في يوم المرأة: أنت كوكب درّي

لا زلت أذكر يوما ما سعيدا و أقبض عليه في ذاكرتي حتى لا يسقط تقادما، لم يكن فيه شيء أجمل من تأمل تفتح ملامحك الناعسة بترقب حذر، فاجأتني يومها بابتسامة أولى تجلّت فيها روعة البدايات، ظهر الفرح في ملامح الحياة حولك أينما حللت، و جذبت بسمتك الأرواح المترقبة و المتعطشة للفرح لتحصيل سعادة استيقاظك و نيل شرف صحبتك، كانت بسمتك المتحولة بمداعباتنا إلى موجات ضحك تضفي تعريفا جديدا للوجود و تزيل عنوة جمود الأيام،  بسمتك كالشهد الذي لا يمكن الارتواء منه، كم بدا وجودك العذب الهش ممتلئا بالمتناقضات، مبشرا و منذرا، ملوحا بنشوة البراءة و العذوبة و مؤذنا  بتوجس و خيفة، كنت أخشى عليك أن تدركي عوالم النساء و أن يطوى سريعا عهد الطفولة المختلف على تعريفه و حدوده هنا، أن تمتليء عوالمك الصغيرة بالخوف و الحذر و أن توضع القيود على منافذ روحك و جسدك و عقلك، ان تفترضي دوما سوء نية كل شخص حولك، أن تتوقعي الأسوأ و أن تحملي وحدك جريرة الإثم و تدفعي ضريبة التجاوز الذي يقترفه سواك، أن يقام حول عالمك الصغير أسوارا لتخفيك و تحميك و تقصيك و تعزلك عن العالم كما هو بمساوئه و بمباهجه، كنت أخشى يوما تختفي فيه و يحجب نور هذه الشمس المشرقة، هل تعلمين أنك تراءيت لوالدتك قبلا حلما جميلا، أنك كنت كوكبا دريا يخطف بريقه الأبصار في حلم يسبق حقيقتك، كان ذلك في حياة أخرى قبل هذه الحياة و قبل أن يحل علينا الخوف…

حبيبتي الطفلة العزيزة على أعتاب الأنوثة أنت محظوظة نوعا عن السابقات، لم يعد هناك وأد للبنات، لن يهيل أحد ما التراب فوق الأعواد الخضراء الطرية بعزم مجنون حتى يختفي وعد الحياة و بريقها، نجوت من حكم الإعدام و لكنك لا زلت تقضين حكما مؤبدا بالسجن في انتظار إثبات البراءة، ربما لا نرى أبدا هذه الأشجار الباسقة الوارفة تكتمل و تغطي الأفق، هناك بيننا من يحيط هذه الأعواد الخضراء الطرية بالأسوار الحصينة و يمنع عنها الضوء و الغذاء الذي تتوق إليه كثيرا،  في عالمنا حبيبتي الصغيرة تحشد من أجلك أنت الجهود و يجتمع المختلفون تحت لواء قضيتك المزعومة، أنت أحيانا أداة الشيطان و غالبا فتنة العابد و نادرا سر الوجود و عذوبته، أنت هنا الوجه المختلف على حجبه و الصوت المختلف على سماعه و العقل المختلف على أهليته و علمه و صاحبة المال المختلف على ملكيته و الوجود المختلف على سبب وجوده، أنت ذريعة لجحافل المحتسبين و متن فتاوي سد الذرائع في فقه المحتاطين و أحجية في تخطيط المسؤولين و معضلة في بنية المجتمع، أنت مادة خصبة للنقاش فكل شؤون حياتك سيقررها بالنيابة عنك أوصياء، سيختفي مع الوقت صوتك، و سيرتفع مع الوقت خوفك، كل طرقك تحدد ملامحها ضمائر الذكور حولك، ستسيرين قسرا في متاهات الولي و الزواج و الطلاق و الميراث و النسب و التعليم و العمل و التنقل و محاولة بناء حياة ما بالرغم من معالم الطريق الغامضة، بالرغم من السدود، متاهاتك بلا علامات طريق، قد تضيعين بين سردايبها للأبد…

في العام 2011 لا زلنا و أنت نسير في أماكننا لا نراوحها، تزول عروش و تسقط ممالك و تقوم ثورات و تصنع عوالم جديدة على أنقاض العوالم القديمة…إلا أنت و أنا هنا ماكثون… أنت تعليقا يظهر في مدونتي لحقوق المرأة و يتساءل بخوف إن كان من حقك النجاة من تعنيف زوجك و أنت حامل و من تفويضه لنفسه أن يكون حامي الحمى على بوابة الحياة، تتساءلين إلى من تذهبي و هل يمكن أن ينصفك أحد و هل يضعونك في سجن جديد و مع سجان أكثر رحمة؟ ماذا يحل بقطع منك تتعلق بشرايينك طلبا للحياة؟… أعرض أمامك أرقام هواتف و فاكسات لموظفين قد لا يجيبون أبدا و إن استجابوا قد لا يملكوا لك شيئا، أنت قضية هنا لا زلت في انتظار إثبات ما بأن لك حق الوجود و حرية ممارسة الحياة بلا تمييز، ماذا صنعنا لك و ماذا قدمنا؟ أنشأنا كعادتنا لجانا و وفودا تأتي و تروح، تقابل وفودا أخرى و تناقش أرقاما و تشكّك في أهميتها و تؤلف أوراقا و تنتج تقاريرا بينما تبقين أنت سؤالا يلوح في خوف على موقعي و خلف الأبواب الموصدة، تظلين فرعا أخضر غير مكتمل يهدده انقطاع شريان الحياة… “ماذا أفعل و هل ينقذني أحد؟”… لا أدري حبيبتي أي الطرق أقل إيلاما على عودك و روحك، و لكني أتمنى في يأس واقعي مبرر أن لا تكوني رقما جديدا في إحصاء ما أليم للجرحى و المعاقين و الوفيات و أن لا تنطوي السنون و نحن هنا ماكثون… نتقدم خطوة و نتعثر خطوات و نفرّ تخبطا و همسا و فزعا من عفاريت الظلام بلا خارطة طريق…

أنت مطالب تخترق الصفوف و تتجاوز الموانع، أنت صورة أنثى قادرة لا زالت حلما بعيد المنال لشابة متفائلة، أنت صوتا شجاعا نادرا يعلو قليلا فوق قيد الخوف و يجازف باستحضار الغضب، أنت ساكنة في خيال محب يبحث عن فارسة تباريه و حضن يحتويه، أنت شجرة وارفة في قلوب أطفالك، أنت ظل يؤويهم و خضرة  تجمّلهم و ثمرات تقوى بها أعوادهم الطرية، أنت أمل لوطن في غد منتج يتجاوز عقدة و خصوصية وجودك و يفتح لك ذراعيه، أنت نفسي الأنثى التي أحتار دوما في لغز وجودها المثير للخوف و الشك و الهم المتعلّق بعالمها حتى الممات، أنت ذاتي التي أزيل من حول حقيقتها الحجب و قيود النوع و المجتمع و الثقافة البالية حتى أصل إليها، أنت ماض مظلم حملناه معنا لقرون حتى انكسرت ظهورنا، أنت حاضر تتعثر فيه خطواتنا، أنت غد تعلّقت على أبوابه أحلامنا، أنت وعد ينتظر الوفاء، أنت نصف الكون و منبع الحياة و حامية الوجود… إليك أنت التي تنتظر الخلاص و اكتمال العود أهدي آمالي في يوم المرأة المستجدية لحقوقها من حرّاس الأبواب، يا صاحبة السعادة و مانحة الحياة، بسمتك انفراج و ضحكتك فرح، ووجودك الآمن السعيد كوكب دري ينتظره العالم ليبدأ الحياة، أنت نور على نور…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/243381

2 Responses to في يوم المرأة: أنت كوكب درّي

  1. Saad Al Dosari قال:

    مقال كقصيدة … أو قصيدة في مقال …

    كتب بمشاعر صادقة … و لا أريد أن أقول بحرقة نبيلة …

    شكراً هالة …

  2. لم اكن يوما ما متشائما ابد ونحوت نحو الياس .. ولكن كلما نظرت ظهرت امامي صور الطوابير في عز الظهيرة لتلك النساء المتخرجات جامعيات يحملن على صدورهن شهادات مكتوبا عليها قضين اكثر من نصف عمرهن حتى يقضوا ما بقي منه في تيه الاذلال على ابواب الدواوين والوزارات عاطلات بدون عمل وهذا هو ارقى تكريم نقدمه لهن ..
    ايعقل ان نفتح جامعات ومعاهد ولا نخطط لستيعابهن في وظائف تلق بهن وبأنوثتهن عن دل المسألة والفقر والحاجة .. لا تتصدقوا عليهن انما ثقوا بهن في يوم
    يفتخر الامم الحية بهن .. والله اقسم جازما بأننا لن نتقدم خطوه نحو حضارة من سبقونا حتى نقف بجانب المرأة ونثق بها وبقدراتها العلمية والعقلية
    وكيف تتقدم أمة ونصفها قد اصابه الشلل ..
    حضارات من حولنا : الهند قادتها رئيسة وزرائها انديرا غاندي
    وجارتها الجنوبيه الباكستان قادتها بانظير دو الفقار علي بوتو
    وحتى جارتها الجنوبية الغربيه بنغلادش تتقاسم الوزارة فيها الشيخه حسينه واجد والدكتوره خالده ضياء
    لا اريد ان اقترب من المملكة المتحدة ابد اخاف ان ينكسر عنقي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s