من مصر إلى تونس… هل قلت ثورة حقا؟

بقلم: هالة الدوسري

منشور في عدد خاص للأخبار بمناسبة يوم المرأة العالمي، “الموقع محجوب في السعودية”

هل نجح الحراك العربي على اختلاف صوره من مطالبات إصلاح ومظاهرات وثورات وقلب لأنظمة الحكم بعد عامين على الثورات والمطالبات الشعبية في تحسين أوضاع النساء؟ وهل أصبح هاجس النساء اليوم هو مجرد الحفاظ على المكتسبات القليلة المنتزعة على مدار عقود من النضال؟ ما تكشفه إزاحة قمة الهرم الحاكم في دول الثورات هو واقع مرعب من الجهل والاستقطاب والتهميش المتزايد للفئات الأضعف بمن فيها النساء. يبدو الحراك العربي مجرد إعادة ترتيب للقوى نفسها في نفس مراكز النفوذ أكثر من تمكين المهمّشين والمهمّشات.

وتبدو أسئلة الهوية والموقف حول مكانة المرأة والإنسان عموماً من أهم إفرازات الثورات والمطالبات. موجة استهداف وترهيب المدافعات السلميات ورائدات التغيير لتمكين النساء كانت حاضرة في كل البلاد العربية تقريباً. القتل والتحرش والاغتصاب في مصر، وسوريا، وليبيا، واعتقال المتظاهرات في عُمان، أو اعتقال وتعذيب طبيبات وممرضات لأداء واجبهن في البحرين أو اعتقال سائقة سيارة أو الحكم بجلد أخرى… مشاهد عكست موقفاً سياسياً صارماً من الحراك النسوي. موقف شديد التناقض مع ادّعاءات الضعف والخصوصية المرتبطة بتبرير التهميش الرسمي للمرأة، مشاهدات المواجهة مع السلطات تناقض ما روّجت له السلطات دوماً عن ضعف المرأة وهشاشتها وخصوصية التعامل معها…
«ارحل» لم تكن ضمانة لحقوق النساء، لكنها كانت مجرد كشف للغطاء عن واقع سياسي هشّ لم يسمح له بالتطور والنضج. كشفت الثورات العربية عن ضعف التنظيمات السياسية والمدنية وعن عدم وضوح رؤيتها في الموقف من المرأة. السياسي العربي يعيد مراراً تقديم وتدوير نماذج فاشلة من أنظمة الحكم، إما ديموقراطية صامتة، وإما سياسة الباب المفتوح، وإما إسلامية شوروية. تبدو النماذج دوماً أكثر اختلالاً عندما تصل إلى المرأة. يسمح السياسي للنساء والأقليات بممارسة بعض حقوقهن ما دام لا تؤثر على مصالحه. في مصر ما بعد الثورة، تطرح برلمانية ختان البنات والولاية التعليمية على النساء، وتقييد حق الخلع عن المرأة كقضايا مهمّة تحت ذريعة حماية النساء والحفاظ على الأسرة. وهو دوماً حفاظ يكون عبر تقييد حقوق المرأة لا الرجل، هل كان يمكن تخيّل أن تكون هذه هي مطالبات البرلمانيات في عام 1951 عندما اعتصمت 1500 امرأة من رياديات العمل النسائي في مصر أمام أبواب البرلمان مطالبات بمنح النساء حق الترشّح والانتخاب للنظر بجدية في قضايا النساء من تعليم ومشاركة، حتى أقرّ البرلمان بعد أسبوع واحد منحهن هذا الحق؟
ترفض برلمانية مصر الثورية الكوتا النسائية وتطالب النساء في مجتمع قمعي طالما عارض وضعهن في المناصب العامّة والقيادية أن يدخلن البرلمان عبر صناديق الاقتراع في منافسة غير عادلة ومحسومة شعبياً لمصلحة الرجل. عندما ناضلت نساء العمل الحزبي في مصر من مدافعات ومتظاهرات ومتحدثات من أجل الثورة، لم يتوقعن أن تختفي أسماؤهن من أعلى قوائم الترشيح حتى لا يخسر الحزب في المجتمع الديموقراطي الوليد فرص الترشّح للبرلمان بسبب اسم مرشحة امرأة. المرأة سياسياً أيضاً مطالبة بالتنازل لمصلحة المرشح الرجل للابتعاد عن الصدام وإثبات حسن النيات. لم تختلف الأوضاع في تونس الثورة ولم يكف وضع اشتراط قانوني بتماثل عدد النساء والرجال في مرشحي كل حزب سياسي لمنح النساء الفرصة نفسها. ومن بين 150 مرشحاً في القوائم الانتخابية الحزبية، لم يكن هناك سوى 7% من النساء على رأس قوائم الترشيح، بينما احتل الرجال 93% من المراكز في أعلى القوائم، الكوتا في عالم دأب تاريخياً على التمييز السلبي للنساء تبدو اليوم الإجراء الإيجابي الوحيد لرفع التمييز وإعادة توازن الكفة بين الجنسين…
الواقع يكتبه المنتصر، والمعركة الأهم تأثيراً من اختيار مرشّح لمرحلة جديدة هي صياغة العقد الاجتماعي. الدستور هو الوثيقة الأعلى مرجعية في قوانين الدولة، وإدراج تفاصيل حماية حقوق النساء وتأكيد المساواة وعدم التمييز في الدساتير، تمهّد لتعديل كافة قوانين الدولة بموجبها. والدساتير العربية المكتوبة بلا تمثيل حقيقي من الشعوب لم تتغير كثيراً بعد الثورات، ولم تتحول في معظمها إلى منهج وقوانين ملزمة. اللجان المكلفة صياغة الدستور المصري لم تشتمل بداية على تمثيل نسائي مرضٍ، وأسهمت في ترسيخ نمطية الأدوار المتوقّعة من المرأة في الأسرة. المادة العاشرة في الدستور الجديد تنص على مسؤولية الدولة في التوفيق بين واجبات المرأة نحو أسرتها وبين عملها العام، مع العناية الخاصة بالمرأة المعيلة والمطلقة والأرملة. تفترض المادة أنّ الأسرة مسؤولية نسائية فقط بلا مشاركة من الرجل. لا تعكس المادة مساواة في علاقات الأسرة، ولا ثورة في معنى العقد الاجتماعي ومفاهيمه. وهذا الدستور متشابه مع الدساتير العربية كلها ــ إن وجدت ــ في احتوائه على تفاصيل سلطات الدولة وصلاحياتها وغموضه في تقرير وضمان الحقوق الفردية والشخصية للجنسين. لا نصّ يحمي النساء من التمييز والعنف ولا تجريمهما. المرأة تابعة في الوطن كما هي تابعة في الأسرة. حقوقها في الجنسية ونقلها لأسرتها مقيدة ومشروطة كما حقوقها داخل مؤسسة الأسرة. الحفاظ على العقد الاجتماعي ما زال يؤيد تقييد حقوق وصلاحيات المرأة ودعم حقوق وصلاحيات الرجل. ما زال هناك مَن يبرر نقصان المرأة واكتمال الرجل ذريعة للتمييز. تبرز هنا أهمية الثورة الشاملة: اجتماعية، قيميّة، معرفية، و سياسية…

الشائعة الأكثر خبثاً كانت حول دور الإعلام الجديد في صناعة الثورات. صناعة الثورة ــ لو صحّ استخدام التعبير ــ لم تكن إلا على قدر شجاعة الأفراد، ليس فقط عبر الاعتصام والتظاهر، لكن عبر شجاعة التصريح بأكثر الحوادث ألماً وإحراجاً. الثورة على واقع النساء أسهمت فيها وثائق كشوف العذرية وكشف ممارسات العنف مع المتظاهرات المطالبات بالتغيير. ما كشفته وسائل الإعلام الجديد من شهادات مرئية ومكتوبة أيقظ الضمير الجمعي، وأصبح تحطيم التابوهات التقليدية فعلاً ثورياً صادماً. أحد تجلّياته كان تظاهرات التعرّي أو التهديد به. في المجتمعات العربية المحافظة، ظهرت الأجساد العارية كرد فعل مؤلم على ممارسات استعباد أجساد النساء. لكن قمة الجبل الجليدي كانت واضحة للعيان منذ عقود. منطقة الشرق الأوسط هي الأكثر تمييزاً في العالم ضد النساء. في عام 2005، وضع تقرير التنمية العربية التمييز ضد النساء كإحدى أهم ثلاث مشكلات تؤثر في التنمية في العالم العربي، وعكست معدلات الجهل والفقر المتفشية بين النساء خصوصاً ممارسات تقييد المصير بين النساء والتمييز ضدهن بمباركة دينية. وحتى يتعدى التغيير تبديل الأشخاص إلى تغيير القيموتفكيك مبررات التمييز وإعادة ترتيب موازين القوى، تبقى الثورة وتحدياتها عملية تراكمية ومستمرة…

من مقدمة ملحق الأخبار “صوت النسوة” بقلم بيّار أبي صعب

الديموقراطيّة أنثى 

 هذا الملحق يشبه سيرة «الأخبار». عند كل منعطف أو مفترق طرق، تلتقي الجريدة شركاء يشبهونها. يدخل هؤلاء بلا استئذان، يأخذون مكانهم الطبيعي، ويضيفون بصماتهم إلى التجربة. كان يفترض كتابة الجملة السابقة بصيغة جمع المؤنّث، لكن المذكّر يستعمر اللغة واللاوعي الجماعي. فالقصّة بدأت حين قررت ثلاث شابات، اقتحام مكاتبنا في بيروت، للقيام بمحاولة انقلابيّة. حاولن عزلنا وإصدار عدد كامل من جريدة «الأخبار» في الثامن من آذار (مارس).

بدت الفكرة مغرية، لكن آليّات تنفيذها لم تكن متوافرة آنذاك، فأفسحنا حيّزاً لزميلاتنا النسويّات، ودرجنا على هذه الشراكة منذ سنوات، بأشكال مختلفة. قبل أسابيع عادت صديقتنا الصامدة «ليلى غسّان» باقتراحاتها في «يوم المرأة العالمي»، وقررنا أن نصدر بالاشتراك مع «صوت النسوة» ملحقاً كاملاً، مستقلاً عن الجريدة، تاركين الساحة لمجموعة باحثات وكاتبات وناشطات عربيّات. (يكاد كاتب هذه السطور، لولا «وعيه الأنثوي»، يخجل من كونه «الذكر» الدخيل على هذا الملحق). وقد تولّى التحرير اختيار مجموعة صور ورسوم لترافق المقالات، بعضها من المداخلات الراديكاليّة لمجموعة Femen في أوكرانيا. هذه المجموعة أثارت جدالاً حاداً في الأوساط النسويّة بين تأييد وشجب، بسبب لجوئها إلى أشكال تعبير عنيفة وصادمة تستعمل العري النسائي في الفضاء العام، وذلك كشكل من أشكال الاحتجاج على تشييء جسد المرأة واستغلاله من قبل النظام الرأسمالي (الذكوري). طموحنا أن نحيط بكل الخطابات النقديّة والتحرّكات الاحتجاجيّة، وأن نسهم، بأقصى ما يتيحه الواقع، في سرقة «جذوة النار المقدّسة». ولعلّه التوقيت الأصوب والأصعب للحديث عن حريّة المرأة وحقوقها، في بلد يعتبر العنف حقّاً شرعيّاً للرجل، ولا يعترف بالمرأة مواطنة كاملة، من حقّها أن تمنح جنسيّتها لأولاد من زوج «أجنبي». أين المرأة من هذا الربيع العربي المبتور. فأي ثورة تلك التي تضيق بالمرأة وحقوقها، بدلاً من أن تعطيها مكان الصدارة؟ الحراك الشعبي المشروع والمطلوب من تونس إلى دمشق، ومن القاهرة إلى المنامة، قطفته الرجعيّة، ويرعاه الاستعمار، ويموّله أسياد الردّة. لا ديموقراطيّة من دون تأنيث الوعي الجماعي. الديموقراطيّة أنثى، والثورة كذلك. لنستمع إذاً إلى «صوت النسوة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s