عجز القادرين على التمام

2011/08/03 | البلاد

التقرير السنوي السابع للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان جهد يستحق الثناء، في الجزء الأول المعني برصد التجاوزات الواردة للجمعية ابتعد التقرير عن لغة الإنشاء و التبرير بذكاء ملحوظ، و عرض الانتهاكات والمخالفات علىا شكل إحصائيات ورسومات بيانية. قدّم التقرير في البداية عرضا شاملا للقضايا الواردة للجمعية منذ إنشائها في العام 2004 وحتى العام 2010،

 وصنّف القضايا تحت تسعة تصنيفات عامّة: القضايا الإداريّة وقضايا السجناء والقضايا العمّالية وحالات العنف الأسري والأحوال الشخصية والأحوال المدنية والعنف ضد الطفل والمخالفات القضائية و القضايا الأخرى. أظهر التقرير أن أعلى نسبة مخالفات حقوقية كانت للتجاوزات الإدارية، وهي المعنية برصد تجاوزات الجهات الرسمية والحكومية في تعاملها مع الأفراد، حيث رصد ما نسبته 36.5% من التجاوزات للعام الماضي، كأوامر المنع من السفر والاعتقال والفصل التعسفي والأخطاء الطبية وغيرها، و يليها القضايا العمالية التي تلتحق إداريا ربما بالقضايا الإدارية لارتباطها بالمؤسسات التشريعية و التنفيذية، كانت التجاوزات العمالية للعام الما ضي تمثّل 11.6% من مجموع التجاوزات، و كانت أقل نسبة تجاوزات حقوقية مسجّلة هي للعنف ضد الأطفال بنسبة 1.7% لأسباب مفهومة تتعلق ربما بطبيعة الأطفال وصعوبة الرصد والتثبّت والإبلاغ.

الجزء الثاني في التقرير كان عن نشاطات الجمعية في توثيق ونشر رسالتها الحقوقية عبر الأنشطة الميدانية والزيارات، ولم أجد في هذا الجزء الكثير من المهنية أو الفائدة على العكس من الجزء الأول، افتقد هذا الجزء لتصنيف الأنشطة أو آليات متابعة التوصيات، على أن التوصيات التي خرجت بها الجمعية من زياراتها الميدانية كانت جديرة بتخصيص تقارير صغيرة وفتح ملفات للمتابعة بخطط زمنية لجدية المخالفات وأثرها المزري،

 وربما كان مفيدا للجمعية تشجيع استخدام آليات قياس الأداء العام ومعايير الجودة وتفعيلها في مؤسسات الخدمة العامة كالسجون والمدارس ودور الرعاية، يختصر ذلك الجهد الشخصي المحدود هنا في كشف الخلل والقصور ويتجاوز المعيار الشخصي لأفراد الجمعية في تقييم مستوى الخدمات العامة، كما أن المعايير العامة للأداء هي آليات مستخدمة عالميا بنجاح في كافة القطاعات المدنية ولا يحتاج تفعيلها سوى بعض المتابعة والتأهيل من إدارات القطاعات المختلفة، كما أنها خطوة جديرة بضبط الأداء اليومي للمؤسسات وتحسين آليات المتابعة الموضوعية من الجهات المختلفة وليس فقط تحسين سجل المخالفات و التجاوزات المتوقعة.

ظهر أيضا من التقرير وعي القائمين عليه بأهمية المتابعة الزمنية لتطوّر أوضاع الحقوق في المملكة، لكن المقلق هو ثبات أعداد البلاغات عند أربعة آلاف قضية منذ العام 2008 و حتى 2010، هذا الرقم الضئيل مقارنة بعدد السكان الذي يتجاوز 27 مليون نسمة لا يعبّر منطقيا عن حقيقة التجاوزات، ويكشف ربما عن ضعف آليات الرصد و التبليغ.

سأتناول هنا على سبيل المثال مخالفتين حقوقيتين بالتقرير لتشابه مسبّباتها، قضايا العنف الأسري والأحوال الشخصية، كان من الأفضل طرح الاثنين تحت تصنيف مشترك لتشابه مسبباتهما، يعرّف التقرير العنف الأسري على أنه ما يرد إلى الجمعية من عنف داخل محيط الأسرة بسبب عنف بدني، نفسي، عنف ناتج عن إدمان، اتهام وقذف، تحرّش جنسي، اغتصاب جنسي، حرمان من التعليم، حرمان من العمل، حرمان من الراتب أو تعدٍّ على ممتلكات، حرمان من الزواج، حرمان من رؤية الأم، طلب إيواء، وهو هنا يختلف عن تعريفات العنف الأسري المعتمدة عالميا نظرا لطبيعة العلاقات القانونية في الأسرة هنا التي تجيز للأفراد التحكم بالحقوق الطبيعية لأسرهم، و إلا ففي وجود أنظمة قانونية رادعة لا يمكن تواجد مثل هذه التجاوزات أو اعتبارها عنفا أسريا، ولكن يتم اعتبارها مخالفات قانونية يحلها القضاء الذي يمنع التعدي على الراتب أو الحرمان من الحقوق الطبيعية في التعلم و العمل و الزواج و السكن. بينما يعرّف التقرير قضايا الأحوال الشخصيّة على أنها ما يرد إلى الجمعية من شكاوي متعلقة بحقوق شخصية لأفراد الأسرة أو تتعلق بالطلاق، الخلع، النفقة، الحضانة، التعليق و الهجر، نزع ولاية، حرمان من رؤية الأولاد، حرمان من الميراث، عدم اعتراف بالزواج، وهي هنا تصب في نفس الملاحظة السابقة، الحصانة القانونية لفرد في الأسرة للتحكم بمصير العلاقة الزوجية والاستئثار بالتصرف في مواردها، وهو وضع يعبّر عن ضعف حقيقي في الأنظمة القضائية وليس في العلاقات المتروكة لضمائر القائمين عليها.

رصدت الجمعية هذا العام ما نسبته 8% من قضايا العنف الأسري و ما نسبته 7.4% من قضايا الأحوال الشخصية وهي النسب الأعلى لهذه الفئات منذ العام 2004، في قضايا العنف الأسري كان عنف الزوج (الحالي أو السابق) هو المسؤول عن 67% من حالات الإساءة، وهو ما يتّفق مع الإحصائيات العالمية في أن الزوج هو المسببّ الأول عادة في العنف الأسري، وكانت نفس النسبة “67%” هي تجاوزات الأحوال الشخصية، إما بسبب الحرمان من النفقة أو الحضانة أو رؤية الأولاد. تكشف هذه الأرقام الخلل الأساسي في العلاقات الأسرية، و تدعو القائمين على صياغة سياسات المجتمع بتعديل الأوضاع القانونية اللازمة لضمان الحقوق العامّة و الخاصة، ليس هناك شيء ينادي بحاجتنا إلى قانون للأسرة ينظّم العلاقات فيها ويحمي كل فرد من تعنّت الآخر و تعدّيه مثل هذه الإحصائيات المرتفعة للخلل و العنف الأسري. و على أني أتفهم القيود على عمل الجمعية الوطنية إلا أن حصر دورها بالتوثيق فقط والنشر المحدود للثقافة الحقوقية منذ إنشائها قبل ستة أعوام هو أقل بكثير من تطلعاتنا، الحقوق لا تتحقق فقط بورش العمل ونشاطات ومباحثات الجمعية مع الوفود الزائرة، لا تعني الحقوق شيئا إن لم تتحوّل إلى عمل مؤسساتي شامل يرسّخ مفاهيمها ويحوّلها إلى منهج عمل في مؤسسات الدولة، مما يستدعي من الجمعية تحليل مدى التزام المؤسسات المحلية بالاتفاقيات الحقوقيّة العامة التي أقرّتها الحكومة السعودية ولم يتم تطبيقها بعد، و هو أمر يسهّل كثيرا متابعة الوضع الحقوقي على الجمعية محليا بتعدّد محاوره، والعنصر الأهم هو إشراك المجتمع في حماية مصالحه وحقوقه عبر مؤسسات المجتمع المدني، وعلى الجمعية دور كبير في ترسيخ ثقافة العمل الاجتماعي العام والحرص على تمرير مشروع مؤسسات المجتمع المدني المتوقف منذ وقت طويل، كما أن الجمعية كممثلة لمصالح وحقوق الناس تحمل مسؤولية نشر ردود المؤسسات العامة – أو عدم تجاوبها – في تقاريرها السنوية، إلحاق سجل توثيقي بالتقرير السنوي لردود الجهات المعنية بالتجاوزات على ملاحظات الجمعية – بالأسماء – ضروري للغاية، فهو يضع الجهات المعنيّة بالمخالفات في مواجهة مباشرة عن مسؤوليتها أمام المستفيدين من خدماتها مما يساهم في تقوية السلطة الرقابية الضعيفة حاليا للجمعية، و هو أهم كثيرا برأيي من معرفة أسماء أعضاء الوفود الزائرة من الجمعية أو خارجها التي عرضها التقرير بالتفصيل، ويبقى التقرير في النهاية جهدا وحيدا مشرّفا على مستوى مؤسسات الدولة يستحق الثناء من واضعيه بالرغم من عدم اكتماله

http://www.albiladdaily.net/?p=5451

One Response to عجز القادرين على التمام

  1. سيناوي عابر سبيل قال:

    الاستاذه هاله
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته اصدق التحايا واعطرها لكي
    لقد ساقتني الصدفه السعيده لزياره مدونتكي ووجدت نفسي زائر اعجبته الزياره واستمتعت بما كتبتي واجد انه من واجبي ان احييكي اعظم تحيه علي ارائك الحره الواعيه والمسؤله كفتاه سعوديه خاصه وانني اعلم طبيعه الحياه بالسعوديه ءءء لقد اعجبت بالاغنيه ايضا واحييكي علي الذوق الرائع والمميزءءء من سيناء الجنوبيه مدينه نويبع قريه وقبيله الترابين هذه تحيا ت محمد الاحمر ابوسلامه
    ولقد عملت متابعه لما تنشرين علي التويتر
    وكل عام وانتي بخير ورمضان كريم

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s