تجرّد

2011/08/10 | البلاد

هالة الدوسري

أفضل ما أحدثته الثورات المتسارعة في المنطقة هي وضعنا على جبهة المواجهة مع الواقع الجديد، في إثارتها للأسئلة التي غيّبتها عقود من التهميش وترسيخ مفاهيم تاريخيّة مغلوطة كمسلّمات لا فرار منها، في منحنا صورة واقعية لانتصار الحرية على القمع ولجدارة المدافعين عن حقهم في المشاركة الكاملة بلا تمييز، لم تكن تلك الأسئلة لتصبح جزءا من العقل الجمعي إلا بمشهد حي مباشر بلا مخرج ولا سيناريو مرسوم مسبقا لفيلم المقاومة حتى تحقيق الهدف،

 رياح التغيير حملت معها بذور الشك في كل أرض عبرتها، تحقق أخيرا المستحيل عندما أصبح البحث عن الكرامة الإنسانية والحق في المشاركة الكاملة في صناعة واقع عادل ونزيه هدفا يستحق الموت دونه…

و الأسئلة التي ترد إلى بريدي تعكس هذا الوعي وتتجاوز حدود الفرد الواحد وفضائه الضيق، المنظار البدائي المسلّط على الدائرة الصغيرة حيث يعيش الفرد السعودي تحوّل في يديه بعد الثورات إلى تلسكوب ضخم يلتقط كل تفاصيل الصورة حوله مهما ارتفعت وابتعدت عن فضائه المباشر، يدرك السعودي الآن أفضل من أي وقت مضى معنى الشعارات الوطنية وقوة الإرادة والإحساس الجديد بامتلاك الوطن من متابعته لجيرانه المنتصرين، لم تعد الأسئلة هنا حول مظلمة شخصية أو قضية فردية أو مخالفة مؤسساتية،

 تعدّت ذلك لتسأل عن الأهم «لماذا» و»كيف» تشكّلت ثقافتنا الحاليّة وما هي عوامل وأسباب التخلّف والتدهور الذي نقاوم للخروج منه؟ لماذا تعلو أصوات وتختفي أخرى؟ ولماذا لا يقترب الإصلاح؟…

يرسل لي «طالب علم بسيط» -كما يصف نفسه- هذه الحيرة «عندما تتعارض القيم والحقوق مع المصالح أين أتجه؟ أنا من بيئة محافظة وتصطدم جذوري الفكرية والعقائدية مع إيماني بالحقوق… مثلا أنا مع الشعب وثورته في سوريا و لكن يختلف إحساسي تماما مع ثورة البحرين لصبغتها الشيعية”  ثم يقول في عبارة ملهمة «لماذا اختلف شعوري والإنسان نفس الإنسان، ماذا حصل ولماذا اختلفت مشاعري؟»… وأنا بدوري أحيّي وعيه العالي وأقول له قليل هم من يتجاوزون حدودهم المألوفة، وعظيم هو الإنسان الذي يتجاوز القوالب الفكرية والعقدية ليمتحن موقفه وقناعاته الشخصية أولا…

أقول لطالب العلم البسيط : «تجرّد»… تجرّد من حصر الحق في مذهب ما وعقيدة ما بعينها، تجرّد من مرجعية علماء القداسة في أفكارك وحكمك الشخصي على الأمور، تجرّد من وهم امتلاكنا للحقيقة المطلقة، تجرّد من حصر الفضيلة في بشر بعينهم، تجرّد من الحكم على الظاهر والأجساد، تجرّد من التربّص بالنوايا خلف سد الذرائع، تجرّد من اختزال الإنسان في لون أو جنس أو اعتقاد أو ملّة أو منطقة، الإنسان أشمل وأكبر وأثرى وأهم من النصوص والأحكام والسلطة أيا كانت، الإنسان – بلا تمييز- هو هدف الأديان والقوانين والمعاهدات والفلسفة، كل ما يحقّق الكرامة الإنسانية هو حق لكل إنسان… تجرّد من اعتقاد التعارض بين المصالح وحقوق الإنسان الطبيعية، فلا تستقيم اية مصلحة حقيقية أو تدوم وخلفها حقّ مهمّش ومختزل ، اللحظة المفصليّة لانتصار الثورة المصرية – وكل ثورة- كانت عندما انحاز كل الشعب إلى الحق وليس إلى المصلحة، عندما اجتمع الجميع –على اختلاف مصالحهم- على حقهم في رفض الذل والقمع والمطالبة بكافة حقوقهم السياسية والمدنية ، اللحظة التي وقف فيها المسيحي إلى جوار المسلم والعلماني إلى جوار الإخواني والمرأة إلى جوار الرجل والطفل إلى جوار الشيخ والجيش إلى جوار الشعب، عندها تحققت مصلحة الجميع وهنا فقط حدثت المعجزة…

حماية الكرامة الإنسانية بلا تمييز كانت الدافع دائما لمبادرات حقوق الإنسان منذ النصوص الإثني عشر لحقوق الفلاحين في ألمانيا وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان… ليست هناك وصفة سحرية لتصنيف الناس بحسب استحقاقهم للحقوق ترضي في الوقت نفسه كافة العقائد والثقافات، ولا يفترض بالدين أن يكون سوى منبرا للسلام وضمان الحقوق الإنسانية بلا تمييز، كما لا يفترض بالعقل سوى أن يقودك للحقيقة الأهم: لا حياة ولا تنمية مستدامة ولا مجتمع خال من النفاق ينشأ في ظل نظام طبقي (بغض التظر عن طبيعة الطبقات) تفصّل فيه وتمنح الحقوق بحسب ملّة أو مكانة أو انتماء أو جنس صاحبها.

و يعرّف نيكل حقوق الإنسان بأنها الضمانات الأخلاقية الأساسية التي يستحقها كل الناس من كل الثقافات والبلدان لمجرد إنسانيتهم، إطلاق إسم «حقوق» على هذه الضمانات فيه إشارة ضمنيا إلى أن تطبيق هذه الضمانات مرتبط بأشخاص أو جهات معينة «الحكومات» وأن لها أولوية أهم وأن الالتزام بتحقيقها إجباري وليس اختياري. وتعتبر حقوق الإنسان «عالمية» بمعنى أن كل الأشخاص بلا تمييز لابد لهم من التمتع بها، وهي حقوق استقلالية بمعنى أنها معايير يتم العودة إليها واستخدامها في نقد أداء الدول والحكومات تجاه الأفراد بغض التظر عن اعترافهم بها أو لا في القوانين والدساتير الرسمية المحليّة.

بقي أن أقول أنه كما كانت حماية الكرامة الإنسانية بلا تمييز هي الدافع خلف تطوّر مفاهيم حقوق الإنسان وصياغتها بالشكل الحديث الذي ندركه الآن فإن الخوف كان هو دائما الدافع الأساسي الذي بسببه تحجب الحقوق وتسحق المطالب من أي فئة، الخوف من الصفوية أو العلمانية أو التغريب أو ما إلى ذلك هو الذي يجهض كل محاولة للإصلاح، ولوشلّ مثل هذا الخوف من المسيحي والمرأة والعلماني والعسكر والتقاليد والعرف الشعب المصري لما قامت لثورتهم قائمة، ولن تستمر هذه الثورة لو أصبحت مصالح كل فئة منهم أهم من الحقوق… القس نيمولر وهو أحد ضحايا النازية خلّد مفهوم الدفاع عن الحقوق بلا تمييز في مقولته الشهيرة «في البداية لاحقوا اليهود ولم أتحدّث لأني لست يهوديا، ولاحقوا بعدها الشيوعيين ولم أتحدث لأني لست شيوعيا، وبعدها لاحقوا عمال النقابات ولم أتحدّث لأنني لست منهم، وبعدها لاحقوني ولم يعد هناك أحد ليدافع عني

http://www.albiladdaily.net/?p=6663

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s