لماذا لا يتغيّر المجتمع: الميل لتبرير النظام

هذه التدوينة مترجمة عن تدوينة منشورة في مدونة علم النفس، الرابط بالأسفل

 

 

“تميل المجتمعات للمحافظة على تقاليدها.  التمرّد هو ردّ فعل متباعد نتيجة للمعاناة في تاريخ الإنسانية: لدينا حالات لا نهائية لشعوب خاضعة في مواجهة الاستغلال من حالات التمرّد على السلطة”—زن، 1968

هل تساءلت يوما لماذا يبدو من الصعب على المجتمع أن يتغيّر؟ أعتقد أن أغلبنا فكّر في هذا السؤال…

واحدة من الإجابات هي أن البشر لديهم نزوع فطري للحفاظ على الوضع الراهن.  البشر يفكرون هكذا طيلة الوقت.  يميلون لمسايرة ما يألفونه و يعرفونه أكثر من المخاطرة بالسير نحو خيار غير مألوف و مجهول…

يشعر الناس بالأمن في الإطار الذي يعيشون بداخله في مقابل خطر المجهول.  و هذا جزئيا يفسّر لم يقبل الناس على شراء نفس الأشياء التي اعتادوا شراءها من قبل، أو ارتياد نفس المقاهي و المطاعم، أو التمسّك بنفس الأفكار و القناعات…

هذا السلوك الإنساني يدعى “الميل لتبرير النظام” و ينتج عنه عواقب متناقضة كما يفسرها البحث العلمي1 و كما شرحها جوست و زملاءه بالعام 2004:

  • الفقراء لا يدعمون بقوة الآراء السياسية التي من شانها إصلاح أوضاعهم.  وجدت استطلاعات الرأي أن محدودي الدخل لم يختلفوا عن الأثرياء في دعم سياسات الضرائب التي من الممكن أن تزيد من دخلهم.  و بشكل عام فإن القناعات السياسية التي يحملها الناس لا تتفق مع أوضاعهم و مداخيلهم في مجتمعاتهم.
  • و للغرابة، كلما زاد حرمان الأشخاص من حقوقهم كلما زاد احتمال دعمهم لنظام لا يدعم مصالحهم.  هذا يعود إلى “التنافر المعرفي”2.  في مثال لهذا من الولايات المتحدة الأمريكية، تثق جماعات محدودي الدخل من اللاتينيين بمسؤولي الحكومة أكثر مما يثق بها اللاتينيون من أصحاب المداخيل المرتفعة.
  • أما أكثر الأشياء إثارة للقلق: كلما ازدادت مظاهر عدم المساواة في المجتمع  كلما ازداد ميل الأشخاص لتبرير النظام.  مثلا في البلدان التي يحمل فيها الرجال تحيزا أكبر ضد النساء يزيد دعم النساء للنظام.

يبدو أن البشر يميلون لتبرير عدم المساواة في الأنظمة، مثل الاعتقاد بأن الفقراء هم هكذا لأنهم لا يعملون بجد كاف، أو أن الأغنياء يستحقون الثراء الذي حصلوا عليه، و بشكل لايصدّق، فإن هذا يعني أن بعض (و ليس كلّ) الديوك الرومية ستستمر في انتخاب موسم الكريسماس…

مأخوذ عن مدونة علم النفس:

http://www.spring.org.uk/2012/07/why-society-doesnt-change-the-system-justification-bias.php

  1. نظرية “التبرير الاجتماعي” تقوم على الفرضيات التالية:
  • هناك دافع فكري لتبرير الترتيب الاجتماعي الهرمي الموجود بمجتمع ما
  • هذا التبرير مسؤول بشكل جزئي عن ترسيخ الإحساس بالنقص في الأفراد المنتمين لجماعات مهمّشة
  • هذا السلوك يظهر من الأفراد بشكل ضمني و لا واع
  • بشكل غير مفهوم، يكون هذا السلوك أقوى ما يكون عند الفئات الأكثر تعرّضا للإيذاء بسبب الفرق في المكانة الاجتماعية

2. مفهوم “الوعي التنافري”  يعود إلى تجربة نفسية اجتماعية قام بها فيستنجر و كارل سميث في العام 1959 بهدف معرفة ما نقوله لأنفسنا حتى نبرر سلوكياتنا و تفكيرنا.  التجربة ممتلئة بالخداع المتعمد للمشاركين و تم أداءها في العام 1959 في جامعة ستانفورد على طلبة البكالوريوس.

كجزء من المقرر الدراسي كان على الطالب المشارك أن يقوم بالتجربة بهدف “قياس الأداء” لمدة ساعتين في كل مرة.   بداخل معمل التجارب يخبر الباحث الطالب المشارك أن الهدف هو قياس تأثير توقعات الطالب على تجربته.   هناك مجموعتين من المشاركين، مجموعة يتم تهيئة أفرادها لتعرف مسبقا بواسطة مشارك قبلها بما يمكن أن تتوقعه من التجربة، و مجموعة لم تعط أي معلومات أو توقعات عن التجربة.

يسأل الباحث الشخص المشارك أن يقوم بتحريك بعض البكرات في صندوق لمدة ساعتين، في النهاية يشكر الباحث المشارك و يخبره بأن العديد من الأشخاص وجدوا التجربة ممتعة، و يطلب الباحث من المشارك أن يقوم بإخبار الشخص القادم بعده –من المجموعة التي ستمنح بعض المعلومات- أن التجربة ممتعة بالفعل في مقابل دولار واحد و ربما بعض المشاركات الأخرى في المستقبل.  في غرفة أخرى يتم عمل مقابلة مع المشارك الأول بعد انتهاءه من المشاركة حول رأيه في التجربة.

تظهر خدعة أخرى في التجربة عندما يظهر للمشارك الأول أن المشارك الذي يليه قد تلقّى مبلغ 20 دولار و أنه أعطى أسوأ تقييم للتجربة بعد انتهائها لأنها مملة.

تهدف التجربة لمعرفة كيف يعالج الإنسان فكرتين متعارضتين مع بعضهما: أن يعتقد شخص بأن التجربة مملة و مع ذلك يمنح دولارا لإخبار مشارك بعده بأنها كانت ممتعة.  و نشأت بعد التجربة نظريات متعددة لتفسير تعامل الإنسان اليومي مع الأمور المتناقضة.  مورتون هنت أورد بعض الأمثلة في “قصة علم النفس”:

عند محاولة الانضمام لمجموعة ما، كلما ازدادت صعوبة الدخول كلما زادت قيمة و أهمية العضوية، و لتفسير التناقض بين العوائق الكثيرة التي قد يضطر الإنسان لمواجهتها للانضمام لمجموعة ما في مقابل بساطة المجموعة  الفعلية أو انعدام قيمتها للشخص، يجنح الإنسان لتبرير الأمر بأن الانضمام للمجموعة كان في الواقع ممتعا.

يفسّر الناس نفس المعلومات بمعان مختلفة تماما حتى يدعمون رؤيتهم الخاصة للعالم.  عندما نقرّر رأينا في مسألة متفق عليها فإننا نميل لتجاهل ما يناقض راينا و التركيز على كل ما من شأنه تدعيم رأينا.

تميل الناس لتعديل آرائهم لتتفق مع سلوكياتهم حتى عندما تكون في جوهرها غير أخلاقية، فالسارقين من رؤسائهم سيبرروا لأنفسهم عملهم بأن الجميع يفعل ذلك أو أن الموظفين لا يجنون ما يكفيهم من الأموال و بالتالي يستحقون ما يسرقونه.

هناك عدد كبير من التصرفات التي يمارسها الناس بسبب “الوعي التنافري” عبر التفكير في تبريرات لا نهائية لسلوكهم.  الانتباه لهذا الأمر يجعلنا نتجنب السقوط ضحية لأسوأ عاقبة لهذا الوضع: تصديق الأكاذيب التي نخدع بها أنفسنا.

http://www.spring.org.uk/2007/10/how-and-why-we-lie-to-ourselves.php

Advertisements

الدكتور محمد الركن و اعتقال دعاة السلام

أتى خبر اعتقال الدكتور محمد الركن المدافع عن حقوق الإنسان و المحامي البارز من الإمارات مفاجئا للكثيرين، ليس ذلك لظروف الاعتقال المؤلمة و لكن للدور الإنساني الهام للدكتور كأحد أهم المدافعين عن حقوق الإنسان في دول الخليج العربي و المنطقة، يعرف الكثير من النشطاء الدكتور كأحد المؤسسين للعمل الحقوقي في منطقة الخليج و على الأخص بعد ترؤسه مؤخرا لمجلس إدراة مؤسسة مد الجسور للتدريب على الحقوق، الدكتور الركن هو أحد أبرز القيادات القانونية في المنطقة عمل أستاذا و رئيسا لقسم القانون و تخصص في القانون الدستوري و التجاري و حافظ على روح العدالة و منهج حقوق الإنسان عبر تبنيه لعدد كبير من قضايا معتقلي الرأي و المطالبين بالإصلاح، و للعاملين في المجال الحقوقي يمثّل الدكتور الركن إلهاما و رمزا كبيرا في النضال السلمي، تمتزج في شخصيته قيم العدالة و ثقافة القانون الشرعي و الدولي و أصالة إنسان الخليج البسيط بتواضعه و قيمه النبيلة، و بالنسبة لي يعكس الدكتور عبر روح دعابته اللطيفة أكثر الشخصيات سلمية و تسامحا و قبولا في الوسط الحقوقي الخليجي  …

يأتي اعتقال الدكتور في سياق حملة اعتقالات نشطة تقوم بها سلطات دول الخليج مؤخرا ضد عدد من النشطاء كجزء من سياسة عامة للتحكم بالانتقادات المطالبة بعمليات إصلاحية واسعة و شاملة في دول الخليج،  أسقطت الإمارات في وقت سابق الجنسية عن سبعة من المطالبين بالإصلاح من المواطنين، و على إثر ذلك تبنى الدكتور الركن -كجزء من رسالته كمحام بارز في الحقوق المدنية و داعية لحقوق الإنسان- حملة وطنية و عالمية للدفاع عنهم، و توالى ظهوره الإعلامي و تنسيقه مع الناشطين في الإمارات و غيرها للمساعدة في إعادة الاعتبار للمواطنين السبعة و ترسيخ النهج الحقوقي و القانوني في تعامل الدولة مع مطالب النقد و الإصلاح، قبل بضعة أيام أرسل الدكتور بريد إلكتروني يحوي خبرا إعلاميا عن عزم الحكومة الإماراتية توجيه اتهام لمجموعة من المعتقلين الإماراتيين بتهم تمسّ أمن الدولة و أعرب عن قلقه من أن تكون مجموعة الإصلاحيين من موكّليه هي المستهدفة و المقصودة بهذا الاتهام الخطير، تم اعتقال الدكتور مباشرة بعد إرساله للبريد الإلكتروني بيوم واحد، و أتى خبر اعتقال سالم الشحي وهو محام إماراتي من المدافعين عن حقوق الإنسان بعد خبر اعتقال الدكتور بوقت قصير،  و تمّ اعتقال الشحي بعد ذهابه لمقر الأمن و استفساره عن موكليه الدكتور الركن و المنصوري…

 ما يتعرض له النشطاء و المطالبين بالإصلاح من منع للسفر و توقيف و اعتقال و تضييق في المعيشة  و أحكام جائرة بهدف تثبيط الهمم و زرع التخويف هو جزء من سياسات عامة لا يبدو انها تضع في الاعتبار  التأثير السلبي و المعاكس لدى عموم النشطاء و الناس، فلا يبدو أن الحراك العربي ترك تأثيرا في السياسات العامة لدول الخليج، التعامل الأمني الصارم و تكميم الأفواه و الأشخاص عبر الاعتقال و الحبس و التخويف لم يعد مجديا في عصر الشبكات الاجتماعية و اعلام المواطن، و على الأخص في الوقت الذي لم تعد فيه الحقوق الإنسانية مجرد شعار يزيّن الخطابات الرسمية للمسؤولين، غضب الشارع العربي على وفاة أحد النشطاء في مصر أثناء اعتقاله أو على كرامة أهدرها جهاز الأمن لن يتوقف عند حدود جغرافية ثرية و لا أمنية، لا يستهدف الدولة ووحدتها و أمنها شيء أسوأ من سياسات القمع، الحرية لمحمد الركن…

كيف يمكن لكم مساعدة الدكتور محمد الركن؟ بالكتابة مباشرة إلى رئيس وزراء الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم و نائبه الشيخ سبف بن زايد آل نهيان و وزير العدل الدكتور جوعان الظاهري، نص الرسائل موجود بالرابط، كما يمكن لكم الترويج لمدونة الدكتور الركن على صفحاتكم الاجتماعية و بريدكم الإلكتروني، و هي تحوي كافة المعلومات المتعلقة بالدكتور محمد الركن و أخبار اعتقاله المنشورة عالميا و محليا…

إضافة في 11 أغسطس 2012

ترجمة لمقال الإيكونومست بواسطة د. حمد العيسى

سوريا: أزمة معقدة و علمانية مهددة

بقلم: عماد يوسف

عِرفت سوريا خلال العقود الأخيرة نظاماً اجتماعياً علمانياً واضحاً. ولو أنَّ هذا النظام كان منقوصاً في المستوى السياسي المتعلّق بهرم الدولة ومؤسساتها الكبرى، ودائرة القرار المحيطة، إلاّ أن تجلّيات العَلمَنة التي شكلّت نموذجاً استثنائياً للتعايش في المنطقة، كانت من الوضوح بحيث أنها أُعتِبرَت مثالاً يُحتذى لدى الآخرين خارج سوريا.

عرفت سوريا خلال العقود الأخيرة نظاماً اجتماعياً علمانياً واضحاً. ولو أنَّ هذا النظام كان منقوصاً في المستوى السياسي المتعلّق بهرم الدولة ومؤسساتها الكبرى، ودائرة القرار المحيطة، إلاّ أن تجلّيات العَلمَنة التي شكلّت نموذجاً استثنائياً للتعايش في المنطقة، كانت من الوضوح بحيث أنها أُعتِبرَت مثالاً يُحتذى لدى الآخرين خارج سوريا.
لا شك أنَّ القيادة السابقة لسوريا (ماقبل العام 2000) قد عملت على انتهاج الكثير من التوازنات التي تتناقض مع الفكر العلماني لحزب البعث، فاشتغلت على إرضاء الجميع (طوائف، عشائر، أديان، إثنيات، قبائل، وجاهات مدن ومناطق، وغيرها) سعياً لإرضاء المجتمع الأهلي السوري المتنوّع للحفاظ على سدّة السلطة والحكم وضمان عدم خروج أيّ كلمة رافضة. وقد كان الرئيس الراحل حافظ الأسد (ماستر) حقيقي في إرضاء الجميع، وامتهان البهلوانية الحذقة جداً في سبيل الإبقاء على نظام حكمه. طبعاً ساهم عامل انتماء الرئيس حافظ الأسد إلى الطائفة الثانية في سوريا من حيث الحجم، ساهم في تعزيز هذا النهج “غير الرسمي” والذي تحوّل لاحقاً إلى عُرْف عامّ، بدأت تأخذ به قيادات حزب البعث المدنية، الوجه السياسي للسلطة. والقيادات الأمنية والعسكرية، التي تشكّل الحامي لهذا النظام والداعم له. حيث تحوّلت هذه الثقافة أو النهج، إلى أحد أهمّ أدوات النظام عزّز استمراريته الثابتة من خلالها، “ويمكن أن نسميّ هذا؛ (التوازن الأهلي) إذا صحّ التعبير”. وخاصة بعد شباط 1982 عندما حسم صراعه مع الإخوان المسلمين في مدينة حماة. وبدأت دفّة الحكم تنحو أكثر باتجاه شخصنة النظام وتقديس الفرد، وقولبة المؤسسات وخاصة الأمنية منها بقوالب فئوية دقيقة الإختيار لضمان الموالاة العمياء والمطلقة لنظام الحكم. وقد ترافق ذلك كلّه مع اطلاق يد المسؤولين لجني مكاسب المرحلة السابقة التي انتصروا فيها على الإخوان، فعاثوا فساداً في البلاد، في الكسب غير المشروع، والفساد، والبيروقراطية. وصولاً إلى المركزية المطلقة، وتحويل البلاد ومؤسساتها إلى ما يُشبه المزارع لهؤلاء القيّمين عليها..!
تعود ثقافة العلمانية في سوريا إلى عوامل كثيرة، يمكن فقط ذكر بعضها هنا بسبب ضيق المساحة، فقد كان لوقوف الشعب السوري وقفة واحدة ضدّ الإستعمار الفرنسي الأثر الكبير في إذابة الفوارق المذهبية والطائفية والدينية في سوريا، وكان صعود فارس الخوري(المسيحي الكاثوليكي) كرئيس للبرلمان عام 1949 أكبر دليل على تجاوز المجتمع السوري لتشابكاته الدينية وتعقيداتها، وتناقضاتها البنيوية التي كانت قد ذللّتها نزعات المدّ القومي والوطني التي حملتها المشاريع القومية (حزب البعث العربي الاشتراكي 7 نيسان 1946 نموذجاً)، وكذلك مشاريع اليسار الاشتراكي والمدّ الشيوعي بعيد الثورة البلشفية في روسيا 1917 (الحزب الشيوعي السوري بزعامة خالد بكداش الكردي عام 1926)، ومفاهيم الديمقراطية والحرّيات التي حمل بعضاً منها الاستعمار الأوروبي في العالم العربي. يمكن أيضاً إضافة عامل التنوّع السوري مع عوامل أخرى، وقناعة السوريين أنفسهم بضرورات تحقيق شروط العيش المشترك بعد أن فقدوا جزءاً كبيراً من سوريا الكبرى (فلسطين ولبنان والأردن) ما جعلهم أكثر تماسكاً وتعاضداً في التصدّي لأي محاولات جديدة لشرذمة ما تبقى من سوريا، وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي أفشلت محاولة فرنسا تقسيم سوريا عام 1926 وانتهت في عام 1936. مجمل هذه العوامل زرعَت في العقل الجمعي السوري(الباطني) خوفاً شديداً على البلاد، وخاصة لدى السياسيين، وفي لقاء مع الشيخ صالح العلي أحد قادة الثورة السورية، يعكس هذا الرأي بشكل قاطع، عندما سئُل عن نسبة السنّة في سوريا، فأجاب بأنها كلّها سنّة. وحين سئُلَ وأين العلويون إذاً؟! قال بالحرف: ” عندما يُستهدف السنّة في سوريا، تصبح سوريا كلّها سنة”*..!
في معرض البحث عن مظلّة شاملة، وهوية جامعة تؤسس لانتماء أعرض من الانتماء الأهلي والديني الضيّق، نرصدُ في تلك الحقبة اقبالاً كبيراً عند الأقلّيات الإسلامية والمسيحية، والإثنية للانضواء في أحزاب يسارية قومية واشتراكية تكون عابرة للانتماءات ماقبل الوطنية. وهذا كان أيضاً من العوامل التي حرثت الأرض لجذور الثقافة العلمانية السورية في أحد جوانبها المعرفية الذي يتجلّى بقبول الآخر كما هو، والتعايش معه كما يكون، لا كما نريده نحن. وبدأ شيئا فشيئاً يذوب الفارق بين أقلّية وأكثرية، وبين مذهب وآخر، وقومية وأخرى. وصولاً إلى 8 آذار عام 1963 حيث استولى حزب البعث على السلطة. يمكن هنا ملاحظة أربع حقبات رئيسية، من عام 1963 وحتى حركة 23 شباط في عام 1966 . ومن 1966 إلى عام 1970 سنة استلام الفريق حافظ الأسد السلطة. ومن 1970 إلى عام 1982 تاريخ انتصار النظام البعثي في حربه على الإخوان الملسمين. يمكن القول بأن الحقبات الثلاث الأولى، كانت سوريا تسير بحسب احداثيات المنطلقات النظرية لحزب البعث قولاً، ونهجاً، وتطبيقاُ. في عام 1985 عُقِد مؤتمر لحزب البعث، وكان الأخير الذي عُقد في عهد حافظ الأسد حتى وفاته في العام 2000. أمّا الحقبة الرابعة والتي تمتد من عام 1982 وحتى العام 2000 فهي الحقبة الأخطر والتي تخللتها الإنزلاقات الفكرية في النهج والتطبيق، حيث غاب الفكر الإيديولوجي الحزبي نهائياً عن الساحة بعد أن تمَّ استبداله بالعصا الأمنية لمن عصا، والجزرة لمن والى وصفّق، ودخلت سوريا في حالة ستاتيكية خطيرة جداً، كان من أهم سماتها :
1- تعزيز سيطرة النظام وقوته على الدولة والمجتمع.
2- فتح الباب أمام الإمتيازات والمكتسبات غير المشروعة لرجال الموالاة والسلطة.
3- العمل بقوة على عسكرة المجتمع بما فيها الجامعات من خلال نظام التدريب الجامعي.
4- التخلّي شيئاً فشيئاً عن رفاق الدرب في المراحل السابقة “السياسيين منهم والعسكريين” من غير المضمونة ولاءاتهم المطلقة.
5- كبح الحياة السياسية في المجتمع وخنقها وصولاً إلا إلغائها بالمطلق.
6- شخصنة النظام وإظهاره بهالة من القدسية في شخص الزعيم المفدّى والذي تدور في فلكه الدولة برمّتها. بالإضافة إلى نتائج كارثية كثيرة في التصحير الثقافي والفكري والركود الاقتصادي والانغلاق الاجتماعي بسبب الأحداث التي شهدتها سوريا من حرب الإخوان والسلطة. وعوامل أخرى جانبية جعلت من سوريا تشهد بدايات العدّ الخلفي، أو كالقطار الذي يُسافر بعكس الاتجاه، فتتحول إلى دولة يبقى فيها رئيس وزرائها محمود الزعبي مدة 15 عاماً متواصلة دون تغيير ..
كان مستهجناً جداً لدى السوريين أن يُسأل شخص ما عن طائفته، أو دينه، أو حتى قوميته. وكنا نتقاجأ في حالات كثيرة بمدير مدرسة كردي، أو آشوري أو كلداني. ولا نعلم عن دينه شيء. أمّا في الجامعات فكان السوريون يدرسون سنوات طويلة دون أن يعرفوا ما دين زميلهم في الغرفة نفسها أو مذهبه، أو أستاذهم الجامعي، أو رئيس الجامعة. أو حتى دين وزير التعليم الذي يتبعونه أو مذهبه أو قوميته. وفي المدن والمناطق نادراً ما كنا نسأل عن دين المحافظ أو رئيس المنطقة أو مذاهبهم. وفي ملايين الأبنية في جميع المدن السورية، يسكن عائلات من جميع الانتماءات الدينية والقومية والتي تتشابك وتتعايش كأبناء العائلة الواحدة. كذلك هناك قرى كاملة وعلى امتداد مساحة الأراضي السورية، نرى فيها هذا النموذج للتعايش حيث يكون قاطنوها من قوميات وأديان، بل وحتى طوائف مختلفة ومتنوعة. كان السوريون بعيدين جداً عن البركان المذهبي الذي يوشك أن يُذيب المنطقة بحممه ونيرانه، وذلك حتى وقت قريب جداً قبل الحراك الذي بدأ فيها في 15 آذار 2011.
ساهمت الأحداث الأخيرة( الثورة السورية) بما انضوى تحت جناحيها من تيارات سلفية ووهابية وإخوانية، وبما مارسته السلطة من طرق خاطئة جداً، وغير مدروس يغلب عليه طابع الحماقة والعماء، ساهم الطرفان في الهاب المشاعر المذهبية والطائفية والدينية في المجتمع السوري. والذي كان على ما يبدو مهيئاً لهذا اللهيب، يعود ذلك إلى التجارب المحيطة به في العراق ولبنان، والمدّ الشيعي الكبير في المنطقة بموازاة مشروع وهابي سلفي يجتاحان العقل العربي الذي فرّغته الحكومات من مضامينه خدمة لاستمراريتها في السلطة، إذا لا يستوي بحال من الأحوال الاستبداد والتنوير. بل الجهل والاستبداد هما صنوان لا ينفصلان..!
تخوض سوريا اليوم (معارضة، ونظاما، وشعبا) حرباً داخلية ضروسا تُهدّد وجودها كدولة، وتهدد مجتمعها بشرياً وإنسانياً واقتصادياً، ومن أكثر ما تهدد في هذا المجتمع هو فقدان نموذج العلمانية الجميل الذي كان سائداً في سوريا خلال عشرات السنين التي مضت. فالاصطفافات المذهبية والدينية والطائفية قد بلغت ذروتها، وأضحى الحديث في انتماء هذا أو ذاك من البديهي جداً في الأحاديث العامة والخاصة. وباتت شريحة كبيرة من السوريين تنظر إلى الآخر نظرة اقصائية قمعية، ويغالون في بعض الحالات لتصل حد القتل، والتصفية الجسدية. وهذه ثقافة دخيلة على سوريا ومجتمعها. ولم تكن أبداً حاضرة فيه. رغم بعض الحوادث والأحداث التاريخية التي حصلت هنا وهناك، إلاّ أنها لم تتحوّل يوماً إلى ثقافة عامة شاملة. وبقيت في حدودها الضيّقة والمضبوطة ذاتياً.
يمكن إرجاع أسباب هذه الصراعات المذهبية والطائفية في المنطقة إلى عوامل عديدة، نذكر منها هنا:
1- المشروع الوهابي الأصيل الذي يسيطر في منطقة الخليج على الدولة والمجتمع.
2- الثورة الإيرانية التي اندلعت في عام 1979 وأطاحت بنظام الشاه وبنت ما يُشبه الإمبراطورية المذهبية الشيعية الإثني عشرية ” بحسب دستور البلاد”.
3- وجود إسرائيل كدولة دينية متطرّفة مما انتج في المقابل تطرفاً آخر لتحقيق التوازن السيكولوجي في أذهان الناس وعقولها.
4- سقوط بغداد وتسعير الحرب المذهبية فيه بين سنته وشيعته بتغذية ودعم من عوامل خارجية كثيرة بينها أمريكا وإيران والسعودية وسوريا.
5- الحرب الأهلية اللبنانية وثقافتها التي عمّت المنطقة مع تطور وسائل الإعلام الجماهيرية الواسعة التي أصبحت في كل بيت وفي متناول كل طفل وهرم وشيخ وعجوز.
6- غياب الفكر التنويري العربي واحباط المشاريع القومية والوطنية وعجزها عن مواجهة المدّ الديني الأصولي منه وهو الأكثر خطورة.
7- غياب اليسار العالمي والفكر اليساري وصعود اليمين العالمي المتطرّف وخاصة في امريكا وبريطانيا والذي يعوّل كثيراً على الدين (الإنجيليون الجدد في أمريكا، جورج بوش الإبن نموذجاً)
8- وهو الأهمّ؛ غياب التنمية والتنمية المستدامة وانضمام جيوش عريضة من العاطلين عن العمل سنوياً إلى سوق العمل العربي مما أوجد بيئات حاضنة وحاملاً اجتماعياً هيّأ لنموّ هذه المشاريع بسبب الفقر والعوز ونقص الخدمات وغياب الدولة كمفهوم ومضمون، والفساد والنهب الممنهجين، وتهميش الطبقات الأكثر فقراً وغيابها عن التأثير في المجتمع. مما جعلها فريسة التجنيد للضخّ الديني الذي تمّوله عدّة دول في المنطقة.
هذه الظواهر الخطيرة التي تضرب العالم العربي، وسوريا منه، يستوجب التوّقف طويلاً للتأمل بأسبابه ودواعيه ونتائجه الكارثية. ولأنَّ سوريا هي بلد من الأهمية بمكان بسبب طاقاتها الفكرية والثقافية الكبيرة، فإننا نحاول هنا الإبقاء على إرثٍ تاريخي عريق يمكن أن يشكّل لبِنة قوية لإعادة إنتاج مشروع النهضة العربي الذي خاب واندثر منذ أربعينات القرن الماضي. واليوم نحن أمام تحدّيات هائلة، نبارك من خلالها التحوّلات الديمقراطية التي حملها غبار الطلع في الربيع العربي، ولكنّ السؤال الأهمّ هو : هل يجب علينا أن ندمّر هنا لنبنيِ هناك؟ أم أنها معادلة حتمية، تذهب بشياطين السياسة لتأتِي بديناصورات الدين
المنقرضة؟!
عن موقع الأوان للثقافة العقلانية: الموقع محجوب في السعودية، الرابط:

تجارة العبيد في البحر الأبيض المتوسط

هذه التدوينة مأخوذة عن موقع الأوان للحوار العقلاني وهي موقع محجوب في السعودية، وضعتها هنا للفائدة العلمية 

by هوك فردريك Hauke Friederichs

ترجمة: محمد المهذّبي
 .كم عاش من العبيد المسلمين في أوروبا؟ ليس من السهل اليوم تقدير ذلك ولا توجد أرقام دقيقة. في نهاية القرن السابع عشر كان هناك في ليفورنو، التي يبلغ عدد سكانها إحدى وعشرين ألفا، تسعمائة عبد. أ فينابولي التي يقطنها حوالي ثلاثمائة ألف ساكن –واحدة من أكبر مدن أوروبا-، على ما يبدو عشرة آلاف عبد…
كانت للقراصنة المسلمين من الجزائر وتونس وطرابلس سمعة سيّئة. غير أنّ أسواق العبيد وجدت أيضا في نابولي وبرشلونة المسيحيتين.
تطلق مدافع قلعة الجزائر ستّة عشر طلقة تحيّة للقراصنة العائدين وهم يجرّون وراءهم غنيمتهم المتمثّلة في سفينة القبطان هازنبرغ من هامبورغ. يتوقّف غزاة البحر بالميناء في حين يتجّه قبطان القراصنة مباشرة إلى البرّ فلديه صيد ثمين ليبلغ عنه.
كان من بين ذلك الصيد يوهان ميشائيل كيهن (Johann Michael Kühn) شابّ الخامسة والعشرين القادم من مدينة غوتا (1). كان مجروحا يرتدي أسمالا بالية وفي غاية الجوع بعد أن تعيّن عليه الصبر طويلا على متن السفينة. استولى الجزائريون قبل أسابيع قليلة على تلك السفينة وتحديدا في بداية أفريل من سنة 1725 وقتلوا بعض أفراد الفريق ثمّ رموا بجثثهم في البحر.
كانت سفرة الهامبورغيين في الأصل متّجهة إلى قادس (2)، ولكنّها انتهت بشكل مفاجئ قرب رأس القديس فنسنت أقصى جنوب غربي البرتغال. عندما اكتشف الرجل المكلّف بالحراسة سفينة كبيرة غريبة، بادر إلى دقّ ناقوس الخطر. “أتراك أتراك!”، صاح مخاطبا من بداخل السفينة. توجّه القراصنة مباشرة نحو الألمان بسرعة كبيرة. فقط قبل وقت قصير من الهجوم رفعوا علمهم ليتبيّن أنّهم قادمون من الجزائر.
كانت الدولة الإفريقية الشمالية يومها، شأنها شأن تونس وطرابلس، خاضعة لدفع الإتاوة لسلطان إسطنبول وتمثّل صوريا جزءا من الإمبراطورية العثمانية، غير أنّها تتصرّف عمليا بشكل سياديّ إلى حدّ كبير. “قطعان بائسة من ذوي البشرة الداكنة” أو”الشيطان التركي” كما سمّت الصحف الألمانية الأولى في القرن السابع عشر قراصنة شمال إفريقيا ويسمّون “برباريسكي”(3) في الغالب. لقد عاشت الجزائر وتونس وطرابلس، “الدول البربرية”، من القرن السادس عشر إلى بداية القرن التاسع عشر على القرصنة بصفة شبه كلّية.
 
المسيحيون “ذهب أبيض”
شأنهم شأن القراصنة الصوماليين الذين يهدّدون اليوم أمن خليج عدن والمحيط الهندي، كانوا أقلّ اهتماما بشحنات السفن منهم بالسفن في مجملها إذ يختطفون الطاقم والمسافرين لابتزاز الفدية. وعندما لا يكون ضحاياهم من عائلات غنية أو ممّن يقف وراءهم فاعل خير ليفتديهم، يتمّ عندها استعبادهم. في إفريقيا موطن مئات الآلاف من عمال السخرة الذين كانوا يعانون من العمل الشاقّ بمزارع القطن بأمريكا الشمالية وجد لقرون عبيد بيض عرفوا مصيرا مماثلا. كان البحارة المسيحيون يخشون البربرسكيين الذين يسلبونهم حريّتهم أكثر من كلّ القراصنة الآخرين.
حتّى يوهان ميشائيل كيهن وبقية أفراد الطاقم أصابهم الخوف حين اقترب “الأتراك” أكثر إلى أن صار يمكنهم سماع الصراخ. اتجه القبطان هازنبرغ إلى فريقه :”أبنائي الأعزّاء، إنّهم غزاة حقيقيون، ولذا فعلينا الاختيار بين أحد خيارين، إمّا العبودية أو الموت. أمّا الهروب فلا قدرة لنا عليه”.
قرّر الفريق المقاومة وبيع حريّته بثمن غال. أعدّوا الدروع وشحنوا البنادق، غير أنّ الأتراك الملاعين انتصروا بعد ساعات من القتال، كما يروي “كيهن” في كتابه “وصف عجائب الحياة والأسفار” (4) الذي حرّره له كاتب مجهول وصدر في مسقط رأسه مدينة غوتا. تكبّد البحارة الأسر لسنوات وأصبح يوهان ميشائيل كيهن “عبدا أبيض” بشمال إفريقيا. لم ير معظم رجال سفينته بعد ذلك أبدا.
اقتيد مباشرة من الميناء إلى ساحة البادستان حيث سوق العبيد بالجزائر كجزء من الغنيمة التي تمّ اقتسامها بين شركاء سفينة القراصنة. قاد المنادي كيهن عبر “هذه الساحة الجامعة لكلّ المعذّبين في الأرض” وثمّن الألماني :” من يدفع أكثر؟” غير أنّ التجّار قدّموا له أقلّ من المطلوب، فتمّ تقييد الأسير بسلاسل ثقيلة وحبسه في حفرة مظلمة. يعود كيهن من جديد في اليوم الموالي إلى سوق العبيد، عاريا “كما ولدته أمّه”، يلامسه الغرباء ويجبر على الركض والقفز. اشتراه بعد ذلك قبطان القراصنة تحديدا، ذاك الذي سلب حرّيته. أمر السيّد الجديد كيهن بتجهيز السفينة للغزوة القادمة. وعندما انطلقت سفرة سفينة “الشمس الذهبية” بعد ذلك بأسابيع، من أجل تحصيل غنائم جديدة، كان “كيهن” مع من كان على ظهر السفينة.
هجمت “الشمس الذهبية” أوّلا على زورق ثمّ على سفينة تجارية من هامبورغ. وعندما حمل الأسرى على متن السفينة “حدث لهم ما حدث لي في السابق حيث نزعت ملابسهم ولم يترك لهم سوى سراويلهم القديمة التي يرتدونها في السفينة وميدعاتهم وتمّ منحهم الضرب بسخاء مع غذاء أقل” كما ورد في “وصف عجائب الحياة والأسفار” لكيهن. تعيّن عليه مرافقة سادته في الغزوات لسنين عديدة وكانت سنين ملؤها الخوف والضرب واليأس.
خزينة تحرير العبيد بهامبورغ
طيلة ثلاثة قرون – من عصر مارتن لوثر إلى نهاية عصر نابليون- تقاسمت الآلاف المؤلفة من البحّارة والمسافرين في السفن وسكّان سواحل إسبانيا وإيطاليا مصير البحار الألماني بعد أن اختطفهم قادمون من شمال إفريقيا وباعوهم عبيدا.
اعتبر المسيحيون “ذهبا أبيض”. كان البربرسكيون في الغالب يهتمّون بالغنائم البشرية أكثر منهم بالأكياس والبراميل المكدّسة في غرف الشحن. وفي البانيوس (5)، أحياء العبيد، كان المئات وأحيانا الآلاف من المسيحيين يعاملون معاملة العبيد. كان من بينهم في القرن السادس عشر الأديب الإسباني ميغيل سربنتس الذي استلهم فترة معاناته في أعمال من بينها روايته المشهورة “دون كيخوته”.
كان يعيش في مدينة الجزائر وسكانها المائة ألف، خلال منتصف القرن السابع عشر، ما بين ثمانية وأربعين ألف عبد. كانوا يعملون لدى العائلات الغنية في العناية بالحدائق وتقديم المشروبات ومساعدة النساء فضلا عن الطبخ والخدمة. أمّا من كان أقلّ حظّا فيجبر على التجديف في المراكب أو العمل بمقاطع الحجر أو في الحقول. لا يحصل على الحرّية إلاّ من جاءت فديته من أوروبا أو الذي يعتنق الإسلام.
كانت الكنائس الأوروبية تخشى على الخلاص الروحي للعبيد، وكانت دائما ما ترسل رجال دين إلى شمال إفريقيا من أجل تثبيت دين الأسرى. ولتخليص النفوس المكرهة، تشتري بعض الفرق المسيحية بانتظام عبيدا وتحرّرهم. وخلال قرون نشأ نظام واضح المعالم بقواعد وأسعار ثابتة، يعتمد على تجار إسبان وإيطاليين كوسطاء مع وكلاء لهم بالجزائر وتونس وطرابلس. وحتّى الديبلوماسيون المعتمدون بشمال إفريقيا تمّ إشراكهم في هذه التجارة. كان الكثيرون يكسبون أموالا لا بأس بها من الاشتغال بالنخاسة في العبيد البيض.
يصعب أن تقدر عائلة واحدة على جمع المبلغ المطلوب للفدية. في شمال ألمانيا، لا سيما في الموانئ البحرية الكبيرة، يتمّ جمع المال للبحّارة المخطوفين. وجدت في كنائس هامبورغ تماثيل تجسّم الضحايا في شكل بحّارة من خشب بسلاسل حديدية حقيقية في الأيدي والأرجل، كانت تستحضر لدفع رواد الكنيسة للتبرّع بالمال.
ويقع تمويل الفدية بالمال المجموع وكذلك بالمنح التي تهبها الأميرالية (6) إضافة إلى ما يتمّ اقتطاعه من البحّارة. تضرّرت تجارة هامبورغ مع إسبانيا بالخصوص بسبب البربرسكيين. فقد وقع في “الأسر التركي” أكثر من ألف بحّار خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. فمنذ 1624 تمّ إنشاء صندوق تحرير العبيد بالمدينة الهانزياتية (7)، وهو يعتبر إحدى أوائل شركات التأمين البحري، مهمتّه الوحيدة استرجاع الهامبورغيين المخطوفين.
كان ما يسمّى بأب العبيد، أمين الصندوق، يتجوّل عبر المدينة لجمع المال. وكان هو الذي ينظّم تسليم الفدية أيضا، وهي مهمّة تتطلّب الصبر. تمرّ شهور أحيانا لكي تصل الرسائل أو المبالغ المرسلة أو الصرف من شمال ألمانيا إلى شمال إفريقيا. وفي الدانمارك وأراضيها التابعة لها بمنطقة هولشتاين أنشئت أيضا صناديق تحرير العبيد في بداية القرن الثامن عشر.
كان البحّارة يبلغون أسعارا عالية في أسواق العبيد. ويعتبر ربّان السفن والقائمون على المقصورات أو ضاربو المدافع مطلوبين بشكل خاص ويقع إجبارهم على الخدمة. “وجدير بالذكر أنّ الأتراك ما كانوا ليقدروا على القيام بعمليات السطو البحرية لو لم يكن لديهم عبيد مسيحيون يصنعون سفنهم ويقودونها”، فيما يروي كريستيان غوتليب لودفيغ المشارك في رحلة إفريقية من ساكسن سنة 1732 انطلاقا من الجزائر.
نجح بعض العبيد المسيحيين كقراصنة. ونقل المسيحيون ممن اعتنقوا الإسلام للبربرسكيين تقنيات جديدة في مجال صناعة السفن وفي استعمال المدفعية ولكن أيضا في فنّ الملاحة. تقدّم غزاة البحر بعد سنة 1600 في المحيط الأطلسي نحو الشمال، إلى أن وصلوا سنة 1627 حتىّ إلى إيسلندا على ما يقال. هناك قام القراصنة بأخذ بعض سكّان الجزيرة معهم إلى الجزائر. ووصل القراصنة أيضا إلى مصبّ نهر الإلب (8) على ما يبدو، حسب مؤرخي هامبورغ. ولكن ليس ذلك مؤكّدا. من الثابت أنّهم تقدّموا إلى حدود بريطانيا العظمى.
كان الهولنديون والفرنسيون وقوى بحرية أوروبية أخرى يشترون دائما سفرات بحرية مؤمنة ويدفعون الإتاوات للجزائر وطرابلس وتونس من أجل ذلك. وعندما ينكث البربرسكيون العهد- وهو كثيرا ما يحدث- يرسل الملوك المسيحيون حملات تأديبية للبحر الأبيض المتوسط. تمّ قصف الجزائر مرّات عديدة. غير أنّ ذلك لم يفد بشيء ضدّ القرصنة، فقد خسر الهولنديون لوحدهم في الفترة من 1617 إلى 1625 عددا كبيرا من السفن وصل إلى مائتين وستّ بسبب قراصنة شمال إفريقيا.
وخسرت هامبورغ الفخورة فيما بين 1613 و1621 مع ذلك ستّا وخمسين سفينة. استثمر مجلس المدينة المعروف تقليديا بشحّه مبالغ كبيرة لإنشاء سفن حربية ترافق وتؤمّن البعثات التجارية. وعندما خفضت المدينة مستوى الحماية المرافقة في القرن الثامن عشر بسبب ارتفاع النفقات، خسرت في الفترة من 1719 و1747 من جديد خمسين سفينة تجارية بسبب البربرسكيين وتمّ خطف ستمائة واثنين وثمانين بحّارا كعبيد. وفي منتصف القرن كان حوالي مائة عبد من أهل هامبورغ في الجزائر لا يزالون في انتظار الفدية.
غير أنّ المسيحيين من جانبهم لم يتصرّفوا مع رهائنهم المسلمين بشكل أفضل. ففي كل مكان من شواطئ الإمبراطورية العثمانية كانت أنظمة فرسان مالطة والقديس ستيفانوس من ليفورنو تسعى لاصطياد سفن المسلمين. “كورسو” هي الكلمة التي كان يطلقها فرسان مالطا على حملاتهم التي تتمّ مرّات كل سنة. كانت طواقم السفن تتعرّض للاستعباد وتفرض عليها السخرة.
“”أصبحت الجزائر وتونس وطرابلس في ثلث القرن الأخير للمحمّديين تماما مثلما كانت جزيرة مالطا للمسيحيين. فقد قامت تلك الدول بحروب مستمرّة ضدّ الأوروبيين مثلما فعل فرسان مالطة ضدّ المحمّديين” على حدّ قول الرحّالة إلى الشرق الألماني- الدانماركي المشهور كارستن نيبور. ويعتبر أحد أفضل العارفين بشمال إفريقيا في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر. وفي مجلّة المتحف الألماني يكتب نيبور كيف أنّه التقى في القاهرة مسلما روى له وصفا مرعبا لمعاناته عندما وقع في الأسر لدى فرسان مالطة. ” استمع الواقفون حوله من الرعاع باهتمام وقدّموا له صدقة ولعنوا من وقت لآخر فرسان مالطة أيضا باعتبارهم برابرة كفارا.”
“صراع الثقافات” في البحر الأبيض المتوسط
فرسان مالطا الذين يتمّ أسرهم من طرف المسلمين ينتهون عادة في المشانق فهم يعتبرون قراصنة في الامبراطورية العثمانية. أما بالنسبة للمسيحيين الأوروبيين فإنّ الحملات البحرية ضدّ المسلمين الكفرة تعتبر على العكس من ذلك مشروعة إن لم تكن واجبا دينيا. يبرّر فرسان مالطة هجوماتهم بـ”صراع الثقافات” (9) في البحر الأبيض المتوسط. في سنة 1664 وصل الفرسان الغزاة إلى تحقيق نجاح كبير بسطوهم على السفينة التركية “السلطانين”. ووقع في الأسر ثلاثمائة وخمسون رجلا. وكان من بين ما سباه القراصنة المسيحيون أيضا إحدى نساء السلطان وابنها. تمّ اختطاف الولد من أمّه وتعميده وتربيته على الدين المسيحي قبل تقديمه للدومينيكانيين. هناك حقّق الشابّ في ما بعد نجاحا تحت اسم “دومينيكو أوتومانو”.
أمّا أغلب المسلمين فكانوا مع ذلك يباعون من قبل أنظمة الفرسان في أسواق العبيد بمالطا وليفورنو ونابولي وبرشلونة، وكذلك في موانئ صغيرة مثل ميناء كالياري الإيطالي حيث كان القراصنة المسيحيون يضعون غنائمهم البشرية للبيع. كان جيوليلمو بريبوست أحد هؤلاء المحتالين الذين يسافرون للغزو قرب سواحل المغرب العربي حيث اشتهر باختطاف الأطفال. على ميناء كالياري مباشرة يقدّم أولادا وبنات للبيع من بينهم أطفال في سنّ الرابعة إلى السادسة وأحيانا حتى الرضّع. كانت رسائل الحملات البحرية (10) لملك سافوا تشرّع لبريبوست مثل هذا الفعل الشنيع.
كم عاش من العبيد المسلمين في أوروبا؟ ليس من السهل اليوم تقدير ذلك ولا توجد أرقام دقيقة. في نهاية القرن السابع عشر كان هناك في ليفورنو، التي يبلغ عدد سكانها إحدى وعشرين ألفا، تسعمائة عبد. أما في نابولي التي يقطنها حوالي ثلاثمائة ألف ساكن –واحدة من أكبر مدن أوروبا-، على ما يبدو عشرة آلاف عبد. ولكن كان من بينهم أيضا عبيد من إفريقيا السوداء.
لقاء والد غوته بعبيد مسلمين في ليفورنو
تعيّن على العبيد الذين سباهم المسيحيّون التجديف في زوارق البحرية الحربية أو العمل بحظائر الدولة أو مصانع السفن أو مقاطع الحجارة أو كخدم عاديين أو للوجهاء. كتب “يوهان كاسبار غوته” والد الشاعر المعروف في “رحلة عبر إيطاليا” عن زيارة لحيّ العبيد في ليفورنو سنة 1740. كانت المدينة الإيطالية الميناء الأهمّ لفرسان ستيفانوس التوسكانيين وقاعدة للكثير من القراصنة المسيحيين. “إنّها منطقة معزولة” يكتب “غوته” الأكبر عن البانيوس ” يتم فيها حشر العبيد والموقوفين للتجديف في الزوارق والذين يسمح لهم خلال النهار بكسب قوتهم في المدينة”. غير أنّه لم ير الجامع “التركي” وهو قاعة بسيطة يجتمع فيها العبيد للصلاة.
تصرّف القراصنة المسلمون والمسيحيون بحدّة كبيرة تجاه سفن الطرف الآخر. ولذا فقد بقي البحر الأبيض المتوسط غير آمن خلال ثلاثة قرون. فحتى في سنة 1787، أي إثر سبعة وأربعين عاما من الرحلة الإيطالية لأبيه، تخوّف “يوهان فولفغانغ فون غوته” من غزاة البحر الجزائريين عندما ركب سفينة فرنسية من صقلية إلى نابولي. ونجد صدى لاحقا لذلك الخوف في جملة ميفيستوليس في الجزء الثاني من فاوست : ” توجب عليّ أن لا أعرف الرحلة بالسفينة : الحرب والتجارة والقرصنة/ ثلاثة تتحّد ولا مجال للفصل بينها” (11).
هذه الثالوث المتحد هو ما عرفه أيضا “يوهان ميشائيل كيهن” القادم من غوتا والذي اختطف على متن سفينة تجارية من هامبورغ. حصل رئيسه في العمل على مال كثير من بيع البحّارة المخطوفين وتسلّم مقابل كيهن، الذي خدمه لسنوات دون راتب، في النهاية مبلغ خمسمائة وسبعين رايشستالر (12). دفع ذلك المبلغ القنصل الهولندي بالجزائر وجاء المال من عند وجهاء بلد كيهن ومن جمع التبرعات بغوتا وألتبورغ ومن صندوق تحرير العبيد بهامبورغ ومن ميراثه الشخصي. بعد أربعة عشر سنة وشهرين وسبعة عشر يوما انتهى استعباد كيهن. كان ذلك على حدّ قوله زمانا “تحمّلت فيه كلّ ما يقع تحت مسمّى المعاناة الإنسانية”.
غادر موطن معاناته على متن سفينة شراعية.”في 12 جويلية 1739 جدّفنا بفضل ريح مواتية بعيدا عن الجزائر الملعونة” يكتب كيهن. حملته السفينة إلى مرسيليا. وفي المدينة الساحلية الفرنسية يلتقي صدفة بحامد “الأسود” الذي تعيّن عليه العمل عبدا بمصنع فرنسي للسفن. تعرّف عليه كيهن في الجزائر خلال رحلة غزو وحصل عندها تبادل للأدوار. أصبح كيهن رجلا حراّ في حين صار حامد عبدا بعد أن أسره فرسان مالطا على ما يروى قبل ثلاث سنوات. “تمنيت له حظا سعيدا… وذكّرته بالمعاملة التي يلقاها العبيد المسيحيون البؤساء الذين وجبت عليهم المعاناة والتحمّل” يكتب كيهن.
في السادس والعشرين من ديسمبر سنة 1739 عاد إلى غوتا. لم تتوقف قرصنة البربرسكيين إلاّ باستيلاء الفرنسيين على الجزائر سنة 1830. غير أنّ أثر يوهان ميشائيل كيهن ضاع بسرعة. يبقى ثابتا فقط أنّه في سنة 1740، أي حتى قبل طبع كتابه “وصف عجائب الحياة والأسفار”، غادر مدينته الأصلية ليركب البحر من جديد.
عن صحيفة “دي تسايت” الألمانية
الكاتبة :Hauke Friederichs
المصدر : DIE ZEIT, 16.5.2012 NR.21
هوامش (المترجم) :
1) Gotha مدينة صغيرة بمقاطعة تورنغن شرق ألمانيا.
2) Cádiz بالأندلس جنوب إسبانيا.
3) Barbaresken تطلق على بلدان المغرب العربي خلال الفترة من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر.
4) Merkwürdige Lebens-und Reisebeschreibung
5) Bagnos ويعتبرها البعض سجونا أو “مخازن” للعبيد البيض لا سيما لمن هم على ملك “الدولة”.
6) Admiralität وهي أعلى سلطة بميناء هامبورغ من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر هدفها حماية السفن التجارية.
7) Hanseatisch نسبة إلى كلمة Hanse التي تعني “مجموعة”. وتطلق قديما على مدن هامبورغ وبريمن ولوبيك المعروفة بتجارتها البحرية والتي تحالفت من أجل حماية مصالحها المشتركة.
8) نهر الإلب Elbe يشق مدينة هامبورغ ليصبّ في بحر الشمال أما منبعه فهو بجبال تشيكيا.
9)  Kampf der Kulturen :رغم أنّ كاتبة المقال تضع المصطلح بين ظفرين إلاّ أنّ استعماله في مثل هذا السياق ربّما كان يحتاج إلى توضيح.
10)  Kaperbriefeوهي رسائل يقدّمها الملوك وتسمح لحاملها بمطاردة وتدمير أو إيقاف سفن الجهات المعادية وتسمى بالفرنسية Lettre de marque أو Lettre de course.
11) هكذا وردت في الأصل :
»Ich müßte keine Schiffahrt kennen: / Krieg, Handel und Piraterie, / Dreieinig sind sie, nicht zu trennen.«
12) Reichstaler: عملة ألمانية تعود إلى القرن السابع عشر.
رابط المقال:

ما بعد حمزة… تقنين الاستبداد الديني

“كتبت هذه التدوينة بطلب من فهد الحازمي و نشرت أولا في مدونة “سم ون

من الطريف التأمل في حقيقة أن إتاحة حرية التعبير تاريخيا هو الذي مكّن المفكّرين و الرسل من نشر رسالاتهم و أفكارهم،  أين كان سيصبح الإسلام اليوم لو لم تتح فرصة لحامل الرسالة في التعبير و نشر رسالته و في الاجتماع و التحالف مع أتباعه و ممارسة حقهم في الاعتقاد و التصرّف؟  هل توقّع أحدنا اليوم بعد أن ساد هذا الدين أن تستخدم أحكامه ذريعة لكبت حرية التعبير لكل مختلف و قمع حرية الاعتقاد؟…

“و ما عليّ إذا ما قلت معتقدي… دع الجهول يظن الحق عدوانا”… ابن عربي

المدخل لمفاهيم حرية التعبير و الاعتقاد يمكن تلخيصه بالسؤال التالي:”هل يضرّ أي إنسان أن يحمل غيره رأيا أو اعتقادا مخالفا لرأيه أو لقناعاته؟” الإنسان هنا ليس سياسيا يمثّل الحكومة و ليس نائبا عن عموم الناس يقرر عنهم صناعة السياسات العامة، الإنسان هنا فرد يقرر فقط في فضائه الخاص قناعاته و ممارساته الذاتية، الإجابة عن هذا السؤال ستحدد الموقف العام من حرية التعبير أو الاعتقاد…

القبول بمبدأ حرية التعبير و الاعتقاد قائم على قاعدتين أساسيتين: أولا أن اختلاف العقائد و التوجهات أمر حتمي لايمكن تفاديه في أي مجتمع بشري، و ثانيا أن التعاطي السلمي مع الاختلافات العقائدية هو الوصفة الأمثل للعيش المشترك، صناعة الإسلام عبر الفرض أو القانون غير ممكنة، حتى في السعودية التي تحشد كل مواردها نحو هذا الهدف، لم يوجد بعد أي مجتمع متماثل عقائديا حتى في حياة صاحب الرسالة نفسه، التنوع الفطري في قناعات الناس و اعتقاداتهم يعترف به أي مجتمع تجاوز عقدة الاستنساخ الديني القسري لكل أفراده، فلا يمكن زرع الإيمان في القلوب و فرضه على النوايا بقوة السلطة و رعاية رجال الدين، الدين ليس لقاحا نلقّمه لأطفالنا خوفا من “خلية إلحاد”  أو نقاش فلسفي محتمل، و في نصوص الوحي نفسه و سيرة حامله ما يكفي من الأدلة  لمساندة هذه الحقيقة…

يبقى هنا – بعد التسليم بحتمية اختلاف العقائد و ممارسات الإيمان- تنظيم العلاقات العامة بين البشر في مجتمع يحفظ لهم حق ممارساتهم الدينية من التشويه أو الانتقاص، وهو هنا جوهر المحاولات المدنية لاحتواء الاستبداد الديني، التهويل الساذج لخطر الإلحاد أو الاختلاف الذي يمارسه البعض خوفا على “ثوابت المجتمع” غير دقيق، منبعه في الأغلب الحرص على مناطق نفوذ رجال الدين و بعض المتنفّذين، يوفّر الدين قدسية ما و حصانة تمنع من المساءلة عن غياب الحقوق العامة و الخاصة، و على العكس تماما فالمشتركات العامة بالمجتمع و التي تمسّ العلاقات بين الناس لا تتعلق بإيمان أي فرد أو مسؤول من عدمه، و إلا لما وجدنا دولا “كافرة” تتحقق فيها معايير الرقي و الأمن و العدالة الاجتماعية على افضل ما يحفظ الكرامة الإنسانية و دولا “مسلمة” تشيع فيها ثقافة الغابة و غلبة المتنفّذ و التعدّي بلا مساءلة على النفس و المال و الكرامة، و ليس بعيدا –على سبيل المثال- ما تعاني منه مجتمعات إسلامية نتيجة لمأسسة الوصاية الدينية و فرضها على الناس بالرغم من عواقبها المؤلمة، الأمثلة تتجاوز نموذج الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى عشوائية و تحيّز القضاء المذهبي و تقديس الحاكم و تسييس الفتاوي ضد عموم الناس لخدمة مصالح الطبقات المتنفّذة، الفضاء العام هو منطقة المصلحة المشتركة بين عموم الناس، وهوعقد اجتماعي متغيّر بحسب المستجدّات لتحقيق متطلبات العيش الكريم بغض النظر عن الهوية الدينية للمجتمع ككل أو لأفراده، “أقصى” ما يبحث عنه أي مواطن في الفضاء العام هو الأمن من الخوف و من الحاجة و تحقيق معايير الكرامة الإنسانية و ليس حماية دينه من شخص مختلف في الاعتقاد، في كل زاوية في بلادنا عامل مسيحي أو بوذي أو غيره ولم ينقص من إسلام أحد شيئا، لا يشترط الإسلام في إقرار العقد الاجتماعي ولا  مباركته من كبار العلماء أو المشايخ، و يبقى جوهر الإيمان و محله في ممارسات الفرد و قناعاته الخاصة، النيّة الخالصة في الأعمال كلها -و ليس الإكراه و الفرض بالأنظمة و القانون- هي أساس الثواب و العقاب الإلهي…

الاعتراف بالكرامة المتأصلة في كل أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، أفضى تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، غاية ما يرنو إليه عامة البشر هو انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة و التحرر من الفزع والفاقة” ——- المدخل للإعلان العالمي لحقوق الإنسان

في هذا الموسم الحاسم للعالم العربي حيث ترتفع أصوات المطالبين بالإصلاح خشية تحويل الوطن إلى كهنوت لا ينتهي استبداده سوى بثورة تطيح بالأخضر و اليابس، ينحاز مجلس الشورى –كالعادة- إلى سياسة العصر الحجري في تجريم الاختلاف في التعبير و الاعتقاد،  يدرس الآن في المجلس مقترح نظام لفرض “عقوبات رادعة” على من يمتهن أو يقلل أو يتطاول على المقدسات، في صيغة عبارات المقترح التجريمية و الرادعة ما يغني عن تفاصيله، مشكلة مقدساتنا التي ترعاها الأنظمة السابقة و المقترحة أنها لا تتوقف عند حدود العقد الاجتماعي، بل تمتد لتشمل المال العام و مسؤولي الدولة و المشايخ و فتاويهم و منتسبي الهيئات الدينية و كل ما يمس مناطق النفوذ المتخمة بالتجاوزات، شرعنة الاستبداد الديني لا تعني فقط فقدان الفرصة الذهبية في حادثة “اختطاف و اعتقال” شاب تجرّأ على البوح بما في قلبه بدلا من تعزيز الحل السلمي للنزاعات، و لكن المضي نحو سياسات الانجراف إلى الهاوية في مجتمع انشغل علماءه بتصنيف جنوني لعقائد البشر إلى “ديني: مواطن صديق، و لا ديني:  خائن عدو”، لن تتوقف محاكمة العقائد و النوايا عند محرقة حمزة بل ستتحول إلى مزايدة شعبية، يدخل فيها رجل الدولة لتأكيد شرعيته و السياسي لحصد ولاءات جديدة و اللامتحيز من الناس لتأمين جبهته الضعيفة، كم فرصة تتسرّب من أيدينا نحو المدنية؟ المجلس العاجزعن إقرار نظام يحمي الضعفاء و العاجزين بيننا من الإيذاء بعد 5 أعوام من المداولات لا يستغرقه تقنين صلاحية النوايا و أصالة استنساخ العقائد في شبابنا و مواطنينا سوى شهرين…

هل سينجح النظام المقترح في قمع كل حمزة بيننا؟ كم هاربا ستعيده قسرا طائرات المباحث؟  كم سجينا ستقوم وفود و لجان المناصحة -التي يدفع معاشاتها شعبا لا يجد وظيفة أو سكنا- بالتصديق على توبته؟ كم قضية سينشغل بها الرأي العام لشخص جريمته أنه لا يحمل نفس الاعتقاد و القناعات؟ و الأهم هل سيقوى الإسلام و يثبّت المجتمع ركائزه كلما أطحنا بشاب يبوح و يصرّح بما يعتقده؟ أي معايير ستتحوّل قانونا لتعيين الثوابت؟ أي عقوبات ستوضع لفرد يصرّح بما يخالج قلبه و ما يعتقده؟ لا يصعب كثيرا تخمين الإجابة في بيئة أدمنت ثقافة العقاب و غلبت فيها ذهنية التحريم و فقه سدّ الذرائع…

“من يطالبون بأن تتولى الحكومة تنظيم شؤون العقل و الروح أشبه ما يكونون برجال يخشون بشدة أن يقتلهم شخص ما فيهربون منه بقتل أنفسهم”———- هاري ترومان