العرب بعيون يابانية

نوبواكي نوتوهارا 

( تلخيص وترجمة : منى فياض )

صدر مؤخراً كتاب ولم يلفت الانتباه بشكل كاف، وهو كتاب الياباني نوتوهارا حول “العرب من وجهة نظر يابانية” .

يكتب نوتوهارا بعد ان تعرف على العالم العربي منذ العام 1974 وزار العديد من بلدانه واقام فيها لفترات، انطباعاته المحايدة عن هذا العالم. ومن اللافت ان اول ما يقوله عن عالمنا العربي: “ان الناس في شوارع المدن العربية غير سعداء، ويعبر صمتهم عن صرخة تخبر عن نفسها بوضوح”. وهو يعيد هذا الشعور الى غياب العدالة الاجتماعية، لأنها اول ما يقفز الى النظـر. وهذا ما يؤدي في نظره الى الفوضى. كما انه يلاحظ كثرة استعمال العرب لكلمة ديموقراطية، وهذا لا يعبر سوى عن شيء واحد: عكسها تماما، الا وهو القمع وغياب الديموقراطية. ولهذا القمع وجوه عدة: منع الكتب، غياب حرية الرأي وحرية الكلام وتفشي ظاهرة سجناء الرأي.

ويشير نوتوهارا، كمراقب اجنبي، ان العالم العربي ينشغل بفكرة النمط الواحد، على غرار الحاكم الواحد. لذلك يحاول الناس ان يوحدوا اشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم. وتحت هذه الظروف تذوب استقلالية الفرد وخصوصيته واختلافه عن الآخرين. يغيب مفهوم المواطن الفرد وتحل محله فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة للنظام السائد.

وعندما تغيب استقلالية الفرد وقيمته كانسان يغيب ايضا الوعي بالمسؤولية: عن الممتلكات العامة مثل الحدائق او الشوارع او مناهل المياه ووسائل النقل الحكومية والغابات (باختصار كل ما هو عام) والتي تتعرض للنهب والتحطيم عند كل مناسبة.

ويجد نوتوهارا ان الناس هنا لا يكترثون او يشعرون بأي مسؤولية تجاه السجناء السياسيين، الافراد الشجعان الذين ضحوا من اجل الشعب، ويتصرفون مع قضية السجين السياسي على انها قضية فردية وعلى اسرة السجين وحدها ان تواجه اعباءها. وفي هذا برأيه اخطر مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية. يعطي مثلا عن زياراته الخمس لتدمر (سوريا) دون ان يعرف ان فيها سجنا مشهورا، وهو حتى الآن لا يعرف موقع هذا السجن بسبب الخوف الذي يحيط به بالطبع. فعند السؤال عن سجن ما يخاف الشخص ويهرب، كأن الامر يتعلق بسؤال عن ممنوع او محرم.

الخوف يمنع المواطن العادي من كشف حقائق حياته الملموسة. وهكذا تضيع الحقيقة وتذهب الى المقابر مع اصحابها.

الناس في العالم العربي “يعيشون فقط” بسبب خيبة آمالهم وبسبب الاحساس باللاجدوى او اليأس الكامل، وعدم الايمان بفائدة اي عمل سياسي.

في العالم العربي يستنتج الشخص افكاره من خارجه، بينما في اليابان يستنتج الناس افكارهم من الوقائع الملموسة التي يعيشونها كل يوم، وهو يتابع: في مجتمع مثل مجتمعنا نضيف حقائق جديدة، بينما يكتفي العالم العربي باستعادة الحقائق التي كان قد اكتشفها في الماضي البعيد. والافراد العرب الذين يتعاملون مع الوقائع والحقائق الجديدة يظلون افرادا فقط ولا يشكلون تيارا اجتماعياً يؤثر في حياة الناس.

يشير هنا الى التجربة اليابانية التي عرفت ايضا سيطرة العسكر على الامبراطور والشعب وقيادتهم البلاد الى حروب مجنونة ضد الدول المجاورة انتهت الى تدمير اليابان. وتعلم الشعب الياباني ان القمع يؤدي الى تدمير الثروة الوطنية ويقتل الابرياء ويؤدي الى انحراف السلطة.

“لكن اليابانيين وعوا اخطاءهم وعملوا على تصحيحها وتطلب ذلك سنوات طويلة وتضحيات كبيرة، وعوا ان عليهم القيام بالنقد الذاتي قبل كل شيء وبقوة. الانسان بحاجة الى النقد من الخارج ومن الداخل مهما كان موقفه او وظيفته الاجتماعية او الهيئة التي ينتمي اليها، ان غياب النقد يؤدي الى الانحطاط حتى الحضيض”.

وهو يكتب: “كثيرا ما ووجهت بهذا السؤال في العالم العربي: لقد ضربتكم الولايات المتحدة الاميركية بالقنابل الذرية فلماذا تتعاملون معها؟ ينتظر العرب موقفا عدائيا عميقا من اليابانيين تجاه الولايات المتحدة الاميركية. ولكن طرح المسألة على هذا النحو لا يؤدي الى شيء، علينا نحن اليابانيين ان نعي اخطاءنا من الحرب العالمية الثانية اولا ثم ان نصحح هذه الاخطاء ثانيا. واخيرا علينا ان نتخلص من الاسباب التي ادت الى القمع في اليابان وخارجها. اذن المشكلة ليست في ان نكره اميركا اولا، المشكلة في ان نعرف دورنا بصورة صحيحة ثم ان نمارس نقدا ذاتيا من دون مجاملة لأنفسنا. اما المشاعر وحدها فهي مسألة شخصية محدودة لا تصنع مستقبلا.

في اليابان، بعد الحرب العالمية الثانية، “مد الياباني يده الى الاميركي يطلب مادة متوافرة عند الآخر. وقتئذ كان شعورنا غير واضح، فمن جهة لم يكن عارا علينا ان نأخذ ممن يملكون ولكن من جهة ثانية، لم تكفّ نفوسنا عن الاضطراب والتوتر الداخلي، والشعور بالحرج، عرفنا معنى ان لا نملك ومعنى الصدام بين ثقافتين او الاحتكاك بينهما”.

يشير المؤلف الى الكاتب المصري يوسف ادريس الذي تعرف على المجتمع الياباني وكان يتساءل دائما عن سر نهضة اليابان وتحولها من بلد صغير معزول الى قوة صناعية واقتصادية، الى ان حدث مرة ان راقب عاملا فيما هو عائد الى فندقه في منتصف الليل يعمل وحيدا وعندما راقبه وجده يعمل بجد ومثابرة من دون مراقبة من احد وكأنه يعمل على شيء يملكه هو نفسه. عندئذ عرف سر نهضة اليابان، انه الشعور بالمسؤولية النابعة من الداخل من دون رقابة ولا قسر. انه الضمير اكان مصدره دينيا او اخلاقيا. وعندما يتصرف شعب بكامله على هذه الشاكلة عندها يمكنه ان يحقق ما حققته اليابان. ومن الامور التي لفتت نظره في مجتمعاتنا، شيوع الوسخ في الشوارع، مع اننا نعد انفسنا من انظف شعوب العالم ونتباهى ان صلاتنا تدعونا للنظافة! فهل يقتصر مفهوم النظافة على الشخص والمنزل فقط؟ لقد دهش نوتوهارا مرة عندما زا ر منزل صديق له في منطقة تعاني من سوء نظافة شديد كيف ان الشقة كانت كأنها تنتمي الى عالم آخر. الناس هنا لا تحافظ على كل ما هو ملكية عامة، وكأن الفرد ينتقم من السلطة القمعية بتدمير ممتلكات وطنه بالذات.

وتدعم دراسة اخرى هذه الملاحظات، فيظهر لدى الكبار في السن من العرب توجها اوضح لتعليم اطفالهم احترام كبار السن، والحاجة الى تحصيل حياة افضل واحترام الذات، بينما تتأخر قيم اخرى مثل المسؤولية والاعتماد على الذات وتقبل الآخرين (وهي التي وضعها عرب اميركا في اعلى سلم خياراتهم). وتبين هذه الدراسة اعطاء اهمية كبيرة للدين في كل من الاردن والسعودية والمغرب ومصر، اي اكثرية العرب! فيجد المصريون والسعوديون ان تعليم الدين يعد اهم قيمة لتعليم الاطفال. كذلك اختار المغاربة تعليم الدين والطاعة ليمنحوهما اعلى درجات، وكانت قيمة احترام الذات من ادناها”. والمشكلة ليست في تعليم الدين بالطبع، لكن سؤالنا متى لم يكن تعليم الدين اولوية في عالمنا؟ وما دام الامر كذلك فلماذا نحن على هذه الحال؟ واين القوى والحس بالمسؤولية والضمير الديني بينما يتفشى الفساد الى هذه ا لدرجات المخيفة؟ المشكلة اذن كيف يتم تعليم الدين وعلى اي قيم دينية يتم التركيز؟

ومن المشاكل التي نعاني منها، ويشير اليها نوتوهارا ما يسميه الموظف المتكبر يكتب: “يواجه الياباني في المطار الشعور بالاهانة امام طريقة تعامل الموظفين مع المسافرين وايقافهم بأرتال عشوائية وتفضيلهم السماح لبعض الشخصيات المهمة بالمرور امام نظر جميع المسافرين”. وهذا الامر لا يواجه الياباني فقط بل يواجهه كل مواطن عربي غير مدعوم بواسطة او معرفة موظف ما. كذلك يندهش الاجنبي من مسألة الغش المتفشية في بلادنا، ويشير الى غش موظفة مصرف تعرّض له في تبديل العملة، فهو لم يفكر بعدّ النقود بعدما استلمها واستغرب ان تسرقه وهي كانت لطيفة معه ومبتسمة!!

مرة طلب منه موظف مبلغا من المال في مطار عربي، فاعطاه اياه معتقدا انه رسم، لكن نقاش زميل للموظف وتوبيخه له جعله يعتقد ان في الامر سوء استخدام وظيفة. لكن بعد ذلك ترك الموظف زميله ومشى دون ان يفعل اي شيء. انه الصمت المتواطئ (لا دخل لي) الذي يؤدي الى غياب اي رقابة واطلاق الحرية للفاسدين. لذا لا نعود ندهش عندما يسرد لنا كيف عرض عليه موظف متحف شراء قطع آثار قديمة. لكنه كياباني لم يستطع ان يصدق كيف ان موظفا اختاره وطنه ليحرس آثاره يخونه ويخون شرفه وتاريخه ويبيع آثارا تركها اجداده منذ آلاف السنين!

ويروي على لسان صديق له ياباني وله وجه مبتسم كيف انه لما مر امام منزل مسؤول صفعه الحارس ظنا منه انه ربما يضحك عليه. موظف السفارة اليابانية قال له: “اشكر ربك انه اكتفى بصفعك”!، يرى في ذلك تواطؤا غير مبرر ولا يليق ببعثة اجنبية. واكثر ما يثير دهشة كاتبنا الياباني اعتياده على ان رئيس الوزراء الياباني يتغير كل سنتين لمنع اي شكل من اشكال الاستبداد، فالحكم الطويل يعلم الحاكم القمع، بينما في البلاد العربية يظل الحاكم مدى الحياة! الحاكم العربي يتمتع بامتيازات ما قبل العصور الحديثة واستثناءاتها. ومهما كان الفرد استثنائيا فان مهمات قيادة الدولة اوسع من اي فرد استثنائي. فالحاكم عنده مهمة اكبر من الانسان العادي بينما قدرته محدودة. الفرد الذي يفشل في تحمل مسؤوليته يغير ويحاسب. والحاكم مثل اي مواطن آخر، فهناك مساواة فعلية امام القانون ويعطي مثال سجن رئيس وزراء ياباني واعتقاله كأي مواطن ياباني عندما اكتشف ضلوعه في فضيحة لوكهيد. لا شيء يحمي الفرد اذا كان مذنبا. ومع ذلك نجد ان ابنته الآن عضو بارزة في البرلمان، مما يعني انه لم يحل ذنب والدها في وصولها بكفايتها الى ما هي عليه.

ان اكثر ما اثار دهشته كيف ان الحاكم العربي يخاطب مواطنيه: بيا ابنائي وبناتي! الامر الذي يعطيه صفة القداسة وواجب طاعته. وهو بهذا يضع نفسه فوق الشعب وفوق النظـام والقانون، ويحل محل الاب ويتخذ صفة الاله الصغير.

اما عن تعاملنا مع اطفالنا، فهو يشير الى وجود الاعتداء الجنسي الذي لم يفصّله نظرا الى حساسيتنا تجاه الموضوع واكتفى بلفت النظر الى مسألة ترك الاولاد في الشوارع من دون رقابة الاهل. لا يمكن في فرنسا او اي بلد مماثل رؤية اولاد في الشارع من دون مرافقة بالغين. ناهيك عن شيوع استعمال الضرب في المدارس وسماع بكاء الاطفال.

ربما يجعلنا ذلك نتأمل في انفسنا ونقوم بنقدها على نحو جذري كي نعرف مكامن الخلل في قيمنا وسلوكنا ونظامنا التربوي ولكي نحاول اللحاق بمتطلبات عصر لن يقف منتظرا ان نجهز لدخوله. فليس كل الحق على… الآخرين.

 

Advertisements

هل نحارب طواحين الهواء؟

علاء الاسواني
«لقد عاش المسلمون أزهي عصورهم وحكموا العالم وأبدعوا حضارتهم العظيمة عندما كانوا يعيشون في ظل الخلافة الاسلامية التي تحكم بشريعة الله .. في العصر الحديث نجح الاستعمار في اسقاط الخلافة وتلويث عقول المسلمين بالأفكار الغربية، عندئذ تدهورت أحوالهم وتعرضوا الى الضعف والتخلف.. الحل الوحيد لنهضة المسلمين هو استعادة الخلافة الاسلامية..».
كثيرا ما استمعت الى هذه الجملة من بعض خطباء المساجد وأعضاء الجماعات الاسلامية ولا شك في أن كثيرين في مصر والعالم العربي يؤمنون بصحة هذه المقولة مما يجعل من الواجب مناقشتها. الحقيقة أن الاسلام قدم فعلا حضارة عظيمة للعالم فعلى مدى قــرون نبغ المسلمــون وتفــوقوا في المجالات الانسانية كلها بدءا من الفن والفلسفة وحتى الكيمياء والجبر والهندسة.. أذكر أنني كنت أدرس الأدب الأسباني في مدريد وكان الأستاذ يدرسنا تاريخ الأندلس وفي بداية المحاضرة عرف أن هناك ثلاثة طلبة عرب في الفصل فابتسم وقال لنا:
«يجب أن تفخروا بما أنجزه أجدادكم من حضارة في الأندلس…».
الجزء الأول من الجملة عن عظمة الحــضارة الاسلامية صحـيح تمـاما.. المشكــلة في الجزء الثاني… هل كـانت الدول الاسلامـية المتعاقبة تطبق مبادئ الاسلام سواء في طريقة توليها للحكم أو تداولها للسـلطة أو معــاملتها للرعية ..؟! .. ان قراءة التاريخ الاسلامي تحمل لنا اجابة مختلفة.. فبعد وفاة الرسول لم يعرف العالم الاسلامي الحكم الرشيد العادل الا لمدة 31 عاما هي مجموع فترات حكم الخلفاء الراشدين الأربعة: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب.. الذين حكموا جميعا لمدة 29 عاما ثم الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز الذي حكم لفترة عامين.
31 عاما فقط من 14 قرنا من الزمان، كان الحــكم فيها عادلا رشيدا نقيا متوافقا مع مبـادئ الاسلام الحقــيقية، أما بقية التاريخ الاسلامي فإن نظام الحكم فيه لم يكن متفقا قط مع مبادئ الدين.. حتى خلال الـ31 عاما الأفضل، حدثت مخالفات من الخليفة عثمان بن عفـان، الذي لم يعدل بين المسلمين، وآثر أقاربه بالمناصــب والعــطايا، فثار عليه الـناس وقتلوه، ولم يكتفوا بذلك بل هاجموا جنازته وأخرجوا جــثته واعتدوا علــيها حتى تهــشم أحد أضلاعه وهو ميت… ثم جاءت الفتنة الكبرى التي قسمت المسلمين الى ثلاث فرق (أهل سنة وشيعة وخوارج) وانتهت بمقتل علي بن أبي طالب، وهو من أعظم المسلـمين وأفقـههم وأقربهم للرسول على يد أحد الخوارج وهو عبد الرحمن بن ملجم. ثم أقام معاوية بن سفيان حكما استبداديا دمويا أخذ فيه البيعة من الناس كرها لابنه يزيد من بعـده ليقضي الى الأبد على حق المسلمين في اختيار من يحكمهم، ويحيل الحكم من وظيفة لاقامة العــدل، الى مــلك عضوض (يعض عليه بالنواجذ). والقارئ لتاريخ الدولة الأموية ستفاجئه حقيقة أن الأمويين لم يتورعوا عن ارتكاب أبشع الجرائم من أجل المحافظة على الحكم… فقد هاجم الأمويون المدينة المنورة وقتلوا كثيرا من أهلها لإخضاعهم في موقعة الحرة، بل ان الخــليفة عــبد الملك بن مروان أرسل جيشا بقيادة الحـجاج بن يوســف لإخضاع عبد الله بن الزبير الذي تمرد على الحكم الأموي واعتصم في المسجد الحرام… ولقد حاصر الحجاج مكة بجيشه وضرب الكعبة بالمنجنيق حتى تهدمت بعض أركانها ثم اقتحم المسجد الحرام وقتل عبد الله بن الزبير داخله…
كل شيء إذاً مباح من أجل المحافظة على السلطة حتى الاعتداء على الكعبة أقدس مكان في الاسلام. وإذا انتقلنا الى الدولة العباسية ستطالعنا صفحة جديدة من المجازر التي استولى بها العباسيون على السلطة، وحافظوا عليها. فقد تعقب العباسيون الأمويين وقـتلوهم جميعا بلا ذنب ولا محاكمة، ونبشوا قبور الخلفاء الأمويين وعبثوا بجثثــهم انتقاما منهم.. الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور قتل عمه عبد الله خوفا من أن ينازعه في الحكم، ثم انقــلب على أبي مسلم الخراساني الذي كان سببا في اقامة الدولة العباسية فقتله. أما أول الخلفاء العباسيين فهو أبو العباس السفاح الذي سمي بالسفاح لكثرة من قتلهم من الناس، وله قصة شهيرة جمع فيها من تبقى من الأمراء الأمويين وأمر بذبحهم أمام عينيه، ثم غطى جثثهم ببسـاط ودعا بطعام وأخذ يأكل ويشرب بينما لا زالوا يتحركون في النزع الأخير ثم قال:
«والله ما أكلت أشهى من هذه الأكلة قط».
أما من ناحية الالتزام الديني، باستثناء بضـعة ملوك اشتهروا بالورع فقد كان معظم الملوك الأمويين والعباسيين يشربون الخمر مع ندمائهم على الملأ كل ليلة… فلسفة الحكم إذاً لم يكن لها علاقة بالدين من قريب أو بعيد، بل هو صراع شرس دموي على السلطة والنفوذ والمال، لا يتورعون فيه عن شيء حتى لو كان الاعتداء على الكعبة وهدم أركانها… فلا يحدثنا أحد عن الدولة الاسلامية الرشيدة التي أخذت بالشريعة، لأن ذلك ببساطة لم يحدث خلال 14 قرنا الا لفترة 31 عاما فقط.
السؤال هنا ما الفرق بين الحكم الاسلامي الرشيد الذي استمر لسنوات قليلة وبين ذلك التاريخ الطـويل من الاستبداد باسم الاسلام.. انه الفرق بين العدل والظلم، بين الديموقراطية والاستبداد.. ان الاسلام الحقيقي قد طبق الديموقراطية الحديثة قبل أن يطبقها الغرب بقرون طويلة.. فقد امتنع الرسول صلى الله عليه وسلـم عن اختيار من يخلفه في حكم المسلمين واكتــفى بأن ينـتدب أبا بكر لكي يصلي بالمسلــمين بدلا منه، وكأنه يريد أن يرسل الاشارة أنه يفضل أبا بكر لخلافته بدون أن يحرم المسلمين من حقهم في اختيار الحاكم.. وعندما توفي الرسول اجتمع زعماء المسلمين في سقيفة بني ساعدة ليختاروا الخليفة، هذا الاجتماع بلغتنا الحديثة اجتماع برلماني بامتياز تداول فيه نواب المسلمين الأمر ثم انتخبوا أبا بكر ليتولى الحكم، وقد ألقى أبو بكر على المسلمين خطبة قال فيها:
«يا أيها الناس لقد وليت علـيكم ولست بخيركم.. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيتهما فلا طاعة لي عليكم»
هذه الخطبة بمثابة دستور حقــيقي يحدد العلاقة بين الحاكم والمواطنين كأفضل دستــور ديموقــراطي. نلاحظ هنا أن أبا بكر لم يقل إنه خليــفة الله ولم يتــحدث عــن حق إلهي في الحكم بل أكد أنه مجرد واحد من الناس وليس أفضلهم. هذا المفهوم الديموقراطي الذي هو جوهر الاسلام سيستمر سنوات قليلة ثم يتحول الى مفـهوم آخر مناقض يعتبر الحاكم ظل الله على الأرض فيقول معاوية بن أبي سفيان:
« الأرض لله وأنا خليفة الله، فما أخذت فلي وما تركته للناس فبفضل مني».
ويقول أبو جعفر المنصور العباسي:
« أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة وعنكم ذادة (حماة) نحكمكم بحق الله الذي أولانا وسلطانه الذي أعطانا وأنا خليفة الله في أرضه وحارسه على ماله».
ويقول عبد الملك بن مروان وهو يخطب على منبر النبي:
«والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه».
انقلب المفهوم الديموقراطي الذي يمثل جوهر الاسلام الى حكم بالحق الالهي يعتبر المعترضين عليه كفارا مرتدين عن الدين يجب قتلهم . يقتضينا الإنصاف هنا أن نذكر حقيقتين: أولا أن الخلفاء الذين تولوا الحكم عن طريق القتل والمؤامرت كانوا في أحيان كــثيرة حكامـا أكفاء أحسنوا ادارة الدولة الاسلامية حتى أصبحت امبراطورية ممتدة الاطراف، لكن طريقتهم في تولي السلطة والحفاظ عليها، لا يمكن بأي حال اعتبارها نموذجا يتفق مع مبادئ الاسلام …ثانيا أن الصراع الدموي على السلطة لم يقتصر على حكام المسلمين في ذلك العصر بل كان يحدث بين ملوك اوروبا بالطريقة نفسها من أجل انتزاع العروش والمحافظة عليها..
الفرق أن الغربيين الآن يعتبرون هذه الصراعات الدموية مرحلة كان لا بد من اجتيازها من أجل الوصول الى الديموقراطية، بينما ما زال بيننا نحن العرب والمسلمين من يدعو الى استعادة نظام الخلافة الاسلامية، ويزعم أنها كانت عادلة تتبع شريعة الله. ان التاريخ الرهيب للصراع السياسي في الدولة الاسلامية منشور ومعروف وهو أبعد ما يكون عن شريعة الاسلام الحقيقية، وقد احترت في هذه الدعوه الغريبة الى استعادة الخلافة الاسلامية فوجدت من يتحمسون لها نوعين من الناس: بعض المسلمين الذين لم يقرأوا التاريخ الاسلامي من أساسه أو أنهم قرأوه وتهربوا من رؤية الحقيقة لأن عواطفهم الدينية قد غلبت عليهم فأصبحوا بالاضافة الى تقديس الاسلام يقدسون التاريخ الاسلامي نفسه ويحاولون اعادة تخيله بما ليس فيه. أما الفريق الآخر من المنادين بالخلافة فهم أعضاء جماعات الاسلام السـياسي، الذين يلعبون على عواطف البسطاء الدينية من أجل أن يصلوا الى السلطة بأية طريقة.. وهم يخيرونك عادة بين طريقــين: اما أن توافق على صورتهم الخيالية عن الخلافة وإما أن يتهموك بأنك علماني عدو الاسلام. اما أن تساعدهم على الوصول الى الحكم عن طريق نـشر أكـاذيب وضـلالات عن التـاريخ، وإلا فإن سيف التكفير في أيديهم سيهوون به على عنقك في أي لحظة.
جوهر الاسلام العدل والحرية والمساواة.. وهذا الجوهر تحقق لفترة قصيرة عندما تم الأخذ بمبادئ الديموقراطية .. أما بقية تاريخ الحكم الاسلامي فلا وجود فيه لمبادئ أو مثل نبيلة بل هو صراع دموي على السلطة يستباح فيه كل شيء حتى ولو ضربت الكعبة وتهدمت أركانها.. هذه الحقيقة شئنا أم أبينا. أما السعي لانتاج تاريخ خيالي للخلافة الاسلامية الرشيدة فلن يخرج عن كونه محاولة لتأليف صور ذهنية قد تكون جميلة لكنها للأسف غير حقيقية.. كتلك التي وصفـها الكاتب الاسباني الكبير ميغيل دي سرفانتس في قصته الشـهيرة دون كيخوته حيث يعيش البطل العجوز في الماضي مستغرقا في قراءة الكتب القديمة، حتى تستبد به الرغبة في أن يكون فارسا بعد ان انقضى زمن الفرسان فيرتدي الدرع ويمتشق السيف ثم يتخيل أن طواحين الهواء جيوش الأعداء فيهجم عليها ليهزمها.
الطريق الوحيد للنهضة هو تطبيق مبادئ الاسلام الحقيقية: الحرية والعدل والمساواة .. وهذه لن تتحقق الا بإقامة الدولة المدنية التي يتساوى فيها المواطنون جميعا أمام القانون بغض النظر عن الدين والجنس واللون..
…الديموقراطية هي الحل…

ينشر بالتزامن مع «مصر اليوم» القاهرة
Dralaa57yahoo.com

كيف نتغلب على فتنة النساء؟!

علاء الأسواني 

عزيزى القارئ.. 

تخيل أنك ذات صباح ذهبت إلى مقر عملك فوجدت زملاءك جميعا ملثمين، تسمع أصواتهم لكنك لا ترى وجوههم أبدا.. كيف تشعر حينئذ؟.. لن تكون مرتاحا بالطبع ولو استمر هذا الوضع سيؤدى إلى اضطراب أعصابك، فنحن نحتاج دائما إلى رؤية وجوه من نتحدث إليهم.

الاتصال الإنسانى لا يكتمل إلا برؤية الوجه. هكذا طبيعة الإنسان منذ بداية الخليقة.. لكن الذين يفرضون على المرأة تغطية وجهها لا يفهمون هذه الحقيقة.. فى أعقاب ثورة 1919 المصرية الكبرى ضد الاحتلال الإنجليزى، قامت الرائدة هدى شعراوى بخلع البرقع التركى من على وجهها فى احتفال عام، كانت هذه إشارة إلى أن تحرر الوطن لا ينفصل عن تحرر المرأة، كانت المرأة المصرية بحق رائدة نساء العالم العربى فهى أول من تعلمت وعملت فى كل المجالات وأول من قادت سيارة وطائرة وأول من دخلت الحكومة والبرلمان..

ولكن منذ نهاية السبعينيات، وقع المصريون فى قبضة الأفكار السلفية وانتشر المذهب الوهابى، مدعوما بأموال النفط، سواء عن طريق الفضائيات المملوكة للسلفيين أو بواسطة ملايين المصريين الفقراء الذين عملوا سنوات فى السعودية وعادوا مشبعين بالأفكار السلفية.

من هنا، عاد النقاب للظهور من جديد فى مصر مما يستوجب مناقشة موضوعية، وهو أمر صعب لأن أنصار النقاب عادة متشددون متعصبون يسارعون باتهام كل من يخالفهم بأنه يدعو إلى الإباحية والانحلال.. وهذا منطق ساذج ومغلوط.. فلم يكن الاختيار الإنسانى قط محصورا بين النقاب والإباحية. لأن بينهما أنواعا عديدة من السلوك الأخلاقى المتزن.

والسؤال هنا: هل يمنع النقاب فتنة النساء ويساعد على الفضيلة؟.. الإجابة تستدعى عدة حقائق:

1ــ الإسلام لم يأمر المرأة بتغطية وجهها، إطلاقا، وإلا.. لماذا أمرنا الله بغض البصر إذا كنا لن نرى شيئا من وجه المرأة أصلا؟.. فى المجتمع الإسلامى الأول كانت المرأة تشارك فى الحياة العامة، تتعلم وتعمل وتتاجر وتقوم بالتمريض أثناء الحروب وأحيانا تشترك فى القتال. الإسلام احترم المرأة ومنحها حقوقا مساوية للرجل. لم يحدث قهر المرأة إلا فى عصور انحطاط المسلمين. منذ بضعة أشهر، قام كبار علماء الأزهر بتأليف كتاب وزعته وزارة الأوقاف، بعنوان: النقاب عادة وليس عبادة.. أثبتوا فيه بالبراهين الشرعية أن النقاب لا علاقة له بالإسلام من قريب أو بعيد.. ولا أعتقد أن أحدا يستطيع أن يجادل هؤلاء العلماء الأجلاء فى معرفتهم بأحكام الإسلام.

2ــ بما أن النقاب ليس أمرا إلهيا فمن حقنا إذن أن نتساءل عن فوائده وأضراره.. المجتمعات القديمة جميعا فرضت على المرأة ارتداء النقاب لأنها اعتبرتها أصل الغواية وبالتالى فإن مقاومة الرذيلة لا تتحقق إلا بعزلها وحجبها.. وهذا المنطق يفترض أن الغواية ستحدث للرجل بمجرد أن يرى وجه امرأة جميلة. وهو بذلك ينفى قدرة الإنسان على السيطرة على غرائزه.. ثم إذا كانت المرأة يجب أن تغطى وجهها حتى لا تفتن الرجل.. فماذا يفعل الرجل الوسيم؟، ألا يتسبب وجهه الجميل فى إغواء النساء؟..

هل نأمر الرجل الوسيم بالنقاب أيضا فيصبح الرجال والنساء جميعا منتقبين.. ثم إننا نرى عينى المرأة المنتقبة وهما، إذا كانتا جميلتين، قد يتحولان إلى مصدر قوى للغواية. فماذا نفعل عندئذ لمنع الفتنة؟.. فقيه سعودى شهير، الشيخ محمد الهبدان، انتبه مشكورا إلى هذه المشكلة فدعا النساء المسلمات إلى ارتداء النقاب بعين واحدة، حتى لا تتمكن النساء أبدا من إغواء الرجال بنظراتهن.. ولا أعرف كيف يتسنى لهذه المرأة المسكينة أن تمارس حياتها من خلال ثقب واحد تتطلع من خلاله إلى الدنيا بعين واحدة فقط.

3ــ النقاب يمنع المرأة من المشاركة فى الحياة كإنسان مساو للرجل فى الحقوق والواجبات، كيف تعمل المرأة جراحة أو قاضية أو مهندسة أو مذيعة فى التليفزيون وهى مختبئة خلف النقاب (سواء كان بعين واحدة أو عينين).. معظم الفقهاء السعوديين يرفضون بشدة قيادة المرأة للسيارات ويسوقون فى ذلك ثلاث حجج: أن المرأة إذا قادت السيارة ستخلع نقابها وتفقد حياءها، وسيكون بمقدورها أن تذهب إلى أى مكان تحبه مما يشجعها على التمرد على زوجها وأهلها.. أما الحجة الثالثة لمنع قيادة المرأة فهى، كما وردت بالحرف فى كتاب الفتاوى الشرعية (ص461).. «أن المرأة بطبيعتها أقل من الرجل حزما وأقصر نظرا وأعجز قدرة، فإذا داهمها الخطر عجزت عن التصرف». هذا هو رأى أصحاب النقاب الحقيقى الذى يدل على احتقارهم للمرأة واستهانتهم بقدراتها، وهم عاجزون بالطبع عن تفسير التفوق الساحق الذى حققته المرأة فى التعليم والعمل فى كل أنحاء العالم.

4ــ أخطر ما فى النقاب أنه ينزع الصفة الإنسانية عن المرأة.. عبر التاريخ الإنسانى كانت هناك دائما طريقتان للنظر إلى المرأة.. النظرة المتحضرة تعتبرها إنسانا كامل الأهلية والكفاءة، أما النظرة المتخلفة فتختصر المرأة فى كونها أنثى وبالتالى تنحصر وظائفها الأهم فى كونها أداة للمتعة الجنسية ومصنعا لإنجاب الأطفال وخادمة فى بيت الزوجية.

والوظائف الثلاث مرتبطة بجسد المرأة وليس عقلها.. من هنا يكتسب جسد المرأة عندهم أهمية قصوى. أما عقلها، تعليمها وعملها، أو حتى أفكارها أو أحاسيسها.. فتأتى فى مرتبة ثانوية إن كان لها اعتبار من الأصل.

5ــ يعتقد أصحاب النقاب أن اختلاط الرجال بالنساء يؤدى حتما إلى الفتنة والرذيلة. وبالتالى فإن العلاج الوحيد لهذه المشكلة هو الفصل التام بين الجنسين وتغطية وجه المرأة. واذا كان هذا المنطق صحيحا فإن المجتمع السعودى يجب أن يكون قد تخلص من الرذيلة تماما وإلى الأبد.. فالفصل بين الجنسين هناك قاطع والنقاب مفروض على النساء جميعا بل إن هناك هيئة كبيرة اسمها الأمر بالمعروف، تعمل ليل نهار لمراقبة سلوك المواطنين وعقابهم فورا إذا حادوا عن مكارم الأخلاق قيد أنملة. فهل تحققت الفضيلة فى السعودية.؟.. للأسف فإن الدراسات والإحصائيات تؤكد العكس.. فقد أثبتت دراسة أجرتها الدكتورة وفاء محمود فى جامعة الملك سعود، أن ربع الأطفال السعوديين قد تعرضوا إلى تحرشات جنسية بين سن 6 إلى 11 عاما، وقد أكدت نفس النتيجة دراسة أخرى قام بها الدكتور على الزهرانى إخصائى الأمراض النفسية بوزارة الصحة السعودية، أما الدكتور خالد الحليبى مدير مركز التنمية الأسرية فى الإحساء فقد أكد فى دراسته أن 82% من طلاب المرحلة الثانوية الذين شملهم البحث يعانون انحرافات جنسية وأنه فى عام واحد فقط (2007) هربت 850 فتاة سعودية من أهلها بسبب اعتداءات أسرية معظمها جنسية.

وأن 9% من الأطفال يتعرضون إلى الإيذاء الجنسى من قبل أولياء أمورهم وأن فتاة من كل أربع فتيات فى الخليج تتعرض للتحرش الجنسى وأن 47% من الأطفال الذين شملتهم الدراسة تلقوا دعوات إباحية على المحمول.. وقد سببت ثورة الاتصالات أزمة اجتماعية كبرى فى السعودية فقد بدأ الشبان، المكبوتون اجتماعيا وجنسيا، يستعملون عدسات المحمول لأغراض غير أخلاقية.. وفى عام 2005 انتشر فى السعودية تسجيل تم تصويره بالمحمول، يصور أربعة شبان سعوديين وهم يحاولون اغتصاب امرأتين منتقبتين فى شوارع الرياض.. السؤال كيف يشرع شاب فى اغتصاب امرأة وهو لايرى جسدها أو وجهها..؟ الإجابة أنها بالنسبة إليه ليست إنسانا، إنها جسد، مجرد أداة جنسية، إذا استطاع أن يستمتع بها ويفلت من العقاب فلن يتردد لحظة.

الخلاصة أن حالة المجتمع السعودى من حيث الانحرافات والاعتداءات الجنسية، ليست أفضل من حالة المجتمعات الأخرى إن لم تكن أسوأ.

أخيرا.. إذا كان النقاب لا يحقق الفضيلة فما العمل إذن؟.. كيف نتغلب على غواية النساء؟. الواقع أن الفضيلة لا تتحقق أبدا بالمنع والحجب والقهر وإنما بالتربية والقدوة والإرادة.. عندما نعتبر المرأة إنسانا له إرادة أخلاقية وكرامة وشخصية مستقلة، عندما نعترف لها بالحقوق التى أقرها الإسلام.. عندما نثق بالمرأة ونحترمها ونعطيها فرصتها كاملة فى التعليم والعمل.. عندئذ فقط ستتحقق الفضيلة.

الديمقراطية هى الحل.

http://www.shorouknews.com/Columns/column.aspx?id=79334