خائن لوطني

أعمدة
خـــائن لــــوطني
منصور النقيدان
منصور النقيدان

لم أكن أفكر قبل العام 1997 أن أكون يوماً كاتباً في الصحف، لكن صديقاً سودانياً من عائلة الطيب ابن المهدي من آل القاضي في أم درمان، قال لي يوماً ونحن في عنبر 2 في الزنزانة ,5 إنني قد أصلح أن أكون يوماً كاتباً معروفاً أو شيئاً من هذا القبيل، وحين كتبت له رسالة وداعية قبل نقلي إلى بريدة مسقط رأسي، مر بي قبل الرحيل بساعات وقال لي ‘’قرأت الرسالة، ربما تكون كاتباً يقرأ لك الناس، هذا رأيي.. فكر في الأمر’’. بعد سنة واحدة فقط نشرت أول مقال لي.
كان في مدينتي شيخ جليل من آل المهيلب قد بلغ الثمانين من العمر، إذا أعجبته قرعة في السوق، أو بقرة حلوب، أو فرخ نخلة، أو تيساً سورياً، أو شاباً جذعاً يتوقد ذكاء ويتدفق نشاطاً، قال ‘’هذا وطني’’. كل شيء من أي شيء فهو ‘’وطني’’. كانت الوطنية عنده مرادفة للجودة الفائقة، للجماد والعتاد والحيوان وحتى الإنسان. توفي هذا الشيخ الناسك قبل ثمان سنوات. وكان بحق وطنياً رائعاً. اليوم بعد ثمان سنوات لا أدري ماذا أصنع؟ كيف أكون وطنياً.
في لحظة عصيبة مررت بها – خرست فيها كل الصحف السعودية حتى تلك التي لم تتردد بنشر مقال مترجم لسلمان رشدي في صفحة الرأي – لم يقف معي إلا صحيفة ‘’الوسط’’ البحرينية وخصصت ملفاً كاملاً للوقوف معي، كتبت مقالاً فيها عن خارطة الإسلاميين في السعودية، فجاءني العتب من جهات عليا عبر صديق لي ‘’كن وطنياً يا منصور، تراهم عاتبين عليك الكتابة في صحيفة شيعية لا تريد للبلد خيراً’’.
في اجتماع لرؤساء تحرير الصحف وعشرات من الكتاب السعوديين استدعينا إلى اجتماع سري مع مسؤول كبير في أبريل/ نيسان 2003 كانت خلاصتها أننا لكي نكون وطنيين حقيقيين فعلينا أن نتجنب الظهور في قناة ‘’الجزيرة’’. تجنبتها. ولكنني حين شاركت للمرة الأولى في تليفزيون القناة الأولى السعودي، أردت أن أكون وطنياً حين انتقدت تصريحاً لمسؤول سعودي كبير لم يكن متحمساً في مؤتمر صحافي لمنع السعوديين من القتال في العراق، قبل الاحتلال بأيام، فاضطرب مقدم البرنامج، وتنصل من الأمر وكأنني نطقت بلسانه، فأسفت بيني وبين نفسي لما بدر مني، وشعرت أنني جانبت الصواب وقلت ربما كان يفترض بي أن لا أشير إلى الموضوع أساساً إن كنت وطنياً صادقاً، ولكنني فوجئت أن أصحاب الشأن لم يكونوا مستائين، وان أحدهم اتصل بالتليفزيون وقال ‘’ليتكم زدتم من وقت البرنامج’’. فكرت بعدها أن البعض ربما يفهم الوطنية بشكل مختلف، وقبل تفجيرات مايو/ أيار 2003 بيومين كتبت مقالاً في جريدة الرياض، وذكرت بعض القصص التي وقعت في الجوامع والتي تشيد بأسامة بن لادن، فاتصل بي مسؤول كبير، تلاه أمير آخر يسألني عن صدق تلك القصص، وبعد تردد وتقليب للأمر، قلت في نفسي ‘’لا.. هذا لا يليق، هذه وشاية’’. ثم أقنعت نفسي أن القصة شهدها آلاف المصلين وليست سراً، هذا وقت الوطنية، ذكرت له الأسماء، ثم غرقت بعدها أسبوعاً كاملاً مكتئباً.
وحين كنت أتجهز للخروج من غرفتي في فندق هيلتون في القاهرة في الثامن من نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 للمشاركة في برنامج حواري على قناة ‘’أوربت’’ مع عماد الدين أديب، تداركني أحد أصدقائي بدقائق وقال لي ‘’يسلمون عليك ويقولون.. خلك وطني.. اثبت وطنيتك’’. لم أكن اعرف بالضبط ما هو المطلوب، لكنني فهمت أن الحذر مطلوب وأن أتجنب توجيه أي انتقاد إلى الحكومة، أو الملك وولي عهده والنائب الثاني. كنت حذراً للغاية. نجحت ليلتها. فلم أمدح ولم أذم. وفي نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني من ذلك العام ارتكبت إحدى الجرائم، حين نشرت في صحيفة أجنبية انتقدت فيها لأول مرة المؤسستين الدينية والسياسية، بعد أسبوع قال لي ضابط كبير في الاستخبارات ‘’لقد أسأت إلى بلدك حين انتقدت الوهابية’’.
عرفت أن بعض الليبراليين كانوا مستاءين للغاية لأنني ذكرت في المقال أن الملك الراحل فهد كان مريضاً، بعدها بأيام في الثاني عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2003 طالبني أعضاء من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مني بحضور مدير تعليم الرياض السابق عبدالله المعيلي أن أكتب اعتذاراً للملك في الصحف عن إشارتي لمرضه، لأنني لم أكن وطنياً حينما كتبتها، وبعدها بشهور قال لي صديق ‘’إن أميراً شاباً قال لهم في مجلس حضره وزير الإعلام السابق، لو أنني كنت كاتب المقال لسحبت مني الجنسية’’. أصابني الرعب بعدها، وأدركت أنني لم أكن وطنياً بل كنت أقرب إلى الخائن. أصبحت أكثر حذراً. وبعد لقاء في مجلة أميركية انتقدت فيها السلفية كنت حذراً من أن أشير إلى الوهابية باسمها، ولكن المحررة كانت أكثر ذكاءً، أبلغني رئيسي في العمل رسالة أن ولاة الأمر مستاءون، ويقولون لك ‘’الوطني لا يقول مثل قولك’’.
وبعد عذاب ضمير أزعجني وأقلقني لسنتين شعرت فيها أنني خذلت أولئـك الإصلاحيين الصادقين الذين زج بهم في السجون، جاء إيقاف أحد الصحافيين بسبب كلمات فاه بها في منتدى على الإنترنت كانت كفيلة أن ينال عقاباً قاسياً في السجن لو أنه سلم من حكم قضائي يطالب بقطع رأسه والحكم بردته. أغلقت على نفسي ليومين في مكتبتي حزيناً على قلة حيلتي، وخذلاني لمن يحتاج نصرتي، فكتبت مقالاً في موقع قناة ‘’الجزيرة’’ الفضائية على الشبكة، عن الحرية الفكرية والصحافية، حاولت فيه أن أسدد ديوناً تأخرت في أدائها، وأكفر عن أخطائي، بعد أيام عرفت أنني ارتكبت جريمة الجرائم ‘’الهجوم على بلدي والتطاول على القضاء، والأمراء، والشيوخ وأهل السنة’’، وجريمتي الأخرى كتابتي في موقع الجزيرة. لقد خنت وطني في نظرهم.
الخوف والرعب يحاصرني كلما فكرت أن أكون حراً ومستقلاً وشجاعاً. يلهمني عبدالله القصيمي، ويدهشني خالد الدخيل، ويسحرني الجابري، وعبدالوهاب المسيري، ولو خيرت يوماً لما اخترت إلا أن أكون صاحب حايط في الخبوب الغربية لبريدة، يغلق دكانه مع مغيب الشمس ويخلد إلى النوم الثانية والنصف بالتوقيت الغروبي.
ينوء كاهلي برد الجميل لأصدقاء وأمراء، أصبحت في نظرهم الابن الضال وناكر الجميل و’’المهبول اللي ما عليه شرهة’’. أخشى أن أكون وحيداً يشمت بي الكارهون، ويهزأ بي المتطرفون، ويتجنبني من يفترض بهم أن يكونوا هم الأقرب إلي وأنا الأقرب إليهم، أولئك الذين يتجنبونني لأن سموه قد ينزعج للغاية أن عرف بمجالستهم لي، أخشى أن يطعنوني في ظهري فيهاجمونني في مواقعهم، كما فعل بعضهم من قبل ويفعلونه اليوم وكل حين، وكما كتب صديق سابق حينما خرجت على قناة العربية في سبتمبر/ أيلول ,2004 فكتب في جريدة الجزيرة السعودية يحرض ضدي ويتهمني بجرح مشاعر المسلمين، كل هذا لأنني لم اسمح له أن يتخذني مطية عند أمير يرجو منه شرهة أو الحصول على صفقة.
وكم مرة تداركت نفسي عن كتابة حقائق ونشر وقائع رأيتها وسمعتها، حتى لا يقال إنني لست وطنياً. ولما نشرت الصحف عشرات المقالات تهاجم إيران وتتهمها بتأجيج حرب لبنان، وكتب آخرون يدافعون عن حزب الله وإيران التزمت الصمت لأنني لم أشأ أن أكتب مالا أؤمن به، قيل لي بعدها ‘’لقد أضعت فرصة ثمينة تثبت بها وطنيتك’’. وحين أخبرني صديق أنه مع مجموعة من الصحافيين كتبوا عريضة يتسولون فيها قطع أراض من حاكم خليجي فاحش الثراء، وأنهم أحسنوا إلي وكتبوا فيها اسمي معهم تألمت كثيراً وهددت أنني سوف أفضح كل شيء في الصحف إذا لم يحذفوا اسمي من ورقتهم. فعلت كل هذا ظناً مني أنني وطني. ولما أن قتل بعض رجال الأمن الأبرياء بطريقة وحشية على أيدي بعض المجرمين الخوارج، جللتني الظلمة وأحاطت بي الأحزان، فأرسلت تعزية لمن يهمهم الأمر من المسؤولين ثم ترددت كثيراً قبل إرسالها لأشخاص لا أحبهم. صراعاً مع نفسي. حسمتها وقلت ‘’هكذا فافعل إن كنت وطنياً’’.
وحتى اليوم كلما توقفت عند مكتب الجوازات قادماً إلى الرياض، متسائلاً دوماً هل سأخرج من المطار في باص نحو زنازين ‘’عليشة’’، أو سألقى اتصالاً من شعبة الإعلام مساء يوم وصولي ‘’لا تتعب روحك، إذا فرغت مرنا عندنا لك ورقة’’.أم سأكون بعد يوم بين أهلي ودلال القهوة والتمر السكري؟ وإذا توقفت عند مكتب الجوازات قافلاً إلى ولدي وزوجتي، رجف فؤادي وأنا متربص أنتظر لعشر دقائق ماذا سيحمل العريف ذو الشريطين من خبر وعيناي لا تفارق جوازي الأخضر. أعتذر لكل أولئك الذين خذلتهم، فلم أدافع عنهم. ولكل تلك الشلل والتجمعات التي لم أعرف يوماً طريقي إلى مجالسهم، ولم أخط يوماً حرفاً على بياناتهم. هكذا وطنيتي.

Advertisements

محنة رجل في المنتصف

وجدت هذا المقال بالصدفة بين أوراقي القديمة و سعدت كثيرا لأنه أحد المقالات القليلة التي تعلق بالفعل بالروح، قراءة ممتعة

د.  أيمن محمد الجندي

أن تكون دائما في المنتصف: منتصف العمر، منتصف المذاهب، منتصف الطريق. لا تقوم لك حجة هنا حتى تقوم لك حجة هناك‼، ولا تجد عيبا هنا إلا وجدته هناك‼. صواب هنا وصواب هناك‼، وخطأ هنا وخطأ هناك‼. فيما الناس من حولك واثقون، متحمسون‼.

يؤمنون بصواب معتقدهم، ويمتلكون اليقين. ينامون ملء جفونهم، ويذهبون –مطمئنين- إلى نهاية الطريق، فيما أنت دائما في البين بين‼.

هل تعرف -يا مسكين- ماذا يترتب على هذا كله؟:

إنهم جميعا يرفضونك‼.. يكرهونك‼. يتفقون عليك‼.

خذ عندك السلفية. لا تنكر حججهم القاطعة، واهتمامهم بالدليل، بعد إهمال الحواضر له في مصر والشام، ممثلة في خطب جمعة مليئة بالهراء، مسكونة بإرهاب الميكروفون، يحكي الإمام ما راق له، غير عابئ بحر وبرد، وملل وفتور. حكايات فلكورية يتدخل فيها مفهومه الريفي البسيط، دون أن يبالي بثقافة الدليل.

جاء المد السلفي فغير هذا كله، ولم يعد ممكنا أن تسمع رأيا بغير دليل، صار المعلوم من الدين قليلا، لكنه دقيق، مدعم بنصوص قاطعة، واضحة الدلالة.

لكنك رغم إعجابك بهم لا تستطيع أن تمضي معهم إلى نهاية الطريق.. ثمة غلظة، وعنف، وتشدد فيما لا يجب التشدد فيه، مع جرأة غير محمودة تخلع تيارات معتبرة من أهل القبلة من الدين الصحيح. يحتكرون الحقيقة، ويمتلكون الصواب، ويشتطون في تكفير الشيعة، وتبديع المتصوفة، في عنف منقطع النظير.

الفروع عندهم كالأصول، بل إن تقسيم الدين إلى لب وقشور يعتبرونه بدعة، اهتمامهم باللحية والنقاب يفوق اهتمامهم بتزوير الانتخابات، أو سد الفجوة العلمية مع الغرب، أو العلاقة بين الحاكم والمحكوم. لا يسمحون بتباين الآراء، وكثرت جرأتهم على كل مجتهد مخالف.. الشيخ الغزالي ضال منحرف‼، ووصلت القحة إلى تأليف كتاب عنوانه: إسكات الكلب العاوي يوسف القرضاوي!!. أي مخالف لطريقتهم هو علماني على الفور، هكذا دون ضبط للمصطلحات.

والخلاصة أنك معجب بهم، وضائق بهم‼. مقبل عليهم، ومدبر عنهم، لا تغمطهم حقهم ولكنك لا تمضي معهم إلى نهاية الطريق‼.

والصوفية، أهل الزهد والذكر، والخلوة والسكينة. نبلاء عالم الحب، وفرسان مملكة الروح. لا تستطيع أن تكتم إعجابك بالصوفية من حيث هي فرار إلى الله، ورياضة نفسية، وخلاص من ماض أليم، وشحنة من إيمان يخرج بها المريد إلى أيامه القادمة وقد سمت روحه واستنار باطنه.. لا عجب أن كانت الصوفية (وستبقى إلى الأبد) واحة المقهورين وعزاء المعذبين.

لكن المشكلة العويصة أن الصوفية تم تشويهها مثل كل شيء جميل، حتى أصبحت -وأنت المحب لها- غير قادر على الدفاع عنها. خاصمت العقل، تصادمت مع ثوابت الدين، توسعت في المنطق الذوقي، اعتبرت التجربة دليلا على المشروعية، تحولت إلى موالد، وقبور، وبدع، وخرافات، ورايات، وادعاءات، ودفاع عن ممارسات، وهجوم على مخالفين، وهجوم أشد على منافسين.. ونسي الجميع الجوهر الجميل الذي لا علاقة له بهذه الأشياء!. نسوا الذكر والزهد، والطمأنينة والسكينة، والالتحام بالكون والارتماء في أحضان الطبيعة. وانشغلوا بالدفاع بما لا يجب الدفاع عنه، العبء القادم من عصور التخلف وسنين الانحطاط.

تريدهم؟ نعم. تحبهم؟ بالتأكيد. لكنك لا تستطيع أن تمضي معهم إلى نهاية الطريق.

والخلاف السني الشيعي؟ لا شك أنك رفيق بالشيعة، مقدر لحزنهم الكبير، ورغبتهم الخارقة في نصرة آل البيت، بعد تعرضهم لأكبر عملية استنزاف عاطفي في التاريخ، عن طريق استدعاء كارثة كربلاء ليل نهار، بالصوت والصورة، والرواية والتمثيل. لا تكفرهم كما يفعل السلفيون، مقتديا برأي الإمام محمد أبي زهرة، أهم عمامة أزهرية في القرن العشرين، الذي قال في كتابه عن الإمام الصادق: “خلافنا مع الجعفرية خلاف في الرأي والنظر، لا في الدين والعقيدة، لأن اعتقادهم في الإمامة لا يخرجهم من الدين”. انتهى.

بل أبعد من ذلك، ربما تشاركهم بعض إحساسهم بالاستفزاز من مبالغة في مديح معاوية‼ وحمية في الدفاع عنه لا تجدها لمصارع آل البيت‼ لكنك رغم إيمانك بقضيتهم العادلة لا تستطيع أن تمضي معهم إلى نهاية الطريق، وتعتقد -كما يزعمون- أن التاريخ مؤامرة، والصحابة نكصوا، وخالفوا عهد رسولهم، واغتصبوا الإمامة من سيدنا علي. لا تستطيع أن تبتلع أن الفاروق -الذي ملأ الأرض عدلا- أجهض الزهراء وقتل بنت نبيه‼. هذا غير سائغ في شريعة العقل قبل شريعة الإنصاف‼ وإذا كان المتحدث مجنونا فليكن السامع عاقلا، ويحكم العقل في ركام المرويات، وأكاذيب تسللت إلى كتب التراث.

كل مشاكل المذهب الجعفري نشأت من نظرية الإمامة، ولو تأملها الشيعة بعقل مفتوح، بعيدا عن الاستنزاف العاطفي، لوجدوها تتعارض مع وضوح مقاصد القرآن الكريم. كيف تكون الإمامة ركنا ثم لا تذكر في القرآن الكريم ولو إجمالا؟. ولماذا يغتصب الفاروق الخلافة ويخالف عهد نبيه، ثم يرتدي خشن الثياب ويأكل الزيت الرديء‼. ولماذا سكت الإمام عن مغتصب حقه، وقاتل زوجته‼. وهو فتى الفتيان وفارس الفرسان، صاحب الشجاعة الخارقة.. كيف يقبل على كرامته كل هذا الهوان؟.

وما شجر بين الصحابة، أنت كذلك في المنتصف. لا تقبل الرواية السنية التي تبسط الأمور، ولا الرواية الشيعية التي تعقد الأمور. الصحابة نقلوا الدين فهم خير البشر. لكنهم بشر‼ ليسوا ملائكة يحلقون في السماء كالحلم السني، ولا كالكابوس الشيعي شياطين يتعاركون في سقر‼ وما شجر بينهم يجب أن يخضع للنقد والتحليل بغير قداسة محرجة ولا تشويه متعمد، لأنها فترة التأسيس التي ترتبت عليها أحداث اللحظة.

يتعامل السنة مع الفتنة بمنطق الأمنيات، وكأنها لم تكن‼ ويستخدمون في تبريرها أساليب مختلفة، فتارة ينهون عن الحديث عنها، وتارة يلصقون كل شيء بابن سبأ، المهم أن يكون العدو من خارجنا. والحقيقة أنه كان صراعا على السلطة، تم استخدام الدين فيه كستار، كما سيحدث بعد ذلك آلاف المرات. والدليل ما حدث بعد رفع قميص عثمان، وحمل المصاحف على الأسنة.. ببساطة حين تسلم معاوية الحكم، لم يعاقب قتلة عثمان، وورثه ابنه، حتى لو كان الملك يمر بذبح آل محمد‼ برغم ذلك وجدوا من يدافع عنهم‼.

الأمور واضحة وضوح الشمس، لا يوجد فيها تلبيس. أراد معاوية الدنيا ونالها، وأراد علي الآخرة ونالها (إن شاء الله).. لكن هذا شيء، وجرأة الشيعة على الشيخين شيء آخر. كيف تطاوعهم قلوبهم على مقت الصحابة، وكراهية أبي بكر وعمر، اللذين بذلا الغالي والنفيس، وحملا العبء في بدء الدعوة، ونشرا الإسلام في الأقطار المجاورة، وأقاما دولة العدل‼ والإمام علي نفسه صلى خلفهم، وتزاوج منهم، وأكل معهم، وصلى عليهم‼. وكيف يحولون الدين لمؤامرة متصلة ثم يطلبون من غير المسلمين الدخول في هذا الدين‼.

هكذا في البين بين، بين هذا وذاك، أنت دائما في المنتصف‼.

وبالنسبة للشأن المسيحي‼ أنت واحد من العقلاء القليلين في بر مصر.. آخر الفصيلة المنقرضة التي تحب المسيحيين، وتحزن للكراهية المتبادلة بينهم وبين المسلمين، في المحروسة التي لم تعد كذلك. وتؤمن بحقهم في اختيار عقيدتهم كما يشاءون، وتبوء المناصب التي يستحقونها على أساس المواطنة، وتحترم تراثهم الروحي البديع في المحبة.. لكنك في الوقت نفسه لا تهضم عقيدة التثليت، التي تنافي الفطرة، والعقل والمنطق، ولا تستطيع أن تقرها، أو تقارنها بالتوحيد الصافي في القرآن الكريم، الصورة المثلى للإله الرحيم، متكامل الصفات، التوحيد الذي لهثت البشرية وراءه، والفطرة المبثوثة في نفوس البشر، منذ عهد الذر القديم.

نفس الموقف مع اليسار، بشكل ما تعتبر كل إنسان “عنده دم” يساريا بالفطرة.. هذا باعتبار اليسار هو الانحياز للفقراء والمهمشين. عسير على المرء أن يقبل أن يقضي إخوانه في الإنسانية رحلة الحياة في فقر وحرمان دون أن يشعر بغصة في قلبه. أنت لا تجد أي مشكلة في التعامل بمرونة مع الفكر اليساري والاقتباس منه باعتباره منجزا بشريا لا يخلو من الحكمة.. حينما يعتبر ماركس الدولة أداة الطبقة العليا في قهر سائر الطبقات فإنك تصغي له، وهؤلاء الذين يتصورون أنها تستطيع القيام بالحكم بين الطبقات أو تنحاز للطبقات الدنيا يطلبون المستحيل‼.

لا شك أن في اليسار أشياء رائعة. لاحظ أن معظم الموهوبين من أهل اليسار، لكنك لا تمضي لهم حتى نهاية الطريق.. المشكلة تحدث حينما تتحول الماركسية من إنجاز بشري لمعتقد‼ أو يتبنى النظرة المادية الجدلية التي لا طائل وراءها، أو يناصب الدين العداء، برغم نقاط الاتفاق المشتركة، لا تكاد تخلو صفحة واحدة من القرآن من الدعوة للصدقة والحث على الإنفاق.. بل وجعل هناك حدا أدنى لا يمكن النزول عنه وهو الزكاة.

حينما يضع اليسار نفسه في صدام مع الدين فهو الخاسر بالضرورة، والعاقل يعرف أن مقدسات الدين خط أحمر لا يمكن تجاوزه.. فهمها نابليون فأعلن إسلامه (ولو كده وكده)، وحفظ هذا الدرس الإنجليز فحكموا البلاد بلا ثورات، عكس الأمريكان الحمقى الذين توالت عليهم هجمات المقاومة.

والخلاصة أنك بسبب البين، ووقوفك عند تقاطع الطرق، صار يهاجمك الجميع، لأنك ببساطة لا ترضي أحدا‼ هؤلاء الذين يريدون الثناء بلا تحفظ، والرضا بغير سخط، ومهاجمة الخصوم بلا توقف. هاجمك السلفيون والصوفيون، والمسلمون والمسيحيون، والشيعة واليسار.. وإن كان السلفيون أعنفهم للأسف‼.

ولو أنصفوا لوجدوا الحياة أكبر من أن تختصر في فكرة واحدة. والبديل هو التعدد واتساع الرؤيا كما تحاول أن تفعل، مستلهما الكون في اعتقادك: تضاريس الأرض المختلفة بين سهول وجبال، وبحار وأنهار، وغابات وصحراوات.. البرد والحر وتنوع الفصول.. بلايين المخلوقات المتنوعة التي تدب على سطح الأرض وتشاركنا رحلة الحياة – كون بأكمله من الكائنات الدقيقة، أجناس لا حصر لها من بني الإنسان، أجرام سماوية بنجومها ونيازكها وكواكبها.

نفس التنوع في عالم الأفكار، تحب في اليسار انحيازه للفقراء، وفي اقتصاد السوق تشجيعه للقوى الكامنة في الإنسان، وفي الليبرالية إيمانها بحق الإنسان في تحديد مصيره، وفي الديمقراطية رفضها لاستبداد فرد، وفي الصوفية عنايتها بالروح، وفي التدين الشعبي حب آل البيت، وفي المعتزلة إيمانهم بالعقل، وفي السلفية اهتمامهم بالدليل. تنوع يضاهي تنوع الكون من حولك في ملكوت السموات والأرض.

لكن السؤال المهم الذي يهمك إجابته هو: لماذا يأبى المجتمع أن يتقبل رجلا مثلك في نصف الطريق؟

توقف عن الكتابة بجريدة الحياة بشكل أسبوعي

  توقفت عن الكتابة بجريدة الحياة بشكل أسبوعي و سأكتفي بالكتابة هناك بشكل متقطع بحسب مستجدات الساحة السعودية، و سأستمر بالكتابة بالعربية  هنا بشكل مستقل 

توضيح

 لم توقفني جريدة الحياة عن الكتابة … توقفت برغبة خاصّة مني عن الالتزام بالكتابة الأسبوعية و ليس عن الكتابة بشكل مطلق

صلاحيات الفرد السعودي

فارغو الصبر هم عن جدارة، تقابلني كلماتهم المحبطة و تصدمني غالبا بحدّتها و انقلابها على كل شيء، تدريجيا يفقدون الثقة و تتهاوى أمام جمود واقعهم قداسة رموز التاريخ و الثقافة المحلية و وعود السلطة الأبوية، يبحثون عن دور لهم في أوطانهم فلا يجدون سوى التبعية و التسليم، تحيي آمالهم مقابلة إعلامية مع شخصية هامة لا تحمل دورا ما رسميا في الواقع تعلن فيها رأيا شخصيا بضرورة التغيير و المشاركة الشعبية بلا استثناء، و تعبر بأحلامهم المعلّقة تصريحات خجولة من شخصيات هامة بأن إصلاحا ما قادما عما قريب، يرفع التصريح مؤشر آمالهم بحسب تقديره الزمني “سيحدث قبل نهاية العام: قل إنشالله”، “في الدورة الانتخابية القادمة”، و تمر الدورات و تنتهي في تكرار ممل يصبح البحث فيه عن مكان ما لإرادتهم ضربا من العبث: “هل تنوين العودة” يسألونني دائما و يصرحون دائما أيضا قبل حتى أن أجيب: “نحلم بفرصة ما للرحيل”… ما الذي ستفعله بنا الأبواب المغلقة و الحدود الضيقة و الأصوات المرتدّة إلينا بلا مجيب؟… لا يحزنني حقيقة رحيل رؤوس المال فقد نالت ما أرادته من هذا الوطن، يحزنني خسارتنا التي لا يحصيها أحد، رحيل العقول المفكرة و رحيل التنوير معها و تغييبها حتى وهي بين جنبات الوطن، يلهمني من يقاومون لأجل حقوق لم يدركها الكثيرون منّا بعد، يواجهون وحدهم تراكمات البيروقراطية و تكتلات المال و القوة،  مشاريع التنوير و التغيير التي يتبناها بشجاعة البعض هنا تتحول في النهاية إلى نواد حصرية مغلقة خوفا من إرهاب الملاحقة و اتهامات التغريب، تنتهي مشاريع التنوير في ردّة حزينة إلى أصحابها،  تمنح أصحابها بالإضافة إلى الفشل غربة موحشة، الفرد السعودي جدير – كما أي فرد في العالم- بحق المشاركة في صنع عالمه، ليس هناك امتيازات تنتظر التحصيل و لا تاريخ مقدّس و لا واقع بصلاحيات متدرجة تتسلق عليه عجلة التغيير، ليس هناك تصنيفات مذهبية و لا عرقية و لا قبلية و لا نوعية تجعل اي شخص بيننا أولى بممارسة المواطنة، كلنا سواسية و كلنا مستحقين و كلنا نقف على بوابة الانتظار  في مرارة بينما تبتلع مبررات التأجيل أحلامنا، و الأسوأ أن تقدم سلبيتنا و عجزنا مبررا إضافيا للمسؤولين بالتجاوز و التقصير فلا أنظمة رادعة للمحاسبة و المساءلة تحمي الفرد، الفرد هنا مفهوم غريب، كائن طفيلي في نسيج المجتمع، إن صادفت فردا سعوديا يتحلى بقوة الطرح و الوعي الثاقب علمت أن طرحه لن يتعد صاحبه كثيرا، ليس لخلل في رؤيته و لكن لتهميش دوره، صانعو التغيير هنا عليهم ان يتعلّموا درسا قاسيا بأن يبقى التغيير فلسفة خاصّة بهم لا تلامس الواقع و لا تثير خيال غيرهم لتبنّي رؤيتهم و تحويلها لرؤية جماعية، عليهم أن يضعوا فلاترا ما على أفكارهم تزيد من غموض رؤيتهم و تمنحها معان متعددة يفلتون بها من احتمالات الإقصاء… الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان و التي ظهرت في السعودية اخيرا لمنح الفرد المهمّش صوتا ما يضمن حقوقه تحولت بشكل ما إلى مؤسسة حكومية لا تملك حتى صفة تشريعية، لا أستطيع سوى أن اتأمل في بيانها الأخير حول عدم قانونية إقصاء النساء من الانتخابات البلدية، هناك مفارقة في التشابه بين الجمعية الوطنية و المجلس البلدي نفسه الذي تنتقد قراراته، كلا منهما يفترض أن يعزز دور الفرد و يحمي مشاركته و حقه في صناعة واقعه، كلا منهما تحول إلى وظيفة الناصح و المحتسب الأكثر شيوعا لدينا،  اختفت الصفة التشريعية عنهما و تحول وجودهما إلى مظهر تكميلي للدولة لا يفي بالحاجة من وجودهما، يتشابهان في الحقيقة مع الفرد السعودي في موقفه الأزلي، يستنكر و يشجب و يدعو و يأمل و ينتظر، لكن الفرد السعودي كان أكثر شجاعة حقيقة ممن يمثّلوه، الفرد السعودي أعلن -عبر مثقفيه- رفضه الاعتراف بالمولود المشوه للانتخابات البلدية، أتى خاليا من العدالة و مفرغا من الصلاحيات و محملا بوعود وهمية، الفرد السعودي شجاع لأنه يحافظ على الدور الوحيد الذي تبقى له: عدم العبث بأحلامه…

قليلا من النسوية يا قمراء…

خصصت الكاتبة قمراء السبيعي مقالاً بعنوان «قليلاً من التعقل يا هالة الدوسري» لرفض ما أوردته في مقالي السابق حول تأثير النسوية السعودية في الدفع بحقوق النساء، وبعيداً من اتهامها لي بالجهل والتغريب، ومع تقديري لما ذكرته فحجتها إجمالاً تثبت ما ذكرته سابقاً عن خوف النساء هنا من كسر قيد التقاليد وتفضيلهن لأمن الاتباع المطلق للسائد، الغرب بأفكاره وتقنياته مرفوض بحجة المؤامرة على الأسرة المسلمة، ولا مانع في الوقت نفسه من استخدام الوسائل الغربية بانتقائية «مكيافيلية» كالانترنت مثلاً وحق القيادة للرجال وليس للنساء، إذ يصبح اختزالاً لحقوقهن.

بداية لابد من توضيح بعض المفاهيم العامة والخاصة، إذ يبدو من مضمون المقال أنها غائبة إما تعمّداً أو سهواً، «النسوية» في تعريفها العام هي مطالبة النساء بالمساواة مع الرجال في الفرص السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولا تعني إلغاء وجود الرجال من حياة النساء، وبتعريفها المحلي فهي ما تحاوله النساء هنا من رفض تزويج بناتهن القُصّر، وطلب الحق في الزواج والطلاق بلا عضل، ورفض ولاية الآباء المعنّفين والمطالبة بالمساواة في الأجور، وفرص التوظيف والتعليم، والمطالبة بالقيادة، والمشاركة في الانتخابات البلدية أسوة بالرجال، وعليه فأنا أؤكد ما ذهبت إليه «قمراء» في اتهامها لي باستثناء بعض الافتراضات المتخيّلة، فأنا نسوية وأتبنى في مشروعي الشخصي لدعم النساء الاتفاقات العالمية التي دعت إليها الأمم المتحدة بناء على أبحاث شاملة في أوضاع النساء عالمياً، التي وقّعت عليها حكومة المملكة.

ولأني أعتز بالمرأة السعودية وبإنسانيتها العظيمة المقاومة للتمييز الذي يمارس ضدها، والتي أثبتت جدارتها في كل الميادين – كما أوضحت قمراء في مقالها – فأنا أدعم حقها الكامل بالمشاركة في الفضاء العام وبتغيير السياسات العامّة التي تميّز ضدّها، وبالتالي بتنفيذ ما التزمت به المملكة في القضاء على أشكال التمييز كافة ضد المرأة.

تظهر تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة للعام 2010 عن السعودية أن عدم العدالة بين الجنسين أنتجت ما نسبته 76 في المئة من الخسارة في التنمية البشرية، وهي من أعلى النسب في العالم العربي بعد اليمن، لا يمكن تبرير ذلك النقص في ظل وجود إقبال كبير من النساء على التعليم وتميزهن فيه، المعايير التي تستخدمها الأمم المتحدة للحكم على معدل التنمية البشرية للجنسين معاً تشمل مجموعة من المقاييس التي تعكس مدى اهتمام الدول المختلفة، وليس الإسلامية فقط، بأوضاع النساء، يتم حساب الفارق في التنمية بين الجنسين بناء على ثلاثة مجالات في التنمية: العناية بصحة الأم والطفل، وتمكين المرأة، وسوق العمل، وهي تتراوح بين الرقم صفر عندما لا يكون هناك أي تمييز بين النساء والرجال في التنمية، والرقم واحد عندما يكون الفارق كبيراً بين النساء والرجال في التنمية في المجالات الثلاثة، التنمية في مجال الصحة تقاس بواسطة معيارين: معدل وفيات الأمهات، ومدى خصوبة المراهقات، والتنمية في تمكين المرأة تقاس أيضاً بمعيارين: المشاركة في مقاعد البرلمان، ومعدل التحاق الجنسين بالتعليمين الثانوي والعالي، التنمية في سوق العمل تقاس بمدى مشاركة المرأة في الوظائف بلا تمييز.

أيضاً في تقرير وزارة التخطيط السعودية (2010 – 2014) كان التأكيد على دور المرأة في العمل الإنتاجي والاجتماعي أحد الأهداف الأساسية للتنمية، ومع ذلك، وعلى رغم معدلات الالتحاق العالية للنساء بالتعليم إلا أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل ككل لم تتعدَ – بحسب التقرير – 11 في المئة، وكنتيجة لضعف المشاركة الفعلية للنساء وضعت الوزارة مجموعة من السياسات كان أهمها تخصيص قسم نسائي في خلال عام واحد في كل مصلحة حكومية لتوظيف النساء ومراجعة معاملاتهن، ومع ذلك لم يتم من ذلك إلا القليل.

أما الأمثلة التي أوردتها قمراء لمبدعات محليات فهي لا تقارن بالمبدعات السعوديات عالمياً، فالعالمة السعودية التي اكتشفت علاجاً من بول الإبل لم تجد بحد علمي من يتبنى تطوير اكتشافها محلياً ويستثمره تجارياً كما تم مع «حياة سندي» من هارفارد، و«غادة المطيري» من وزارة الصحة الأميركية، وهي أمثلة تثبت جدارة النساء وليس عدالة السياسات العامة معهن، والنسب التي أوردتها السبيعي في مقالها من تقرير وزارة التخطيط بقراءة خاطئة لا تتعدى نسب توزيع العاملات من بين السعوديات ككل في سوق العمل وليس من بين كل العاملين، وهي تعكس انتشاراً محدوداً ومتكدساً في قطاعات معينة كالتعليم والصحة والبنوك، ولا تعكس تقدماً رأسياً للنساء لمناصب صناعة القرار، ولا توزيعاً أفقياً متساوياً لهن في كل المجالات، المحاميات والمهندسات مثلاً حتى الآن لا يمارسن ما تم تأهيلهن له، ناهيك عن البطالة المتفشية بين بعض الخريجات بمن فيهن خريجات الكليات التقليدية، كالتربية والتعليم، أو بطالة ذوات التأهيل الأقل، رؤوس الأموال النسائية السعودية تتركز حول العائلات التجارية ولا تشمل غيرهن في العادة، التعقيدات واشتراط مديري المكاتب والأولياء ومنع النساء من مباشرة معاملاتهن بأنفسهن يحجم من دخول النساء في مجالات الأعمال، إدارة المرأة الوليدة التي خصصت لها الأمم المتحدة مبالغ ودعماً مستقلاً للدعم أتت استجابة لجهود تاريخية، واعترافاً بأهمية الالتفات لتمكين النساء كخطوة أساسية لمجتمعات آمنة وصحية، كما أن المملكة عضو رئيس في مجلس إدارتها الوليد، أما المقارنة الساذجة بين أوضاع السعوديات وأوضاع النساء في عصور تأسيس الدول الغربية الأولى فهي محاولة عبثية متكررة في الخطاب «الصحوي» لتجميل واقع «مزرٍ».

أسأل قمراء لماذا تعاني المطلقات والأرامل، ولا يستطعن العيش بكرامة في حال اختفاء الرجل «المعيل»؟ إن كانت المطالبة بالقيادة تمكيناً للمرأة فلماذا يتم التهوين منها؟ ولماذا تطالب النساء من التيار التقليدي في عريضة مرفوعة لمجلس الشورى برفضها إن كانت غير مهمة كمطلب للنساء؟ إنسانية المرأة في العيش بعدالة اجتماعية واقتصادية وسياسية وفضاؤنا «الذكوري» الذي يخلو من أعداد كافية وليست متساوية للنساء مع الرجال في المجالات كافة هو الرد الأفضل على مدى الإنسانية التي نتعامل بها مع النساء في بلادنا.

النسوية السعودية و حقيقة التأثير

اكتشاف متأخر ربما، ولكنه يفسّر الكثير من الجمود المحيط بأوضاع النساء السعوديات، غالبيتهن إما أنهن لا يردن التغيير، أو لا يردن المبادرة الى صناعته بأنفسهن. ببساطة لا يجدن أن التغيير آمن في الظروف المجتمعية الحالية، أو قابل للتحقيق. الحياة كما هي الآن بقيودها ومحدوديتها وارتباطها الوثيق بولي رجل توفّر بديلاً أقل عناءً ومجازفة بأمنهن، وبالتأكيد أقل تصادماً مع قيم المجتمع الراسخة هنا منذ عقود.

التقرير الصادر عن الـ «بي بي سي» أخيراً، الذي استعرض أوضاع النساء هنا في شكل مختصر وعابر لم يبتعد عن تلك النتيجة. معظم من ظهر في التقرير من الرجال، سواء من الوسط التقليدي أو الأكثر حداثة، اتفق على أولوية أدوار المرأة التقليدية على أي دور وعلى ضرورة تبعيتها للرجل. روضة يوسف التي ظهرت في التقرير مستنكرة مطالبات النساء باستقلاليتهن، متسائلة: «هل يريدون أن تعيش المرأة بلا رجل؟»، هي دليل على النتيجة نفسها. السيدات الأقل حظاً والأكثر فقراً كان طموحهن ليس العمل أو الكسب ولكن الحظوة بزوج يتولى شؤونهن. هذا الأمل في منقذ (ذكر) لم تبدده حقيقة أن إحدى السيدات زوجة معلّقة لرجل تركها وحيدة تدفع بنفسها صروف الدهر مع ابنتيها. هل من المستغرب رفض النساء قبل الرجال استقلالهن الشخصي والمادي عن الولي الذكر الذي ترتبط به شؤونهن كافة؟ ليس بالضرورة في مجتمع تم تصميم فضائه العام بحيث يحتوي الرجال أولاً والنساء ثانياً بشروط قاسية ومحددة. فرص العمل لمعظم النساء في الفضاء العام «محدودة» إن لم تكن معدومة، ومثلها فرص الكسب والتجارة، ويبقى الاعتماد على رجل قادر البديل الأمثل لتأكل وتشرب وتسكن، كما أتى في عبارة لأحد الرجال في التقرير، كان بعيداً تماماً من معظم الرجال. أن هناك حاجات أخرى بخلاف المطالب الأساسية للحياة تحتاجها النساء، كأن تكون للشخص القدرة على تسيير حياته بلا منّة ولا شرط من غيره، أو أن يكون قادراً على الكسب والعمل والعطاء ومشاركة موهبته وإنجازه مع مجتمعه بلا قيود النوع.

معظم من حاولن إزاحة جدار المنع وتغيير القيم التقليدية المرتبطة بدور المرأة اجتماعياً يواجهن الفشل هنا مرة بعد مرة. ليس ذلك لتقصير في رسالتهن ولكن لأن المجتمع يكبح وبقوة محاولاتهن، ليس فقط عبر الرجال بسبب الخوف من سطوة التحكم ولكن عبر النساء أيضاً. نزع السيطرة عن المرأة وتركها لتقرر مصيرها بنفسها ومنحها فرصاً متساوية مع الرجل يخلخل من التركيبة «التقليدية» للمجتمع السعودي. هل يستوعب الرجل أن المرأة إنسان تحق له المساحة نفسها التي يتمتع هو بها في الشأن العام وليست أماً وزوجة فقط؟ والأهم هل تستطيع المرأة أن تستوعب أن هناك حياة كاملة تنتظرها بلا حاجة حقيقية ليقوم على شؤونها أي شخص غيرها؟

مَنْ المسؤول عن التغييب الحادث للنساء في المملكة وإيهامهن بأن العالم خارج منازلهن غابة متوحشة ستلتهمهن بلا أي إرادة لهن إن حاولن المشاركة فيها؟ عندما ترفض نساء مثقفات ومتعلمات ويشغلن مناصب قيادية أي فسحة من الأمل لمنحهن استقلالاً في تسيير حياتهن، كمسألة قيادة المرأة السيارة مثلاً، ويرفعن بشأن رفضها خطاباً مضاداً لخطاب المطالبين بذلك إلى مجلس الشورى، فذلك دليل على أن الفضاء العام يمثل في نظرهن تهديداً ما لأمنهن وأن وجود الرجال القوّامين عليهن أساسي للأمن، وبدلاً من أن تطمح النساء إلى الكسب وتنمية أنفسهن يطمحن إلى ظل رجل ولو شاركتهن فيه أخريات، ولما يمكن أن يمنحه لهن من مال وعطايا ومقومات الحياة الأخرى. عندما سألني صحافي أميركي عن وجود أي حركات نسائية سعودية مؤثرة في الرأي العام، اضطررت للإجابة بكل خيبة أمل بالنفي. مع الأسف لم يكن هناك سوى محاولات رصد لكل التغييب الحادث للنساء، وتعاني معظمها من غياب مطالب واضحة ومحددة أو من غياب استراتيجيات فعالة للعمل، والحملات الموجودة افتراضياً أو على الواقع، وعلى رغم جهد القائمات عليها، لم يحالف النجاح أي واحدة منها، بدءاً من محاولات تشغيل النساء في نقاط البيع، وانتهاءً بمطالبات المشاركة في الانتخابات البلدية. هل تتواصل النساء بصدق ووعي وهل يتفقن على حاجتهن لحقوقهن؟ ذلك الفشل المدوّي للنساء يجيب بالنفي عن هذا السؤال.

الحركة الوحيدة التي كان لها أثر ما بعيداً من العالم الافتراضي، أو عن التقارير النسوية المكتوبة، هو ما فعلته معلمات محو الأمية بتظاهرهن أمام مبنى وزارة الخدمة المدنية الأسبوع الماضي للمطالبة بتثبيتهن في وظائف رسمية أسوة بالمعلمين الرجال. إن لهذا التحرك معنى ومغزى يتجاوزان الأدوار التقليدية للمرأة السعودية التابعة لرجل ما ليقضي لها شؤونها. حلقة الوصل بين النساء على اختلافهن لا تزال مفقودة، ولكني متأملة أن المقبل أفضل، وأننا نتعلم بالتأكيد من فشل من سبقنا. كل محاولة فاشلة قرّبتنا أكثر إلى الطريق، وكل رجل وسيدة اعترض على التغيير أبرز لنا حجة ما محتملة في «جعبة» الرافضين لتغييب النساء لتحليلها ونقدها. إن نجحت سيدات في بساطة معلمات «محو الأمية» في التجمع والمطالبة بحقوقهن بشجاعة لحصد العدالة، فلن يكون الطريق صعباً أمام الأخريات.

 

جاهزية المرأة في مواجهة أسوا تصريح

لا يوجد شيء أسوأ من تصريح رئيس لجنة الانتخابات البلدية السعودية برفض إشراك النساء في الانتخابات المقبلة سوى تبريره لسبب الرفض، التصريح الذي أكّد أن لا شيء يمنع من مشاركة النساء، أرجع سبب الرفض إلى عدم الجاهزية – بلا تحديد لطبيعة الجاهزية – في جميع مناطق المملكة لاستقبالهن، وإن افترضنا أن الجاهزية تعني تجهيزات المقار – على أحسن التقديرات – فهناك في سياساتنا الحالية ما يعارض هذه النتيجة في قرار اللجنة، فهل منعت الجاهزية وزارة التعليم من إرسال بناتنا إلى القرى والهجر عبر طرق خطرة وبلا أي استعدادات لائقة للسكن ولمقار العمل حتى حصدت الحوادث أرواحهن على الطرق عاماً بعد عام؟ وهل منعت الجاهزية بناتنا العاملات في وزارة الصحة من مواجهة خطر الأحياء العشوائية والمتهالكة في كل مدينة وقرية لمباشرة عملهن في تقديم الخدمات الصحية، إما المنزلية أو العامة، لكل محتاج بلا أي خوف من العدوى والخطر؟ وهل منعت الجاهزية المتطوعات والعاملات في الخدمات الاجتماعية الخيرية من ارتياد المناطق المنكوبة كافة وتقديم المساعدات وعمل دراسات للحالات ومتابعتها بلا أي ضمان ضد الخطر؟ هل أوقفت الجاهزية الإعلاميات عن اقتحام مجالات العمل الصحافي، وتقديم التقارير الصحافية، والحصول على الأخبار مهما تطلبت من متابعة وتواصل؟ هل انتظرت المرأة السعودية الجاهزية التامة حتى تلتحق بالتعليم وتشد لأجله الرحال محلياً وخارجيا؟ وهل انتظرت الجاهزية لقبول أي وظيفة متوفرة مع التمييز الحادث ضد النساء في القطاعات كافة؟ التصريح الأخير لم يفسر لنا كيف يستطيع أي مواطن فقط لكونه ولد ذكراً أن يتقدم بالترشيح والانتخاب في النافذة الأولى والوحيدة لممارسة أي عمل سياسي شعبي في البلاد، حتى وإن لم يحمل أي مؤهل علمي أو عملي، وفي الانتخابات البلدية الأخيرة كان هناك عدد كبير من المرشحين الرجال من حملة شهادات الابتدائية وما دونها، وممن لا يملكون أي خبرة عملية سوى التعقيب على المعاملات في الإدارات الحكومية، مع احترامي لكل مجتهد، فكيف يمكن إذن لسيدات سعوديات حصدن أرقى درجات التعليم، وحملن وسام خدمة الوطن في المجالات كافة، أن يحرمن من حقهن في المساحة الوحيدة المتاحة للمشاركة الوطنية؟

إن كان المقصود من الجاهزية هو تأهيل المرأة السعودية أو اختلاطها بزميلها الرجل، فهناك أيضاً من الشواهد ما يؤكد جاهزيتها ونجاح عملها إلى جوار الرجل، المرأة السعودية فاقت الرجل في التحصيل العلمي العالي، بحسب الإحصاءات، ويندر أن تجد سيدة تستغل منصبها الوظيفي للمنفعة الذاتية، أو للاختلاس أو غيره، كما هو حادث في المناصب العامة الكبرى التي يشغلها الرجال هنا، والمجتمع النسائي الذي بات محبطاً من تجاهل مسؤولين لإسهاماتهن، على رغم حملاتهن المتكررة للمطالبة والتنبيه على حقوقهن المسلوبة على مدى العقود الماضية، هو أكثر من جاهز لتولي المسؤوليات المدنية والسياسية كافة، والنجاح والسهولة التي تباشر بها سيدات سعوديات على قلة فرصهن وأعدادهن ممن حملن ثقة المسؤولين في تعيينهن في مناصب كبرى هو الدليل الأفضل على الجاهزية، أما جاهزية المجتمع فليس هناك دليل أفضل لنسف هذه الفرضية سوى استمرار سير العمل بلا أي مشكلات تذكر في كل المجالات التي طرقتها النساء إلى جوار الرجال هنا، إذ تعمل النساء في المستشفيات والإعلام والبنوك جنباً إلى جنب مع الرجال بلا أي تأثير يذكر على سير العمل، فلم نحرم الوطن من إسهاماتهن؟ ولم نجعل مسؤولية تسيير ورقابة مدننا التي ثبت فشلها عاماً بعد عام في مواجهة الكوارث الطبيعية والمكتسبة بواسطة سوء الإدارة والفساد في أيدي اشخاص يتوقف اختيارهم للمنصب على نوعهم البيولوجي وليس على كفاءتهم العملية والعلمية؟ والسؤال الأهم لماذا لم يتم تجهيز المجال لمشاركة النساء – إن كانت هناك أي جدية في التعاطي مع هذا الوضع – منذ الأعوام السابقة، علماً بأن حملات المطالبة بالمشاركة النسائية مستمرة منذ سنوات؟ فهل ذلك دليل على فشل ما في الإدارة الذكورية للعملية الانتخابية هنا، أو على وجود نية مبيّتة بتجاهل مشاركة المرأة؟ لم نقرر أن نخرج عاماً بعد عام بسياسات انتقائية تمنح المرأة فرص التأهيل كافة وتحرمها في الوقت نفسه من حق ممارسة تأهيلها، لم نصل في النهاية في كل قرارات مشاركة المرأة إلى اعتذار ما يحمل في مضمونه الشك من الرجال والإقصاء للمرأة خوفاً عليها من فتنة متخيلة لم تثبت صحتها يوماً في أي مجال طرقته المرأة هنا إلى جوار الرجل؟

أقل ما يمكن أن أصف به شعوري وأنا أطالع في وكالات الأنباء العالمية «رويترز ونيويورك تايمز» خبر تهميش النساء وإقصائهن عن المشاركة هو خيبة أمل كبيرة،تعيين السعودية في مجلس الأمم المتحدة للنساء ومجهودات الناشطات محلياً في حملة بلدي، والمكانة المميزة التي وصلتها النساء هنا في المجالات كافة، لم تصنع أي فرق لدى المسؤولين عن الانتخابات البلدية في دعم مشاركة المرأة، وبدلاً من منح هذا الوطن فرصة حقيقية للحاق بركب الحضارة أتت جملة واحدة لتنتزع من النساء هنا حق المشاركة، وتحكم على الوطن بإلغاء ثمانية ملايين فرصة مميزة للإسهام فيه، ليس هناك شيء مخيب للأمل أكثر من انتظار جاهزية ما لا نعرف محدداتها منذ ما يزيد على ألف عام.