حول مطالب الإصلاح

الحراك الجاري حاليا بوتيرة متسارعة طلبا للإصلاح يكشف الكثير، أولها أن هناك شبه اتفاق عام لدى المثقفين و الناشطين على اختلاف توجهاتهم الفكرية و الاجتماعية على أهمية توحيد الخطاب و الدفع بمطالب حيوية أساسية لا زالت هنا في طور المخاض، الخطابات و البيانات المنشورة و التي تتولى جهة ما حجب مواقعها في مناورات عبثية غير مفهومة تتفق في جوهرها على أمرين أساسيين، الحاجة لمأسسة حقيقية لمشاركة شعبية على كل مستويات الدولة و الحاجة إلى دعم الحريات بلا تمييز، و الدرس الذي أظهرته أحداث المنطقة الأخيرة هو أن قراءة الواقع بشفافية و حسن تقدير يبدو و كأنه من أصعب الأمور على مستوى صانعي القرار، وهو ليس أمرا مستغربا في غياب أو ضعف المؤسسات الشعبية التي تقرأ الواقع بصدق و تنقله  لصانع القرار باحتراف، المؤسسات الشعبية التي تقوم بعملها باستقلالية بلا أي دافع سوى تلمس رغبات مستفيديها هي شبه غائبة عن واقعنا المحلي، و لا تعمل المؤسسات الحكومية الرسمية سوى بتوجيه رسمي من الأعلى مما يجعل من عملية صناعة أي تغيير على مستوى السياسات المحلية أو حتى الرسمية أمرا شبه حصري على صانعي القرار في القمة و يستثني تماما الجماعات الفاعلة القريبة من المجتمع كالجمعيات الأهلية و المؤسسات الغير حكومية الغير مسموح بها هنا، في غياب تلك المؤسسات لا يمكن تشكيل سياسات العمل المحلي بشراكة حقيقية من الناس أو المحترفين كالمهتمين من الأطباء و المحامين و الإعلاميين، و لا يمكن الدفع لأي تغيير مالم يكن مدعوما و بقوة من أعلى الهرم الرسمي، الوزير فقط أو أعضاء مجلس الشورى المعينين و الغير منتخبين في ظل الواقع الحالي هم من يستطيعون إقرار أي تحديث أو تغيير أو تعديل على فقرات أي مادة رسمية، مما يعني أن مؤسسات المجتمع المدني الرقابية كالإعلام أو الجمعيات الأهلية المتخصصة في شأن ما كالطفولة أو الأسرة أو القوانين المدنية لن تستطيع أن تقدم أي شيء لخدمة أهدافها و مستفيديها من المواطنين في ظل هذا النظام سوى الدفع بالإعلام لعرض المشكلة و انتظار استجابة ما قد لا تأتي من صناع القرار الحصريين هنا، و ربما تصل المطالبات إلى الإعلام الغربي و المنظمات الدولية للضغط على صانعي القرار كما في قضايا شهيرة هنا في حقوق النساء و الأطفال، و عندها تزداد الهوة و سوء النوايا و تحتشد الصدور بين صانعي القرار الحصريين و العاملين على المستوى الشعبي من الناشطين و المهتمين للزج بالإعلام و النافذين لحل أزمة ما، و لا يوجد مخرج حقيقي لتفادي مأزق الصراع لتحقيق مطالب شعبية سوى فتح المجال بكل صدق و أريحية و استحداث نوافذ للجمعيات الأهلية و الشعبية للمشاركة في صناعة القرار، لا يجوز أن يستثنى الشعب بكافة طوائفه و مثقفيه و ناشطيه من عملية الحراك الاجتماعي و المدني كما هو بشكله الحالي، و المطالب التي وقعها الناس هنا مؤخرا ليست مجرد رد فعل مؤقت لأحداث المنطقة الملتهبة، هي بالفعل امتداد لمطالب مستمرة و تأكيد لاستعداد المجتمع و ترقبه لفرصة المشاركة على كافة الأصعدة، مشكلة البحث الدائم عن شخص واحد في الأعلى لإنقاذ ما و للخروج من عنق الزجاجة و تجاوز مؤسسات كاملة ليس لها من الأمر شيء هو أمر مؤلم و معجز و يقضي كثيرا على جهود الإصلاح و التغيير، في البيان الوطني للإصلاح مثلا كانت هناك سبعة مطالب كاملة تصب مباشرة في خانة المطالبة بمشاركة شعبية في صناعة القرار أو الرقابة على إصداره… و هناك أزمة الحريات التي تظهر في بيانات الإصلاح كلها، و بالرغم من الخطوات المبشرة التي اتخذتها المملكة بتوقيعها على عدد من الاتفاقيات العالمية لحقوق الإنسان و حماية المرأة من التمييز و إقرار حقوق الطفل إلا أن الاتفاقيات لم تصل بعد إلى مرحلة التفعيل الكافي، ولا زال غياب القوانين المكتوبة و غموض القضاء و أساليب الضبط و الإحضار و العودة الغامضة لنصوص الشريعة بانتقائية مختلفة في كل موقف وحالة و البحث عن مبرر ديني دوما في نصوص حمالة أوجه ينسف آليات الأمن الفردي و الاجتماعي هنا، و النموذج الأفضل هو آليات عمل الهيئات الرقابية كهيئة الأمر بالمعروف و نظام النشر الإلكتروني مثلا، هناك مسبب أساسي للتعثر في نقل أي اتفاقية توقعها المملكة للحقوق هنا، وهي إخضاعها لمعايير محلية أولا قد تنسفها تماما، و المعايير المحلية لا تصب دائما في صالح المواطنين التي وضعت الاتفاقيات من الأصل لحمايتهم، و الدليل هو خروج فقرات كاملة تبحث عن هذه الحريات بثوب إسلامي ضمن بيانات الإصلاح، فالمعيار الديني المعمول به إذن غير متفق عليه و لا يحظى بشعبية حتى بين المنتسبين إليه، و هناك معيار خصوصية المجتمع السعودي و التخوف من أثر أي تغيير اجتماعي كتوظيف الكاشيرات حلا لبطالة النساء أو القيادة مثلا، و معظم بيانات الإصلاح اتفقت على دعم حقوق النساء في مواطنة متساوية من موقعين ذكور و إناث فلم يعد التحجج بالخصوصية و العرف مقنعا كعثرة أمام الإصلاح، المجتمع المستقر هو الذي يحظى بالأمن ولا نعني هنا وجود مؤسسات الأمن و لكن سيادة القانون و دعمه الكامل بلا تمييز بين المواطنين للحقوق العامة و الخاصة،  الأمن هو الوجه الآخر لدعم الحريات، و وسائل القمع و الحجب و حشد التأييد لن تثمر كثيرا عن أي استقرار حقيقي، التغييب و التخويف لم يعد ممكنا في هذا العصر و استخدام الرموز الدينية و المنابر و الأقلام الشهيرة للتخويف من زعزعة الاستقرار لن يجدي بالمثل، أمران ينشدهما الجميع بلا تمييز هو دعم الحريات و المشاركة في صناعة القرار و الرقابة على كل المستويات، تحقيقهما يحقق معادلة الأمن و الاستقرار و النمو و غيابهما يصنع واقعنا المضطرب بكل ملامحه المعدة للانفجار في أي لحظة، ليس هناك أي جديد في هذه المعادلة، عندما يخشى الناس الحكومة يظهرالاستبداد و عندما تخشى الحكومة الناس تتحقق الحرية…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/240853

2 Responses to حول مطالب الإصلاح

  1. هاشم قال:

    بما أن المقال به الكثير من اللون الاحمر هذه المرة والشبكة مراقبة بشدة, نمتنع عن التعليق.

    تحياتي.

  2. Anas قال:

    مقالة جميلة ، استمتعت بقراءتها

    الاصوات المنادية بالتغيير ارتفعت كثيرا و الاصوات كثرت ، كل المجالس الخاصة و العامة و كل الموظفين حتى العسكريين ، يتناقشون في الاصلاح .
    ولكن الجميع متخوف من الخطوة القادمة و النتيجة .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s