تفاصيل من التحرير 25 يناير 2013

حملتني الصدفة للقاهرة في ذكرى 25 يناير الثانية، منذ اللحظة الأولى كان حديث الثورة و مسار الفشل السياسي طاغيا، في الطريق إلى الفندق من المطار احتلت مفردات البطالة و العنف و الانفلات الأمني و غياب السياسات العادلة حديث سائق التاكسي، أشار لي بيده إلى جانب الطريق: هذه المساكن المتهالكة لاتزال موطنا للفقراء و أشار للجهة الأخرى أما هذه فهي مساكن الأغنياء، لم يتغير شيء، تغير الأشخاص بينما حضر الدين مبررا للاستيلاء على السلطة.

في نهاية يوم 25 يناير و بعد يوم طويل تفضّل عليّ أحد مرافقينا باصطحابي لميدان التحرير، كنا خمسة سيدات من عدة دول و ثلاثة رجال من مصر، للتو وصلتني رسالة نصية من صديق تحذرني من التحرش الشائع ضد النساء في التحرير،  أحاط بنا الرجال طيلة الطريق تحسّبا لكن شيئا لم يحدث، الطريق للتحرير خال من السيارات بعد إغلاقه و في هذه الساعة من المساء لم يبق عدد كبير من المتظاهرين، فور وصولنا لمدخل الميدان لاحقتنا نداءات باعة الكمامات الطبية “اشتري صحتك بجنيه”، تابعنا السير بينما يحذرنا أحد الباعة من خلفنا بأننا سنندم، فور دخولنا للميدان شممنا رائحة الغاز ثم أوشكنا أن نختنق، بالكاد كنا نفتح أعيننا، وزّع مرافقي مناديله الورقية علينا لتغطية وجوهنا ثم سحبنا أحد الشباب لمنصة بدائية يقف أمامها شاب بقنينة يطلق رذاذها على وجوه المتحلّقين حوله، يسألني مرافقي إن كنت أعرف ماهية المادة بداخل القنينة؟ “هذا خلّ” يحكي لي كيف طوّر الثوّار حلولهم لمواجهة الأمن، لم أستطع أن أفتح عيني ووجدت شابا أمامي يوزع القليل من المادة المتبقية في قنينة ماء يحملهاعلى مناديل العابرين المختنقين من حوله سكب قليلا على منديلي و أرشدني لمسحه على عيناي المغلقتين… سرنا بعيدا و استطعت فتح عيناي أخيرا… جماعات صغيرة متفرقة من الشباب تتوزع في الميدان و صوت أحدهم يخطب من مكان بعيد، مررنا على لافتات نشرتها أحزاب متعددة، أحزاب المرأة والمعارضة و مواطنين من جبهات مدنية مختلفة: المطالب هي تمكين الجميع و البعض يطالب برحيل مرسي… سأحاول هنا أن أصف شيئا لاتدركه الكلمات… السير في الميدان هو مجرد رمزية لفعل الإرادة، تعلم وقتها أن كل ما عشته من قبل من تجارب اعتقدت فيها أنك تملك تأثيرا ما لا يرقى لسيرك الرمزي في هذا الحشد، هل كنت تبحث عن  معنى الحق في تقرير المصير؟ و كيف يجعلك ذلك في موضع الخطر  و في موضع القوة في الوقت نفسه؟ أنت وهذا الحشد تصبحون واحدا، أنت قوي بقدر قوتهم، تحميك صلابتهم و شجاعتهم، أنت أيضا ضعيف مثلهم في هشاشة وجودك في هذا الفضاء المفتوح على احتمالات القنص أو الاختناق، لكنك مدفوع بإرادة جمعية لوطن حر تملك أنت صناعته، هل هناك شيء موسوم بامتلاك الوطن أكثر من هذا الفعل؟ أنت من يسير على ميادينه و يقرر من يحكمك و ماهي الرسالة التي تنوي طبعها في وجدان هذا الفضاء الحر، أنت تمتلك إرادتك الحرة، صوتك، أرضك ووطنك

قبل خروجنا من الميدان اشار لي مرافقي إلى شبابا ملثم تقبع بين أقدامهم زجاجات المولوتوف استعدادا للمواجهة : “القصاص أو الفوضى”، نسير خلف بعضهم في مسيرة تحملهم لشارع ينتهي بحاجز أمني أمام ماسبيرو، الدخان كثيف و أسود، اعتقدنا في البداية أن مبنى ما يحترق، شلالات من الغاز الأسود تسقط على الشباب الثائر و تختفي معها زجاجات المولوتوف، يتجسّد هنا مفهوم “الاستخدام المفرط للقوة“، وأتعجب من تصميم المتظاهرين على التقدم و العودة فور انتشار الغاز للمواجهة من جديد، اي إرادة؟

يوجهنا مرافقينا للعودة فربما تقع قنبلة غاز بالقرب منا و ربما تشتد المواجهة فيبدأ استخدام الرصاص الحي، نعود أدراجنا و أصوات الطلقات ترتجّ حولنا، كل الأصوات و المشاهد تختلط حولي: باعة الأقنعة لا يزالون جائلين، و عبث صبية بالجري و مطاردة بعضهم في الشوارع الخالية من السيارات، و دهشة المتابعين من جرأة قوات الأمن في التصويب على المتظاهرين و في وسط دوائرهم تماما، و أغنية عتيقة لأم كلثوم في جهاز يحمله أحدهم… المجد لمصر و المجد للشهداء

“لم يكن الموت هو الذي يخيفها، لم يعد الموت يخيفها… من هي؟ قطرة في بحر، و البحر مواج بها و من غيرها، و إن ماتت فهي واحدة من الآلاف الذين ماتوا، و إن عاشت فهي واحدة من الملايين الذين اغتصبوا حقهم في الحياة…” الباب المفتوح ( صدرت عام 1960) للروائية المصرية لطيفة الزيّات (1923-1996)

Advertisements

الحياة على الهامش… مشكلة البدون

كتبت هذه التدوينة بطلب من نواف القديمي و محمد العمر (لدعم قضية البدون في الخليج)

هذه التدوينة لا تناقش قضية معينة من قضايا سحب الجنسية في دول الخليج، و الهدف منها ليس الدفاع عن القضايا الشخصية للبدون (الأشخاص بلا جنسية) و التي لا نعرف في العادة تفاصيلها بقدر ما هي مناقشة لإحراء سحب الجنسية كعقاب تمارسه الدول ضد بعض المواطنين…

برزت مشكلة البدون أو الأشخاص بلا جنسية في أعقاب الحروب العالمية و كنتيجة حتمية للجوء السياسي و الاقتصادي، و كحل لها عمد المشرعون في القوانين الدولية إلى حماية حق الفرد في جنسية بلاده أو في البلاد التي لجأ إليها للضرورة، و بحسب الميثاق الدولي لحقوق الإنسان في العام 1948 ينص البند 15 بفقرتيه الأولى و الثانية على حق كل فرد في الحصول على الجنسية و على رفض نزع الجنسية التعسّفي من اي مواطن أو إجباره على عدم تغيير جنسيته إن شاء، و بذلك فضّل واضعي العهد الدولي حماية مصلحة الفرد على حماية الصالح العام لأي دولة في تقرير حق الجنسية أو تغييرها، و الهدف من هذا الحق في الجنسية بحسب المعايير الدولية -و التي أقرتها دول الخليج فيما عدا التحفّظ في توريث الجنسية لأبناء المواطنة المتزوجة من أجنبي أو منحها لزوجها – هو التقليل من ظاهرة وجود أشخاص بلا جنسيات و القضاء المستقبلي عليها،  وجود أشخاص بلا جنسيات عامل رئيسي للعنف في أوضاع البدون المعيشيّة و في نشوء النزاعات بين الدول… و كانت المفارقة أن الأمم المتحدة احتاجت إلى ثلاثة عشر عاما لإقناع الدول الأعضاء بهذا الحق الفردي منذ إقراره نتيجة لمقاومة سلطات الدول الأعضاء التخلي عن سيادتها في تقرير الصالح العام لأجل مصلحة الأفراد من مواطنيها و مصلحة الدول الأخرى…

في الوقت الحالي تتحدّد سلطة الدولة في نزع الجنسية في حالات محدّدة مثل الغش و التزوير في التقديم على الجنسية أو في حالات محدّدة في دستور الدولة كالخيانة العظمى أو الاعتراف بالولاء لدولة عدوّة أو الإرهاب، و التهمة الأخيرة من التهم التي تمت إضافتها للقوانين المحليّة كإجراء وقائي في الألفية الأخيرة، أما الدول التي تنصّ قوانينها صراحة على نزع الجنسية كإجراء عقابي فهي المملكة المتّحدة و إسرائيل، بينما تعمد بعض الدول إلى نزع الجنسية بعد ضمان حصول الشخص على جنسية أخرى كما في فرنسا مثلا، و لا تضمّ قوانين الدول الخليجية أي نصوص تنظيمية قانونية لإجراءات نزع الجنسية ربما لعدم تطوّر الأنظمة الدستورية و التشريعية بعد في تحديد علاقة السلطة بالفرد…

العنف الذي تسببّه ظاهرة البدون (اللاجنسية) بين الدول يتلخّص في النزاعات بين الدول، فبينما تكسب الدول الأصلية للبدون بعض المكاسب السياسية التي تضمن تعزيز قوّتها بالقضاء الجذري على أي معارضة إمّا بالتخلص من المعارضين أو زرع الخوف من أي مقاومة مستقبلية، فإنها تعمد أيضا إلى تقييد الحريّات الشخصيّة وإنفاق جزء كبير من الدخل القومي على الأمن الداخلي لضمان مراقبة المعارضين و رصد نشاطهم إما داخل أو خارج حدودها، هذا عدا عن خسارة الدولة لمفكّريها و نخبتها الثقافية و الفكرية و التي ممن الممكن احتوائها لتطوير الدولة و استمرار نضجها، كما يصبح على الدول المضيفة للبدون التأقلم مع اختلاف ثقافتهم و قيمهم عن الثقافة السائدة فيها، و غالبا لا يمكن إدماج البدون ضمن المجتمعات المضيفة أو الاستفادة منهم في التنمية و في الوقت نفسه لا يمكن إعادتهم أو التخلّص منهم بترحيلهم لدول أخرى – بحسب قوانين اللجوء السياسي- كحماية للمجتمع المضيف و لقيمه السائدة …

أما الأشخاص بلا جنسية فتتلخّص مشكلاتهم في عدم قانونية أوضاعهم في الدول المضيفة و عدم ضمان حقوقهم لعدم وجود أوراق ثبوتية أو قانونية، فالمشكلة أن الحصول على الحقوق الطبيعية و الأساسية كالعلاج و التعليم و العمل و السكن و الضمان الاجتماعي و ما إلى ذلك مرتبط قانونيا بالحصول على الجنسية حتى في الدول المضيفة، أما أن يكون الشخص بلا جنسية فلا يوجد ما يلزم الدولة المضيفة بتقديم أي خدمات له كمواطن معروف لدولة أخرى تربطها بها اي علاقات أو التزامات دولية، و بالتالي فلا يحصل البدون على أي خدمات عامة أو حقوق في الدول المضيفة إلا بمقدار احترام هذه الدول لأبسط مباديء حقوق الإنسان، و يصبح البدون و أطفاله على هامش المجتمع المضيف كما يحدث في الكويت مثلا، فهو غير قادر بسبب انعدام الأوراق الثبوتية على تغيير حالته المدنية كالزواج مثلا أو امتلاك أي شيء أو العمل النظامي أو المشاركة في أي حقوق مدنية أو سياسية في البلد المضيف، وهو يعيش في خطر انكشاف وضعه و ترحيله إلى دولة أخرى في اي لحظة مع استمرار معاناته في الدول المضيفة، كما أن القانون الدولي لا يمكن تطبيقه على الأشخاص بلا جنسية لإعادة حقوقهم بل يتم تطبيقه على مستوى الدول فقط، و لهذا الغرض أنشيء مكتب المفوّض العام لشؤون اللاجئين في 1950 لحماية اللاجئين، و تمّ عبره إقرار معاهدة حماية اللاجئين في 1954و التي تنصّ على حق اللجوء للأشخاص بلا جنسيات (البدون)، و تلزم الاتفاقية الدول المضيفة بمنح البدون حقوق مماثلة -على الأقل- لحقوق المقيمين نظاميا في الدولة إن لم تكن مماثلة لحقوق المواطنين، و على الأخص الحصول على الحقوق التالية: حق التقاضي في المحاكم، حق التعليم الأساسي، حق الدعم الغذائي الأساسي، الحق في العمل اليدوي و الصناعي، الغوث الاجتماعي (الخدمات العامة)، حق العمل و الضمان الاجتماعي، و حق ممارسة الديانة… و لم تنصّ الاتفاقية على دمج الشخصيات بلا جنسية (البدون) في المجتمع المضيف أو السماح لهم بالمشاركة السياسية و إن شجّعت الدول المضيفة على توطين البدون بأقل التكاليف و العقبات الممكنة، و كان هناك اقتراح بمنح جنسية تابعة للأمم المتحدة لحل مشكلة البدون و لكن لم يتم، و بدلا منه أصبح من الممكن الحصول على أوراق رسمية للبدون للسفر و التنقل عبر الأمم المتحدة و أيضا لتوكيل مكتب الأمم المتحدة في التقاضي نيابة عنهم لدى الدول الأعضاء…

يبقى أن حماية الحقوق الأساسية الفردية في كل دولة و بالأخص الحق في حرية التعبير هو العامل الأهم في مكافحة ظاهرة البدون لأنه السبب الرئيسي في معظم حالات نزع الجنسية، و أن البديل المتاح حاليا على المستوى الدولي هو إلزام كل الدول بمنح حقوق أساسية متساوية لكل الأشخاص المقيمين على أراضيها بما فيهم البدون ضمانا لعدم حدوث المضاعفات الإنسانية المؤلمة و النزاعات الدولية و الفردية الناشئة عن مشكلات انعدام الوثائق أو التعسّف في المعاملة…

و في دول الخليج خصوصا تبرز مثل تلك المشكلات الصراع الحادث بين السلطة الرسمية و بين المجتمع المدني بمفكّريه و جماعاته،  وهو صراع لتطوير مفاهيم و قيم الدولة للانتقال من عرف القبيلة الذي ينفي الخارجين على سلطة كبارها إلى قم الدولة الحديثة، فقط في الدولة الحديثة التي تلتزم بالمواثيق الدولية تصبح حقوق الإنسان هي الضمانة الأهم في كسب ولاء المواطن لقيادته، و يصبح دعم الحكم الرشيد بالنقد و الشفافية هو الهدف من المجتمع المدني المسؤول، فلاشيء يكسب دعوات المعارضة المصداقية و الشعبية  أكثر من اعتبار حق الجنسية مكرمة يمكن نزعها متى ما تم نقد النظام أو مخالفة رأيه…

روابط ذات صلة:

البدون في الكويت

نزع الجنسية عن دعاة الإصلاح الإماراتيين

قصة نزع الجنسية عن آلاف من قبيلة آل مرة من قطر

برنامج في العمق: البدون في دول الخليج

كلمة توكل كرمان في حفل نوبل للسلام 2011

مطالبات السلام و أجراس الخوف

في زمن الثورات و الغضب و على مفترق طريق الصراع هناك فرصة للسلام، يقتنصها فقط من يحسن قراءة واقعه بلا ضبابية الشعارات المستهلكة و تغييب الواقع، المطالبة بقيم الحرية و الحقوق و العدالة الاجتماعية و مشاركة الجميع في أوطانهم ليس بالضرورة أن تجلبها ثورة ما بل يمكن أن تتحول إلى واقع بإرادة سياسية واعية… أن يستمر تدوير مطالبات الناس و الضعفاء و النساء في معاريض تختزلها أو تنفيها أو تعود بها إلى خانة الصفر من جديد بدلا من أن تتحول إلى أدوات تنبيه لصانعي القرار هو أمر يدعو إلى الخوف، الشعب هنا الذي أصبحت حاجاته أكبر و أوسع من ممارسات إداراته الحالية يتيح الفرصة الآن عبر سلسلة من المطالبات العادلة لصانعي القرار لسماع صوته، اليوم تحضرنا بين مشاهد الغضب الشعبي و صراع السلطات العربي الدامي كيانات غامضة تحمل لقب المجتمع الدولي، تستحضرها نداءات استغاثة من جانب السلطات أحيانا و الشعوب أحيانا أخرى، كل منهما يعتقد بأن هناك جهة ما في الخارج تحمي مطالبه و تدعم موقفه، لو بذل المجتمع الدولي كل الجهود و أصدر البيانات و البعثات الدبلوماسية لمصلحة شعب ضد سلطة أو بالعكس فلن يتجاوز دوره المرسوم له في دروس التاريخ و في الواقع وهو الوقوف مع المنتصر أو مع من يحقق له مصلحة ما، في مقالته الأخيرة في النيويورك تايمز يشير توماس فريدمان إلى نفس المفهوم في خطأ السياسة الخارجية الأمريكية في تعاملها مع دول النفط، على مدى عقود كانت رسالة أمريكا لدول المنطقة هي أن يبقوا أسعار النفط منخفضة و أن يضمنوا استمرار تصديره و أن يبتعدوا عن إسرائيل، في المقابل كانت السياسة الأمريكية تتغاضى عن السياسات العربية المحلية، لم يعنيها كثيرا أو قليلا خروقات حقوق الإنسان أو الاستبداد السياسي أو خلق شعوب كاملة تعيش على الدعم و الضمان الحكومي أو تهميش النساء و الضعفاء، لم يعن السياسة الأمريكية ما أبرزته تقارير التنمية العربية الصادرة عن باحثين مستقلين بواسطة الأمم المتحدة، و التي أبرزت تهالك معدلات التنمية البشرية العربية، ولكنها يجب أن تدق لنا أجراس الخوف، في التقرير الصادر في العام 2002 كانت سياسات ثلاثة تهدد معدلات التنمية البشرية بشكل خطير، نقص الحريات و نقص التعليم و ضعف سياسات تمكين النساء، العام 2009 رصد تقرير الخبراء من جديد الأثر الأهم للنقص في النواحي الثلاثة السابقة وهو نقص الأمن، يتساءل واضعو التقرير: لماذا كانت العقبات التي تعترض سبيل التنمية البشرية في المنطقة عصيّة على الحل؟ و تكمن الإجابة بحسب التقرير إلى الهشاشة التي تجتاح عالمنا العربي في كل ناحية، هشاشة البنى السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و البيئية، و عدم تمحور السياسات حول الإنسان، و بالتأكيد فغياب التنظيمات السياسية القوية العادلة و الممثلة لرغبات الشعوب ستجلب المزيد من الاستبداد و ستصنع لبنة الثورة، ستصنع واقعا بديلا عن البرلمانات المنتخبة في الخفاء و على الشبكة العنكبوتية كما حدث مؤخرا، و ستتحول اللبنة الأولى للسخط إلى الكرة الثلجية الضخمة التي تجرف أمامها كل شيء، غياب السياسات الاجتماعية سيفاقم مشكلاتنا و سنصحو يوما على كوارث تتعدى قدراتنا الإنسانية على الإصلاح، البطالة هي التهديد الأكبر مع وجود أكثر من 50% من الثروة البشرية تحت سن العشرين سيحتاجون كلهم احتواء ما في سوق العمل بحلول 2025 بخلق ملايين الوظائف، هذا في الوقت الذي لم يتم فيه توظيف واحد من كل خمسة خريجين هنا و ليس في المستقبل بحسب أكثر التقديرات تفاؤلا، أوضاع الاقتصاد لن تصلحها إصلاحات تجميلية و ضخ أموال مؤقتة في وزارات غير فعالة، لن يختلف أداءها بمنح الأموال بلا تغيير أساليب الإدارة و العمل، ما تم منحه على مدار عقود لم يسهم سوى في خلق الواقع المتهالك في الصحة و العمل و البلديات و التعليم، شخصيا لا أمانع أن أتحول إلى عضو منتج يدفع الضرائب إن كانت ستنمحني تعليما أفضل و علاجا أجود و أمنا أكبر في بلادي، أفضل أن اكون منتجة على بطالة مقنعة أو على أن أن أتلقى زيادة ما في مبلغ الضمان الاجتماعي الهزيل الذي يقرره لي شخص ما منفصل عن واقعي بسنوات ضوئية،  المشاركة السياسية وحدها تضمن لنا كمواطنين تحويل هذه البنى التحتية في كل مجال من وضعها الحالي الهش إلى وضع عادل متناسب مع موارد بلادنا، السؤال الأهم هو نفسه التي سألته المواطنة و الصحافية لميس ضيف لولي عهد البحرين أثناء أزمة البحرين الحالية، ماهي أسباب سوء الظن بين السلطة و الشعب و لماذا تخشى السلطة رفع مستوى مشاركة الشعب السياسية و الرقابية و الاجتماعية؟… تلك التساؤلات هي محور المطالبات التي ظهرت مؤخرا بمناسبة عودة خادم الحرمين الشريفين إلى الوطن مؤخرا، أبرز هنا أفضلها وهي ثلاثة عشر مطالبة للشباب بالإصلاح، و بالرغم من تحفظي على تبني رمزية الشباب كجهة معينة للمطالبة، و تحفظي على اتخاذ السن معيارا لكفاءة الوزراء، إلا أنني أضم لهم صوتي كمواطنة قبل كل شيء و أدعو القائمين هنا إلى انتهاز فرصة السلام و رفع مستوى التعاطي مع المواطنين إلى سقف توقعاتهم، و إلى تمكين النساء الذين ننادي دوما بتكريمهن، فالسياسة بمنطق القبيلة قد تجاوزها الزمن،و إلى استقبال المطالبات بجدية و تفعيلها لأنها صمام الأمان الوحيد، و أدعوهم إلى تحويل منعطف التاريخ هنا للمستقبل بدلا من حشره في قوالب جامدة و سياسة الانتظار تحت مختلف الذرائع لن تقدم لنا سوى فاتورة أكبر ثمنا لمشكلات لم نتلافاها في المهد، هل نلتقط أجراس الخوف و ننتهز فرصة السلام؟…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/238414

الشعب يريد إسقاط النظام

الانتشار الشعبي الواسع لمظاهر ثورة الياسمين في الشرق الأوسط أبلغ من أي مؤشر على حالة الاستقرار السياسي في المنطقة، نجاح مظاهرات تونس بإطاحة النظام السياسي ألهمت شعوب المنطقة للأثر العارم للاجتماع ضد قوة النظام والاستمرار في المطالبة بالإصلاح حتى و إن لم يتحقق، وسائل تعامل الأنظمة مع القلق الشعبي المتوقع هي بالضبط الانعكاس للأسباب الحقيقية للقلق الشعبي، أربعة وسائل ترفعها الأنظمة السياسية محليا في مواجهة التظاهر و الرفض الشعبي، أولا التخويف بهدم استقرار الدولة و ثانيا اتهام المتظاهرين بالعمالة لأجندات خارجية و ثالثا استخدام القمع الأمني المتماشي مع القمع السياسي المنهجي لدول المنطقة وأخيرا استخدام المؤسسات الدينية الرسمية و رموزها لتحذير الناس من التظاهر،  القمع الأمني للغضب الشعبي أثبت بالتجربة عدم جدواه و تبرؤ المسؤولين منه بعد اقترافه لأنه لا يفرز سوى المزيد من الغضب و هو لا يعدو أن يكون مسكنا مؤقتا لمشكلة مزمنة،  أما التخويف من هدم استقرار الدول بممارسة الاعتراض بأشكاله المختلفة و أهمها هنا هو التظاهر السلمي فليس بالتأكيد حجة مقنعة، فقط الدولة تملك أن تمنح حق التعبير بكافة الوسائل السلمية للشعب و تملك أيضا أن تجعله وسيلة هدم و زعزعة للاستقرار، في العام 2003 خرجت شخصيا في تظاهرة مليونية في العاصمة البريطانية لندن مع مواطنين بريطانيين و طلبة جامعات و أشخاص من مختلف الملل و الجنسيات نطالب جميعا الدول العظمى بوقف قرار الحرب على العراق، سارت التظاهرة المليونية في شوارع العاصمة المحددة لها برعاية رجال الأمن و طائرات الهليكوبتر وعربات الإسعاف، و غطت وسائل الإعلام بكل حرية مطالبات المتظاهرين، و انتهى اليوم بلا إصابات و لا زعزعة للاستقرار و لكن بمنحى مختلف سياسيا و إعلاميا يجعل رأي الشعوب موازيا لتأثير القرار السياسي، حدث هذا في دولة يملك أفرادها كافة وسائل التعبير السلمي الأخرى المكفولة بالدستور و القوانين كمجلس الشعب المنتخب و الأحزاب السياسية و الإعلام الحر ومع ذلك لم تعارض السلطة السياسية المظاهرات كوسيلة إضافية للتعبير، حجب وسائل الاتصالات و مهاجمة المتظاهرين و إجبار الناس على تقبل واقع مرفوض بقوة الرصاص و التعذيب لا تخدم سوى زعزعة الاستقرار و تأجيل المواجهة الحتمية، في مقابل كل حجب رسمي للمواقع و تضليل للعامة باستخدام الإعلام تظهر آلاف المصادر الأخرى للمعلومات، و من الطريف ملاحظة سرعة التقاط محاولات الحجب و التضليل من الناس بتكرار ممارستها، على المواقع الاجتماعية يتداول الناشطون هنا تقييم الآراء الإعلامية الرسمية في التعاطي مع الثورات المحلية و وضع رؤاهم الخاصة لشفافية الإعلام المحلي بلا حاجة لأي مؤشرات، و الحجب الإعلامي لقنوات معينة تقابله آلاف الوسائل لتجاوزه، أما استخدام رجال الدين للتحذير من ممارسات حرية التعبير فهي حيلة تجاوزتها الشعوب هنا منذ زمن، وهي تضر بممارسة الدين و الثقة بمؤسساته أكثر مما تفيد، مؤشرات الأداء السياسي و الفساد التي كان يتم حظر تداولها بين الناس عبر فلاتر الرقابة الرسمية لم يعد ممكنا حجبها بعد ظهور العالم الافتراضي، محركات البحث تظهر في دقائق كافة معلومات الأداء الحكومي بالأرقام و الإحصائيات و تخلق وسائل للتواصل بين الناس حتى في غياب الجمعيات و المؤسسات المدنية،  في مواجهة عالم متسارع التغيير و التأثير لم تعد وسائل الحكومات السياسية التقليدية نافعة في إدارة شعوبها، الحجب و القمع و مصادرة الحقوق الرسمية لم تعد خيارا نافعا للبقاء، والسباق الحالي في مطالبات الإصلاح في المنطقة هو سباق وقت ليس إلا،  كتب مروان معشر وهو نائب رئيس الحكومة الأردنية السابقة مقالا هاما في الواشنطن بوست عن الإصلاح الحقيقي في العالم العربي، الوضع السياسي و الاقتصادي الغير مستقر لن يستمر طويلا، و أمام الزعماء خيارين لا بديل لهما إما الإصلاح الذاتي أو انتظارالشعب ليخرج إلى الشوارع  و ينفّذه، يحكي مروان عن فترة رئاسته للحكومة الأردنية المحدودة و كيف وضع خطة زمنية واضحة من عشرة سنوات للإصلاح السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي، و بحسب خطته كان على القوانين الرسمية في الأردن أن تتغير لمنح الفرصة في انتخابات شعبية نزيهة تحمل الأكفأ إلى المشاركة في صناعة القرار، كان على القوانين أن تكفل حرية التعبير كوسيلة للرقابة العامة على الأداء الرسمي، كان عليها أن تزيل التمييز الرسمي ضد النساء في مؤسسات الدولة و تمنح الوظائف و المناصب للأكفأ بغض النظر عن اعتبارات الجنس أو القبيلة، ببساطة كان على القوانين أن تضمن اختيار الأشخاص بناء على مزاياهم الوظيفية و ليس لأي اعتبارات أخرى، و كما كان متوقعا لم يتم تفعيل الخطة لمعارضة النخب السياسية و التي أجهضتها في وقتها… يلخص مروان حصيلة خبرته السياسية العربية فيما نعرفه جميعا، يعاني العالم العربي من النخب السياسية المستبدة، و التي أنشأتها الأنظمة الحاكمة لدعم بقاءها، عملت هذه النخب على جمع الريع المادي و شراء الولاء بالخدمات الخاصة، و هي التي تحارب الإصلاح بكافة أشكاله و تحارب حتى القيادات السياسية في محاولتهم لأي إصلاح جاد حتى تستمر في بقاءها و حصد مكاسبها، هي التي تخبر الزعماء بألا يقلقوا لأن دولهم ليست تونس  و بأن بعض الإصلاحات الطفيفة و التجميلية كفيلة بإسكات أصوات الغضب الشعبية و حل المشكلات المزمنة… الحكومات العربية على مفترق طرق الآن، يمكنها أن تختار أن تبدأ بطريق الإصلاح طويل المدى و يمكنها أن تتجاهل الواقع و تستمر باتجاه الهاوية، البرلمانات الممثلة لطموحات و رغبات الشعوب و التي تعمل لخدمة مصالح الناس و مراقبة أداء مؤسسات الدولة هي الخطوة الأولى، إزاحة الاستئثار الحادث حاليا بالقرارات من المسؤولين هي الخطوة الثانية بخلق أنظمة و مؤسسات و قوانين تحمي من عواقب الفساد، التعليم من أهم عوامل الإصلاح، ليس فقط في توفيره للناس بل في نوعيته، لن ينفع أن تتم تربية الأطفال على ربط مفهوم المواطنة الجيدة بالولاء للحكومة، على التعليم أن يخلق تقبلا للاختلاف و تقديرا للنقد و التحليل المنطقي، التنمية الاقتصادية وحدها بلا منح حقوق سياسية متساوية للجميع تعني تداول القوة المادية في نخب بعينها، لا يمكن خلق تنمية مستدامة بلا إصلاح سياسي، وهو يعني المشاركة السياسية الكاملة و لا يعني الخطابات و الوعود الفارغة و التي ستحمل بالتأكيد شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” عبر دول المنطقة…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/233404

رائحة الياسمين

السقوط المفاجيء يثير التكهنات، و كما كان السقوط مفاجئا و غامضا أتت التكهنات شبيهة به، ثلاثة و عشرون عاما من الحكم الشمولي الصارم و من السلطة البوليسية لم تنجح تماما في تجفيف منابع التمرد و كسره، انتصر الإنسان من جديد بالرغم من الدعم الغربي لديمقراطية هزيلة و شعارات فارغة، بالرغم من حشد العسكر حتى أصبح هناك رجل أمن في مقابل كل ألفي مواطن، بالرغم من انتشار الفقر و انعدام الوظائف و قمع المعارضين إسلاميين و غيرهم إلى السجون و خارج البلاد، بالرغم من حصار الحريات الدينية ومن بناء الأسوار الحديدية حول الكلمة و محاصرة الفضاء الإعلامي الرسمي و الإلكتروني، بالرغم من كل العوائق أشعلت صورة البوعزيزي وهو يحترق طوفانا من الغضب، أرسلت جموع المتظاهرين يصرخون بالقوة كل ما منعتهم الحكومة من التفوه به، وقف جندي الأمن بزيه المدرّع و خوذته يبكي بينهم بدلا من أن يشهر عليهم سلاحه، اليأس الذي أزهق حياة البوعزيزي في أبلغ صورة أمام بلدية مدينته هو نفسه الذي أحيا همة الشعب للثورة لكرامته و الغضب لخذلانه من حكومته، تونس التي تنبأ لها المحللين السياسيين قبل عقد من الزمان بأنها الواحة القادمة للديمقراطية الحقيقية في الشرق الأوسط خالفت كل التوقعات، أثبتت من جديد فائدة الالتفات إلى دروس التاريخ، في رومانيا سقط تشاوشيسكو بعد أسابيع فقط من التظاهرات بالرغم من القبضة الحديدية المشابهة لقبضة زين العابدين، قوة التظاهر تفوق دائما أي قوة أخرى، تخلق تأثيرا مشابها للدومينو الذي يستمر في التصاعد ولا يهدأ حتى في مواجهة الذخيرة الحية، لم تلتفت الحكومة إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان الداعية إلى إطلاق سجناء الرأي و منح الجموع حرية التعبير و المشاركة في بلادهم، عندما وقف الرئيس أخيرا مقررا “أنا فهمتكم” كان الوقت قد فات، لم تنفع الوعود بخفض الأسعار و توفير الوظائف و إطلاق الحريات و ممارسة الديمقراطية على أرض الواقع و ليس في الشعارات، انتهت المصداقية و حملت الجموع في تظاهرها و رفضها لافتات “أنتهت اللعبة” و صور الجسد المحترق، انتقل الغضب إلى الفضاء الإلكتروني و انتشرت المقاطع المرئية لتحدث أثرا أقوى من صوت التراجع الحكومي و المنح المتأخر بعد منع طويل، علم تونس المضرج بالدماء أصبح شعارا يرفعه ليس فقط كل تونسي في الفضاء الإلكتروني و لكن كل عربي يشعر بالظلم نفسه، وقف الرئيس في خطابه الأخير يستنكر عنف المتظاهرين لكنه لم يستنكر العنف الذي مارسته الدولة ضدهم لعقود، لم يعد كافيا للمتظاهرين أن تمنح الوعود أو يتم التخلص من المسؤولين ككبش فداء، لم تتوقف الثورة حتى رحل الرئيس، مباشرة ازدحم الفضاء بكل المعارضين و أبرزهم المعارضين الإسلاميين، و بدأت مخاوف تحول الحرية الوليدة من استبداد العلمانية إلى استبداد الإخوانجية تظهر بعد توقف البث التلفزيوني التونسي لإذاعة الأذان للمرة الأولى، البعض قرر أن التمسك بمظاهر ممارسة الدين الإسلامي هو ردة فعل لحرية الممارسة المقموعة سابقا، و لكن يقرر كريستوفر كوبلو في السياسة الخارجية أن الثورة لن تتحول إلى إسلامية، القمع الممارس لعقود ضد رموز التيار الديني أضعف قوتهم و أخرجهم من الساحة السياسية، و الإسلاميون في تونس لم يكونوا الخطر الذي يتهدد الرئيس المخلوع بل كان دوما خطر التنويريين من المحامين و المثقفين و الناشطين في حقوق الإنسان، لأن الفكر الحزبي الأقوى الذي تم دعمه على مدار العقود الماضية كان الفكر العلماني و ليس الإسلامي كما هو في مصر مثلا، كتب كريستوفر أليكساندر أيضا في المجلة نفسها عن تحليل الحكم الفردي لبن علي و كيف أن العامل الأساسي في سقوطه كان من حشد المعارضة عبر الفضاء الالكتروني بعد أن ألقى غطاء من الحديد على كافة قنوات التعبير في الدولة، سمح الفضاء الإلكتروني لحوادث متفرقة من الضرب و الاعتقال و الظلم أن لا تبقى في حدود المدن التونسية المعزولة و لكن أن تنتقل لكافة الناس متجاوزة حدود المكان و السلطة، الصورة الأكثر تشاؤما قدمها روبرت فيسك في ذا إندبيندنت، لم يقرأ مثل البقية في الثورة نهاية الدكتاتورية و بداية الديمقراطية، لكنه نبّه إلى أن هناك من لن يسمح بانتشار تأثير الدومينو و تواصله في المنطقة،  الغرب يريد ديمقراطية عربية تحقق استقرارا ما و لكن ليس ديمقراطية كافية بحيث تمنح الناس الاستقلال التام عن مصالح الغرب الاستراتيجية في المنطقة، الغرب و زعماؤه مستعدون للصمت حيال الأنظمة القمعية و ربما يرفضون استقبال الرؤساء المخلوعين بعدها و يهنؤوا الشعوب على الحريات الوليدة و لكنهم سيفعلون ما بوسعهم لدعم الأنظمة القمعية إن أبقت الغوغاء في حالة استقرار بأي وسيلة كانت، الحقيقة القاسية كما يقررها فيسك أن العالم العربي حتى في حال حدوث ثورة يبقى مشتتا غير فعال و فاشل مدنيا و سياسيا تسود جماعاته القسوة و تكسوه ملامح الذل، و تبقى إمكانية نجاحه في خلق مجتمع مدني ديمقراطي حديث قريبة من الصفر، يضرب مثالا على ذلك الصحافة العربية التي احتفت دوما ببن علي و اليوم تجلده مع الساخطين، لذلك يحتاج الغرب إلى زعماء قادرين على ضبط الغوغاء و إحكام الغطاء على جنون ثوراتهم و أن تضمن الولاء للغرب و الكره لإيران، على تشاؤمه لا يحيد فيسك كثيرا عن الحقيقة، و الاستقرار الذي ينشده التونسيون لم يتحقق بعد و ربما لن يتحقق في القريب العاجل، و لكن أن يبدأ التونسيون متأخرين في بناء دولتهم أفضل كثيرا من أن لا يبدؤوا أبدا، الدرس الأهم هنا من ثورة تونس هو القوة الكامنة للشعوب التي تستخف بها الحكومات، مضاعفات الخوف التي تلعب عليها الحكومات القمعية تحت مسميات شتى كالإسلاميون و المتطرفون و الليبراليون و العلمانيون و غيرها لن تستطيع في النهاية أن تحجب الخوف الأعظم من القمع و انتهاك الحقوق الذي جعل رجلا يشعل في جسده النار أمام العالم بلا تردد… لن تستطيع الأنظمة القمعية مهما استبدت أن تمنع مضاعفات اليأس المدمرة مهما ارتفعت أسوار الخوف…

 

الدوائر المغلقة

كانت مصادفة أن يأتي انفجار كنيسة الإسكندرية وأنا على وشك إنهاء رواية «أربعون قاعدة للحب»، الانفجار سلّط الضوء من جديد على الخلاف التقليدي بين الأديان وليس فقط بين أتباع الدين الواحد، تتابعت على إثر الحادث سجالات مثيرة للاهتمام بين طوائف المجتمع المصري، أبرزها بالنسبة إلي هو تخلي بعض القيادات الفكرية الإسلامية التقليدية كالدكتور العوا، أمين عام اتحاد علماء المسلمين، عن حديث أدلى به سابقاً يتهم فيه الكنائس بتخزين الأسلحة ثم يتراجع بعد حدوث التفجيرات عما أورده ويبرر مقولته بأنه لم يذكر في خطابه سوى ما أثبتته قضايا رسمية في ملفات الشرطة ولم يقصد التحريض.

على أن ذلك بالطبع لا يمنع من خطورة تبني موقف إعلامي ضد الكنائس وخصوصاً في مجتمع شديد التدين كالمجتمع المصري. للدكتور العوا أتباع كثيرون وكلماته لا تحمل الوقع نفسه الذي تحمله كلمات محاضر النيابة.

من السهل للمتدينين المتحمسين الاعتقاد بأنهم يملكون الفهم الأصح للعالم ولإرادة الله فيه، ومن اليسير أن يجدوا في خطابات بعض العلماء والمفكرين من يدعمون رؤيتهم للعالم ويطالبونهم بتوسيع مساحاتهم الدينية وفرض صحة اعتقاداتهم؛ لأن هناك من يتآمر على دينهم.

تلك المعضلة الأخلاقية الدينية ليست جديدة تماماً، تتابعت فصولها في كرّ وفرّ بين مختلف الأديان وحتى بين طوائف الدين الواحد.

وتأتي رواية المؤلفة التركية وأستاذة العلوم السياسية الأميركية ومناضلة حقوق الإنسان وباحثة دراسات المرأة إيليف شفك لتعيد خلق عناصر الصراع التقليدي بين طوائف الدين ومستجدات المجتمع في روايتها المبدعة “أربعون قاعدة للحب”

الرواية تحكي عن تحولات متعددة، أولها لسيدة أميركية تقليدية تعمل محررة لمخطوطة مقدّمة للنشر بواسطة مؤلف جديد. في أوراق الرواية يتنقل القارئ بين قصتين، قصة شخصيات المخطوطة وقصة الأثر الذي تحدثه المخطوطة في حياة المحررة والمؤلف.

تحكي المخطوطة عن الحدث الأكثر إثارة في حياة العالم الصوفي التاريخي رومي، عن تحوله من عالم وواعظ تقليدي ينقل صفوة العلوم الدينية بتنظير مثالي بعيد عن واقع بلدته التاريخية الصغيرة إلى عالم صوفي يرى المعنى الروحي الأسمى خلف النصوص الجامدة، للقائه بشخصية شمس الدين التبريزي الفريدة، حيث يبدأ في الاقتراب من الطبقات الغائبة في مجتمعه ويكتشفهم للمرة الأولى بعد حياته الطويلة بينهم، وينقطع عن رواده من صفوة المجتمع وسلاطينه، تحركه للمرة الأولى حاجات الناس الحقيقية للوعظ والحراك الاجتماعي بدلاً من اتباع مطلق للخطوط المرسومة للدعاة من المجتمع، يستلهم المعاني الخفية في الكون التي يكتشفها حديثا ويحيل إلهامه إلى شعر آسر يفيض بالحب والحنين، كشف الدرويش شمس الدين التبريزي لرومي في عبارات وأفعال محدودة وحدة الأرواح في الكون وأهمية الكلمة ومعنى الروحانية الحقيقي وخطأ الاعتقادات الجامدة والنقل الصرف بلا روح ولا حب، رمى الدرويش بكتب رومي القيمة في الماء وألهمه البحث عن المعنى الحقيقي من الوجود بعيداً عن أسر النص. الرسالة التي حملتها الرواية هي رسالة الكاتبة وهي أيضاً الرسالة الأسمى التي يمكن أن يحملها كل إنسان منا، وقد أوردتها في حديثها أمام مؤسسة تيد العالمية: «إن أردت تدمير أي شيء كمرض ما أو حتى روح إنسانية فكل ما تحتاجه هو حصره بداخل أسوار سميكة، كلنا نعيش بداخل دوائر إما اجتماعية أو أسرية أو ثقافية أو دينية لا نختارها غالباً، وإن لم يكن لنا وسيلة ما للتواصل مع ماهو خلف دوائرنا المغلقة فسنتعرض بشكل أو بآخر للانزواء والتلاشي بسبب ذلك الحصار، تتلاشى مخيلتنا، تضيق قلوبنا وتجف إنسانيتنا إن بقينا طويلاً بداخل شرنقتنا الثقافية الخاصة، حيث كل شخص حولنا هو نسخة شبيهة بنا، المجتمع المكوّن من نفس النسخ هو أكبر خطر يهدد عالم اليوم العالمي، حيث يميل الناس لعمل التجمعات المبنية على أوجه التشابه ويبدؤون في إطلاق التصنيفات على من حولهم وخلق الأنماط أو الستيريوتايب، وأحد وسائل خرق هذه الثقافة المحدودة هو عبر القصص».

حديثها بالطبع كان عن أثر الرواية والأدب المتخيّل في صنع معابر وهمية تمكننا نحن قراء الأدب من عبور دوائرنا الضيقة المصمتة والنهل من العالم وحياة شخصياته كما تعرضها الروايات، تمنحنا وسيلة ما لتجربة تلبّس شخصيات خيالية مختلفة عن واقعنا وتمنحنا فرصة لتفهم ورؤية العالم كما تراه تلك الشخصيات، وترفعنا بعيداً عن واقعنا لتوحدنا مع المختلفين عنا، على أمل أن يجعلنا ذلك أكثر تفهماً وروحانية وعقلانية في تعاملنا مع الاختلاف، سواء في الظروف السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو حتى حدود الجنس البيولوجي.

يبقى للكلمات مفعول السحر في خلق الصور النمطية وشحن الجموع معاً، في بلاغة يقرر حسن الشحّاذ في الرواية «لا أتوقف عن الاندهاش من التغيير العظيم الذي يصبغ الناس حين ينضمون إلى جماعة ما، أشخاص عاديون بلا تاريخ في العنف يتحولون إلى عدائيين مستعدين للقتل حتى لأجل جماعتهم»، وتبقى لمواقفنا وأفعالنا أهمية كبرى حتى ولو لم نشعر بها كما يقرر عزيز مؤلف المخطوطة الصوفي في مراسلاته مع المحررة «هل تعرفين أن شمس التبريزي يقول إن العالم كقدر طبخ هائل يضم خليطاً ما يتم إنضاجه؟ لا نعرف بعد ماهو؟ كل ما نفعله أو نشعر به أو نفكر فيه هو مكوّن ما في ذلك الخليط، نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا ماذا نضع في ذلك القدر؟ هل نضيف الاحتقار والعداء والعنف والغضب؟ أم نضيف الحب والانسجام؟»

ماذا يضيف كل فرد منا إلى وطن ممتلئ بطوائف متعددة وطبقات مختلفة وأنماط متغايرة؟

http://www.ted.com/talks/elif_shafak_the_politics_of_fiction.html