذاته مصمّم كسجن، يملك سجّانوك المسجد و المدرسة و الجريدة و التلفزيون و الوظيفة و القانون و المحكمة، يملكون القبيلة التي ستتبرأ منك و تنبذك، و يملكون نقلك بين سجنك الصغير و الكبير كلما أوقفت رفضك و مقاومتك و أعلنت عجزك اليائس…

“إن أردت أن تقتل شيئا فلا تفعل أكثر من عزله و محاصرته”: تقول ايلف شفك عن جدتها التي تعالج الناس بمحاصرة الأرواح الخبيثة و الأوجاع و تركها وحيدة منبوذة حتى تموت… إن لم يقتلك الحصار و العزلة فلأنك تملك تشبثا بالحياة لم يمت بعد…

السؤال الذي لا يراوح عقلك عند مشاهدة وحشية العسكر و السلطة في مواجهة المقاومين في ساحات الربيع العربي: في ميدان التحرير و دوّار الإرادة و ساحة التغيير و دوّار اللؤلؤة: ماذا يمكن أن يحدث إن قاوم مواطن بسيط السلطة؟ هل تشفع له سلميته؟… ماذا يمكن أن يكون ثمن حلمك المشروع في عدالة اجتماعية و دستور و إعلام حر و مسؤلين منتخبين يمكن مساءلتهم بلا قيود؟ ماهو ثمن خطاب مطالبة تكتبه أو توقّع عليه لمن يملك الأمر؟…

“السجين 32” يمنح القاريء فرصة لاختبار واقعية هذه الأسئلة، النضال قديم يسبق عمر السجين “محمد سعيد طيب“، و الحلم المشروع الذي لم يتحقق بعد برغم هذه الرحلة الممتدة عبر عدة عقود…

يقع الكتاب في 400 صفحة تقريبا و اثني عشر فصلا بخلاف الملحقات و الهوامش، حواشي الكتاب تقدم إضافة ثمينة للتنقيب في خلفيات الأحداث و الشخصيات تاريخيا … يسجل كتاب “السجين 32” تاريخا لم يبارح كثيرا قلوب الرجال، في صفحاته الأولى لمحات من مكة و حاراتها و صناعة الرجال في الحجاز القديم، هناك قصة يوردها لقاض يعاقب و يوبّخ وجيها لتعاليه على خادم يمني، يلهم القاضي الحجازي بعدالته محمد سعيد طيب “السجين 32” لحلم دراسة القانون بعد عقود، تنقلك الحكايات الأولى لمدارس الحجاز القديمة: الرحمانية و الثغر و سواها، و تندهش و أنت معاصر للألفية الثانية من حضور الأدب و الفن و السينما في المقرر الدراسي… و تتأكد من مكانة العلم بين الحجازيين حين أنشؤوا جامعتهم الأهلية قبل سنوات عديدة من وصول التعليم العالي الحكومي في المنطقة… رجال الفترة يمرون على الصفحات أمام ناظريك في لمحات سريعة تكشف الكثير… أمير المنطقة الذي لا يحب من “يخصره” إن طلب إخلاء عقار، أمسيات الاحتفاء برجال الأدب، محمد علي حافظ يدعو في مقال له في بداية الستينات للتوزيع العادل للموارد بين المناطق لأن “جدة تستاهل”، اجتماع الفكر و الثقافة في مجلس الثلاثاء… ثم بزوغ الثورة الناصرية و حلم القومية العربية الذي جعل طيب المقاوم الشاب –وقتها- ينضم لحزب الجبهة العربية لتحرير الجزيرة العربية-  في القاهرة…

يحملنا الباب الثاني للمحنة السياسية الأولى في حياة السجين عام 1964 بسبب قرار انضمامه لجبهة التحرير، و يرسم الكاتب المشهد السياسي السعودي وقتها عبر أول اقتراح مقدّم من الكاتب عزيز ضياء لإنشاء نظام للحكم و لجنة لمشروع القضاء، و يتطرق لمقال منشور لمحمد سعيد طيب يطالب فيه بمجلس شورى منتخب بعد وعد الأمير فيصل بإرساء نظام للحكم، يعلّل الكاتب حالة الانفتاح السياسي وقتها برغبة الملك فيصل بكسب النخب الفكرية و فرز توجهاتها السياسية في الوقت نفسه، و ما تلا ذلك في العام 1964 من اعتقال 70 مواطنا من المدن الرئيسية الثلاث من مختلف التيارات، كما يسرد الكاتب شهادات قيّمة منقولة عن أبرز معتقلي تلك الفترة: محمد سعيد طيب و باقر الشماسي تشمل تفاصيل اعتقالهم و محاكمتهم و أسماء المسؤولين في ذلك الوقت… تبدو الكتابة و التوثيق هنا كرد فعل لتحقيق عدالة غائبة ولو بعد حين…

الباب الثالث يتناول تجربة محمد سعيد طيب الأولى في السفر خارج المملكة و منها ابتعاثه القصير لأمريكا، و تستعرض بعض الانعكاسات الشخصية حول أحداث المرحلة كالنكسة و وفاة معلمه محمد فدا و أول حضورله لحفلة لأم كلثوم و الحياة الطلابية للسعوديين في أمريكا و غلبة القضية الفلسطينية وقتها على النشاط الطلابي…

يسرد الباب الرابع المحنة الأولى الحقيقية في حياة محمد سعيد طيب: سنوات الألم و العزلة التي خرج منها لا يعرف المشي… كانت البداية في اعتقاله عام 1969 أثناء أول إجازة دراسية له في الوطن، و يظهر اسم عبد العزيز مسعود مدير عام المباحث وقتها بالمملكة في مشهد بليغ يرفض فيه توجيه اتهام رسمي للسجين: “لو حللوك لوجدوا كل خلية فيك تكن العداء لهذا النظام، أنت لست في حاجة لاتهام و لن يوجه لك اتهام و لن تحاكم” و هذا ما كان، اعتقل طيب مع مئات غيره في تلك الفترة، و يعرض الكاتب لتفاصيل تعذيبه أثناء الاعتقال و منها حرمانه من النوم لثلاثة أيام متواصلة لتوقيع اعتراف، و يعرض الكتاب أيضا لقصص بعض سجناء المرحلة و أسباب اعتقالهم، و يورد جملة لطيفة على لسان طيب غالبا ما تتكرر في سير المعتقلين السياسيين: “لم أفكر بالانتحار أبدا و كنت أقول لهم إذا لم تتخلصوا مني فلن أتخلص من حياتي”… يظهر في نهاية الباب تحليل قيّم عن رؤية طيب لإيجابيات و سلبيات الحكم في عهود الملك فيصل و سعود و خالد، و ينتهي الفصل بعبارة طريفة من السجّان عبد العزيز مسعود لطيب في لقاء لهما بعد الإفراج عنه “روح… الله لا يردّك”…

يستعرض الباب الخامس تجربة محمد سعيد طيب في إنشاء تهامة و تصدرها للمشهد الثقافي الوطني عبر عقود مع الوزارات الرسمية و الهيئات المختلفة، و يكشف فيه طيب عبر لقاءاته الاجتماعية المختلفة وجوها متعددة لرجال المرحلة كوزير الإعلام السابق علي الشاعر و سلفه جميل الحجيلان ووزير المالية محمد أبا الخيل، كما تأسر القاريء قصة الأديب النبيل عبدالله عبد الجبار صاحب سلسلة “التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية” و رفضه لشيك الخمسة مليون ريال الذي لم يصرف أبدا برغم حاجته…

تحت مسمى: “يستدعى بصفة خاصة” يتطرق الباب السادس إلى مقال منشور لمحمد سعيد طيب في مجلة المجلة عام 1984  حول خطورة المثقفون المزيفون على العلاقة بين الحاكم و الناس، كما يتطرق إلى أصداء المقال على القيادة السياسية في عهد الملك فهد وقتها، و يسرد آراء طيب حول دور المثقفين و الثقافة في صناعة الدولة الحديثة و رأيه في حركة تمكين المرأة السعودية، ويختم الكاتب الباب بعرض مقال جدير لمحمد سعيد طيب لرئيس تحرير مجلة اليمامة وقتها د. فهد العرابي الحارثي بعنوان “نعم… المثقف السعودي شاهد ما شفش حاجة”! …

حكاية “العريضة المدنية” في عام 1990 هي محور الباب السابع، و ينسب الكاتب العريضة لأبوها الروحي الشيخ أحمد صلاح جمجوم، ثم يتطرق لمراحل صياغة العريضة مضمومنا و أهدافا و مطالبها العشرة و التي تتلخص في نظام أساسي للحكم و مجلس شورى منتخب و نظام للمناطق (المقاطعات)…  كما يعرض الكاتب أيضا لقصة قيادة النساء للسيارات بحسب رواية منشورة للدكتورة عزيزة المانع في 2004، ويتيح للقاريء قراءة نص العريضة كاملا في ملحق الباب السابع…

الباب الثامن و التاسع من الأبواب القصيرة التي تتناول مواقف محمد طيب من أحداث محددة، يتناول الباب الثامن موقف محمد سعيد طيب من حرب تحرير الكويت و تداعياتها و ظروف كتابه (مثقفون و أمير)، و يعرض لآراء محمد سعيد طيب في الجو الإعلامي المقيّد في مرحلة التسعينات و نتائج عصر الطفرة ، و يختم الباب بمقولة جامعة له: “للأسف تبدو أمراضنا الاجتماعية و كأنها أمراض وراثية تنتقل من جيل لآخر، و كأن الجرثومة بداخلنا عصية لسبب أو لآخر على محاولات العلاج أو نواياه!”… في الباب التاسع يستعرض الكاتب بالتحليل مقالا منشورا لطيب عام 1992 في مجلة روز اليوسف عن قراءته للأنظمة الثلاثة في السعودية: النظام الأساسي للحكم و نظام الشورى و نظام المناطق…

يعود الباب العاشر ليعرض تجربة اعتقال جديدة لمحمد سعيد طيب لمدة 77 يوما في سجن الحائر سيء السمعة على إثر رسالة ساخرة وجهها لصديقه عضو مجلس الشورى في ذلك الوقت و تم تداولها حتى وصلت للملك فهد و الذي أمر باعتقاله بعد تدخل من بعض المشايخ…

في الباب الحادي عشر يتطرق الكاتب لتأثير حادثة سبتمبر 2001 على الجو السياسي في المملكة و مقابلة محمد سعيد طيب في قناة الجزيرة حول الحادثة… و يتناول الكاتب موضوع “خطاب الرؤية” في مطلع 2003 و أسبابه، و ما تلاه من صدور لبيان “الملكية الدستورية” و هي الدعوة المتكررة منذ الستينات، و ردود فعل النظام حول البيانات كوسيلة للمطالبة الشعبية، و يحكي الكتاب قصة اعتقال الطيب لمدة أسبوعين على خلفية لقائه لمجموعة الإصلاحيين بالرياض و قصة التعهد الذي رفض التوقيع عليه و مجموعة القيود المفروضة عليه وقتها و المثيرة للتأمل: عدم الظهور الإعلامي، عدم المشاركة في المناسبات الكبيرة أو تلبية دعوات التكريم… و الطريف أن طيب تفادى المواجهة المباشرة مع السلطات برغم استمرار مشاركته في البيانات و الدعوات الثقافية و فتح مجلسه الفكري في أيام مختلفة… و يتطرق الكاتب لعلاقة طيب مع المفكر محمد حسنين هيكل و أتوقف هنا عند عبارة واسى بها هيكل الإحباط الذي لمسه في طيب من تعثر مسيرة الإصلاح: “الإصلاح عملية تراكمية… حتى كلمات الخائفين تصنع التاريخ و تغيّر مجراه”… كما يحكي الكاتب أيضا تجربته في المنع من السفر لمدة 5 سنوات و رأيه في تجربة مركز الحوار الوطني و جمعية و هيئة حقوق الإنسان و الانتخابات البلدية و علاقته بالشيعة و التيارات الإسلامية و الليبرالية، و يتطرق أيضا لرؤيته لعهد الملك فهد ككل و العهد الحالي للملك عبد الله و الذي تميز -برأيه – بالكثير من الإيجابيات… يختتم الفصل الحادي عشر بمجموعة وثائق هامة لبيانات المرحلة كخطاب التضامن مع الإصلاحيين المعتقلين و الدعوة لقيادة المرأة للسيارة و الإصلاح الدستوري من جديد…

يلمس القاريء في الفصل الأخير عمق المقاوم محمد سعيد طيب: رسالته الإنسانية و ما يمثله له السجن والمنع من السفر، و أيضا مشروعه القومي العربي:”هكذا نحيا و هكذا نموت”… لم يقل محمد سعيد طيب في هذه المحاولة كل شيء –بحسب تصريحه- لكنه قال لنا ما يكفي حتى نعرف أن هناك أشياء لا يمكن عزلها حتى الموت، و أن هناك تواصلا ما بين أرواح المقاومين و أن ربيعا عربيا ينتظرنا و إن طال الخريف…

يبقى أن أقول أن قراءة الكتاب و إن أثارت في نفسي الكثير من المشاعر و التعاطف و الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية إلا أن شيئا لن يعادل شعوري بالتقصير بعد حوار قصير دار بيني و بين السجين الحر محمد سعيد طيب إثر قراءة الكتاب، ذكر لي فيه أن كلمة تقدير و دعم بسيطة هي أقصى ما يمكن أن يسعده بعد هذا المشوار، و أنا هنا أهديه كل الحب و التقدير -برغم منعه من تلبية دعوات تكريمه- لحمله بالنيابة عن وطن كامل همنا و طموحنا و الدعوة لحرياتنا و إن خسر في سبيل ذلك حريته  …

تحديث في الثالث من يناير 2012

توجّه الناشط الحقوقي محمد سعيد طيّب لمطار جدّة مغادرا للقاهرة لحضور حفل زواج ابنته الكبرى الشيماء، و اكتشف وقتها أنه ممنوع من السفر… أثار الموضوع استغراب الكثرين ممن تابعوا بقلق زيادة الإجراءات الأمنية في التعاطي مع دعوات الإصلاح و ربطوا منع طيّب من السفر بتوقيعه الأخير على بيان يطالب فيه بإطلاق سراح معتقلي جدة و القطيف ردما للفتنة الطائفية و ضمانة لحرية التعبير عن الرأي و عدالة المحاكمات، و أنشأ المغردون على تويتر هاشتاج خاص لمتابعة موضوع منع طيّب من السفر

#tayebms

 و يبقى طيّب حتى كتابة هذه السطور في المستشفى إثر وعكة صحية ألّمت به بعد سماع خبر منعه من السفر… تمنياتي له بالشفاء و استعادة حريته المسلوية

جبران خليل جبران: البعض نحبهم

جبران خليل جبران

البعض نحبهم ..

لكن لا نقترب منهم
فهم في البعد أحلى
وهم في البعد أرقى
وهم في البعد أغلى

والبعض نحبهم ..
ونسعى كي نقترب منهم
ونتقاسم تفاصيل الحياة معهم
ويؤلمنا الإبتعاد عنهم
ويصعب علينا تصور الحياة حين تخلو منهم

والبعض نحبهم ..
ونتمنى ان نعيش حكاية جميلة معهم
ونفتعل الصدف لكي نلتقي بهم
ونختلق الأسباب كي نراهم
ونعيش في الخيال أكثر من الواقع معهم

والبعض نحبهم ..
لكن بيننا وبين أنفسنا فقط
فنصمت برغم ألم الصمت
فلا نجاهر بحبهم حتى لهم
لان العوائق كثيره
والعواقب مخيفه
ومن الافضل لنا ولهم
ان تبقى الابواب بيننا وبينهم مغلقه…

والبعض نحبهم ..
فنملأ الارض بحبهم ونحدث الدنيا عنهم
ونثرثر بهم في كل الاوقات
ونحتاج الى وجودهم
..كالماء .. والهواء ..
ونختنق في غيابهم
أو الإبتعاد عنهم

والبعض نحبهم ..
لأننا لا نجد سواهم
وحاجتنا الى الحب تدفعنا نحوهم
فالأيام تمضي
والعمر ينقضي
والزمن لا يقف
ويرعبنا بأن نبقى بلا رفيق

والبعض نحبهم ..
لأن مثلهم لا يستحق سوى الحب
ولا نملك امامهم سوى ان نحب
فنتعلم منهم أشياء جميلة
ونرمم معهم أشياء كثيرة
ونعيد طلاء الحياة من جديد
ونسعى صادقين كي نمنحهم بعض السعادة

والبعض نحبهم ..
لكننا لانجد صدى لهذاالحب في قلوبهــم
فننهار و ننكسر
و نتخبط في حكايات فاشلة
فلا نكرههم
ولا ننساهم
ولا نحب سواهم
ونعود نبكيهم بعد كل محاوله فاشله

.. والبعض نحبهم ..
.. ويبقى فقط ان يحبوننا..
.. مثلما نحبهم..

الرابحة تأخذ كل شيء

خمسة سنوات لم تمح حزنها و جمود عينيها، انتهت حكايتها معه قبل أن  ينتهي زواجها بزمن… في يوم ما التمعت عيناها و هي تخبرني عن هذه الصدفة المدهشة: هل يمكن أن تكون كلمات عابرة بنا هي الأمر الوحيد الذي يعكسنا كمرآة ما؟… استمعت معها لهذه الأغنية و أنا أرى و أقرأ أشياء أخرى في عينيها، كنت أفكر كم هي مدهشة الكلمات، تلك التي تصادفنا عندما نبحث عن أنفسنا و تساعدنا على الفهم من جديد

الرابحة تأخذ كل شيء

لا أريد أن أتحدث

عن الأشياء التي حدثت لنا

على أن الأمر يؤلمني

فهو الآن ذكرى

لعبت بكل أوراقي

و هذا ما فعلته أنت أيضا

لا يوجد أي شيء إضافي لنقوله

و لا كارتا آخر لنلعبه

الرابحة تأخذ كل شيء

الخاسرة تقف صغيرة

إلى جوار الربح

هذا هو مصيرها

كنت بداخل ذراعيك

أفكّر أنني هناك أنتمي

فكّرت أنه من المنطقي

أن أبني سورا

و أصنع بيتا لي

أفكّر أنني سأكون قوية هكذا

لكنّني كنت حمقاء

لأنني اتبعت قواعد اللعبة

الآلهة ربما يلقون نردا

عقولهم باردة كما الثلج

و شخص ما هنا في الأسفل

يفقد شخصا عزيزا

الرابحة تأخذ كل شيء

الخاسرة عليها أن تسقط

الأمر بسيط و واضح

فلماذا أشكو؟

لكن أخبرني هل تقبّلك هي

كما اعتدت أنا أن أقبّلك؟

هل للقبلة نفس الإحساس؟

عندما تنادي إسمك؟

في مكان ما  عميق بداخلك

لا بد أنك تعلم كم أفقدك

قواعد اللعبة لا بد من اتباعها

حكّام اللعبة يقررون

و أمثالي يستجيبون

المشاهدين لهذا العرض

دائما ما يبقون في الأسفل

و تبدأ اللعبة من جديد

حبيب أو صديق

شيء كبير أو صغير

الرابح يأخذ كل شيء

لا أريد أن أتحدّث

إن كان ذلك يحزنك

و أتفهّم

أنّك أتيت لمصافحتي

أعتذر

إن شعرت بالسوء

لأنك أحسست بألمي

و بقفداني لثقتي بنفسي

لكن كما ترى

الرابح يأخذ كل شيء

الرابح يأخذ كل شيء

الطريق إلى السماء

“كلما قبّلتْ شفةٌ شفتي انعقدت نطفةٌ في النجوم” هذه الكلمات للشاعرة الايرانية الراحلة فروخ فرخ زاده من دبوان “عمّدني بنبيذ الأمواج” استوقفتني للحديث عن الحب الذي هو جادة الطريق إلى السماء أعني الحب المنطلق من الأعماق إلى الآفاق وهو بالضبط ما يشكّل التجربة الصوفية التي يقصدها طلاب الحقيقة لا تلاميذ الشريعة. الحقيقة التي لا تحتاج لطقوس وهياكل وسجون من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد، تتحول فيه الحياة إلى عقوبة والصبر عليها عملية تعذيب متواصلة.

الصوفية المقصودة هنا لا تعني الدروشة وطرقها التي ازدهرت زمن الخلافة العثمانية ولازمت فرق الانكشارية في حرويها. بل الصوفية بمنحاها الإيجابي وبموقفها من الصراع الإجتماعي، تلك التي خطّت طريق التسامح وقبول الآخر لأنها رأت بعين الرحمة وسمعت بأذن المودة ولامست بيد العطف من جهة. والحب الصوفي الذي أشعل أقطاب التصوف الإجتماعي(1) به الحرب على السلطات الثلاث، سلطة الدولة وسلطة الدين وسلطة المال من جهة ثانية، من أجل الأهداف الأسمى، وأولها تمهيد الطريق إلى السماء بحرية المعتقد التي تعني تعددية المناهج وقبول المختلف “فالحق واحد مهما اختلفت الطرق المؤدية إليه” أو كما قال جلال الدين الرومي “عقدَ الخلائقُ في الإله عقائداً..وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوهُ” ” ثم السعي الحثيث من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية لعامة الناس وتحقيق العيش الكريم لهم في حالة من الاعتدال لا ترف فيها ولا شظف، بتعبير آخر العمل في سبيل سعادة الانسان أو “راحة الخلق” كما يعبر الشيخ عبد القادر الجيلي. الحب عند هؤلاء القوم، أعني أقطاب التصوفي الاجتماعي، هو الصراط المستقيم وهو أقصر خط بين نقطتين على الطريق الواصل بين الأرض والسماء، أو بين الخلق والحق. والجنة عندهم جنتان “جنة النعيم وجنة المعرفة فجنة المعرفة أبدية وجنة النعيم مؤقتة” كما يقول أبو يزيد البسطامي، أو كما يستعيذ متصوف آخر هو “ابن سبعين” فيقول “أعوذ بالله من همة تقف ومن عقل يقنع”. والنساء هن فاكهة بستان الأرض وثمار جنة السماء. من هنا جاءت مقولة صدر المتألهين فيلسوف المتصوفة الملا صدرا الشيرازي التي يقول فيها “حب النساء هو الطريق إلى حب السماء”، فكانت هذه الكلمات هي المدخل إلى مباحثه الفلسفية أو تحليقاته في تخوم “وحدة الوجود”، وهو القائل “وجود الكافر ضرورة، لإعمار الدنيا”.

ويجادل بالقول ليس هناك خلود في النار بل إن من العدل أن لا يتجاوز العقاب على الذنوب قدر عمر الإنسان. ومن الشيرازي إلى الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، صاحب مذهب الحب، الذي يروي الحديث الشريف الذي يقول: ” إن الحق يتجلى يوم القيامة للخلق في صورة منكرة، فيقول أنا ربكم الأعلى، فيقولون نعوذ بالله منك، فيتجلى في صورة عقائدهم فيسجدون له”. فالله حقيقة لا يصل إلى أعتاب اطلاقه مخلوق، فهو المجهول، ولا يزيد نصيب العبد منه عن صورة مخلوقة، فالانسان في الحقيقة لم يعبُد سوى نفسه لأن الصورة من خلقه هو. فما ثمة الا عابدٌ وثناً”.(1) من هنا صار قلب الشيخ “قابلا كل صورةٍ .. فمرعى لغزلان ودير لرهبان”.

وبينما طوّل الأنبياء الطريق إلى الله كما جاء على لسان أحد المتصوفة، نجدهم، أي المتصوفة، وقد أزالوا عقبات العقيدة وحجابها بقولهم “عدد الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق” وقصّروا المسافة بالاتصال المباشر والاستغناء عن الوسطاء الذي يتضمنه الحديث القدسي المعروف “لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن”. وما يحمله من معاني الحكمة المتروحنة التي هي أبعد ما تكون عن سلطة الدين وطقوسيته ورجاله الذين أسسوا للفرقة والتشاحن بالبغضاء عبر المذاهب والفتاوى والاجتهادات التي تسعى للتمايز على أساس المفاخرة بامتلاك الحقيقة ولعن المخالفين. تلك السلطة التي واجهها أقطاب التصوف الاجتماعي بهمة عالية وعزيمة لا تلين ودفع البعض منهم حياته ثمنا لخياره هذا وخير مثال على ذلك ما تعرّض له الحلاج والسهروردي الشهيد، والمعارضة الصوفية لسلطة الدولة–على حد تعبير هادي العلوي- “التزام مثقفي يقع خارج السياسة اليومية لأن المتصوفة لم يكونوا سياسيين محترفين بل أوجدوا عقدة معارضة في الوسط الثقافي جعلت المثقف يطيل الحساب مع نفسه قبل أن يقدم على تصرف يقربه من الدولة وقد عاشت العقدة حتى يومنا هذا ولا تزال تتحكم في خيارات المثقفين..كما إن التشديد في مقاطعة الدولة هو شكل غير مباشر من التحريض عليها، والمعارضة عند الصوفية مقام والمقام صفة لازبة في ذات الصوفي يرسخها بالمجاهدة”.

وفي العودة للحديث عن الحكمة نبين إنها التي يراد منها تمهيد الطريق للتذاهن الحر مع الله أو السماء خارج سلطة الدين قد يمارسه المؤمن والملحد على حد سواء في أفق يؤكد أن (روحانية الحكيم نقيض للدين، وهذه صرح بها شيخ المعرة الذي يرجع إليه كشف النقاب عن سر مجهول يخالف ماعليه الناس. فالدين والروح متخالفان. الدين علاقة حسية بإله مجسم؛ صنم مرئي وملموس عند الوثنيين، ورجل جالس على العرش عند السماويين. ومن هنا الجوهر الحسي البدني للشخصية الدينية. إن رجل الدين يحمل عقيدة دنيوية في مجمل تفاصيلها التي تشمل العالم الآخر، لأن الآخرة نعيم مادي حسي يتمتع به الجسد ويكون مكملا لنعيم الدنيا أو معوضاً عنه، وليس للروح ما تفعله في هذه العلاقة الحسية. وقد انتبه المعري إلى المنحى اللذائذي للشخصية الدينية بينما رسم بتجربته الخاصة صورة النقيض الروحي للملحد.

فالروحانية وصف حاصر للحكيم واللذائذية الحسية أمر مشترك لرجل الدين ورجل الدولة وبين الدين والدولة اتقاق حولها لكن الدين يتميز عن الدولة بمبدأ سعادة الدارين، التي تجتمع لرجل الدين دون صاحب الدولة الذي يقتصر نصيبه على الدنيا)(2) من هنا جاءت معارضة أقطاب التصوف الاجتماعي لسلطة الدين المتحالفة مع سلطة الدولة وأسست للنضال من أجل تحرير الانسان من العبودية للانسان أولاً والسعي لعقد جديد بين الله والانسان ثانياً. قوام هذا العقد المحبة لا الخوف، والتواصل الحر لا الطقوس الثقيلة، يروي البسطامي حادثة جرت معه فيقول: “خرجت إلى الحج فاستقبلني رجلٌ في بعض المتاهات فقال: أبا يزيد إلى أين؟ فقلت إلى الحج فقال كم معك من الدراهم؟ قلت معي مئتا درهم فقال: فطف حولي سبع مرات وناولني المئتي درهم فإن لي عيالاً فطفت حوله وناولته المئتي درهم”. وهكذا حوّل البسطامي بالمحبة “راحة الخلق” إلى فرض واجب يتجاوز الطقوس الدينية. أو كما بقول الجنيد البغدادي “إذا صحّت المحبة سقطتْ شروط الأدب”. ومن هذا التلميح الذي لاحاجة بعده للتصريح نختم مع كلمات لسلطان العاشقين يقول فيها:

أصلّي فأشدو حين أتلو بذكــرها وأطربُ في المحرابِ وهي أمامـي

وفي الحجِ إن أحرمت لبّيتُ باسمها وعنها أرى الإمساكَ فطر صيـامي

بمن أهتدي في الحبِ لو رمتُ سلوةً وبي يقتدي في الحبِ كل إمـــامِ

وفي كل عضو فيّ كل صبابـــة إليها وشوقٌ جــاذبٌ بزمـــامي

الهوامش:

1- التصوف الاجتماعي مصطلح أول من استخدمه المفكر الشهيد حسين مروة.

2- المعجم الصوفي د. سعاد الحكيم ص 88.

3- مدارات صوفية هادي العلوي ص 42.

http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%85%D8%A7%D8%A1.html

أعرف هذه الحديقة

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

المساء دنمركي ربيعي في بيت صغير عمره مئات السنين، مضيفتنا من رابطة القلم الدنمركية تتعجب كيف أن أحدا لم ينتبه حتى سنوات مضت أن الشعر والأدب ليس لهم بيت؟ لكن بساطة المكان لا تعكس ثراء قيمته، في باحته الصغيرة اجتمعت أكثر من عشرين سيدة من المدونات و الشاعرات و الصحافيات مع بعض المهتمين بالشعر لكننا –للغرابة- لم نشعر بالضيق، في اللقاء عرضت بعض النصوص من الشرق و الغرب، لكن المفاجأة كانت في لقائي الأول بكلمات فروغ فاروخزاد الشاعرة الإيرانية الراحلة في بوحها الأنثوي المعترض، و قفت سيدتان لتلقيا نصا للشاعرة يعملان على ترجمته للدنمركية في كتاب يصدر قريبا، من بين النصوص وقفت عند النص البديع “أشفق على الحديقة”… اكتشفت اني أعرف هذه الحديقة بالفعل، أعرف ما تمرّ به زهراتها الذابلة و أسماكها المقاومة للتصحّر، أعرف الغضب و اليأس الذي يختزل أحلام الكبار و يبقيهم أسرى لبطولات التاريخ، و أعرف الخذلان الذي يمتحن إرادة الشباب حتى يختطفهم الهرب، و أعرف الجحيم الذي يتهدّد النساء و يبعدهن عن الحديقة،  أعرف غضب و نقمة الجيران بصخبهم و ضجيجهم و دورياتهم التي تبحث عن سقطاتنا كل يوم، و أنا مثلها طفلة مجنونة وحيدة و حزينة على الحديقة، أخشى مثلها من أن تفقد الحديقة قلبها النابض بالحياة و يحل عليها جمود الموت فلا يعود لنا في رحابها ملاذ و لا يبقى لنا سوى أن نغترب، أنا مثلها تخنقني علب الإسمنت في مدينة مزدحمة بساكنيها حتى الثمالة تغرقها قطرات المطر ببطء، أبثّ في نبتاتها الفتية بعض الأمل و أمنح السمكات بعض الحب و أبحث عن نور ما أسرّبه من بين حرّاس الظلام، أحلم مثلها بأنني أستطيع أن أنقذ قلب الحديقة من غضب و لهيب الصحراء… أفيق من تأمّلاتي على بياض شيخ بجانبي، لحيته الطيبة و عيناه الدامعتان و يديه الكبيرتين وهو يشير بهما إلى صدره: أشعر بهذا الصوت هنا، يعلّق على الشجن الذي تبثّه فيه أنشودة فلسطينية من أمل كعّوش، صوتها الموسيقي العذب يحوّل الكلمات إلى لغة تلامس القلوب، هذا الأبيض هو أحد أكبر شعراء الدنمرك يحضر هنا إلى بيت الشعر البسيط هذا مرتين كل أسبوع و يمنحه حماس و قصص الأرواح القادمة من كل صوب زاد الروح الذي يحتاجه فيزداد بياضه ضياء… أعرف بعد هذه الكلمات  لماذا تحاصر كلماتنا نحن القوانين و القيود، الكلمات تحمل حياه و سحر يعيد لنا الإرادة و يجلب لنا قوة الوعي، الكلمات صديقة الحديقة و عدوة حرّاس الظلام، هل هي مفارقة أن من يحرس الكلمات في حديقتنا شاعر لا يهتم للحديقة، ربما هو مثل والد الشاعرة يخشى على معاشه و يلعن زهورها و أسماكها على صخبهم و ضجيجهم حول القيود، ربما لا يهتم بالحديقة لأنه كالكثير هنا تكفيه و تكفيهم بطولات التاريخ… أتأسف على الروح العذبة لكاتبة النص التي احتجت للسفر آلاف الأميال لأعرفها بينما يفصل بيننا خليج واحد، أتأسف على نواد الأدب في حديقتنا التي تبتلع أموالنا و أعمارنا و تعجز عن مجاراة بيت صغير للشعر بأربع طاولات…. في النهاية لم أدر أي شيء أكثر حزنا؟ أهي لوعة الفقد التي تنثرها كلمات النص أم بيت الشعر الدنمركي الذي جمع أرواح العرب و الفرس من الأحياء و الأموات في بلاد الشمال في زخم خطابات الفرقة و الشك أم معرفتي المفاجئة بمبدعة شرقية بعد أن يقدّمها لنا الغرب؟… في النهاية هناك شيئ واحد أدركه بلا شك: أعرف هذه الحديقة!

فنجان شاي مع النواعم

اتصلت بي صديقتي لتسألني إن كنت أتابع برنامج «كلام نواعم»، وللحقيقة أنا لا أتابعه ولا أعلم عن أي سيدة حولي تتابعه، لكنها ألحت عليّ في متابعة حلقة عند إستضافة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون… اللقاء ضم الوزيرة مع ثلاث نواعم فقط بدلاً من أربع، وتم تنظيمه في رحاب جامعة زايد في الإمارات، بحضور من منسوبي الجامعة وطلابها. افتتاح اللقاء التقليدي كان بتبادل التحيات والمجاملات المعتادة، ثم بتشجيع الجمهور على المشاركة حتى طرحت أسئلة ناعمة خجولة كطبيعة البرنامج على الوزيرة، حول نصائحها للطامحات في العمل السياسي في المنطقة العربية – وكأن ذلك ممكناً على العموم – وللسيدات المترددات في الخروج من حماية المجتمع التقليدي الأبوي، وحول موقف الوزيرة من النقاب، لم تتردد الوزيرة في تشجيع النساء على الخروج من قوقعتهن والتسلح بالتعليم، وأن اختيار الزي حق للمرأة.

«النواعم» أدرن اللقاء بتبادل في طرح الأسئلة التي أتت في معظمها في القالب التقليدي المعتاد طرحه مع الشخصيات السياسية الأميركية بلا أية إضافة جديدة تذكر، كانت هناك أسئلة حول مناصب الوزيرة المتعددة، وموقف المسؤولين في العالم من مقابلة مسؤولة امرأة، ومواقف أميركا من قضايا عالمية مثل «ويكيليكس»، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي الحاضر دوماً على كل ساحة لنا.

تفوقت الديبلوماسية الأميركية البارعة على مضيفاتها الناعمات في نعومة طرح الأجوبة وتفادي مناطق الصراع، ولم تكن هناك نبرة أكثر وضوحاً في خطاب الوزيرة من موقف أميركا من إيران، العقوبات الاقتصادية التي اعتقد العالم عدم جدواها هي في الحقيقة، وبحسب رأي الوزيرة، فعالة في ضبط الطموح الإيراني في الحصول على السلاح النووي، فالخطر، كما أوضحت الوزيرة، لا يهدد أميركا فقط، بل يمتد إلى كل دول المنطقة التي ستتسابق حتماً في التسلح النووي، توجهت الوزيرة إلى الحضور مباشرة تسألهم: إن حصلت إيران على سلاح نووي، هل سيريد كل شخص منكم أن تملك دولته السلاح النووي؟ – شخصياً لن أريد – إحدى النواعم ردت بأن إسرائيل أيضاً تملك سلاحاً نووياً؟ تفادت الوزيرة المأزق برد عام «أن الولايات المتحدة تسعى لمنع التسلح النووي في العالم عموماً»… الموقف الأميركي الرسمي أيضاً يشجع الإصلاح والتقدم وحقوق المرأة في المنطقة، ولكنه هنا بالذات يحترم خصوصيات المنطقة ولا يتدخل، العقوبات الاقتصادية تردع الحصول على السلاح النووي، ولكنها أيضاً غير مرتبطة بسياسات التعاطي مع انتهاكات حقوق الإنسان في حكومات المنطقة.

سردت الوزيرة ببراعة خطورة التطرف الديني في قصة مؤثرة حول طبيبة وابنتيها تديران مشفى في الصومال، على رغم تهديد الميليشيات الإسلامية بهدم المكان، تحكي للحضور عن مواجهة الطبيبة للمرتزقة «أنا هنا لأنفع الناس وأخدمهم، فماذا تفعلون أنتم لخدمة الناس؟»، سؤال منطقي تماماً، يطرح نفسه هنا كالسؤال الأكثر مواءمة الذي ويا للغرابة لم يطرحه أحد من النواعم أو الحضور الخجول «ماذا تفعل الولايات المتحدة الراعية الكبرى في المنطقة لخدمة الناس هنا؟ ولخدمة حقوق الإنسان والمرأة على الأخص؟» الآن وقد وصلت راعية حقوق المرأة إلى المنصب الأكثر أهمية في تاريخ الحركة النسوية؟ تقرر الوزيرة أن دور الولايات المتحدة محوري في حل النزاعات والمشكلات حول العالم، وأن تبرعات أميركا هي الداعم الأكبر للدولة الفلسطينية منذ إنشائها وحتى الآن، وأنه ليس هناك نزاع حول العالم لا يمكن للولايات المتحدة أن تلعب فيه دوراً ما لحله، وهذه بالذات كانت الكلمة الأكثر أهمية في رأيي في برنامج موجه للنساء والتي أهملت النواعم الوقوف عندها ومنحها المزيد من التوضيح والأهمية.

الواجب المنزلي للنواعم قبل الحلقة كان يقتضي مراجعة الخطوات التي قدمتها كبيرة العائلة «الولايات المتحدة» ممثلة في وزيرة خارجيتها لدعم مطالب النساء العادلة في المنطقة، على مدار عامين، ماذا قدمت الوزيرة عبر منصبها لدعم نساء منطقة الخليج سوى الدعم المعنوي بكلمات ناعمة؟ زارت دول المنطقة مراراً وتعارفت على النساء والناشطات، واستمعت لقصص زواج القاصرات، وعضل المحارم، وتابعت مطالبات الناشطات والحقوقيات في اعتبار المرأة مواطنة راشدة وتمكينها من المشاركة الحقيقية، لربما تختلف الصورة لو لم تكن كل لقاءاتها في المنطقة مع نواعم ما، لو لم يكن هذا البرنامج «ناعماً» لربما استمعنا إلى أسئلة أكثر جدية وأكثر ارتباطاً بحياة النساء هنا، لربما خرجنا برؤية أكثر وضوحاً عن موقف الوزيرة الحقيقي من سياسات التمييز ضد النساء، ليس في الصومال فقط، لربما توقفنا عند سؤال طرحته واحدة من النواعم إذ لا يمكن سوى أن تحمله امرأة سعودية «لماذا يواجه المحارم المرافقون للطالبات السعوديات في بعثاتهن المكلّفة للخارج صعوبات لإصدار تأشيرات الدخول لأميركا؟»، ولربما تفهمنا سر دهشة الوزيرة من هذا السؤال وعدم معرفتها بوجود إشكالية للمحارم، وربما كانت أيضاً تسمع بكلمة المحارم «الفيكتورية» للمرة الأولى عبر برنامج النواعم.

لو لم يكن البرنامج ناعماً لربما تحدت المذيعة السلطة المطلقة للذكور على النساء التي ترعاها الحكومات، كنت أتمنى تحلي المذيعات بالقليل من الخشونة وسؤال الوزيرة عن موقف أميركا من نظام الوصاية الممارس على الراشدات في الحصول على حقوقهن؟ وسؤالها عن دور الوساطة الأميركية في الدفع بمشاركة المجتمع المدني بلا تمييز، وعن حظر مشاركة النساء في الانتخابات. لو كانت المذيعة في شجاعة بربارة والترز فلربما طرقت حتى الثورة التونسية الحديثة وظفرت بتعليق خاص من الوزيرة عن السياسات المستبدة.

لكننا في النهاية في حضرة «النواعم» فكان لابد من ختم الحلقة بقصة ناعمة تذكرنا بتجمع «حريمي» في عزومة على الشاي. قصة لقاء الوزيرة «الرومانسي» بزوجها عازف الساكسفون الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في حرم الجامعة، وكم كان ولا يزال وسيماً في عينيها – على رغم خيانته الشهيرة – … هل كان اللقاء على العموم مهماً للمرأة العربية المهمومة بواقعها والمتابعة للقاء؟… مع احترامي للقائمين على البرنامج ورؤيتهم إلا أنه بعيد تماماً عن نسخته الأميركية «ذا فيو: وجهة نظر»، ليس إلا نسخة «فيكتورية» مهذبة لنساء ناعمات بالفعل، حديثهن يداعب أحلام النساء ويشبه نيات التطوير الحكومية في البلاد العربية المختبئة عن الواقع لأجل «غير مسمى»!

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/228744

الدوائر المغلقة

كانت مصادفة أن يأتي انفجار كنيسة الإسكندرية وأنا على وشك إنهاء رواية «أربعون قاعدة للحب»، الانفجار سلّط الضوء من جديد على الخلاف التقليدي بين الأديان وليس فقط بين أتباع الدين الواحد، تتابعت على إثر الحادث سجالات مثيرة للاهتمام بين طوائف المجتمع المصري، أبرزها بالنسبة إلي هو تخلي بعض القيادات الفكرية الإسلامية التقليدية كالدكتور العوا، أمين عام اتحاد علماء المسلمين، عن حديث أدلى به سابقاً يتهم فيه الكنائس بتخزين الأسلحة ثم يتراجع بعد حدوث التفجيرات عما أورده ويبرر مقولته بأنه لم يذكر في خطابه سوى ما أثبتته قضايا رسمية في ملفات الشرطة ولم يقصد التحريض.

على أن ذلك بالطبع لا يمنع من خطورة تبني موقف إعلامي ضد الكنائس وخصوصاً في مجتمع شديد التدين كالمجتمع المصري. للدكتور العوا أتباع كثيرون وكلماته لا تحمل الوقع نفسه الذي تحمله كلمات محاضر النيابة.

من السهل للمتدينين المتحمسين الاعتقاد بأنهم يملكون الفهم الأصح للعالم ولإرادة الله فيه، ومن اليسير أن يجدوا في خطابات بعض العلماء والمفكرين من يدعمون رؤيتهم للعالم ويطالبونهم بتوسيع مساحاتهم الدينية وفرض صحة اعتقاداتهم؛ لأن هناك من يتآمر على دينهم.

تلك المعضلة الأخلاقية الدينية ليست جديدة تماماً، تتابعت فصولها في كرّ وفرّ بين مختلف الأديان وحتى بين طوائف الدين الواحد.

وتأتي رواية المؤلفة التركية وأستاذة العلوم السياسية الأميركية ومناضلة حقوق الإنسان وباحثة دراسات المرأة إيليف شفك لتعيد خلق عناصر الصراع التقليدي بين طوائف الدين ومستجدات المجتمع في روايتها المبدعة “أربعون قاعدة للحب”

الرواية تحكي عن تحولات متعددة، أولها لسيدة أميركية تقليدية تعمل محررة لمخطوطة مقدّمة للنشر بواسطة مؤلف جديد. في أوراق الرواية يتنقل القارئ بين قصتين، قصة شخصيات المخطوطة وقصة الأثر الذي تحدثه المخطوطة في حياة المحررة والمؤلف.

تحكي المخطوطة عن الحدث الأكثر إثارة في حياة العالم الصوفي التاريخي رومي، عن تحوله من عالم وواعظ تقليدي ينقل صفوة العلوم الدينية بتنظير مثالي بعيد عن واقع بلدته التاريخية الصغيرة إلى عالم صوفي يرى المعنى الروحي الأسمى خلف النصوص الجامدة، للقائه بشخصية شمس الدين التبريزي الفريدة، حيث يبدأ في الاقتراب من الطبقات الغائبة في مجتمعه ويكتشفهم للمرة الأولى بعد حياته الطويلة بينهم، وينقطع عن رواده من صفوة المجتمع وسلاطينه، تحركه للمرة الأولى حاجات الناس الحقيقية للوعظ والحراك الاجتماعي بدلاً من اتباع مطلق للخطوط المرسومة للدعاة من المجتمع، يستلهم المعاني الخفية في الكون التي يكتشفها حديثا ويحيل إلهامه إلى شعر آسر يفيض بالحب والحنين، كشف الدرويش شمس الدين التبريزي لرومي في عبارات وأفعال محدودة وحدة الأرواح في الكون وأهمية الكلمة ومعنى الروحانية الحقيقي وخطأ الاعتقادات الجامدة والنقل الصرف بلا روح ولا حب، رمى الدرويش بكتب رومي القيمة في الماء وألهمه البحث عن المعنى الحقيقي من الوجود بعيداً عن أسر النص. الرسالة التي حملتها الرواية هي رسالة الكاتبة وهي أيضاً الرسالة الأسمى التي يمكن أن يحملها كل إنسان منا، وقد أوردتها في حديثها أمام مؤسسة تيد العالمية: «إن أردت تدمير أي شيء كمرض ما أو حتى روح إنسانية فكل ما تحتاجه هو حصره بداخل أسوار سميكة، كلنا نعيش بداخل دوائر إما اجتماعية أو أسرية أو ثقافية أو دينية لا نختارها غالباً، وإن لم يكن لنا وسيلة ما للتواصل مع ماهو خلف دوائرنا المغلقة فسنتعرض بشكل أو بآخر للانزواء والتلاشي بسبب ذلك الحصار، تتلاشى مخيلتنا، تضيق قلوبنا وتجف إنسانيتنا إن بقينا طويلاً بداخل شرنقتنا الثقافية الخاصة، حيث كل شخص حولنا هو نسخة شبيهة بنا، المجتمع المكوّن من نفس النسخ هو أكبر خطر يهدد عالم اليوم العالمي، حيث يميل الناس لعمل التجمعات المبنية على أوجه التشابه ويبدؤون في إطلاق التصنيفات على من حولهم وخلق الأنماط أو الستيريوتايب، وأحد وسائل خرق هذه الثقافة المحدودة هو عبر القصص».

حديثها بالطبع كان عن أثر الرواية والأدب المتخيّل في صنع معابر وهمية تمكننا نحن قراء الأدب من عبور دوائرنا الضيقة المصمتة والنهل من العالم وحياة شخصياته كما تعرضها الروايات، تمنحنا وسيلة ما لتجربة تلبّس شخصيات خيالية مختلفة عن واقعنا وتمنحنا فرصة لتفهم ورؤية العالم كما تراه تلك الشخصيات، وترفعنا بعيداً عن واقعنا لتوحدنا مع المختلفين عنا، على أمل أن يجعلنا ذلك أكثر تفهماً وروحانية وعقلانية في تعاملنا مع الاختلاف، سواء في الظروف السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو حتى حدود الجنس البيولوجي.

يبقى للكلمات مفعول السحر في خلق الصور النمطية وشحن الجموع معاً، في بلاغة يقرر حسن الشحّاذ في الرواية «لا أتوقف عن الاندهاش من التغيير العظيم الذي يصبغ الناس حين ينضمون إلى جماعة ما، أشخاص عاديون بلا تاريخ في العنف يتحولون إلى عدائيين مستعدين للقتل حتى لأجل جماعتهم»، وتبقى لمواقفنا وأفعالنا أهمية كبرى حتى ولو لم نشعر بها كما يقرر عزيز مؤلف المخطوطة الصوفي في مراسلاته مع المحررة «هل تعرفين أن شمس التبريزي يقول إن العالم كقدر طبخ هائل يضم خليطاً ما يتم إنضاجه؟ لا نعرف بعد ماهو؟ كل ما نفعله أو نشعر به أو نفكر فيه هو مكوّن ما في ذلك الخليط، نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا ماذا نضع في ذلك القدر؟ هل نضيف الاحتقار والعداء والعنف والغضب؟ أم نضيف الحب والانسجام؟»

ماذا يضيف كل فرد منا إلى وطن ممتلئ بطوائف متعددة وطبقات مختلفة وأنماط متغايرة؟

http://www.ted.com/talks/elif_shafak_the_politics_of_fiction.html