السجين 32… قراءة في سيرة حياة محمد سعيد طيب

السجن ليس فقط ذلك الحصار الفيزيائي الذي يمنع عنك تفاصيل الحياة و يعزلك عن كل من و ما تحب، السجن هو أن تعلم أنك تعيش “في سجن كبير” و أنك لا تستطيع أن تهرب منه، الفرق حدود السجن فقط، سجنك الكبير سيصبح أصغر كلما ازددت مقاومة و رفضا، عالمك ذاته مصمّم كسجن، يملك سجّانوك المسجد و المدرسة و الجريدة و التلفزيون و الوظيفة و القانون و المحكمة، يملكون القبيلة التي ستتبرأ منك و تنبذك، و يملكون نقلك بين سجنك الصغير و الكبير كلما أوقفت رفضك و مقاومتك و أعلنت عجزك اليائس…

“إن أردت أن تقتل شيئا فلا تفعل أكثر من عزله و محاصرته”: تقول ايلف شفك عن جدتها التي تعالج الناس بمحاصرة الأرواح الخبيثة و الأوجاع و تركها وحيدة منبوذة حتى تموت… إن لم يقتلك الحصار و العزلة فلأنك تملك تشبثا بالحياة لم يمت بعد…

السؤال الذي لا يراوح عقلك عند مشاهدة وحشية العسكر و السلطة في مواجهة المقاومين في ساحات الربيع العربي: في ميدان التحرير و دوّار الإرادة و ساحة التغيير و دوّار اللؤلؤة: ماذا يمكن أن يحدث إن قاوم مواطن بسيط السلطة؟ هل تشفع له سلميته؟… ماذا يمكن أن يكون ثمن حلمك المشروع في عدالة اجتماعية و دستور و إعلام حر و مسؤلين منتخبين يمكن مساءلتهم بلا قيود؟ ماهو ثمن خطاب مطالبة تكتبه أو توقّع عليه لمن يملك الأمر؟…

“السجين 32” يمنح القاريء فرصة لاختبار واقعية هذه الأسئلة، النضال قديم يسبق عمر السجين “محمد سعيد طيب“، و الحلم المشروع الذي لم يتحقق بعد برغم هذه الرحلة الممتدة عبر عدة عقود…

يقع الكتاب في 400 صفحة تقريبا و اثني عشر فصلا بخلاف الملحقات و الهوامش، حواشي الكتاب تقدم إضافة ثمينة للتنقيب في خلفيات الأحداث و الشخصيات تاريخيا … يسجل كتاب “السجين 32” تاريخا لم يبارح كثيرا قلوب الرجال، في صفحاته الأولى لمحات من مكة و حاراتها و صناعة الرجال في الحجاز القديم، هناك قصة يوردها لقاض يعاقب و يوبّخ وجيها لتعاليه على خادم يمني، يلهم القاضي الحجازي بعدالته محمد سعيد طيب “السجين 32” لحلم دراسة القانون بعد عقود، تنقلك الحكايات الأولى لمدارس الحجاز القديمة: الرحمانية و الثغر و سواها، و تندهش و أنت معاصر للألفية الثانية من حضور الأدب و الفن و السينما في المقرر الدراسي… و تتأكد من مكانة العلم بين الحجازيين حين أنشؤوا جامعتهم الأهلية قبل سنوات عديدة من وصول التعليم العالي الحكومي في المنطقة… رجال الفترة يمرون على الصفحات أمام ناظريك في لمحات سريعة تكشف الكثير… أمير المنطقة الذي لا يحب من “يخصره” إن طلب إخلاء عقار، أمسيات الاحتفاء برجال الأدب، محمد علي حافظ يدعو في مقال له في بداية الستينات للتوزيع العادل للموارد بين المناطق لأن “جدة تستاهل”، اجتماع الفكر و الثقافة في مجلس الثلاثاء… ثم بزوغ الثورة الناصرية و حلم القومية العربية الذي جعل طيب المقاوم الشاب –وقتها- ينضم لحزب الجبهة العربية لتحرير الجزيرة العربية-  في القاهرة…

يحملنا الباب الثاني للمحنة السياسية الأولى في حياة السجين عام 1964 بسبب قرار انضمامه لجبهة التحرير، و يرسم الكاتب المشهد السياسي السعودي وقتها عبر أول اقتراح مقدّم من الكاتب عزيز ضياء لإنشاء نظام للحكم و لجنة لمشروع القضاء، و يتطرق لمقال منشور لمحمد سعيد طيب يطالب فيه بمجلس شورى منتخب بعد وعد الأمير فيصل بإرساء نظام للحكم، يعلّل الكاتب حالة الانفتاح السياسي وقتها برغبة الملك فيصل بكسب النخب الفكرية و فرز توجهاتها السياسية في الوقت نفسه، و ما تلا ذلك في العام 1964 من اعتقال 70 مواطنا من المدن الرئيسية الثلاث من مختلف التيارات، كما يسرد الكاتب شهادات قيّمة منقولة عن أبرز معتقلي تلك الفترة: محمد سعيد طيب و باقر الشماسي تشمل تفاصيل اعتقالهم و محاكمتهم و أسماء المسؤولين في ذلك الوقت… تبدو الكتابة و التوثيق هنا كرد فعل لتحقيق عدالة غائبة ولو بعد حين…

الباب الثالث يتناول تجربة محمد سعيد طيب الأولى في السفر خارج المملكة و منها ابتعاثه القصير لأمريكا، و تستعرض بعض الانعكاسات الشخصية حول أحداث المرحلة كالنكسة و وفاة معلمه محمد فدا و أول حضورله لحفلة لأم كلثوم و الحياة الطلابية للسعوديين في أمريكا و غلبة القضية الفلسطينية وقتها على النشاط الطلابي…

يسرد الباب الرابع المحنة الأولى الحقيقية في حياة محمد سعيد طيب: سنوات الألم و العزلة التي خرج منها لا يعرف المشي… كانت البداية في اعتقاله عام 1969 أثناء أول إجازة دراسية له في الوطن، و يظهر اسم عبد العزيز مسعود مدير عام المباحث وقتها بالمملكة في مشهد بليغ يرفض فيه توجيه اتهام رسمي للسجين: “لو حللوك لوجدوا كل خلية فيك تكن العداء لهذا النظام، أنت لست في حاجة لاتهام و لن يوجه لك اتهام و لن تحاكم” و هذا ما كان، اعتقل طيب مع مئات غيره في تلك الفترة، و يعرض الكاتب لتفاصيل تعذيبه أثناء الاعتقال و منها حرمانه من النوم لثلاثة أيام متواصلة لتوقيع اعتراف، و يعرض الكتاب أيضا لقصص بعض سجناء المرحلة و أسباب اعتقالهم، و يورد جملة لطيفة على لسان طيب غالبا ما تتكرر في سير المعتقلين السياسيين: “لم أفكر بالانتحار أبدا و كنت أقول لهم إذا لم تتخلصوا مني فلن أتخلص من حياتي”… يظهر في نهاية الباب تحليل قيّم عن رؤية طيب لإيجابيات و سلبيات الحكم في عهود الملك فيصل و سعود و خالد، و ينتهي الفصل بعبارة طريفة من السجّان عبد العزيز مسعود لطيب في لقاء لهما بعد الإفراج عنه “روح… الله لا يردّك”…

يستعرض الباب الخامس تجربة محمد سعيد طيب في إنشاء تهامة و تصدرها للمشهد الثقافي الوطني عبر عقود مع الوزارات الرسمية و الهيئات المختلفة، و يكشف فيه طيب عبر لقاءاته الاجتماعية المختلفة وجوها متعددة لرجال المرحلة كوزير الإعلام السابق علي الشاعر و سلفه جميل الحجيلان ووزير المالية محمد أبا الخيل، كما تأسر القاريء قصة الأديب النبيل عبدالله عبد الجبار صاحب سلسلة “التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية” و رفضه لشيك الخمسة مليون ريال الذي لم يصرف أبدا برغم حاجته…

تحت مسمى: “يستدعى بصفة خاصة” يتطرق الباب السادس إلى مقال منشور لمحمد سعيد طيب في مجلة المجلة عام 1984  حول خطورة المثقفون المزيفون على العلاقة بين الحاكم و الناس، كما يتطرق إلى أصداء المقال على القيادة السياسية في عهد الملك فهد وقتها، و يسرد آراء طيب حول دور المثقفين و الثقافة في صناعة الدولة الحديثة و رأيه في حركة تمكين المرأة السعودية، ويختم الكاتب الباب بعرض مقال جدير لمحمد سعيد طيب لرئيس تحرير مجلة اليمامة وقتها د. فهد العرابي الحارثي بعنوان “نعم… المثقف السعودي شاهد ما شفش حاجة”! …

حكاية “العريضة المدنية” في عام 1990 هي محور الباب السابع، و ينسب الكاتب العريضة لأبوها الروحي الشيخ أحمد صلاح جمجوم، ثم يتطرق لمراحل صياغة العريضة مضمومنا و أهدافا و مطالبها العشرة و التي تتلخص في نظام أساسي للحكم و مجلس شورى منتخب و نظام للمناطق (المقاطعات)…  كما يعرض الكاتب أيضا لقصة قيادة النساء للسيارات بحسب رواية منشورة للدكتورة عزيزة المانع في 2004، ويتيح للقاريء قراءة نص العريضة كاملا في ملحق الباب السابع…

الباب الثامن و التاسع من الأبواب القصيرة التي تتناول مواقف محمد طيب من أحداث محددة، يتناول الباب الثامن موقف محمد سعيد طيب من حرب تحرير الكويت و تداعياتها و ظروف كتابه (مثقفون و أمير)، و يعرض لآراء محمد سعيد طيب في الجو الإعلامي المقيّد في مرحلة التسعينات و نتائج عصر الطفرة ، و يختم الباب بمقولة جامعة له: “للأسف تبدو أمراضنا الاجتماعية و كأنها أمراض وراثية تنتقل من جيل لآخر، و كأن الجرثومة بداخلنا عصية لسبب أو لآخر على محاولات العلاج أو نواياه!”… في الباب التاسع يستعرض الكاتب بالتحليل مقالا منشورا لطيب عام 1992 في مجلة روز اليوسف عن قراءته للأنظمة الثلاثة في السعودية: النظام الأساسي للحكم و نظام الشورى و نظام المناطق…

يعود الباب العاشر ليعرض تجربة اعتقال جديدة لمحمد سعيد طيب لمدة 77 يوما في سجن الحائر سيء السمعة على إثر رسالة ساخرة وجهها لصديقه عضو مجلس الشورى في ذلك الوقت و تم تداولها حتى وصلت للملك فهد و الذي أمر باعتقاله بعد تدخل من بعض المشايخ…

في الباب الحادي عشر يتطرق الكاتب لتأثير حادثة سبتمبر 2001 على الجو السياسي في المملكة و مقابلة محمد سعيد طيب في قناة الجزيرة حول الحادثة… و يتناول الكاتب موضوع “خطاب الرؤية” في مطلع 2003 و أسبابه، و ما تلاه من صدور لبيان “الملكية الدستورية” و هي الدعوة المتكررة منذ الستينات، و ردود فعل النظام حول البيانات كوسيلة للمطالبة الشعبية، و يحكي الكتاب قصة اعتقال الطيب لمدة أسبوعين على خلفية لقائه لمجموعة الإصلاحيين بالرياض و قصة التعهد الذي رفض التوقيع عليه و مجموعة القيود المفروضة عليه وقتها و المثيرة للتأمل: عدم الظهور الإعلامي، عدم المشاركة في المناسبات الكبيرة أو تلبية دعوات التكريم… و الطريف أن طيب تفادى المواجهة المباشرة مع السلطات برغم استمرار مشاركته في البيانات و الدعوات الثقافية و فتح مجلسه الفكري في أيام مختلفة… و يتطرق الكاتب لعلاقة طيب مع المفكر محمد حسنين هيكل و أتوقف هنا عند عبارة واسى بها هيكل الإحباط الذي لمسه في طيب من تعثر مسيرة الإصلاح: “الإصلاح عملية تراكمية… حتى كلمات الخائفين تصنع التاريخ و تغيّر مجراه”… كما يحكي الكاتب أيضا تجربته في المنع من السفر لمدة 5 سنوات و رأيه في تجربة مركز الحوار الوطني و جمعية و هيئة حقوق الإنسان و الانتخابات البلدية و علاقته بالشيعة و التيارات الإسلامية و الليبرالية، و يتطرق أيضا لرؤيته لعهد الملك فهد ككل و العهد الحالي للملك عبد الله و الذي تميز -برأيه – بالكثير من الإيجابيات… يختتم الفصل الحادي عشر بمجموعة وثائق هامة لبيانات المرحلة كخطاب التضامن مع الإصلاحيين المعتقلين و الدعوة لقيادة المرأة للسيارة و الإصلاح الدستوري من جديد…

يلمس القاريء في الفصل الأخير عمق المقاوم محمد سعيد طيب: رسالته الإنسانية و ما يمثله له السجن والمنع من السفر، و أيضا مشروعه القومي العربي:”هكذا نحيا و هكذا نموت”… لم يقل محمد سعيد طيب في هذه المحاولة كل شيء –بحسب تصريحه- لكنه قال لنا ما يكفي حتى نعرف أن هناك أشياء لا يمكن عزلها حتى الموت، و أن هناك تواصلا ما بين أرواح المقاومين و أن ربيعا عربيا ينتظرنا و إن طال الخريف…

يبقى أن أقول أن قراءة الكتاب و إن أثارت في نفسي الكثير من المشاعر و التعاطف و الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية إلا أن شيئا لن يعادل شعوري بالتقصير بعد حوار قصير دار بيني و بين السجين الحر محمد سعيد طيب إثر قراءة الكتاب، ذكر لي فيه أن كلمة تقدير و دعم بسيطة هي أقصى ما يمكن أن يسعده بعد هذا المشوار، و أنا هنا أهديه كل الحب و التقدير -برغم منعه من تلبية دعوات تكريمه- لحمله بالنيابة عن وطن كامل همنا و طموحنا و الدعوة لحرياتنا و إن خسر في سبيل ذلك حريته  …

تحديث في الثالث من يناير 2012

توجّه الناشط الحقوقي محمد سعيد طيّب لمطار جدّة مغادرا للقاهرة لحضور حفل زواج ابنته الكبرى الشيماء، و اكتشف وقتها أنه ممنوع من السفر… أثار الموضوع استغراب الكثرين ممن تابعوا بقلق زيادة الإجراءات الأمنية في التعاطي مع دعوات الإصلاح و ربطوا منع طيّب من السفر بتوقيعه الأخير على بيان يطالب فيه بإطلاق سراح معتقلي جدة و القطيف ردما للفتنة الطائفية و ضمانة لحرية التعبير عن الرأي و عدالة المحاكمات، و أنشأ المغردون على تويتر هاشتاج خاص لمتابعة موضوع منع طيّب من السفر

#tayebms

 و يبقى طيّب حتى كتابة هذه السطور في المستشفى إثر وعكة صحية ألّمت به بعد سماع خبر منعه من السفر… تمنياتي له بالشفاء و استعادة حريته المسلوية

الديمقراطية للمبتدئين

اكتشفت فجأة أن هناك لبسا إعلاميا ما و قياديا في مفهوم الديمقراطية، وهو لبس مفهوم في الحقيقة لانعدام الأمثلة و النماذج الديمقراطية العربية،  ور بما لكثرة معايرتنا بانعدام الديمقراطية فيعمد البعض منا إلى تخيل وجودها في حياتنا أو اختراع مصطلحات سياسية مطبوخة لوصف ما نحن فيه قد لا تمت للأصل بصلة … و سأحاول هنا توضيح مفهوم الديمقراطية كما ترد في التصنيفات السياسية المتعارف عليها بعيدا عن المفهوم الملتبس الخفي أو الصامت…

ظهرت الديمقراطية كمفهوم سياسي حديث للمرة الأولى في القرن السادس عشر (1576)، و هي ببساطة تعني حكومة منتخبة من الشعب، و بحسب تعريف قاموس أكسفورد للمصطلح: “نظام لحكم الشعب عبر انتخاب أعضاء شرعيين للحكم”، أو “أي نظام للحكم يمثّل أغلبية الشعب”…و في تعريف مهم آخر “الديمقراطية هي تطبيق مباديء العدالة أو المساواة الاجتماعية”… وهو نظام للحكم يضمن أن تدار شؤون البلاد عبر مجموعة منتخبة في انتخابات حرة تمثّل إرادة الشعب… تمت تجربة الديمقراطية عبر مراحل متعددة تاريخيا من أثينا القديمة و حتى وقتنا الحالي منذ إعلان توماس جفرسون لاستقلال الولايات المتحدة  في 1776… الديمقراطية لا تعني الحرية و لكنها تستند إلى مباديء الحرية في تطبيقاتها، لذلك يتميز أي نظام ديمقراطي بدستور (عقد اجتماعي بين الحكام و الشعب) معبّر عن إرادة الشعب، و بحماية لحقوق الإنسان و بالمساواة بين الناس أمام القانون، و يصبح من يدير شؤون البلاد نائبا عن الناس بصفته المنتخبة لإدارة مصالحهم…

و النظام الديمقراطي لا يعني أن الأغلبية في اختيارها للحكام قد تهمّش أو تتجاهل حقوق و مصالح الأقلية، فالدستور و العقد الاجتماعي يفرض على الحكام ضمانات لحماية حقوق الناس بمن فيهم الأقليات و من لم يتم استشارتهم أو إدماجهم في العملية الانتخابية، لذلك تفرض الديمقراطية حماية مصالح كل المواطنين بمساواة و بلا تمييز عبر التحاكم إلى قوانين و مؤسسات الدولة…
المجتمع الديمقراطي هو أكثر من مجرد دستور و إجراءات و قوانين مكتوبة تنص على الديمقراطية و كيفية إدارة شؤون البلاد، في المجتمع الديمقراطي تصبح الحكومة مجرد عامل واحد في تركيبة المجتمع، و يصبح هناك عوامل أخرى و أدوارا مختلفة يلعبها الأفراد و الجماعات و الأحزاب، هذا ما يطلق عليه “التعدّدية” و هي الميزة التي تمكّن كل فئة من رعاية مصالحها باستقلال و بالعمل عبر مؤسسات الدولة المختلفة لتدعيم تلك المصالح، أمثلة ذلك: نقابات العمّال، مؤسسات حماية البيئة، و المؤسسات الغير حكومية في المجتمع المدني مثلا، وهذه المؤسسات كلها في نظام الحكم الأوثريتاري أو “الديمقراطية الصامتة مثلا” شبه مشلولة بسبب التحكم التام فيها من قبل الحكومة بمنحها و منعها من تراخيص العمل و مراقبتها و محاسبة الحكومة لها على الأداء….

أعمدة المجتمع الديمقراطي الحقيقي يمكن تلخيصها كالتالي: سيادة الشعب، الحكم باتفاق المحكومين، حكم الأغلبية و ضمان حقوق الأقلية، ضمان الحقوق الإنسانية الأساسية، الانتخابات الحرة و النزيهة، المساواة أمام القانون بين الأفراد بلا تمييز، و سيادة القضاء و القانون، تحديد صلاحيات الحكومة في الدستور، التعددية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، و دعم قيم التسامح و الواقعية و التعاون و قبول التفاوض بين مصالح الفئات المختلفة  …

#SamarAlmiqrn مع تمنياتي بنظام ديمقراطي حديث يصبح الحكم فيه عبر سيادة الشعب و الدستور و عبر ضمان الحقوق و برعاية التنوع و المساواو أترككم مع الهشتاق اللطيف حول الديمقراطية الصامتة:   …

الحياة على الهامش… مشكلة البدون

كتبت هذه التدوينة بطلب من نواف القديمي و محمد العمر (لدعم قضية البدون في الخليج)

هذه التدوينة لا تناقش قضية معينة من قضايا سحب الجنسية في دول الخليج، و الهدف منها ليس الدفاع عن القضايا الشخصية للبدون (الأشخاص بلا جنسية) و التي لا نعرف في العادة تفاصيلها بقدر ما هي مناقشة لإحراء سحب الجنسية كعقاب تمارسه الدول ضد بعض المواطنين…

برزت مشكلة البدون أو الأشخاص بلا جنسية في أعقاب الحروب العالمية و كنتيجة حتمية للجوء السياسي و الاقتصادي، و كحل لها عمد المشرعون في القوانين الدولية إلى حماية حق الفرد في جنسية بلاده أو في البلاد التي لجأ إليها للضرورة، و بحسب الميثاق الدولي لحقوق الإنسان في العام 1948 ينص البند 15 بفقرتيه الأولى و الثانية على حق كل فرد في الحصول على الجنسية و على رفض نزع الجنسية التعسّفي من اي مواطن أو إجباره على عدم تغيير جنسيته إن شاء، و بذلك فضّل واضعي العهد الدولي حماية مصلحة الفرد على حماية الصالح العام لأي دولة في تقرير حق الجنسية أو تغييرها، و الهدف من هذا الحق في الجنسية بحسب المعايير الدولية -و التي أقرتها دول الخليج فيما عدا التحفّظ في توريث الجنسية لأبناء المواطنة المتزوجة من أجنبي أو منحها لزوجها – هو التقليل من ظاهرة وجود أشخاص بلا جنسيات و القضاء المستقبلي عليها،  وجود أشخاص بلا جنسيات عامل رئيسي للعنف في أوضاع البدون المعيشيّة و في نشوء النزاعات بين الدول… و كانت المفارقة أن الأمم المتحدة احتاجت إلى ثلاثة عشر عاما لإقناع الدول الأعضاء بهذا الحق الفردي منذ إقراره نتيجة لمقاومة سلطات الدول الأعضاء التخلي عن سيادتها في تقرير الصالح العام لأجل مصلحة الأفراد من مواطنيها و مصلحة الدول الأخرى…

في الوقت الحالي تتحدّد سلطة الدولة في نزع الجنسية في حالات محدّدة مثل الغش و التزوير في التقديم على الجنسية أو في حالات محدّدة في دستور الدولة كالخيانة العظمى أو الاعتراف بالولاء لدولة عدوّة أو الإرهاب، و التهمة الأخيرة من التهم التي تمت إضافتها للقوانين المحليّة كإجراء وقائي في الألفية الأخيرة، أما الدول التي تنصّ قوانينها صراحة على نزع الجنسية كإجراء عقابي فهي المملكة المتّحدة و إسرائيل، بينما تعمد بعض الدول إلى نزع الجنسية بعد ضمان حصول الشخص على جنسية أخرى كما في فرنسا مثلا، و لا تضمّ قوانين الدول الخليجية أي نصوص تنظيمية قانونية لإجراءات نزع الجنسية ربما لعدم تطوّر الأنظمة الدستورية و التشريعية بعد في تحديد علاقة السلطة بالفرد…

العنف الذي تسببّه ظاهرة البدون (اللاجنسية) بين الدول يتلخّص في النزاعات بين الدول، فبينما تكسب الدول الأصلية للبدون بعض المكاسب السياسية التي تضمن تعزيز قوّتها بالقضاء الجذري على أي معارضة إمّا بالتخلص من المعارضين أو زرع الخوف من أي مقاومة مستقبلية، فإنها تعمد أيضا إلى تقييد الحريّات الشخصيّة وإنفاق جزء كبير من الدخل القومي على الأمن الداخلي لضمان مراقبة المعارضين و رصد نشاطهم إما داخل أو خارج حدودها، هذا عدا عن خسارة الدولة لمفكّريها و نخبتها الثقافية و الفكرية و التي ممن الممكن احتوائها لتطوير الدولة و استمرار نضجها، كما يصبح على الدول المضيفة للبدون التأقلم مع اختلاف ثقافتهم و قيمهم عن الثقافة السائدة فيها، و غالبا لا يمكن إدماج البدون ضمن المجتمعات المضيفة أو الاستفادة منهم في التنمية و في الوقت نفسه لا يمكن إعادتهم أو التخلّص منهم بترحيلهم لدول أخرى – بحسب قوانين اللجوء السياسي- كحماية للمجتمع المضيف و لقيمه السائدة …

أما الأشخاص بلا جنسية فتتلخّص مشكلاتهم في عدم قانونية أوضاعهم في الدول المضيفة و عدم ضمان حقوقهم لعدم وجود أوراق ثبوتية أو قانونية، فالمشكلة أن الحصول على الحقوق الطبيعية و الأساسية كالعلاج و التعليم و العمل و السكن و الضمان الاجتماعي و ما إلى ذلك مرتبط قانونيا بالحصول على الجنسية حتى في الدول المضيفة، أما أن يكون الشخص بلا جنسية فلا يوجد ما يلزم الدولة المضيفة بتقديم أي خدمات له كمواطن معروف لدولة أخرى تربطها بها اي علاقات أو التزامات دولية، و بالتالي فلا يحصل البدون على أي خدمات عامة أو حقوق في الدول المضيفة إلا بمقدار احترام هذه الدول لأبسط مباديء حقوق الإنسان، و يصبح البدون و أطفاله على هامش المجتمع المضيف كما يحدث في الكويت مثلا، فهو غير قادر بسبب انعدام الأوراق الثبوتية على تغيير حالته المدنية كالزواج مثلا أو امتلاك أي شيء أو العمل النظامي أو المشاركة في أي حقوق مدنية أو سياسية في البلد المضيف، وهو يعيش في خطر انكشاف وضعه و ترحيله إلى دولة أخرى في اي لحظة مع استمرار معاناته في الدول المضيفة، كما أن القانون الدولي لا يمكن تطبيقه على الأشخاص بلا جنسية لإعادة حقوقهم بل يتم تطبيقه على مستوى الدول فقط، و لهذا الغرض أنشيء مكتب المفوّض العام لشؤون اللاجئين في 1950 لحماية اللاجئين، و تمّ عبره إقرار معاهدة حماية اللاجئين في 1954و التي تنصّ على حق اللجوء للأشخاص بلا جنسيات (البدون)، و تلزم الاتفاقية الدول المضيفة بمنح البدون حقوق مماثلة -على الأقل- لحقوق المقيمين نظاميا في الدولة إن لم تكن مماثلة لحقوق المواطنين، و على الأخص الحصول على الحقوق التالية: حق التقاضي في المحاكم، حق التعليم الأساسي، حق الدعم الغذائي الأساسي، الحق في العمل اليدوي و الصناعي، الغوث الاجتماعي (الخدمات العامة)، حق العمل و الضمان الاجتماعي، و حق ممارسة الديانة… و لم تنصّ الاتفاقية على دمج الشخصيات بلا جنسية (البدون) في المجتمع المضيف أو السماح لهم بالمشاركة السياسية و إن شجّعت الدول المضيفة على توطين البدون بأقل التكاليف و العقبات الممكنة، و كان هناك اقتراح بمنح جنسية تابعة للأمم المتحدة لحل مشكلة البدون و لكن لم يتم، و بدلا منه أصبح من الممكن الحصول على أوراق رسمية للبدون للسفر و التنقل عبر الأمم المتحدة و أيضا لتوكيل مكتب الأمم المتحدة في التقاضي نيابة عنهم لدى الدول الأعضاء…

يبقى أن حماية الحقوق الأساسية الفردية في كل دولة و بالأخص الحق في حرية التعبير هو العامل الأهم في مكافحة ظاهرة البدون لأنه السبب الرئيسي في معظم حالات نزع الجنسية، و أن البديل المتاح حاليا على المستوى الدولي هو إلزام كل الدول بمنح حقوق أساسية متساوية لكل الأشخاص المقيمين على أراضيها بما فيهم البدون ضمانا لعدم حدوث المضاعفات الإنسانية المؤلمة و النزاعات الدولية و الفردية الناشئة عن مشكلات انعدام الوثائق أو التعسّف في المعاملة…

و في دول الخليج خصوصا تبرز مثل تلك المشكلات الصراع الحادث بين السلطة الرسمية و بين المجتمع المدني بمفكّريه و جماعاته،  وهو صراع لتطوير مفاهيم و قيم الدولة للانتقال من عرف القبيلة الذي ينفي الخارجين على سلطة كبارها إلى قم الدولة الحديثة، فقط في الدولة الحديثة التي تلتزم بالمواثيق الدولية تصبح حقوق الإنسان هي الضمانة الأهم في كسب ولاء المواطن لقيادته، و يصبح دعم الحكم الرشيد بالنقد و الشفافية هو الهدف من المجتمع المدني المسؤول، فلاشيء يكسب دعوات المعارضة المصداقية و الشعبية  أكثر من اعتبار حق الجنسية مكرمة يمكن نزعها متى ما تم نقد النظام أو مخالفة رأيه…

روابط ذات صلة:

البدون في الكويت

نزع الجنسية عن دعاة الإصلاح الإماراتيين

قصة نزع الجنسية عن آلاف من قبيلة آل مرة من قطر

برنامج في العمق: البدون في دول الخليج

كلمة توكل كرمان في حفل نوبل للسلام 2011

النظام الاستبدادي (الأوثريتاريان) في الحكم

هناك عدة أنظمة فاسدة للحكم، أحدها هو النظام الاستبدادي للحكم، هنا أبرز و أهم خصائص هذا النظام

  •  انفراد قلة من الناس  قاموا بتنصيب أنفسهم على قمة الحكم بإدارة شؤون البلاد بشكل مركزي تام و التخلص من كل منافسيهم أو من يعترض سلطتهم
  •   تدار البلاد بشكل يمنح السلطة المطلقة للنافذين بصناعة القرار في الخفاء و ببيروقراطية كبيرة لا تسمح بالرقابة على المسؤول ولا تحقق مصالح المواطنين
  • تعمل السلطة المستبدة بإدارة البلاد بشكل عشوائي لا يخضع لقانون منظّم ولا استراتيجية واضحة و تقمع المعارضة مهما كانت سلميتها مما يجعل خرق حقوق الإنسان العشوائي متكررا
  • تقوم السلطة المستبدة عادة بالتحكّم في الشأن الاجتماعي للناس (التجمّع، التعبير، تكوين الأحزاب أو الجماعات، الرقابة على التصرّفات أو المعلومات) بهدف خنق المجتمع المدني المستقل، وفي الوقت نفسه تقوم بتدعيم القوة العسكرية و الأمنية لضبط المخالفين بينما تعقد التحالفات المنتقاة باستخدام الدين أو الدعم الخاص مع أطراف معينة في المجتمع لضمان الولاء
  • تتميز الدولة الاستبدادية بالحكم اللانهائي لحاكم واحد أو حزب واحد
  •  في معظم الدول الاستبدادية تتضاءل قيم الفردية  و الحقوق الأساسية للأفراد في مقابل تشجيع أهداف المصلحة العامة و قيم المجموع
  • هناك عدة معايير تطورت لقياس مدى الاستبداد (عبر قياس الديمقراطية) في الحكم في دول العالم، و تصدر بعض المواقع مثل الإيكونومست و فريدوم هاوس و غيرها قائمة بأكثر الدول استبدادا بشكل دوري
  • تنتهي الدول الاستبدادية عادة عندما تفشل قيادتها في تحقيق مصالح عموم الناس و تعديل مسار الاستبداد  والاستئثار بالموارد و المزايا لمنفعة النافذين في الحكم