الاستعانة بصديق

في بريدي رسالة قصيرة من صديق شاب تسألني عن أهم خمسة أمور لعمليات الإصلاح؟… أتوقف عندها من وقت لأخر و يمنعني شيء ما من الاستجابة، الرسالة بالطبع أكبر من اختصارها في عبارات قليلة، أصادف الرسالة نفسها في عبارات العابرين و العابرات بي أحيانا، جميعهم يبحثون عن إجابة لحيرة الواقع و ينتظرون كما السؤال المعلّق في بريدي، ولصاحب السؤال أقول ابحث معي عن إجابة سؤالك بين العبارات العابرة بي، يقول الطبيب المطارد في فكره “أعيش في وطن ليس مسموحا لي بالمشاركة فيه”، و تقول الشابة الذابلة تحت وصاية الأب و القوانين ” أنا مذلولة جدا، و أتكلم من ضعف، الجميع يستغل سلطته علي”، و تقول صاحبة التأهيل المميز التي تسعى للاستقالة من منصبها الرفيع و العيش في الخارج “ستكتشفين أن المنصب الرفيع وحده -إن استطعت الوصول إليه- لا يكفي لصنع أي فرق”،  و يقول لي مهندس المشاريع الطبية الذي لا يعنيه سوى تحقيق حد ما للجودة “المناقصات محسومة سلفا هنا، كل الشركات تسأل قبل أي مناقصة عن نية الحيتان في المشاركة حتى تكفي نفسها عناء التقديم”، و إن لم تكن تريد أن تسمع تلك العبارات انظر إلى تلك العيون الجامدة حولك و التي ترتطم بك، هل تقرأ فيها أي تفاعل أو اهتمام بما يحدث حولها مهما كان مؤثرا و صاخبا و مقلقا لواقعهم و مستقبلهم؟…

لا تحتاج صديقي للبحث كثيرا، العنصر الذي تبحث عنه لم يعد في طور البحث و الاستفتاء، هو عنصر تم اكتشافه منذ زمن و وضع تصنيفه على خارطة العالم، كما يمكن قياس وجوده بعدة مؤشرات، نظام الحكم الرشيد يضمن تحقيق هذا العنصر، و الحكم الرشيد في مقابل استئثاره بالسلطة السياسية و الاقتصادية والإدارية للتصرف في موارد البلاد و شؤون أفرادها، تتحقق به الوسائل المدنية التي يمارس بها الناس المطالبة بمصالحهم و حقوقهم و حل اختلافاتهم و أداء واجباتهم، يمكن قراءة ملامح أي نظام سياسي للحكم عبر ثمانية مؤشرات، الشراكة في صناعة القرار، و تقرير السياسات و القوانين بناء على الاتفاق العام، و تحمل المسؤولية،  و الشفافية، و سرعة الاستجابة لمطالب المجتمع، و سيادة القانون، و المساواة و احتواء جميع الفئات، و أخيرا الفعالية و الكفاية في الأداء العام،  وجود هذه الخصائص الثمانية في نظام الحكم -تحت أي مسمى كان- هي ما تصنع المنتج النهائي لأداء الدولة في أي مجال…

يمكن لك صديقي أن تلاحظ اختفاء بعض أو كل عناصر هذه المعادلة الثمانية في تتبع أي مشكلة عالقة، كارثة جدة مثالا على غياب الشفافية، عدم وجود تقنين مكتوب للأحكام دليل على ضعف القوانين و تحيزها، تردد مؤسسات الدولة الكبرى في حسم مشكلات يضج بها المجتمع كالعنف الأسري و نظام الولي و قيادة السيارة دليلا على مدى الاستجابة لمطالب شعبية ملحة، البطالة في وجود ملايين الأجانب هي المثال الأفضل على انعدام الكفاية و الفعالية في مستوى الأداء العام، و الكثير سواها (محذوف)…

كما يمكن أن تعرف شيئا هاما عن واقعك بمقارنته بواقع غيرك، الكثير يعتقد جازما أنه يسير في الاتجاه الصحيح هكذا بلا أي مؤشرات و لا إحصائيات، و هناك الكثيرون ممن يضعون تعريفا خاصا -عن جهل أو تعمد- لمعنى الأمن و الاستقرار، في غياب المعايير و الأدلة و في حضور الجهل و تسلّمه أحيانا مقاليد الأمور يمكن خداع الناس و إيهامهم بأي شيء…

يشبه الأمر تماما وقوفك على سطح سفينة متحركة، قد يبدو لك العالم ساكنا هادئا لا تشعر بحركته، لكنك بنظرة واحدة عبر السفينة إلى البر المقابل ستكتشف مرور العالم و حركته، و ستدرك أنك أيضا تتحرك ولو لم تشعر، لكنك كنت تحتاج إلى رؤية هذه الحركة خارج سفينتك حتى تدرك واقعك و حركتك الذاتية، أنت إذن لا يمكن أن ترى واقعك و تدركه بلا مؤشرات تقرأها من المقارنه بالعالم من حولك… و هذه المؤشرات يقدمها لنا العالم من حولنا أحيانا بلا أي جهد منا، نوبوأكي نوتوهارا يطل على عالمنا بعيون يابانية و يكشف لنا شيئا من حقيقته “هناك حقائق في الدين و الكتب و في أقوال القادة السياسيين، و لكن الحقائق الموجودة في الوقائع لا بد أن نكتشفها بأنفسنا، دراسة الوقائع مهمة دائما لأنها تتضمن حقائق جديدة لا بد أن نواجهها، بالنسبة للرأي السائد لدى معظم المسلمين فإن القرآن الكريم يحتوي الحقائق كلها جاهزة كاملة!… إذا كيف يواجة الناس الحقائق الجديدة؟…يكتفي العربي باستعادة الحقائق التي قد اكتشفها في الماضي البعيد… و في سبيل الكلام عن الحقيقة فإنني أريد أن أضيف أن الناس في الوطن العربي يخبئون الحقائق التي يعرفونها حق المعرفة”… تعلم الآن لماذا تستمر مشكلات ممكنة الحل بواسطة قوانين ملزمة و مؤسسات تنفيذية فعّالة، تعلم لماذا تعاود ملفات معينة الظهور على السطح بلا أي معالجة: ملف التعليم و القضاء و الانتخابات و البطالة و المرأة و الطفل، و ربما تشعر في معظم الأوقات بأنك عاجز مكبل لا دور لك و لا صوت في صناعة واقعك، و لكنك مخطيء، هناك دور هام لك في صناعة الوعي و هو كشف الستار عن الحقيقة بلا أي تحيز، أدخل النور إلى واقعك المظلم و الغارق في التعريفات التاريخية المقدّسة و الغامضة، و ابحث عن حقيقته و أعد تصنيفها من جديد بعين العالم، الضوء كفيل بالقضاء على الجراثيم المتفشية في واقعك و قادر على منحك الرؤية الأشمل و الأوضح، ابحث صديقي عن الحقائق و اسمح لنفسك برؤيتها على حقيقتها و اعرضها أمام نفسك بلا تجميل ولا تبرير،  و من ثم اكشفها للعالم بلا خجل وضعها في مقارنة مستمرة معه حتى تصبح أكثر وضوحا لعينيك، أدرك أني لم أقدم لك خمس نصائح كما أردت لأن الحقيقة لا يمكن حصرها و لا تحديدها، لكني أتركك في النهاية مع صديق آخر ربما تمنحك كلماته الإجابة، يقول توماس فولر الطبيب الإنجليزي الشهير قبل أربعة قرون “ابحث عن الحقائق وعندما تجدها افهمها جيدا و إلا ستقضي عليك الأكاذيب”…

One Response to الاستعانة بصديق

  1. هاشم قال:

    قالت زوجتي في تأفف واضح ونحن خارجون من المنزل ونسير على الطريق المدمر:
    إلى متى هذا الحال؟
    فسألتها:
    هل هو الطريق فقط؟
    نظرت إلي بعين بها ألف علامة استفهام!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s