السعودية وربيع العرب الكاتب: علي الظفيري

يمكن القول إن البطالة والإسكان والفقر ومكافحة الفساد وحرية الإعلام والاعتقال لأسباب أمنية أو سياسية ، تشكل جملة القضايا الرئيسية المطروحة على الساحة السعودية ، وهذه العناوين ترتبط مباشرة بقضية أساسية ملحة تشغل النخب المحلية تتمثل في مطلب المشاركة السياسية الذي تدعو له شرائح واسعة في المجتمع ، وبدرجة أكبر مما كان عليه الأمر في السابق ، ويتضح ذلك في الأعداد الكبيرة للموقعين على عريضة دولة الحقوق والمؤسسات التي تم توجيهها إلى الملك عبدالله بعد ثورتي تونس ومصر اللتين أطاحتا بأعتى نظامين أمنيين استبداديين في المنطقة ، وقد بدأت الوثيقة بتهنئة الملك على شفاءه ودعوته لتحقيق ما وعد به من الإصلاح والعدل ورفع الظلم واجتثاث الفساد ، ما يشير بوضوح لانتهاج الموقعين طريقا مختلفا من حيث الشكل عن المسار الذي أخذه الحراك الشعبي في البلدان الأخرى ، إذ اقتصر الأمر على توجيه خطاب مفتوح بالغ التهذيب إلى رأس الدولة ، لكن في الوقت ذاته جاءت مطالب الموقعين – وهم أكثر من عشرة آلاف سعودي – مماثلة لمعظم ما نادى به المتظاهرون في العالم العربي ، فقد نصت العريضة على أن يكون مجلس الشورى منتخبا بكامل أعضائه ، وأن تكون له الصلاحية الكاملة في سنّ الأنظمة والرقابة على الجهات التنفيذية بما في ذلك الرقابة على المال العام وأداء الوزارات ، وله حق مساءلة رئيس الوزراء ووزرائه ، كما طالبت بفصل رئاسة الوزراء عن الملك على أن يحظى رئيس مجلس الوزراء ووزارته بثقة مجلس الشورى ، وصولا إلى إصلاح القضاء ومكافحة الفساد ومعالجة المشاكل الكبرى التي يشهدها المجتمع السعودي .

 

شكلت ردة فعل الدولة على المطالب الشعبية صدمة كبيرة ، وكانت الرسالة مفادها أن السلطة تملك القدرة المالية والأمنية الكافية لتجاهل مطالب الإصلاح القديمة والجديدة ، واتضح الأمر في القرارات الملكية التي أعقبت عودة الملك للبلاد بعد رحلة علاجية طويلة ، فتم ضخ أكثر من ثلاثين مليار ريال توزعت بين مكافأة راتبين للموظفين الحكوميين ، وزيادة القرض الإسكاني من 300 ألف إلى 500 ألف ريال ، إضافة لإعفاءات هنا وهناك تشمل بعض المواطنين على قروض سابقة تم الحصول عليها من أجهزة الدولة المختلفة ، أما الرسالة الأمنية فترجمها قرار استحداث 60 ألف وظيفة في القطاع الأمني للباحثين عن عمل ، وتشديد القرارات الصادرة على مكانة هيئة كبار العلماء المتحالفة تماما مع السلطة وتخصيص دعم مالي إضافي لمراكز الدعوة وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى الهامش صدرت قرارات بإنشاء هيئة عليا لمكافحة الفساد ووزارة جديدة للإسكان ، ويقال إن الجهازين الجديدين بلا مقر أو موظفين كفاية حتى اللحظة ، إضافة لتعارضهما مع أجهزة قائمة أصلا تقوم بالدور ذاته لكنها بحاجة لتفعيل مثل ديوان المراقبة العامة ، مما يشير بوضوح لكون الجهازين محاولة محدودة وشكلية وغير جدية لمواجهة المشاكل .

 

أعلنت السلطة برنامجها العملي في الربيع العربي:هذه الثورات مرفوضة جملة وتفصيلا ، ويجب العمل على مواجهتها في الداخل والخارج.بدأت الأمور مع استضافة زين العابدين بن علي الذي رفضت استقباله كل دول العالم ، ثم العمل بشكل كبير على منع إسقاط الرئيس المصري حسني مبارك ، وجند الإعلام الرسمي وشبه الرسمي كل طاقاته لإجهاض محاولة التغيير في مصر ، وتم التعامل مع الاحتجاجات في البحرين بطريقة مباشرة استدعت إرسال قوات درع الجزيرة لمواجهة المحتجين وحماية الأماكن الحيوية في البلاد من زحف المتظاهرين ، وتجاهلت السعودية تماما الثورة الليبية ضد الخصم اللدود معمر القذافي للدرجة التي جعلت منها البلد الوحيد الذي لم يعترف بالمجلس الوطني الانتقالي رغم سقوط القذافي رسميا وهروبه مع أولاده ، أما الموقف من اليمن فليس بعيدا عن المواقف السابقة ، إذ تبنت المبادرة الخليجية التي أرادت تقديم مخرج مريح للرئيس اليمني علي عبدالله صالح ، وتساهلت كثيرا مع مراوغة النظام اليمني ووصلت الأمور لاستضافته وقبول إدارته للبلاد رغم المجازر اليومية التي يرتكبها نظامه في اليمن ، مما أثار حنق قطاعات واسعة من الشباب والأحزاب اليمنية تجاه السعودية ووضعها في مصاف الخصم للثورة والشعب اليمني .

 

السعودية تقود الثورة المضادة ، هذه العبارة تقابلك في كل مكان تذهب إليه ، وفي كل حوار تخوضه ، ولا أحد يستطيع نفي هذا الأمر على الإطلاق ، والسؤال المطروح بإلحاح في هذه الظروف : يقف الأفراد في عالمنا العربي لأسباب إنسانية وأخلاقية في موقع التأييد والدعم والمساندة والتعاطف مع الثورات في كل بلد ، لكن لماذا على بلد كالسعودية أن يقف معها ؟!، وهنا إجابة بعيدة عن الرومانسية والعواطف الجياشة وأوهام الأخلاق في السياسة:إن الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم في العالم وجدت نفسها مضطرة لخسارة أكبر وأهم حليف لها في المنطقة لأسباب تتعلق بالمصلحة ، غيرت موقفها من الثورة المصرية بكل وضوح بعدما رأت هذا الطوفان الشعبي المنادي بالتغيير وإسقاط النظام ، واختارت استراتيجيا أن تعمل مع رياح التغيير لا عكسها ، ومن هذا المنطلق تكون المواقف التي تتخذها بلادنا في الربيع العربي مواقف خاطئة ولا علاقة لها بالمصلحة ولا بالسياسة ، بل تشير بوضوح إلى مسألة الفردية وضعف الوعي السياسي وعدم قراءة المستقبل بالشكل الصحيح ، وفي هذا خسارة كبيرة حالية ومنتظرة على البلد ومصالحه السياسية والاقتصادية والأمنية ، بعيدا عن الأخلاق والواجب الديني في نصرة المظلوم والعمل على إحقاق الحق وبقية الشعارات المرفوعة ، الحديث عن المصلحة ولا شيء غيرها .

شكل يوم الحادي عشر من مارس العام الجاري يوما مفصليا في التاريخ السعودي الحديث ، لسنا أمام تمرد حركة الإخوان على الدولة الوليدة والتي تعكس إشكالية معينة إبان عملية التأسيس ، ولا أمام حركة جهيمان في الحرم المكي والتي تعبر عن فئوية أصغر مما كانت عليه الحركة السابقة ، كنا في هذا اليوم أمام احتمالات مفتوحة لحراك شعبي كبير مماثل لما جرى في المنطقة ، ولم يكن هذا التخوف دقيقا ، فالدعوة ليوم “حنين” مجهولة المصدر ولم يتبناها أحد ، كما أن الطبيعة الخاصة للمجتمع السعودي تجعل من الاحتجاجات الشعبية في الشوارع أمرا غير وارد في الظروف الحالية ، ولا وجود لأحزاب سياسية تقود التظاهرات وتدعو لها وتتحمل مسئوليتها ، وقد استثمرت هذه الفرصة لعرض القوة الذي شهدناها في ذلك اليوم ، حوصرت الأماكن وشددت الرقابة على كل مفصل في البلد ، لكن أحدا لم يخرج كما كان متوقعا ، باستثناء الشاب خالد الجهني الذي ظهر على شاشة بي بي سي وتم اعتقاله بسبب الكلمات التي قالها وما زال قيد الاعتقال كما هو معلوم ، والخطيئة الكبيرة التي ارتكبتها السلطة السياسية في ذلك اليوم تمثلت في طرح السؤال الخطأ ، هل سيخرج الناس ؟ بدل أن تسأل : لماذا يمكن أن يخرج الناس إلى الشوارع ؟ وماذا يجب أن نعمل لكي لا تكون فكرة الخروج إلى الشوارع واردة ؟، لم يخرج الناس لأنهم لا يريدون الخروج أولا ، فالشارع ارتبط بفكرة إسقاط النظام وهذا غير وارد في الحالة السعودية ، لم يخرج الناس لأنهم يدركون تمام الإدراك أن السلطة لن تتساهل معهم أبدا إن خرجوا ، ولم يخرجوا لأنهم ليسوا منظمين كفاية للخروج ، ولم يخرج الناس رغم أن لديهم مظالم كثيرة تعرفها السلطة جيدا .

وكما أن السلطة السياسية طرحت السؤال الخطأ ، فإنها فضلت الإجابة الخاطئة أيضا ، قيل إن العلاقة بين الحكم والشعب أكبر مما جرى في العالم العربي ، والرضا والقبول الذي يتمتع به في الحالة السعودية يختلف تماما عن الحالات الأخرى ، وفي مسألة الشرعية التي يحظى بها الحكم السعودي فإن هذا القول صحيح ارتباطا بالقبول الذي يميز حكم الأسر في الخليج لأسباب كثيرة يطول شرحها ، منها ما هو قائم على التراضي والقبول والجوانب الإيجابية لأدائها إثر طبيعة العلاقات القائمة والوفرة المالية الكبيرة التي وفرتها العائدات النفطية ، ومنها ما له علاقة بانسداد وجمود سياسي لم يسهل الطريق لحالة حكم مكملة أو بديلة .

يقبع في السجون السعودية قرابة اثني عشر ألف معتقل دون محاكمة عادلة ، جلهم في قضايا أمنية تتعلق بأعمال العنف التي شهدتها البلاد في العقدين الأخيرين ، وآخرون سجناء رأي سياسيون عبروا عن رؤيتهم المناقضة لرؤية السلطة في ما يتعلق بإدارة شؤون البلد ، إضافة لذلك باتت وزارة الداخلية متحكمة بمفاصل رئيسية في إدارة شؤون المجتمع ، والحرية النسبية التي أتيحت لوسائل الإعلام المحلية تم الانقلاب عليها بشكل كامل ، قضايا الفساد لم يتم التعامل معها كما ينبغي رغم التشديد في التصريحات الحكومية ، أما قضايا الاقتصاد والبطالة والتعليم والصحة فحدث ولا حرج ، وما زالت الدولة تتعامل مع المستجدات والمشاكل الجديدة بعقلية قديمة قائمة على التفرد واعتماد الحلول الآنية غير المفيدة ، وهذا كله يدفع للقلق على البلاد بشكل جدي ، فكل شيء من حولنا يتغير بسرعة كبيرة ، والجيل الحالي من الحكم يملك شرعية التغيير والقيادة ويحظى بقبول واسع في المجتمع لكن المستقبل مجهول بالنسبة لنا ، ولا رؤية واضحة في تحديد مستقبل البلاد وشكل إدارتها وفق أسس حديثة إصلاحية تواجه مشاكل الداخل بطرق سليمة ، وتعمل على تعزيز مكانة السعودية إقليميا بما يتناسب مع ثقلها الجغرافي والديني والاقتصادي ، إنه باختصار مستقبل محفوف بالمخاطر يدفع جيلنا الحالي للقلق والخوف ، وهو خوف مبرر ومنطقي وشرعي في منطق الشراكة لا التبعية في هذا الوطن .

http://www.almqaal.com/?p=369

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s