الإنسانية الجديدة

بقلم دايفيد بروكس/ النيويورك تايمز

مقال قمت بترجمته

على مدار سنوات عملي، قمت بتغطية العديد من السياسات الفاشلة.  عند سقوط الاتحاد السوفييتي أرسلنا فرقا من الاقتصاديين الغافلين عن انعدام الثقة الاجتماعية التي شوّهت ذلك المجتمع.  عند غزو العراق كان قادتنا الأمريكيين غير مدركين للتعقيد الثقافي في العراق و انتشار الصدمات النفسية من تأثير رعب حكم صدام.  كان لدينا نظام مالي يقوم على فكرة أن المصرفيين هم مخلوقات عقلانية لن تفعل أي شيء غبي بشكل جماعي. على مدى السنوات ال 30 الماضية حاولنا العديد من الطرق المختلفة لإعادة هيكلة نظامنا التعليمي — نحاول المدارس الكبيرة والمدارس الاصغر، والمواثيق والقسائم —  ، لسنوات تجنبنا القضية الأساسية: العلاقة بين المعلم و الطالب      ا

انتهيت إلى الإيمان بأن كل فشلنا يعود إلى شيء واحد: الاعتماد على وجهة نظر شديدة التبسيط للطبيعة البشرية. لدينا ذلك الرأي السائد في مجتمعنا — وليس فقط في عالم السياسة ، ولكن في العديد من المجالات — أننا مخلوقات مقسّمة. العقل، الذي هو جدير بالثقة ، منفصل عن العواطف ، و هي المشتبه بها، أن المجتمع تطور إلى الحد الذي يمكن فيه للعقل أن يتحكم بالمشاعر. 

وقد خلق هذا تشويه في ثقافتنا… قمنا بالتشديدعلى أهمية العقلانية، و لم نهتم بما سواها، نحن نجيد الحديث عن الأمور المادية ولكن لا نتقن الحديث عن العاطفة. عندما نربّي أطفالنا ، نركز على تدريبهم على المهارات و الصفات التي يمكن قياسها بسهولة كدرجات المدرسة و امتحانات دخول الجامعة، ولكن عندما يتعلق الأمر بأهم الأشياء مثل الشخصية و كيفية بناء العلاقات لا نملك الكثير لنقوله.  و الكثير من قوانيننا و سياساتنا العامة يتم اقتراحها بواسطة خبراء في الأشياء التي من الممكن قياسها بوسائل إحصائية و تقديرها و هم غير معنيين بما سواها.

ومع ذلك ، و بينما نحن محاصرون داخل هذا الرأي الذي يبتر الطبيعة البشرية ، يأتينا رأي أكثر ثراء وعمقا  من قبل الباحثين في مجموعة واسعة من مختلف المجالات : علم الأعصاب وعلم النفس وعلم الاجتماع ، والاقتصاد السلوكي وهلم جرا.  هذا الرأي الجديد الناشيء في أماكن بحث متفرقة ينبّهنا إلى مجموعة اكتشافات أساسية:  أولا ، أن أجزاء العقل اللاواعي هي الأكثر انتشارا في العقل ، حيث يكمن العديد من عمليات التفكير الأكثر إثارة للإعجاب. ثانيا ، لا تعارض بين العقل و العاطفة، حيث تقوم عواطفنا بتعيين قيمة ما للأشياء وهي أساس تكوين العقل. وأخيرا ، نحن الأفراد لا نشكّل العلاقات بل العلاقات تشكّلنا. نحن كائنات اجتماعية ، في تواصل عميق مع بعضها البعض ، هذا التواصل ينتج شخصياتنا و أنماط تفكيرنا.

هذه المجموعة من البحوث تشير إلى خطأ وجهة نظر حركة التنوير الفرنسية للطبيعة البشرية ، والتي شددت على الفردية والعقل، و إلى صحّة حركة التنوير البريطانية ، والتي شدّدت على المشاعر الاجتماعية ، وكانت أكثر دقة في وصف طبيعتنا البشرية.  وتقترح  حركة التنوير البريطانية أننا لا نتقدّم بتقدم سيطرة العقل على العواطف فقط و لكن أيضا بمعرفة طبيعة مشاعرنا و عواطفنا.

و بالتالي بتلخيص هذه الآراء عن حقيقة الطبيعة البشرية تحصل على وجهات نظر مختلفة عن السائد في كل شيء من الأعمال التجارية للعائلة وحتى السياسة. نصبح أقل اهتماما بتحليل الناس للعالم حولهم و لكن بكيفية رؤيتهم للعالم بحسب طبيعتهم البشرية و مفهومهم الخاص.  نصبح أقل اهتماما بالصفات الخاصة للناس و لكن أكثر اهتماما بالعلاقات بينهم. 

يصبح لدينا وجهة نظر مختلفة عن طبيعة رأس المال البشري. على مدى العقود القليلة الماضية ، قمنا بتحديد رأس المال البشري بشكل ضيق، بالتركيز على معدل الذكاء ، والدرجات ، والمهارات المهنية.  وهذه كلها مهمة ، كما هواضح ، ولكن هذا الاتجاه الجديد في البحث يكشف عن مجموعة أعمق المواهب ، والتي تمتد عبرالعقل والعاطفة وتربطهما :

التناغم : القدرة على الدخول إلى عقول الآخرين ومعرفة ما يمكن لهم تقديمه.

التوازن : القدرة على مراقبة الشخص لأفكاره وتصحيحه لمظاهر تحيزه و إدراكه لأوجه القصور.

ميتس : القدرة على التعرّف على الأنماط في العالم من حوله و استخلاص المعنى البسيط من المواقف المعقّدة

التعاطف : القدرة على التناغم مع الأفراد و المجتمع من حوله والنمو و التعايش في مجموعات.

التعطش لحب آخر : هذه ليست موهبة بقدر ما هي الدوافع. يتحرق العقل الواعي إلى المال والنجاح ، ولكن العقل اللاواعي متعطش لتلك اللحظات التي تتجاوز العقل و الجسد  و تغرق في حب آخر ، كالغرق في تحدي إنهاء مهمة ما أو في محبة الله. بعض الناس كما يبدو يمتلكون هذه الموهبة أكثر من غيرهم.

عندما أوجد سيجموند فرويد رأيه عن العقل اللاواعي، كان له تأثير كبير على المجتمع وعلى الأدب، الآن يخرج علينا مئات الآلاف من الباحثين بوجهة نظر أكثر دقة تفسّر من نحن بشكل أدقّ.  ومع أن نتائجهم كانت عبر البحث العلمي، إلا أنها  تنبّهنا إلى قيم الإنسانية الجديدة.  كيف تترابط و تتّصل العاطفة مع العقل.
أتوقع أن يكون لعملهم تأثيرا ضخما على الثقافة، لأنه سيغيّر الطريقة التي نرى بها أنفسنا. و من يدري ، قد يأتي يوم ما فتتغير حتى الطريقة التي يتعاطى بها صناع السياسة لدينا مع العالم.

المصدر

http://www.nytimes.com/2011/03/08/opinion/08brooks.html?smid=fb-nytimes&WT.mc_id=OP-SM-E-FB-SM-LIN-TNH-030911-NYT-NA&WT.mc_ev=click

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s