الطريق إلى الجحيم

هالة الدوسري

2011/07/21 | البلاد

في علم الأخلاق الطبية تجربة شهيرة في علم النفس الاجتماعي، قام بها العالم ستانلي ميلجرام من جامعة ييل في الستينيات، اختار العالم اثني عشر شخصا من مختلف الأعمار والخلفيات،

 تم إخبار المشاركين بأن هدف الدراسة العلمية هو مراقبة تأثير العقاب على عملية التعلّم، في البداية تم تقديم كل مشارك في التجربة إلى الشخص المتلقّي و الذي ستطرح عليه الأسئلة،

 و بعدها انتقل المتلقّي إلى غرفة أخرى مقيّداً إلى كرسي يطلق شحنات كهربائية متدرّجة القوة كعقاب في حال الخطأ في الإجابة على الأسئلة، في غرفة التحكم جلس كل مشارك ليلقي الأسئلة على المتلقّي عبر سماعة للصوت يستمع بها إلى إجابات المتلقّي،كانت التجربة تقتضي أن يضغط المشارك على أزرار الشحنات الكهربائية المتزايدة بالتدريج كلما أخطأ المتلقّي،

 و خلف مقعد المشارك جلس الباحث يطالع أوراقه في هدوء و يشجّع المشارك على إتمام التجربة كلما التفت إليه متردّدا في إكمال الضغط على شحنات الكهرباء المتزايدة، مع تكرار الخطأ كان يصل للمشاركين صوت المتلقّي وهو يتألم من شدة الشحنات حتى يتوقف تماما، حيث كان يتم اعتبار صمته أيضا إجابة خاطئة تستحق المزيد من الشحنات الكهربائية، في منتصف التجربة و مع تكرار التعرّض للكهرباء كان المتلقّي يختفي صوته تماما،

وفي بعض المرّات تم إبلاغ المشاركين بأن المتلقّي تعرّض إلى أزمة قلبية أثناء التجربة، لكن في النهاية لم يتردد تسعة من المشاركين الاثني عشر (65%) من الاستمرار في إطلاق الشحنات حتى الوصول للشحنة القاتلة، المفاجأة كانت فور انتهاء التجربة، حيث لم يكن المتلقّي مقيّدا من الأصل إلى الكرسي الكهربائي و كان كل ما يصل للمشاركين من أصوات متألّمة مسجّلة خصيصا لهذا الغرض…

لم يكن الدافع الحقيقي للتجربة قياس مدى ارتباط التعلّم بالألم، و لكن كان الدافع معرفة كيف يستطيع أشخاص طبيعيّون -كما حدث في فترة النازيّة- تنفيذ مختلف أنواع الفظائع بأشخاص مثلهم بأوامر موجّهة لهم من السلطة…

كانت هذه التجربة هي الفيصل في اكتشاف “إنسانية” الأشخاص الطبيعيون في التعامل مع أوامر السلطة حتى ولو خالفت ضمائرهم وأخلاقيّاتهم و أدّت إلى تعذيب أو مقتل إنسان آخر…

المجموعة التي استمرّت في تطبيق التجربة بلا أي توقّف حتى النهاية كانت بالطبع تثق في أمانة العلم و الباحث و اعتبرت أن أي خطر في التجربة هو محسوب بدقّة حتى لو خالف ما يصل إلى حواسّهم و ما يسمعونه بآذانهم، حتى لو خالف ضمائرهم، أصيب معظم أفراد هذه المجموعة بصدمة نفسية فور توضيح الهدف الحقيقي للتجربة،

و كان المثير ان التجربة أعطت نفس النتائج عند إعادتها في مجتمعات مختلفة… التجربة على أنها خالفت أدبيات البحث العلمي بخداع المشاركين و عدم إبلاغهم باحتمال تعرضهم لضغط نفسي من التجربة أوضحت خللاً كبيراً في السلوك الإنساني في التعاطي مع أوامر السلطة.هذه التجربة الكلاسيكية توضّح نفوذ صاحب السلطة على أتباعه، كما تبيّن مدى أهمّية الضوابط والرقابة في الأنظمة لتقييد صلاحيات المسؤول في ممارسة سلطاته، السلطة المطلقة مهلكة،

 و السلطة التي تمنحها قدسية الدين أشد خطراً،لأنها أكثر قدرة على إخضاع إرادة البشر بلا حاجة لتقديم مبرّرات حتى لو خالفت المنطق والمصلحة، تقدّم السلطة الدينية عادة الأحكام و تفسّرها على أنها حقائق لا يمكن نقدها أو رفضها تحت أي مبرر اجتماعي أو منطقي، و تغفل حقيقة أن معظم أحكام الفقه الإسلامي هي نتيجة اجتهاد بشري،

 لا يخرج في مجمله عن مفهوم خاص للنص في سياق الظروف المكانية و الزمانية التي عاصرها واضعو المذاهب المختلفة، كما في حكم الرقّ و الغزو، و تصبح الأحكام بالتالي مقدّسة كما النصوص ذاتها و لايتاح لاتباع الدين بعدها مناقشتها أو إعادة فتح باب الاجتهاد فيها… في مقاله المنشور مؤخرا يطرح أحد العلماء (عضو هيئة كبار العلماء، الشيخ الفوزان)، قراءة تقليدية في حكم زواج القصّر،

 و يبيّن من أدلة السيرة و اجتهادات الفقهاء جوازه و يحذّر من تبديل أحكام “الله” و تغييرها و يختم مقاله بالتهديد و الوعيد المعتاد للمخالفين للحكم في الخطاب الديني الرسمي،والمفارقة هنا هي من التحذير من مخالفة هذا “التوجيه الفقهي” و تصويره كمخالفة هامّة لتعاليم الدين…

الشيخ بالتأكيد يضع رأياً دينياً في درجة أرقى في الحكم من أي رأي آخر حتى مع كونه لا يمسّ أركان الدين، وهو بهذا يتبع سلطة الدين المطلقة و يدعّم اتباعها لدى عموم الناس هنا…

ما يعنيني هنا هو تناول دور المشرّع الديني في عملية صناعة القرار، يفترض أن يؤخذ الرأي الديني مع الرأي الطبي و النفسي و الاقتصادي و القانوني في تقرير سياسات الدولة للتنمية البشرية، تظهر وجهة النظر الصحية و عبر دراسات الإحصاء الطبي أن معدلات وفيات الأطفال و الأمهات هي الأعلى في الفئة العمرية الأقل سنا ،

 بالإضافة لمضاعفات الحمل و الولادة على إضعاف صحة الأمهات الصغيرات و أطفالهن، كما أن تلكفة العناية الطبية المطلوبة لا بد أن تؤخذ في الاعتبار، تماماً كما قرّرت الدولة أن تفرض الفحص الطبي لمكافحة الأمراض الوراثية تجنباً للكلفة العالية للعلاج مدى الحياة ولرفع مستوى الصحة العامة في المجتمع، هذا عدا عن الآثار الاقتصادية الأخرى،

 فالأم المنشغلة بالحمل و رعاية الأطفال تنصرف عن التحصيل العلمي الأساسي و بالتالي تكون أقل تأهيلاً للكسب و العمل مستقبلاً في حال الحاجة لذلك، كما أنها أقل وعياً بكيفية العناية بالأطفال،وبفحص سريع لأوضاع المستفيدات من الضمان الاجتماعي سيظهر بالتأكيد انخفاض مستوى التحصيل العلمي و كثرة المشكلات الأسرية،

 قانونياً تخالف مسألة تزويج القاصرات الاتفاقيات الموقّعة من حكومة السعودية كحقوق الطفل و إزالة التمييز ضد المرأة، كما تتعارض مع خطط المملكة في تنمية القدرات البشرية عبر إزالة العقبات في فرص التمكين بين النساء و الرجال،

لكن لأن رجل الدين يملك سلطة أقوى على حياة غالبية الناس فليس من المستغرب أن تعاود قضايا زواج القاصرات الظهور وآخرها فتاة تبوك بلا أي تحرك حقيقي على مستوى صناعة القرار، ظهر الخضوع للسلطة بالرغم من المحاذير الأخلاقية في تزويج الصغيرة لستيني بالإكراه، الكل يخضع للسلطة و الكل يحمّل مسؤولية عواقب القرار لغيره الأكثر علماً و يلغي مسؤوليته الخاصّة،

 تماماً كما حدث في تجربة ميلجرام، في النهاية لم يكن جون راي مخطئاً فالطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الطيبة

http://www.albiladdaily.net/?p=3324

http://www.youtube.com/watch?v=BcvSNg0HZwk

http://www.youtube.com/watch?v=IzTuz0mNlwU

http://www.youtube.com/watch?v=CmFCoo-cU3Y

الإعلانات