“فوزية البكر … “مقتطفات من داخل المملكة

أقرأ حاليا كتاب روبرت لاسيمن داخل المملكة“، و يعرض فيه للتطورات السياسية و الاجتماعية و الدينية التي شكلت السياسات المحلية و الدولية منذ السبعينات و حتى اليوم، فيه قصة مذكورة عن الدكتورة فوزية البكر، أشاركها هنا مترجمة “بواسطتي” حتى يزيد الوعي بطبيعة التأثير النسائي في السعودية الذي أسهمت عوامل كثيرة في خنقه

في بدايات الثمانينات، أصبحت فوزية البكر المرأة السعودية الأولى التي تكتب في الصحافة المحلية السعودية بإسمها الصريح: “كانت النساء تكتب تحت أسماء مستعارة مثل بنت البادية” ، كما تتذكر “فكّرت أن هذا غباء فليس لديّ ما أخفيه”…

في الحادية و العشرين و تعمل على وظيفة أستاذ مساعد في جامعة الرياض،بدأت فوزية البكر بكتابة عمود أسبوعي من صفحة كاملة في جريدة الجزيرة السعودية المحافظة، “كتبت عن النساء و الحرية و أشياء من قبيل الخطأ الذي يرتكبه الرجال في هذا العصر باتخاذهم أكثر من زوجة. ناقشت الحاجة إلى وجود مؤسسات أهلية مدنية في السعودية لتطوير اوضاع حقوق الإنسان”…

لم تذهب البكر ابدا إلى مقر جريدة الجزيرة و لم تكن هناك أماكن لعمل السيدات بداخل الجريدة و لم تقابل أبدا المحرر الذي يعمل على تحرير صفحتها الأسبوعية.  كانت تنوي أن تذهب للجريدة و تقابل المحرر، و لكن في يوم من أيام يونيو من العام 1982 عندما كانت تنظّم الامتحانات بالجامعة تم استدعاءها إلى مكتب العميد.  هناك كان ينتظرها رجلين في ثياب بيضاء مع امرأة، سألتها المرأة بأدب إن كان من الممكن أن يرافقوها إلى منزلها؟… كانت تلك أول مواجهة لها مع المباحث السعودية الشهيرة، وهي الشرطة السعودية السريّة.

المباحث هي هيئة تابعة لوزارة الداخلية السعودية، وهي متّسعة و متغلغلة في رقابتها بما يجعل من سرية عملها مفارقة.  قامت المباحث بنسج أعضائها بداخل الحياة السعودية بدقّة… هناك رجل مخبر للمباحث يصلّي في كل مسجد مهم في السعودية، و جاهز لعمل اتصالاته حالما يتصبح خطبة الإمام مشتعلة… ولا تصبح أي كليّة سعودية مكتملة إلا بمستمع حريص من أحد أعضاء المباحث، وهم يرتدون بفخر علامة تعريفهم كأعضاء من المباحث السريّة للعيون المراقبة لهم.  بالرغم من أنهم في 1979 كادوا أن يغفلوا عن الانتفاضة الشيعيّة في المنطقة الشرقية و حصار الحرم في مكة.  و لكن لم تكن تلك غلطتهم بالكامل، فقد أمسكوا بالمهدي المزعوم قبل حصار الحرم إلا أن الأوامر وردت إليهم بتسريحه بعد قليل، هذه الحادثتين جعلت المباحث أكثر حرصا على مضاعفة جمع المعلومات بنتائج متعارضة.  ففي الوقت الذي لم تنجح دوريّات الحدود المكثّفة في الإمساك بأي معارضين مسلّحين، نجحوا في حصد و منع عدد كبير من مهربي الخمور،  و ارتفع سعر الويسكي في السوق السوداء في جدة من مائة دولار و حتى 400 دولار  للزجاجة.

عندما اقتربت فوزية البكر من منزل عائلتها بصحبة مرافقيها من المباحث المتجهمين، حاولت تحذير أخوها  المراهق “وصلوا زوّار الفجر” وهي تهمس، اتّسعت عينا أخيها المراهق في فزع…

رافقها الضباط ذوي الزي المدني إلى غرفة نومها حيث بحثوا في مكتبها و خزانتها… “أخذوا كل مذكراتي و ملفاتي” تتذكر ” أخبرت أمي أنهم يبحثون عن أوراق امتحانات مفقودة”…

لم تدرك فوزية البكر حقيقة و خطورة وضعها سوى عندما وجدت نفسها في مكتب للمباحث في وزارة الداخلية، “كان هناك جمع من النساء الأخريات الذين تم إحضارهن، و كان هناك الكثير من رجال الشرطة حولنا، و فكّرت وقتها أنني بالتأكيد في حلم ما، و بدأوا بعدها في تلاوة أسماءنا “السجينة فوزية البكر…” كاد أن يغمى عليّ، و لكن امرأة أخرى أسندتني”…

تم تقديم بطّانية و ثوب متّسخ للسجينة الجديدة، و تم إيداعها منعزلة في زنزانة بداخل مبنى الداخلية… “الطعام كان رديئا للغاية، كان يتم إعداده بواسطة النساء البدويات اللاتي يعملن في حراستنا.  كانوا نساء طيّبات و لكن في منتهى البساطة، كنّ أمّيات و أعتقد أنهن كن زوجات الجنود العاملين بالحرس الوطني أو الداخلية”…

في الساعات الأولى لكل ليلة حوالي الثانية صباحا كان يتم استدعاء البكر للتحقيق و الاستجواب. إحدى النساء البدويات كانت ترافقها إلى غرفة التحقيق.  “كانوا مهذبين للغاية. ولم يتم تهديد بالتعذيب أو التخويف، لكن كانوا يسألونني نفس الأسئلة كل ليلة:  “هل شاهدت المنشورات؟” “ماهو رأيك في الحكومة؟” “هل تنتمين إلى إلى الحركة الوطنية؟”…

 كانت الحركة الوطنية مجموعة من الليبراليين “المفكرين الأحرار” ممن كانوا يعملوا للإصلاح في نهايات السبعينيات و بدايات الثمانينيات.  كانوا على الأخص كثيرين المقاومة للاتجاه المحافظ للسياسات الاجتماعية التي اجتاحت البلاد بعد جهيمان، و لأن التجمّعات السياسية كانت محظورة في السعودية كانوا بالتالي مجموعة تعمل تحت الأرض أو في السر.  الحركة كانت تضم أكاديميين و مفكرين بنسبة عالية من الأعضاء الذين اتمّوا تعليمهم في الغرب و كان منهم مفكرين أحرار و لا دينيون ممن يحبون أن يطلقوا على أنفسهم “شيوعيين” مخاطرين بإيقاع العقوبة الشرعية الصارمة على من يتخلى عن دينه منهم.  لكن مخطط عملهم لم يتجاوز أي شيء سوى طرح الأفكار و الحديث…

“كنت قد رفضت الانضمام إلى مختلف الهيئات و الجماعات، كانت هناك جماعة تدعى “الإصلاحيون”، كنت مهتمة فقط بالكتابة في عمودي الصحفي و لم أكن مهتمة بتكوين التحالفات، و لكن من الواضح أنني كنت أطالب بالأشياء نفسها التي يطالب بها الإصلاحيون و الحركة الوطنية و غيرهم، من كان يمكن أن لا يطالب في مواجهة الطريقة التي كانت تسير بها الأمور في السعودية؟”

بعد أسبوع تم نقل النساء المعتقلات في سجون المباحث إلى فلل حي السليمانية بالرياض.  “أعتقد أنهم سحبوا عددا كبيرا من الناس أكثر بكثير من طاقة سجون المباحث، و كان هناك ذعر كبير في السنوات التي تلت جهيمان وثورة الشيعة، كانت الحكومة محاط بها كما يبدو.  لابد أنهم قاموا بتأجير تلك الفلل في ذلك المجمّع الذي تم بناؤه للعاملين الأجانب.  كانت الفلل مريحة و كان لكل امرأة منا غرفتها الخاصّة، لكن كانت النوافذ كلها معتّمة و لم يكن مسموحا لنا بمقابلة بعضنا، كنا نتحدّث إلى بعضما عبر مواسير الحمامات، تعرّفت على سيّدة من الشيعة فنانة تدعى “زهرة” و لم تستطع تحمّل أن تكون وحدها، كانت تصرخ طيلة الوقت، و في كل ليلة كانوا يصحبونني للاستجواب عن نفس الأسئلة لمدة ساعتين تقريبا”…

كان اسوأ شيء للبكر هو عدم إتاحة الفرصة لها للتواصل مع أهلها، “لم يكن لديهم أي فكرة أين أنا؟ إن كنت حيّة أو ميّتة أو إن كنت سأعود أبدا لهم، ذهب والدي إلى مكتب الأمير سلمان كل يوم، و لاشيء… لم يخبره أحد هناك أي شيء، كان الأمر مريعا بالنسبة لهم”…

إحبار الأهل على أن يشعروا بالألم كان جزءا من منهجية المباحث، ” أمر جيّد أن تصبح العائلة جزءا من المشكلة” يوضّح أحد ضبّاط المباحث الحاليين للكاتب ” هذا يعني أنهم سيفرضون ضغطا ما على فرد العائلة المشاغب عن خروجه أو خروجها من السجن، و اكتشفنا أيضا في المباحث أن هناك العديد ممن ضبطناهم يعودون بكل طواعية لنشاطهم الذي تسبّب بحبسهم من قبل و لا يخشون العودة للسجن من جديد، و لكنهم يقومون بتعديل سلوكهم لأجل أسرهم و لتجنيب الأسرة ألم سجنهم من جديد و خصوصا أمهاتهم”.

قامت الأستاذة المساعدة فوزية بالحفاظ على روحها المعنوية عالية بحفظ القرآن وهو الكتاب الوحيد المسموح لها في الداخل “كان ذلك جيدا لتحسين لغتي العربية.  تستطيع أن تستغل أي تجربة لا تكسرك لبناء نفسك من جديد.  هناك سيدة معنا حاولت أن تنتحر و لذلك قاموا بسحب المرايا من كل الغرف.  كان ذلك للغرابة أمرا صعبا للغاية، أن لا يمكنك ان ترى نفسك، بعد بعض الوقت تبدأ في التساؤل إن كنت لازلت موجودا؟”…

و في يوم ما وبلا أي مقدمات بعد ثلاثة أشهر في السجن أخبرت إحدى الحارسات فوزية أن تعدّ أغراضها للرحيل “خلاص” قالت لها “انتهى… و أستطيع العودة للبيت. اتصل بعض المسؤولين بأسرتي و أخبروهم أنني قادمة الليلة، و كانوا كلهم قادمين لتحيتي أقاربي و عماتي و خالاتي _كانت احتفالية رائعة”…

و كان عظيما أيضا الانضمام من جديد للجامعة… “رئيسي العميد دكتور منصور الحازمي أعطاني جائزة خاصّة: الموظفة المثالية للعام.  صنع من الجائزة شيئا كبيرا كما لو كان يريد أن يعمّم في الجامعة أهمية الحرية.  و عمل جاهدا ذلك العام لوضعي على منحة دراسية العام المقبل لجامعة أوريجون.  جريدة الجزيرة كانت أيضا داعمة لي، استمرت بإرسال راتبي الشهري طيلة الوقت الذي كنت فيه معتقلة بالداخل”… و لكن والدتها وجدت أن الاحتفال بعودتها أمر صعب “أمي مواطنة سعودية وفيّة، و لكنها إلى اليوم لازالت غاضبة على الأمير نايف”… من وجهة نظر العائلة التقليدية كان اعتقال فوزية لمدة ثلاثة أشهر كارثة اجتماعية. “ما أغضب أمي أكثر شيء هو أن الاعتقال دمّر تماما أي فرصة لي في الزواج.  أي عائلة كانت ستقبل لابنها أن يتزوج من سيدة أمضت وقتا في السجن؟”…

أقدم هذه القصة لمنال الشريف و للسيدات المطالبات بالقيادة جميعهن و لكل سيدة تحمل هما اجتماعيا و تحلم بوطن يحتويها كإنسان كامل الأهلية، و أشد على يد كل المناضلات في السعودية في سبيل الحرية و العدالة و الحقوق الكاملة، و على الأخص لفوزية البكر و إن أتت متأخرة، و هي إحدى السيدات التي شاركن في مسيرة المطالبة بقيادة النساء في بداية التسعينات و هي و إن حرمت من التكريم الذي تستحقه في مناسباتنا “الجنادرية و غيرها” و التي تحمل العلامات الوطنية و لا تحمل روحها إلا أنها تحمل أعلى مكانة في قلوبنا و أرواحنا و مسيرة هذا الوطن…

روابط عن الكتاب و تقارير عنه:

http://www.almesbar.net/index.php?option=com_k2&view=item&id=135:%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D9%84%D9%83%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84&Itemid=54&tmpl=component&print=1

تجرّد

2011/08/10 | البلاد

هالة الدوسري

أفضل ما أحدثته الثورات المتسارعة في المنطقة هي وضعنا على جبهة المواجهة مع الواقع الجديد، في إثارتها للأسئلة التي غيّبتها عقود من التهميش وترسيخ مفاهيم تاريخيّة مغلوطة كمسلّمات لا فرار منها، في منحنا صورة واقعية لانتصار الحرية على القمع ولجدارة المدافعين عن حقهم في المشاركة الكاملة بلا تمييز، لم تكن تلك الأسئلة لتصبح جزءا من العقل الجمعي إلا بمشهد حي مباشر بلا مخرج ولا سيناريو مرسوم مسبقا لفيلم المقاومة حتى تحقيق الهدف،

 رياح التغيير حملت معها بذور الشك في كل أرض عبرتها، تحقق أخيرا المستحيل عندما أصبح البحث عن الكرامة الإنسانية والحق في المشاركة الكاملة في صناعة واقع عادل ونزيه هدفا يستحق الموت دونه…

و الأسئلة التي ترد إلى بريدي تعكس هذا الوعي وتتجاوز حدود الفرد الواحد وفضائه الضيق، المنظار البدائي المسلّط على الدائرة الصغيرة حيث يعيش الفرد السعودي تحوّل في يديه بعد الثورات إلى تلسكوب ضخم يلتقط كل تفاصيل الصورة حوله مهما ارتفعت وابتعدت عن فضائه المباشر، يدرك السعودي الآن أفضل من أي وقت مضى معنى الشعارات الوطنية وقوة الإرادة والإحساس الجديد بامتلاك الوطن من متابعته لجيرانه المنتصرين، لم تعد الأسئلة هنا حول مظلمة شخصية أو قضية فردية أو مخالفة مؤسساتية،

 تعدّت ذلك لتسأل عن الأهم «لماذا» و»كيف» تشكّلت ثقافتنا الحاليّة وما هي عوامل وأسباب التخلّف والتدهور الذي نقاوم للخروج منه؟ لماذا تعلو أصوات وتختفي أخرى؟ ولماذا لا يقترب الإصلاح؟…

يرسل لي «طالب علم بسيط» -كما يصف نفسه- هذه الحيرة «عندما تتعارض القيم والحقوق مع المصالح أين أتجه؟ أنا من بيئة محافظة وتصطدم جذوري الفكرية والعقائدية مع إيماني بالحقوق… مثلا أنا مع الشعب وثورته في سوريا و لكن يختلف إحساسي تماما مع ثورة البحرين لصبغتها الشيعية”  ثم يقول في عبارة ملهمة «لماذا اختلف شعوري والإنسان نفس الإنسان، ماذا حصل ولماذا اختلفت مشاعري؟»… وأنا بدوري أحيّي وعيه العالي وأقول له قليل هم من يتجاوزون حدودهم المألوفة، وعظيم هو الإنسان الذي يتجاوز القوالب الفكرية والعقدية ليمتحن موقفه وقناعاته الشخصية أولا…

أقول لطالب العلم البسيط : «تجرّد»… تجرّد من حصر الحق في مذهب ما وعقيدة ما بعينها، تجرّد من مرجعية علماء القداسة في أفكارك وحكمك الشخصي على الأمور، تجرّد من وهم امتلاكنا للحقيقة المطلقة، تجرّد من حصر الفضيلة في بشر بعينهم، تجرّد من الحكم على الظاهر والأجساد، تجرّد من التربّص بالنوايا خلف سد الذرائع، تجرّد من اختزال الإنسان في لون أو جنس أو اعتقاد أو ملّة أو منطقة، الإنسان أشمل وأكبر وأثرى وأهم من النصوص والأحكام والسلطة أيا كانت، الإنسان – بلا تمييز- هو هدف الأديان والقوانين والمعاهدات والفلسفة، كل ما يحقّق الكرامة الإنسانية هو حق لكل إنسان… تجرّد من اعتقاد التعارض بين المصالح وحقوق الإنسان الطبيعية، فلا تستقيم اية مصلحة حقيقية أو تدوم وخلفها حقّ مهمّش ومختزل ، اللحظة المفصليّة لانتصار الثورة المصرية – وكل ثورة- كانت عندما انحاز كل الشعب إلى الحق وليس إلى المصلحة، عندما اجتمع الجميع –على اختلاف مصالحهم- على حقهم في رفض الذل والقمع والمطالبة بكافة حقوقهم السياسية والمدنية ، اللحظة التي وقف فيها المسيحي إلى جوار المسلم والعلماني إلى جوار الإخواني والمرأة إلى جوار الرجل والطفل إلى جوار الشيخ والجيش إلى جوار الشعب، عندها تحققت مصلحة الجميع وهنا فقط حدثت المعجزة…

حماية الكرامة الإنسانية بلا تمييز كانت الدافع دائما لمبادرات حقوق الإنسان منذ النصوص الإثني عشر لحقوق الفلاحين في ألمانيا وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان… ليست هناك وصفة سحرية لتصنيف الناس بحسب استحقاقهم للحقوق ترضي في الوقت نفسه كافة العقائد والثقافات، ولا يفترض بالدين أن يكون سوى منبرا للسلام وضمان الحقوق الإنسانية بلا تمييز، كما لا يفترض بالعقل سوى أن يقودك للحقيقة الأهم: لا حياة ولا تنمية مستدامة ولا مجتمع خال من النفاق ينشأ في ظل نظام طبقي (بغض التظر عن طبيعة الطبقات) تفصّل فيه وتمنح الحقوق بحسب ملّة أو مكانة أو انتماء أو جنس صاحبها.

و يعرّف نيكل حقوق الإنسان بأنها الضمانات الأخلاقية الأساسية التي يستحقها كل الناس من كل الثقافات والبلدان لمجرد إنسانيتهم، إطلاق إسم «حقوق» على هذه الضمانات فيه إشارة ضمنيا إلى أن تطبيق هذه الضمانات مرتبط بأشخاص أو جهات معينة «الحكومات» وأن لها أولوية أهم وأن الالتزام بتحقيقها إجباري وليس اختياري. وتعتبر حقوق الإنسان «عالمية» بمعنى أن كل الأشخاص بلا تمييز لابد لهم من التمتع بها، وهي حقوق استقلالية بمعنى أنها معايير يتم العودة إليها واستخدامها في نقد أداء الدول والحكومات تجاه الأفراد بغض التظر عن اعترافهم بها أو لا في القوانين والدساتير الرسمية المحليّة.

بقي أن أقول أنه كما كانت حماية الكرامة الإنسانية بلا تمييز هي الدافع خلف تطوّر مفاهيم حقوق الإنسان وصياغتها بالشكل الحديث الذي ندركه الآن فإن الخوف كان هو دائما الدافع الأساسي الذي بسببه تحجب الحقوق وتسحق المطالب من أي فئة، الخوف من الصفوية أو العلمانية أو التغريب أو ما إلى ذلك هو الذي يجهض كل محاولة للإصلاح، ولوشلّ مثل هذا الخوف من المسيحي والمرأة والعلماني والعسكر والتقاليد والعرف الشعب المصري لما قامت لثورتهم قائمة، ولن تستمر هذه الثورة لو أصبحت مصالح كل فئة منهم أهم من الحقوق… القس نيمولر وهو أحد ضحايا النازية خلّد مفهوم الدفاع عن الحقوق بلا تمييز في مقولته الشهيرة «في البداية لاحقوا اليهود ولم أتحدّث لأني لست يهوديا، ولاحقوا بعدها الشيوعيين ولم أتحدث لأني لست شيوعيا، وبعدها لاحقوا عمال النقابات ولم أتحدّث لأنني لست منهم، وبعدها لاحقوني ولم يعد هناك أحد ليدافع عني

http://www.albiladdaily.net/?p=6663

جبران خليل جبران: البعض نحبهم

جبران خليل جبران

البعض نحبهم ..

لكن لا نقترب منهم
فهم في البعد أحلى
وهم في البعد أرقى
وهم في البعد أغلى

والبعض نحبهم ..
ونسعى كي نقترب منهم
ونتقاسم تفاصيل الحياة معهم
ويؤلمنا الإبتعاد عنهم
ويصعب علينا تصور الحياة حين تخلو منهم

والبعض نحبهم ..
ونتمنى ان نعيش حكاية جميلة معهم
ونفتعل الصدف لكي نلتقي بهم
ونختلق الأسباب كي نراهم
ونعيش في الخيال أكثر من الواقع معهم

والبعض نحبهم ..
لكن بيننا وبين أنفسنا فقط
فنصمت برغم ألم الصمت
فلا نجاهر بحبهم حتى لهم
لان العوائق كثيره
والعواقب مخيفه
ومن الافضل لنا ولهم
ان تبقى الابواب بيننا وبينهم مغلقه…

والبعض نحبهم ..
فنملأ الارض بحبهم ونحدث الدنيا عنهم
ونثرثر بهم في كل الاوقات
ونحتاج الى وجودهم
..كالماء .. والهواء ..
ونختنق في غيابهم
أو الإبتعاد عنهم

والبعض نحبهم ..
لأننا لا نجد سواهم
وحاجتنا الى الحب تدفعنا نحوهم
فالأيام تمضي
والعمر ينقضي
والزمن لا يقف
ويرعبنا بأن نبقى بلا رفيق

والبعض نحبهم ..
لأن مثلهم لا يستحق سوى الحب
ولا نملك امامهم سوى ان نحب
فنتعلم منهم أشياء جميلة
ونرمم معهم أشياء كثيرة
ونعيد طلاء الحياة من جديد
ونسعى صادقين كي نمنحهم بعض السعادة

والبعض نحبهم ..
لكننا لانجد صدى لهذاالحب في قلوبهــم
فننهار و ننكسر
و نتخبط في حكايات فاشلة
فلا نكرههم
ولا ننساهم
ولا نحب سواهم
ونعود نبكيهم بعد كل محاوله فاشله

.. والبعض نحبهم ..
.. ويبقى فقط ان يحبوننا..
.. مثلما نحبهم..

عجز القادرين على التمام

2011/08/03 | البلاد

التقرير السنوي السابع للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان جهد يستحق الثناء، في الجزء الأول المعني برصد التجاوزات الواردة للجمعية ابتعد التقرير عن لغة الإنشاء و التبرير بذكاء ملحوظ، و عرض الانتهاكات والمخالفات علىا شكل إحصائيات ورسومات بيانية. قدّم التقرير في البداية عرضا شاملا للقضايا الواردة للجمعية منذ إنشائها في العام 2004 وحتى العام 2010،

 وصنّف القضايا تحت تسعة تصنيفات عامّة: القضايا الإداريّة وقضايا السجناء والقضايا العمّالية وحالات العنف الأسري والأحوال الشخصية والأحوال المدنية والعنف ضد الطفل والمخالفات القضائية و القضايا الأخرى. أظهر التقرير أن أعلى نسبة مخالفات حقوقية كانت للتجاوزات الإدارية، وهي المعنية برصد تجاوزات الجهات الرسمية والحكومية في تعاملها مع الأفراد، حيث رصد ما نسبته 36.5% من التجاوزات للعام الماضي، كأوامر المنع من السفر والاعتقال والفصل التعسفي والأخطاء الطبية وغيرها، و يليها القضايا العمالية التي تلتحق إداريا ربما بالقضايا الإدارية لارتباطها بالمؤسسات التشريعية و التنفيذية، كانت التجاوزات العمالية للعام الما ضي تمثّل 11.6% من مجموع التجاوزات، و كانت أقل نسبة تجاوزات حقوقية مسجّلة هي للعنف ضد الأطفال بنسبة 1.7% لأسباب مفهومة تتعلق ربما بطبيعة الأطفال وصعوبة الرصد والتثبّت والإبلاغ.

الجزء الثاني في التقرير كان عن نشاطات الجمعية في توثيق ونشر رسالتها الحقوقية عبر الأنشطة الميدانية والزيارات، ولم أجد في هذا الجزء الكثير من المهنية أو الفائدة على العكس من الجزء الأول، افتقد هذا الجزء لتصنيف الأنشطة أو آليات متابعة التوصيات، على أن التوصيات التي خرجت بها الجمعية من زياراتها الميدانية كانت جديرة بتخصيص تقارير صغيرة وفتح ملفات للمتابعة بخطط زمنية لجدية المخالفات وأثرها المزري،

 وربما كان مفيدا للجمعية تشجيع استخدام آليات قياس الأداء العام ومعايير الجودة وتفعيلها في مؤسسات الخدمة العامة كالسجون والمدارس ودور الرعاية، يختصر ذلك الجهد الشخصي المحدود هنا في كشف الخلل والقصور ويتجاوز المعيار الشخصي لأفراد الجمعية في تقييم مستوى الخدمات العامة، كما أن المعايير العامة للأداء هي آليات مستخدمة عالميا بنجاح في كافة القطاعات المدنية ولا يحتاج تفعيلها سوى بعض المتابعة والتأهيل من إدارات القطاعات المختلفة، كما أنها خطوة جديرة بضبط الأداء اليومي للمؤسسات وتحسين آليات المتابعة الموضوعية من الجهات المختلفة وليس فقط تحسين سجل المخالفات و التجاوزات المتوقعة.

ظهر أيضا من التقرير وعي القائمين عليه بأهمية المتابعة الزمنية لتطوّر أوضاع الحقوق في المملكة، لكن المقلق هو ثبات أعداد البلاغات عند أربعة آلاف قضية منذ العام 2008 و حتى 2010، هذا الرقم الضئيل مقارنة بعدد السكان الذي يتجاوز 27 مليون نسمة لا يعبّر منطقيا عن حقيقة التجاوزات، ويكشف ربما عن ضعف آليات الرصد و التبليغ.

سأتناول هنا على سبيل المثال مخالفتين حقوقيتين بالتقرير لتشابه مسبّباتها، قضايا العنف الأسري والأحوال الشخصية، كان من الأفضل طرح الاثنين تحت تصنيف مشترك لتشابه مسبباتهما، يعرّف التقرير العنف الأسري على أنه ما يرد إلى الجمعية من عنف داخل محيط الأسرة بسبب عنف بدني، نفسي، عنف ناتج عن إدمان، اتهام وقذف، تحرّش جنسي، اغتصاب جنسي، حرمان من التعليم، حرمان من العمل، حرمان من الراتب أو تعدٍّ على ممتلكات، حرمان من الزواج، حرمان من رؤية الأم، طلب إيواء، وهو هنا يختلف عن تعريفات العنف الأسري المعتمدة عالميا نظرا لطبيعة العلاقات القانونية في الأسرة هنا التي تجيز للأفراد التحكم بالحقوق الطبيعية لأسرهم، و إلا ففي وجود أنظمة قانونية رادعة لا يمكن تواجد مثل هذه التجاوزات أو اعتبارها عنفا أسريا، ولكن يتم اعتبارها مخالفات قانونية يحلها القضاء الذي يمنع التعدي على الراتب أو الحرمان من الحقوق الطبيعية في التعلم و العمل و الزواج و السكن. بينما يعرّف التقرير قضايا الأحوال الشخصيّة على أنها ما يرد إلى الجمعية من شكاوي متعلقة بحقوق شخصية لأفراد الأسرة أو تتعلق بالطلاق، الخلع، النفقة، الحضانة، التعليق و الهجر، نزع ولاية، حرمان من رؤية الأولاد، حرمان من الميراث، عدم اعتراف بالزواج، وهي هنا تصب في نفس الملاحظة السابقة، الحصانة القانونية لفرد في الأسرة للتحكم بمصير العلاقة الزوجية والاستئثار بالتصرف في مواردها، وهو وضع يعبّر عن ضعف حقيقي في الأنظمة القضائية وليس في العلاقات المتروكة لضمائر القائمين عليها.

رصدت الجمعية هذا العام ما نسبته 8% من قضايا العنف الأسري و ما نسبته 7.4% من قضايا الأحوال الشخصية وهي النسب الأعلى لهذه الفئات منذ العام 2004، في قضايا العنف الأسري كان عنف الزوج (الحالي أو السابق) هو المسؤول عن 67% من حالات الإساءة، وهو ما يتّفق مع الإحصائيات العالمية في أن الزوج هو المسببّ الأول عادة في العنف الأسري، وكانت نفس النسبة “67%” هي تجاوزات الأحوال الشخصية، إما بسبب الحرمان من النفقة أو الحضانة أو رؤية الأولاد. تكشف هذه الأرقام الخلل الأساسي في العلاقات الأسرية، و تدعو القائمين على صياغة سياسات المجتمع بتعديل الأوضاع القانونية اللازمة لضمان الحقوق العامّة و الخاصة، ليس هناك شيء ينادي بحاجتنا إلى قانون للأسرة ينظّم العلاقات فيها ويحمي كل فرد من تعنّت الآخر و تعدّيه مثل هذه الإحصائيات المرتفعة للخلل و العنف الأسري. و على أني أتفهم القيود على عمل الجمعية الوطنية إلا أن حصر دورها بالتوثيق فقط والنشر المحدود للثقافة الحقوقية منذ إنشائها قبل ستة أعوام هو أقل بكثير من تطلعاتنا، الحقوق لا تتحقق فقط بورش العمل ونشاطات ومباحثات الجمعية مع الوفود الزائرة، لا تعني الحقوق شيئا إن لم تتحوّل إلى عمل مؤسساتي شامل يرسّخ مفاهيمها ويحوّلها إلى منهج عمل في مؤسسات الدولة، مما يستدعي من الجمعية تحليل مدى التزام المؤسسات المحلية بالاتفاقيات الحقوقيّة العامة التي أقرّتها الحكومة السعودية ولم يتم تطبيقها بعد، و هو أمر يسهّل كثيرا متابعة الوضع الحقوقي على الجمعية محليا بتعدّد محاوره، والعنصر الأهم هو إشراك المجتمع في حماية مصالحه وحقوقه عبر مؤسسات المجتمع المدني، وعلى الجمعية دور كبير في ترسيخ ثقافة العمل الاجتماعي العام والحرص على تمرير مشروع مؤسسات المجتمع المدني المتوقف منذ وقت طويل، كما أن الجمعية كممثلة لمصالح وحقوق الناس تحمل مسؤولية نشر ردود المؤسسات العامة – أو عدم تجاوبها – في تقاريرها السنوية، إلحاق سجل توثيقي بالتقرير السنوي لردود الجهات المعنية بالتجاوزات على ملاحظات الجمعية – بالأسماء – ضروري للغاية، فهو يضع الجهات المعنيّة بالمخالفات في مواجهة مباشرة عن مسؤوليتها أمام المستفيدين من خدماتها مما يساهم في تقوية السلطة الرقابية الضعيفة حاليا للجمعية، و هو أهم كثيرا برأيي من معرفة أسماء أعضاء الوفود الزائرة من الجمعية أو خارجها التي عرضها التقرير بالتفصيل، ويبقى التقرير في النهاية جهدا وحيدا مشرّفا على مستوى مؤسسات الدولة يستحق الثناء من واضعيه بالرغم من عدم اكتماله

http://www.albiladdaily.net/?p=5451