تفاصيل من التحرير 25 يناير 2013

حملتني الصدفة للقاهرة في ذكرى 25 يناير الثانية، منذ اللحظة الأولى كان حديث الثورة و مسار الفشل السياسي طاغيا، في الطريق إلى الفندق من المطار احتلت مفردات البطالة و العنف و الانفلات الأمني و غياب السياسات العادلة حديث سائق التاكسي، أشار لي بيده إلى جانب الطريق: هذه المساكن المتهالكة لاتزال موطنا للفقراء و أشار للجهة الأخرى أما هذه فهي مساكن الأغنياء، لم يتغير شيء، تغير الأشخاص بينما حضر الدين مبررا للاستيلاء على السلطة.

في نهاية يوم 25 يناير و بعد يوم طويل تفضّل عليّ أحد مرافقينا باصطحابي لميدان التحرير، كنا خمسة سيدات من عدة دول و ثلاثة رجال من مصر، للتو وصلتني رسالة نصية من صديق تحذرني من التحرش الشائع ضد النساء في التحرير،  أحاط بنا الرجال طيلة الطريق تحسّبا لكن شيئا لم يحدث، الطريق للتحرير خال من السيارات بعد إغلاقه و في هذه الساعة من المساء لم يبق عدد كبير من المتظاهرين، فور وصولنا لمدخل الميدان لاحقتنا نداءات باعة الكمامات الطبية “اشتري صحتك بجنيه”، تابعنا السير بينما يحذرنا أحد الباعة من خلفنا بأننا سنندم، فور دخولنا للميدان شممنا رائحة الغاز ثم أوشكنا أن نختنق، بالكاد كنا نفتح أعيننا، وزّع مرافقي مناديله الورقية علينا لتغطية وجوهنا ثم سحبنا أحد الشباب لمنصة بدائية يقف أمامها شاب بقنينة يطلق رذاذها على وجوه المتحلّقين حوله، يسألني مرافقي إن كنت أعرف ماهية المادة بداخل القنينة؟ “هذا خلّ” يحكي لي كيف طوّر الثوّار حلولهم لمواجهة الأمن، لم أستطع أن أفتح عيني ووجدت شابا أمامي يوزع القليل من المادة المتبقية في قنينة ماء يحملهاعلى مناديل العابرين المختنقين من حوله سكب قليلا على منديلي و أرشدني لمسحه على عيناي المغلقتين… سرنا بعيدا و استطعت فتح عيناي أخيرا… جماعات صغيرة متفرقة من الشباب تتوزع في الميدان و صوت أحدهم يخطب من مكان بعيد، مررنا على لافتات نشرتها أحزاب متعددة، أحزاب المرأة والمعارضة و مواطنين من جبهات مدنية مختلفة: المطالب هي تمكين الجميع و البعض يطالب برحيل مرسي… سأحاول هنا أن أصف شيئا لاتدركه الكلمات… السير في الميدان هو مجرد رمزية لفعل الإرادة، تعلم وقتها أن كل ما عشته من قبل من تجارب اعتقدت فيها أنك تملك تأثيرا ما لا يرقى لسيرك الرمزي في هذا الحشد، هل كنت تبحث عن  معنى الحق في تقرير المصير؟ و كيف يجعلك ذلك في موضع الخطر  و في موضع القوة في الوقت نفسه؟ أنت وهذا الحشد تصبحون واحدا، أنت قوي بقدر قوتهم، تحميك صلابتهم و شجاعتهم، أنت أيضا ضعيف مثلهم في هشاشة وجودك في هذا الفضاء المفتوح على احتمالات القنص أو الاختناق، لكنك مدفوع بإرادة جمعية لوطن حر تملك أنت صناعته، هل هناك شيء موسوم بامتلاك الوطن أكثر من هذا الفعل؟ أنت من يسير على ميادينه و يقرر من يحكمك و ماهي الرسالة التي تنوي طبعها في وجدان هذا الفضاء الحر، أنت تمتلك إرادتك الحرة، صوتك، أرضك ووطنك

قبل خروجنا من الميدان اشار لي مرافقي إلى شبابا ملثم تقبع بين أقدامهم زجاجات المولوتوف استعدادا للمواجهة : “القصاص أو الفوضى”، نسير خلف بعضهم في مسيرة تحملهم لشارع ينتهي بحاجز أمني أمام ماسبيرو، الدخان كثيف و أسود، اعتقدنا في البداية أن مبنى ما يحترق، شلالات من الغاز الأسود تسقط على الشباب الثائر و تختفي معها زجاجات المولوتوف، يتجسّد هنا مفهوم “الاستخدام المفرط للقوة“، وأتعجب من تصميم المتظاهرين على التقدم و العودة فور انتشار الغاز للمواجهة من جديد، اي إرادة؟

يوجهنا مرافقينا للعودة فربما تقع قنبلة غاز بالقرب منا و ربما تشتد المواجهة فيبدأ استخدام الرصاص الحي، نعود أدراجنا و أصوات الطلقات ترتجّ حولنا، كل الأصوات و المشاهد تختلط حولي: باعة الأقنعة لا يزالون جائلين، و عبث صبية بالجري و مطاردة بعضهم في الشوارع الخالية من السيارات، و دهشة المتابعين من جرأة قوات الأمن في التصويب على المتظاهرين و في وسط دوائرهم تماما، و أغنية عتيقة لأم كلثوم في جهاز يحمله أحدهم… المجد لمصر و المجد للشهداء

“لم يكن الموت هو الذي يخيفها، لم يعد الموت يخيفها… من هي؟ قطرة في بحر، و البحر مواج بها و من غيرها، و إن ماتت فهي واحدة من الآلاف الذين ماتوا، و إن عاشت فهي واحدة من الملايين الذين اغتصبوا حقهم في الحياة…” الباب المفتوح ( صدرت عام 1960) للروائية المصرية لطيفة الزيّات (1923-1996)

One Response to تفاصيل من التحرير 25 يناير 2013

  1. و المجد لكِ ، و لكل من تأثر بهذا القدر مثلك أيضًا يا هالة ..
    هذه العبارة أعلاه التي كنت أكررها كثيرًا لكل من كنت ألاحظ فيه حماسه مع موجات الثورات في الربيع العربي ..
    و لعلي أقتبس كلامي الآتي من تدوينة قادمة لي أعمل على تحضيرها ، تشرح مقصدي من هذه العبارة ..
    المجد لكم لأنكم توحدتم مع هذه الطاقة المتطلعة لتمكين الإنسان من الإحساس بالمعنى ، على اختلاف انتماءات هذا الإنسان .
    أنتم جزء من ميدان التحرير بأفكاركم و مشاعركم من ميدان التحرير ، مهما ابتعدتم عنه جغرافيا ، إلا أنكم تساهمون في بلورة هذه الطاقة فيه ، طاقة الثورة .
    الاهتمام بالتقاط التفاصيل الفارقة ، سواءً المدونة بصورة أو بكلمة ، و الإحساس بتفسير هذه التفاصيل و الانفعال معها – كما حصل معك ودفعك لكتابة التدوينة – أمرٌ يتكرر لفت نظري إليه ، عندما أراه بكثيرين ذهبوا إلى مصر ، و امتزجوا – دون إحساس بالغربة – بالجو الثوري فيها ، و أحسوا بأنهم جزء منهم ، لا نتيجة الامتداد الثقافي و العرقي ، و لكنه نتيجة لحالة أكبر ، حالة إنسانية فرضتها حقيقة وجود إحساس مشترك .
    الحالة الثورية المصرية ، لا يُمكني أن أُحيل اختلافها ووهجها للمصريين فقط ، و إنما للطاقات الروحية و النفسية و الفكرية التي اتحدت معهم بصدق ، إما بموقع خارج الحدود ، أو بموقع شاهد على الأحداث داخلها .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s