النسوية السعودية و حقيقة التأثير

اكتشاف متأخر ربما، ولكنه يفسّر الكثير من الجمود المحيط بأوضاع النساء السعوديات، غالبيتهن إما أنهن لا يردن التغيير، أو لا يردن المبادرة الى صناعته بأنفسهن. ببساطة لا يجدن أن التغيير آمن في الظروف المجتمعية الحالية، أو قابل للتحقيق. الحياة كما هي الآن بقيودها ومحدوديتها وارتباطها الوثيق بولي رجل توفّر بديلاً أقل عناءً ومجازفة بأمنهن، وبالتأكيد أقل تصادماً مع قيم المجتمع الراسخة هنا منذ عقود.

التقرير الصادر عن الـ «بي بي سي» أخيراً، الذي استعرض أوضاع النساء هنا في شكل مختصر وعابر لم يبتعد عن تلك النتيجة. معظم من ظهر في التقرير من الرجال، سواء من الوسط التقليدي أو الأكثر حداثة، اتفق على أولوية أدوار المرأة التقليدية على أي دور وعلى ضرورة تبعيتها للرجل. روضة يوسف التي ظهرت في التقرير مستنكرة مطالبات النساء باستقلاليتهن، متسائلة: «هل يريدون أن تعيش المرأة بلا رجل؟»، هي دليل على النتيجة نفسها. السيدات الأقل حظاً والأكثر فقراً كان طموحهن ليس العمل أو الكسب ولكن الحظوة بزوج يتولى شؤونهن. هذا الأمل في منقذ (ذكر) لم تبدده حقيقة أن إحدى السيدات زوجة معلّقة لرجل تركها وحيدة تدفع بنفسها صروف الدهر مع ابنتيها. هل من المستغرب رفض النساء قبل الرجال استقلالهن الشخصي والمادي عن الولي الذكر الذي ترتبط به شؤونهن كافة؟ ليس بالضرورة في مجتمع تم تصميم فضائه العام بحيث يحتوي الرجال أولاً والنساء ثانياً بشروط قاسية ومحددة. فرص العمل لمعظم النساء في الفضاء العام «محدودة» إن لم تكن معدومة، ومثلها فرص الكسب والتجارة، ويبقى الاعتماد على رجل قادر البديل الأمثل لتأكل وتشرب وتسكن، كما أتى في عبارة لأحد الرجال في التقرير، كان بعيداً تماماً من معظم الرجال. أن هناك حاجات أخرى بخلاف المطالب الأساسية للحياة تحتاجها النساء، كأن تكون للشخص القدرة على تسيير حياته بلا منّة ولا شرط من غيره، أو أن يكون قادراً على الكسب والعمل والعطاء ومشاركة موهبته وإنجازه مع مجتمعه بلا قيود النوع.

معظم من حاولن إزاحة جدار المنع وتغيير القيم التقليدية المرتبطة بدور المرأة اجتماعياً يواجهن الفشل هنا مرة بعد مرة. ليس ذلك لتقصير في رسالتهن ولكن لأن المجتمع يكبح وبقوة محاولاتهن، ليس فقط عبر الرجال بسبب الخوف من سطوة التحكم ولكن عبر النساء أيضاً. نزع السيطرة عن المرأة وتركها لتقرر مصيرها بنفسها ومنحها فرصاً متساوية مع الرجل يخلخل من التركيبة «التقليدية» للمجتمع السعودي. هل يستوعب الرجل أن المرأة إنسان تحق له المساحة نفسها التي يتمتع هو بها في الشأن العام وليست أماً وزوجة فقط؟ والأهم هل تستطيع المرأة أن تستوعب أن هناك حياة كاملة تنتظرها بلا حاجة حقيقية ليقوم على شؤونها أي شخص غيرها؟

مَنْ المسؤول عن التغييب الحادث للنساء في المملكة وإيهامهن بأن العالم خارج منازلهن غابة متوحشة ستلتهمهن بلا أي إرادة لهن إن حاولن المشاركة فيها؟ عندما ترفض نساء مثقفات ومتعلمات ويشغلن مناصب قيادية أي فسحة من الأمل لمنحهن استقلالاً في تسيير حياتهن، كمسألة قيادة المرأة السيارة مثلاً، ويرفعن بشأن رفضها خطاباً مضاداً لخطاب المطالبين بذلك إلى مجلس الشورى، فذلك دليل على أن الفضاء العام يمثل في نظرهن تهديداً ما لأمنهن وأن وجود الرجال القوّامين عليهن أساسي للأمن، وبدلاً من أن تطمح النساء إلى الكسب وتنمية أنفسهن يطمحن إلى ظل رجل ولو شاركتهن فيه أخريات، ولما يمكن أن يمنحه لهن من مال وعطايا ومقومات الحياة الأخرى. عندما سألني صحافي أميركي عن وجود أي حركات نسائية سعودية مؤثرة في الرأي العام، اضطررت للإجابة بكل خيبة أمل بالنفي. مع الأسف لم يكن هناك سوى محاولات رصد لكل التغييب الحادث للنساء، وتعاني معظمها من غياب مطالب واضحة ومحددة أو من غياب استراتيجيات فعالة للعمل، والحملات الموجودة افتراضياً أو على الواقع، وعلى رغم جهد القائمات عليها، لم يحالف النجاح أي واحدة منها، بدءاً من محاولات تشغيل النساء في نقاط البيع، وانتهاءً بمطالبات المشاركة في الانتخابات البلدية. هل تتواصل النساء بصدق ووعي وهل يتفقن على حاجتهن لحقوقهن؟ ذلك الفشل المدوّي للنساء يجيب بالنفي عن هذا السؤال.

الحركة الوحيدة التي كان لها أثر ما بعيداً من العالم الافتراضي، أو عن التقارير النسوية المكتوبة، هو ما فعلته معلمات محو الأمية بتظاهرهن أمام مبنى وزارة الخدمة المدنية الأسبوع الماضي للمطالبة بتثبيتهن في وظائف رسمية أسوة بالمعلمين الرجال. إن لهذا التحرك معنى ومغزى يتجاوزان الأدوار التقليدية للمرأة السعودية التابعة لرجل ما ليقضي لها شؤونها. حلقة الوصل بين النساء على اختلافهن لا تزال مفقودة، ولكني متأملة أن المقبل أفضل، وأننا نتعلم بالتأكيد من فشل من سبقنا. كل محاولة فاشلة قرّبتنا أكثر إلى الطريق، وكل رجل وسيدة اعترض على التغيير أبرز لنا حجة ما محتملة في «جعبة» الرافضين لتغييب النساء لتحليلها ونقدها. إن نجحت سيدات في بساطة معلمات «محو الأمية» في التجمع والمطالبة بحقوقهن بشجاعة لحصد العدالة، فلن يكون الطريق صعباً أمام الأخريات.

 

5 Responses to النسوية السعودية و حقيقة التأثير

  1. تنبيه: النسوية السعودية و حقيقة التأثير (via هالة الدوسري) « mytalal

  2. الفارس المترجل قال:

    لا بد للقيد أن ينكسر .. أنفتاح التواصل العالمي أنتج أجيالا تختلف في التفكير عمن يكبرها بعقد واحد

  3. تركي قال:

    تقول ” ببساطة لا يجدن أن التغيير آمن” ! استعمال كلمة تغيير هنا, من دون ذكر مضمونها الذي يناط به الوصف بكونه آمنا أوغير آمن, يستبطن ايمان الكاتبة بأن هذا التغيير( الملغز) هو “ايجابي” حتما في نظر أغلبية النساء. وهذه العقلية التحكمية هي ما يفترض في الكاتبة مواجهتها . فمنطقها ومنطق من تعتبرهم خصومها واحد. وما سيأتي بعد ذلك في المقال سيكشف “سلبية” هذا التغيير في نظر الاغلبية في تناقض صارخ مع ما استبطنته في الفقرة الاولى.

    ثم قالت بان اللواتي ظهرن في التقرير – من مختلف الاوساط – اتفقت كلمتهن على ضرورة وجود الرجل في حياتهن للقيام بشؤونهن, ثم اعقبت ذلك بقولها
    “هل من المستغرب رفض النساء قبل الرجال استقلالهن الشخصي والمادي عن الولي الذكر الذي ترتبط به شؤونهن كافة؟ ليس بالضرورة في مجتمع تم تصميم فضائه العام بحيث يحتوي الرجال أولاً والنساء ثانياً بشروط قاسية ومحددة”…. فربطت هنا بين آرائهن وقد تكلمن عن ما يطمحن اليه, وبين كون المجتمع قد صمم لاحتواء الرجل. وهذا تناقض ؛ لان حديث النساء عن طموحهن يتضمن امكانية رفضهن لهذا الواقع المجتمعي, فكيف يكون هذا الواقع المجتمعي هو الملوم يا هاله ؟ الست تتناقضين ؟

    في الفقرة الثالثة طالبت هالة الرجل باستيعاب ان للمراة مساحة في الشان العام كمساحته هو, وانها ليست اما وزوجة فقط. وهذا يتضمن ان الامومة والزوجية لا علاقة لها بالشان العام – وهو غلط لا تستطيع هالة تفنيده – ويتضمن الاقرار بسلطة الرجل . فهو مطلوب منه التنازل, وهو المعنى الموضوعي المراد من كلمة الاستيعاب الفارغة.
    ثم طالبت المراة بان تستوعب وجود حياة ” كاملة تقوم فيها بنفسها ” بدون حاجة للرجل. وهذا يتضمن ان حياة المراة اليوم ناقصة من دون رجل, ولكن حياة الرجل كاملة من دون المراة ,على الرغم من اعتراف هالة بحاجة الرجل للمراة زوجة واما !…
    وقبل هذا اعترفت هالة بتصدي المجتمع بقوة لكل من حاولن التغيير. والمجتمع هنا يشمل النساء والرجال طبعا. فالمجتمع – عند هالة – ملوم ومقصر في عدم استجابته لخطاب من حاولن التغيير ! هذا الخطاب النخبوي الاستعلائي هو ما تريد ان تنقذ به هالة النساء بدلا من الذكر المستعلي هو أيضا !
    ووصل الاستعلاء الى ذروته المقززة, حين اعترفت بأن المثقفات والمتعلمات يرفض الاستقلال عن الرجل وحتى قيادة المراة للسيارة, وعللت ذلك – وهو تعليل تحكمي استنسابي – بكون الفضاء العام يمثل تهديدا لأمنهن : وعلى هذا فالنساء من مختلف الاوساط (التقليدية والحداثية ) والمتعلمات والمثقفات بل والمجتمع – باعترافها – ينتظر ويعلق الأمل بهالة الدوسري لتنتشله من الخوف . ثم علقت الامل مرة اخرى – في تناقض سافر- بمدرسات محو الامية المتظاهرات !
    من ينقذنا منك يا هالة ؟ اليس العار كل العار أن يستكتب في الصحف من لا يكتبون مقالا الا وبعضه يهدم بعضا , ولا تأثير له – ان كان له تأثير في الناس – الا من طريق الايهام لمن لا يقرؤون قراءة نقدية ؟ اليس الايهام نوعا من الغش ؟

  4. تركي قال:

    ارسلت تعليقات ولم تنشر. هذا مدى احترامك للحرية ! المعلقون احرار ماداموا يطبلون لك فقط.

    • Hala قال:

      تركي تبقى التعليقات غير منشورة حتى يتم الموافقة عليها بواسطتي حرصا على بقاء هذا المكان صحيا و داعما للنقاش الراقي و المحترم للجميع، أطلب منك حتى تستمر تعليقاتك في الظهور باحترام مباديء النقاش الصحي و الداعم، كل التوفيق لك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s