الحياة على الهامش… مشكلة البدون

كتبت هذه التدوينة بطلب من نواف القديمي و محمد العمر (لدعم قضية البدون في الخليج)

هذه التدوينة لا تناقش قضية معينة من قضايا سحب الجنسية في دول الخليج، و الهدف منها ليس الدفاع عن القضايا الشخصية للبدون (الأشخاص بلا جنسية) و التي لا نعرف في العادة تفاصيلها بقدر ما هي مناقشة لإحراء سحب الجنسية كعقاب تمارسه الدول ضد بعض المواطنين…

برزت مشكلة البدون أو الأشخاص بلا جنسية في أعقاب الحروب العالمية و كنتيجة حتمية للجوء السياسي و الاقتصادي، و كحل لها عمد المشرعون في القوانين الدولية إلى حماية حق الفرد في جنسية بلاده أو في البلاد التي لجأ إليها للضرورة، و بحسب الميثاق الدولي لحقوق الإنسان في العام 1948 ينص البند 15 بفقرتيه الأولى و الثانية على حق كل فرد في الحصول على الجنسية و على رفض نزع الجنسية التعسّفي من اي مواطن أو إجباره على عدم تغيير جنسيته إن شاء، و بذلك فضّل واضعي العهد الدولي حماية مصلحة الفرد على حماية الصالح العام لأي دولة في تقرير حق الجنسية أو تغييرها، و الهدف من هذا الحق في الجنسية بحسب المعايير الدولية -و التي أقرتها دول الخليج فيما عدا التحفّظ في توريث الجنسية لأبناء المواطنة المتزوجة من أجنبي أو منحها لزوجها – هو التقليل من ظاهرة وجود أشخاص بلا جنسيات و القضاء المستقبلي عليها،  وجود أشخاص بلا جنسيات عامل رئيسي للعنف في أوضاع البدون المعيشيّة و في نشوء النزاعات بين الدول… و كانت المفارقة أن الأمم المتحدة احتاجت إلى ثلاثة عشر عاما لإقناع الدول الأعضاء بهذا الحق الفردي منذ إقراره نتيجة لمقاومة سلطات الدول الأعضاء التخلي عن سيادتها في تقرير الصالح العام لأجل مصلحة الأفراد من مواطنيها و مصلحة الدول الأخرى…

في الوقت الحالي تتحدّد سلطة الدولة في نزع الجنسية في حالات محدّدة مثل الغش و التزوير في التقديم على الجنسية أو في حالات محدّدة في دستور الدولة كالخيانة العظمى أو الاعتراف بالولاء لدولة عدوّة أو الإرهاب، و التهمة الأخيرة من التهم التي تمت إضافتها للقوانين المحليّة كإجراء وقائي في الألفية الأخيرة، أما الدول التي تنصّ قوانينها صراحة على نزع الجنسية كإجراء عقابي فهي المملكة المتّحدة و إسرائيل، بينما تعمد بعض الدول إلى نزع الجنسية بعد ضمان حصول الشخص على جنسية أخرى كما في فرنسا مثلا، و لا تضمّ قوانين الدول الخليجية أي نصوص تنظيمية قانونية لإجراءات نزع الجنسية ربما لعدم تطوّر الأنظمة الدستورية و التشريعية بعد في تحديد علاقة السلطة بالفرد…

العنف الذي تسببّه ظاهرة البدون (اللاجنسية) بين الدول يتلخّص في النزاعات بين الدول، فبينما تكسب الدول الأصلية للبدون بعض المكاسب السياسية التي تضمن تعزيز قوّتها بالقضاء الجذري على أي معارضة إمّا بالتخلص من المعارضين أو زرع الخوف من أي مقاومة مستقبلية، فإنها تعمد أيضا إلى تقييد الحريّات الشخصيّة وإنفاق جزء كبير من الدخل القومي على الأمن الداخلي لضمان مراقبة المعارضين و رصد نشاطهم إما داخل أو خارج حدودها، هذا عدا عن خسارة الدولة لمفكّريها و نخبتها الثقافية و الفكرية و التي ممن الممكن احتوائها لتطوير الدولة و استمرار نضجها، كما يصبح على الدول المضيفة للبدون التأقلم مع اختلاف ثقافتهم و قيمهم عن الثقافة السائدة فيها، و غالبا لا يمكن إدماج البدون ضمن المجتمعات المضيفة أو الاستفادة منهم في التنمية و في الوقت نفسه لا يمكن إعادتهم أو التخلّص منهم بترحيلهم لدول أخرى – بحسب قوانين اللجوء السياسي- كحماية للمجتمع المضيف و لقيمه السائدة …

أما الأشخاص بلا جنسية فتتلخّص مشكلاتهم في عدم قانونية أوضاعهم في الدول المضيفة و عدم ضمان حقوقهم لعدم وجود أوراق ثبوتية أو قانونية، فالمشكلة أن الحصول على الحقوق الطبيعية و الأساسية كالعلاج و التعليم و العمل و السكن و الضمان الاجتماعي و ما إلى ذلك مرتبط قانونيا بالحصول على الجنسية حتى في الدول المضيفة، أما أن يكون الشخص بلا جنسية فلا يوجد ما يلزم الدولة المضيفة بتقديم أي خدمات له كمواطن معروف لدولة أخرى تربطها بها اي علاقات أو التزامات دولية، و بالتالي فلا يحصل البدون على أي خدمات عامة أو حقوق في الدول المضيفة إلا بمقدار احترام هذه الدول لأبسط مباديء حقوق الإنسان، و يصبح البدون و أطفاله على هامش المجتمع المضيف كما يحدث في الكويت مثلا، فهو غير قادر بسبب انعدام الأوراق الثبوتية على تغيير حالته المدنية كالزواج مثلا أو امتلاك أي شيء أو العمل النظامي أو المشاركة في أي حقوق مدنية أو سياسية في البلد المضيف، وهو يعيش في خطر انكشاف وضعه و ترحيله إلى دولة أخرى في اي لحظة مع استمرار معاناته في الدول المضيفة، كما أن القانون الدولي لا يمكن تطبيقه على الأشخاص بلا جنسية لإعادة حقوقهم بل يتم تطبيقه على مستوى الدول فقط، و لهذا الغرض أنشيء مكتب المفوّض العام لشؤون اللاجئين في 1950 لحماية اللاجئين، و تمّ عبره إقرار معاهدة حماية اللاجئين في 1954و التي تنصّ على حق اللجوء للأشخاص بلا جنسيات (البدون)، و تلزم الاتفاقية الدول المضيفة بمنح البدون حقوق مماثلة -على الأقل- لحقوق المقيمين نظاميا في الدولة إن لم تكن مماثلة لحقوق المواطنين، و على الأخص الحصول على الحقوق التالية: حق التقاضي في المحاكم، حق التعليم الأساسي، حق الدعم الغذائي الأساسي، الحق في العمل اليدوي و الصناعي، الغوث الاجتماعي (الخدمات العامة)، حق العمل و الضمان الاجتماعي، و حق ممارسة الديانة… و لم تنصّ الاتفاقية على دمج الشخصيات بلا جنسية (البدون) في المجتمع المضيف أو السماح لهم بالمشاركة السياسية و إن شجّعت الدول المضيفة على توطين البدون بأقل التكاليف و العقبات الممكنة، و كان هناك اقتراح بمنح جنسية تابعة للأمم المتحدة لحل مشكلة البدون و لكن لم يتم، و بدلا منه أصبح من الممكن الحصول على أوراق رسمية للبدون للسفر و التنقل عبر الأمم المتحدة و أيضا لتوكيل مكتب الأمم المتحدة في التقاضي نيابة عنهم لدى الدول الأعضاء…

يبقى أن حماية الحقوق الأساسية الفردية في كل دولة و بالأخص الحق في حرية التعبير هو العامل الأهم في مكافحة ظاهرة البدون لأنه السبب الرئيسي في معظم حالات نزع الجنسية، و أن البديل المتاح حاليا على المستوى الدولي هو إلزام كل الدول بمنح حقوق أساسية متساوية لكل الأشخاص المقيمين على أراضيها بما فيهم البدون ضمانا لعدم حدوث المضاعفات الإنسانية المؤلمة و النزاعات الدولية و الفردية الناشئة عن مشكلات انعدام الوثائق أو التعسّف في المعاملة…

و في دول الخليج خصوصا تبرز مثل تلك المشكلات الصراع الحادث بين السلطة الرسمية و بين المجتمع المدني بمفكّريه و جماعاته،  وهو صراع لتطوير مفاهيم و قيم الدولة للانتقال من عرف القبيلة الذي ينفي الخارجين على سلطة كبارها إلى قم الدولة الحديثة، فقط في الدولة الحديثة التي تلتزم بالمواثيق الدولية تصبح حقوق الإنسان هي الضمانة الأهم في كسب ولاء المواطن لقيادته، و يصبح دعم الحكم الرشيد بالنقد و الشفافية هو الهدف من المجتمع المدني المسؤول، فلاشيء يكسب دعوات المعارضة المصداقية و الشعبية  أكثر من اعتبار حق الجنسية مكرمة يمكن نزعها متى ما تم نقد النظام أو مخالفة رأيه…

روابط ذات صلة:

البدون في الكويت

نزع الجنسية عن دعاة الإصلاح الإماراتيين

قصة نزع الجنسية عن آلاف من قبيلة آل مرة من قطر

برنامج في العمق: البدون في دول الخليج

One Response to الحياة على الهامش… مشكلة البدون

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s