ما بعد حمزة… تقنين الاستبداد الديني

“كتبت هذه التدوينة بطلب من فهد الحازمي و نشرت أولا في مدونة “سم ون

من الطريف التأمل في حقيقة أن إتاحة حرية التعبير تاريخيا هو الذي مكّن المفكّرين و الرسل من نشر رسالاتهم و أفكارهم،  أين كان سيصبح الإسلام اليوم لو لم تتح فرصة لحامل الرسالة في التعبير و نشر رسالته و في الاجتماع و التحالف مع أتباعه و ممارسة حقهم في الاعتقاد و التصرّف؟  هل توقّع أحدنا اليوم بعد أن ساد هذا الدين أن تستخدم أحكامه ذريعة لكبت حرية التعبير لكل مختلف و قمع حرية الاعتقاد؟…

“و ما عليّ إذا ما قلت معتقدي… دع الجهول يظن الحق عدوانا”… ابن عربي

المدخل لمفاهيم حرية التعبير و الاعتقاد يمكن تلخيصه بالسؤال التالي:”هل يضرّ أي إنسان أن يحمل غيره رأيا أو اعتقادا مخالفا لرأيه أو لقناعاته؟” الإنسان هنا ليس سياسيا يمثّل الحكومة و ليس نائبا عن عموم الناس يقرر عنهم صناعة السياسات العامة، الإنسان هنا فرد يقرر فقط في فضائه الخاص قناعاته و ممارساته الذاتية، الإجابة عن هذا السؤال ستحدد الموقف العام من حرية التعبير أو الاعتقاد…

القبول بمبدأ حرية التعبير و الاعتقاد قائم على قاعدتين أساسيتين: أولا أن اختلاف العقائد و التوجهات أمر حتمي لايمكن تفاديه في أي مجتمع بشري، و ثانيا أن التعاطي السلمي مع الاختلافات العقائدية هو الوصفة الأمثل للعيش المشترك، صناعة الإسلام عبر الفرض أو القانون غير ممكنة، حتى في السعودية التي تحشد كل مواردها نحو هذا الهدف، لم يوجد بعد أي مجتمع متماثل عقائديا حتى في حياة صاحب الرسالة نفسه، التنوع الفطري في قناعات الناس و اعتقاداتهم يعترف به أي مجتمع تجاوز عقدة الاستنساخ الديني القسري لكل أفراده، فلا يمكن زرع الإيمان في القلوب و فرضه على النوايا بقوة السلطة و رعاية رجال الدين، الدين ليس لقاحا نلقّمه لأطفالنا خوفا من “خلية إلحاد”  أو نقاش فلسفي محتمل، و في نصوص الوحي نفسه و سيرة حامله ما يكفي من الأدلة  لمساندة هذه الحقيقة…

يبقى هنا – بعد التسليم بحتمية اختلاف العقائد و ممارسات الإيمان- تنظيم العلاقات العامة بين البشر في مجتمع يحفظ لهم حق ممارساتهم الدينية من التشويه أو الانتقاص، وهو هنا جوهر المحاولات المدنية لاحتواء الاستبداد الديني، التهويل الساذج لخطر الإلحاد أو الاختلاف الذي يمارسه البعض خوفا على “ثوابت المجتمع” غير دقيق، منبعه في الأغلب الحرص على مناطق نفوذ رجال الدين و بعض المتنفّذين، يوفّر الدين قدسية ما و حصانة تمنع من المساءلة عن غياب الحقوق العامة و الخاصة، و على العكس تماما فالمشتركات العامة بالمجتمع و التي تمسّ العلاقات بين الناس لا تتعلق بإيمان أي فرد أو مسؤول من عدمه، و إلا لما وجدنا دولا “كافرة” تتحقق فيها معايير الرقي و الأمن و العدالة الاجتماعية على افضل ما يحفظ الكرامة الإنسانية و دولا “مسلمة” تشيع فيها ثقافة الغابة و غلبة المتنفّذ و التعدّي بلا مساءلة على النفس و المال و الكرامة، و ليس بعيدا –على سبيل المثال- ما تعاني منه مجتمعات إسلامية نتيجة لمأسسة الوصاية الدينية و فرضها على الناس بالرغم من عواقبها المؤلمة، الأمثلة تتجاوز نموذج الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى عشوائية و تحيّز القضاء المذهبي و تقديس الحاكم و تسييس الفتاوي ضد عموم الناس لخدمة مصالح الطبقات المتنفّذة، الفضاء العام هو منطقة المصلحة المشتركة بين عموم الناس، وهوعقد اجتماعي متغيّر بحسب المستجدّات لتحقيق متطلبات العيش الكريم بغض النظر عن الهوية الدينية للمجتمع ككل أو لأفراده، “أقصى” ما يبحث عنه أي مواطن في الفضاء العام هو الأمن من الخوف و من الحاجة و تحقيق معايير الكرامة الإنسانية و ليس حماية دينه من شخص مختلف في الاعتقاد، في كل زاوية في بلادنا عامل مسيحي أو بوذي أو غيره ولم ينقص من إسلام أحد شيئا، لا يشترط الإسلام في إقرار العقد الاجتماعي ولا  مباركته من كبار العلماء أو المشايخ، و يبقى جوهر الإيمان و محله في ممارسات الفرد و قناعاته الخاصة، النيّة الخالصة في الأعمال كلها -و ليس الإكراه و الفرض بالأنظمة و القانون- هي أساس الثواب و العقاب الإلهي…

الاعتراف بالكرامة المتأصلة في كل أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، أفضى تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، غاية ما يرنو إليه عامة البشر هو انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة و التحرر من الفزع والفاقة” ——- المدخل للإعلان العالمي لحقوق الإنسان

في هذا الموسم الحاسم للعالم العربي حيث ترتفع أصوات المطالبين بالإصلاح خشية تحويل الوطن إلى كهنوت لا ينتهي استبداده سوى بثورة تطيح بالأخضر و اليابس، ينحاز مجلس الشورى –كالعادة- إلى سياسة العصر الحجري في تجريم الاختلاف في التعبير و الاعتقاد،  يدرس الآن في المجلس مقترح نظام لفرض “عقوبات رادعة” على من يمتهن أو يقلل أو يتطاول على المقدسات، في صيغة عبارات المقترح التجريمية و الرادعة ما يغني عن تفاصيله، مشكلة مقدساتنا التي ترعاها الأنظمة السابقة و المقترحة أنها لا تتوقف عند حدود العقد الاجتماعي، بل تمتد لتشمل المال العام و مسؤولي الدولة و المشايخ و فتاويهم و منتسبي الهيئات الدينية و كل ما يمس مناطق النفوذ المتخمة بالتجاوزات، شرعنة الاستبداد الديني لا تعني فقط فقدان الفرصة الذهبية في حادثة “اختطاف و اعتقال” شاب تجرّأ على البوح بما في قلبه بدلا من تعزيز الحل السلمي للنزاعات، و لكن المضي نحو سياسات الانجراف إلى الهاوية في مجتمع انشغل علماءه بتصنيف جنوني لعقائد البشر إلى “ديني: مواطن صديق، و لا ديني:  خائن عدو”، لن تتوقف محاكمة العقائد و النوايا عند محرقة حمزة بل ستتحول إلى مزايدة شعبية، يدخل فيها رجل الدولة لتأكيد شرعيته و السياسي لحصد ولاءات جديدة و اللامتحيز من الناس لتأمين جبهته الضعيفة، كم فرصة تتسرّب من أيدينا نحو المدنية؟ المجلس العاجزعن إقرار نظام يحمي الضعفاء و العاجزين بيننا من الإيذاء بعد 5 أعوام من المداولات لا يستغرقه تقنين صلاحية النوايا و أصالة استنساخ العقائد في شبابنا و مواطنينا سوى شهرين…

هل سينجح النظام المقترح في قمع كل حمزة بيننا؟ كم هاربا ستعيده قسرا طائرات المباحث؟  كم سجينا ستقوم وفود و لجان المناصحة -التي يدفع معاشاتها شعبا لا يجد وظيفة أو سكنا- بالتصديق على توبته؟ كم قضية سينشغل بها الرأي العام لشخص جريمته أنه لا يحمل نفس الاعتقاد و القناعات؟ و الأهم هل سيقوى الإسلام و يثبّت المجتمع ركائزه كلما أطحنا بشاب يبوح و يصرّح بما يعتقده؟ أي معايير ستتحوّل قانونا لتعيين الثوابت؟ أي عقوبات ستوضع لفرد يصرّح بما يخالج قلبه و ما يعتقده؟ لا يصعب كثيرا تخمين الإجابة في بيئة أدمنت ثقافة العقاب و غلبت فيها ذهنية التحريم و فقه سدّ الذرائع…

“من يطالبون بأن تتولى الحكومة تنظيم شؤون العقل و الروح أشبه ما يكونون برجال يخشون بشدة أن يقتلهم شخص ما فيهربون منه بقتل أنفسهم”———- هاري ترومان

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s