نقطة بيضاء لحقوق الإنسان

أحيي البيان الأخير الذي أصدرته الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية، الذي طالبت فيه بتفعيل مجموعة من القرارات والسياسات الداعمة لحقوق الإنسان بالمملكة، وهو بيان من عشر نقاط يوضح الخطوات الأهم لضمان التنمية المستدامة وخطوات الإصلاح الأهم.

المطلب الأول، كان عن الإصلاح السياسي، بإعادة النظر في توسيع المشاركة الشعبية، التي تقتصر حالياً على بعض مقاعد المجالس البلدية بلا صلاحيات حقيقية وبلا آليات لمراقبة الموازنات والمسؤولين، إضافة لإقصاء المرأة عن المشاركة كمرشحة وناخبة.

البيان طالب أيضاً بتوسيع المشاركة الشعبية في مجلس الشورى، الذي لا يمثل بشكله الحالي الطموحات ولا يملك فعاليات حقيقية لصنع سياسات عامة ملزمة، كما أن آليات عمله ترسخ بيروقراطيته كوجود لجنة العرائض مثلاً.

البيان طالب أيضاً بتفعيل المواطنة، مع تحفظي على معنى هذا المفهوم محلياً، الذي ظهر أخيراً في مقـــال سعودي للتـــرويـــج لإنجازاتنا عالمياً كعلامة مرتبطة بتشجيع فرق الكرة وإحياء اليوم الوطني، المواطنة لا تحتاج إلى تفعيل من الدولة في نظام مدني حديث يضمن لكل مواطن أن يشارك في صناعة واقعه عن طريق رسم السياسات وحرية التعبير ووجود مؤسسات رسمية ومدنية تمثل أفراده.

استراتيجيات حماية النزاهة والأمن من الفساد وعدالة القضاء وإصلاحه التي طالب بها التقرير لن تتم سوى بفصل السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية وحرية الرقابة والإعلام. البيان طالب بتعديل أوضــــاع المخالفين لنظام الإقامة والآثــــار السلبية لإقامتهم، القوانين التي لا يمكن إتباعها لا مفـــر من التحايل عليها، وربما من الأولى النظر بداية في إجراءات الدخــول والإقامة في البلاد، هناك من ولدوا هنا ولا يعرفون لهم وطنــاً سوى هذه البلاد بلا حل يضمن لهم إقامة كريمة وإشراكاً عادلاً في هذا الوطن.

حثّ البيان أيضاً على تفعيل نظام الإجراءات الجزائية، على أني أضيف هنا أن تفعيل النظام فقط لا يكفي لتحقيق العدل للموقوفين والمحكومين وضبط آليات الرقابة على سجون المباحث، التنسيق الغائب بين مؤسسات الدولة وغياب آليات الرقابة المستقلة ومؤسساتها، وضرورة حفظ تساوي الناس أمام القانون، وترك التقاليد التي تعوق الممارسات الحياتية، بما يسهم في خلق بيئة الظلم وتبعاتها الملاحظة في السجون ومراكز التوقيف.

البيان أشار إلى قضايا المرأة والطفل التي تبدو مكبلة ضد أي تطوير، وإلى أهمية إصدار مدونة الأحوال الشخصية بالرأي الفقهي الراجح لحماية الأسرة والأطفال من العنف ومن آثار طول فترات التقاضي، على أن المطالبة بذلك وحده قد تسهم في تحويل الظلم الممارس حالياً ضد المرأة في القضاء إلى قوانين مكتوبة، مع التغييب الحادث للمرأة عن المشاركة في الصياغة والإشراف على القوانين التي تعنيها.

أما القانون الذي انتظره المجتمع مطولاً لتفعيل اتفاق حقوق الطفل ووضع سن محددة لاعتبار الطفل راشداً توقف هنا عند مربط الفرس، فأكد أن سن الـ18 الذي أقره مجلس الشورى لن يكون اعتبارياً في أحكام القضاء الشرعي كالزواج وإقامة الأحكام الشرعية، فما الفائدة إذن من الجهد المبذول حوله؟!

البيان أشار أيضاً إلى ضمان الحق في السكن والتعليم والعمل لكل المواطنين، وهو أمر أساسي للأمن والتنمية في ظل الجدل المثار حالياً حول مشكلات الأراضي البيضاء في المدن، ومظاهر الفساد الحالي في سوق العمل وسياساته، وفي تدهور جودة التعليم وتقييد تطويره بعقليات وتوجهات فكرية أثبتت فشلها على مدار عقود.

اختتم البيان نقاطه بالدعوة إلى تفعيل الحوار الذي تدعمه القيادة السياسية كوسيلة وحيدة هنا لعرض المطالب، الجمعية لفتت النظر لغياب آليات الحوار الفعّال ووسائله، حتى الآن الحوار محصور في نخب معينة وقضاياه لا تتعدى أجندة معدّة مسبقاً ولا تمسّ بشكل واعٍ مشكلات الناس الحقيقية، كما لا يتم نقل الممارسة للمدارس والجامعات والنوادي الأدبية الغائبة تقريباً عن أي دور اجتماعي تثقيفي، أما التوصيات فهي مما قد يفيد ولا يضر وتبقى حديثاً في النهاية لا يرقى لصناعة سياسات عامّة.

البيان الأخير هو نقطة بيضاء في سجل الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، وعلى الأخص في ظل الأوضاع السياسية الحالية.

 

Advertisements

في يوم المرأة: أنت كوكب درّي

لا زلت أذكر يوما ما سعيدا و أقبض عليه في ذاكرتي حتى لا يسقط تقادما، لم يكن فيه شيء أجمل من تأمل تفتح ملامحك الناعسة بترقب حذر، فاجأتني يومها بابتسامة أولى تجلّت فيها روعة البدايات، ظهر الفرح في ملامح الحياة حولك أينما حللت، و جذبت بسمتك الأرواح المترقبة و المتعطشة للفرح لتحصيل سعادة استيقاظك و نيل شرف صحبتك، كانت بسمتك المتحولة بمداعباتنا إلى موجات ضحك تضفي تعريفا جديدا للوجود و تزيل عنوة جمود الأيام،  بسمتك كالشهد الذي لا يمكن الارتواء منه، كم بدا وجودك العذب الهش ممتلئا بالمتناقضات، مبشرا و منذرا، ملوحا بنشوة البراءة و العذوبة و مؤذنا  بتوجس و خيفة، كنت أخشى عليك أن تدركي عوالم النساء و أن يطوى سريعا عهد الطفولة المختلف على تعريفه و حدوده هنا، أن تمتليء عوالمك الصغيرة بالخوف و الحذر و أن توضع القيود على منافذ روحك و جسدك و عقلك، ان تفترضي دوما سوء نية كل شخص حولك، أن تتوقعي الأسوأ و أن تحملي وحدك جريرة الإثم و تدفعي ضريبة التجاوز الذي يقترفه سواك، أن يقام حول عالمك الصغير أسوارا لتخفيك و تحميك و تقصيك و تعزلك عن العالم كما هو بمساوئه و بمباهجه، كنت أخشى يوما تختفي فيه و يحجب نور هذه الشمس المشرقة، هل تعلمين أنك تراءيت لوالدتك قبلا حلما جميلا، أنك كنت كوكبا دريا يخطف بريقه الأبصار في حلم يسبق حقيقتك، كان ذلك في حياة أخرى قبل هذه الحياة و قبل أن يحل علينا الخوف…

حبيبتي الطفلة العزيزة على أعتاب الأنوثة أنت محظوظة نوعا عن السابقات، لم يعد هناك وأد للبنات، لن يهيل أحد ما التراب فوق الأعواد الخضراء الطرية بعزم مجنون حتى يختفي وعد الحياة و بريقها، نجوت من حكم الإعدام و لكنك لا زلت تقضين حكما مؤبدا بالسجن في انتظار إثبات البراءة، ربما لا نرى أبدا هذه الأشجار الباسقة الوارفة تكتمل و تغطي الأفق، هناك بيننا من يحيط هذه الأعواد الخضراء الطرية بالأسوار الحصينة و يمنع عنها الضوء و الغذاء الذي تتوق إليه كثيرا،  في عالمنا حبيبتي الصغيرة تحشد من أجلك أنت الجهود و يجتمع المختلفون تحت لواء قضيتك المزعومة، أنت أحيانا أداة الشيطان و غالبا فتنة العابد و نادرا سر الوجود و عذوبته، أنت هنا الوجه المختلف على حجبه و الصوت المختلف على سماعه و العقل المختلف على أهليته و علمه و صاحبة المال المختلف على ملكيته و الوجود المختلف على سبب وجوده، أنت ذريعة لجحافل المحتسبين و متن فتاوي سد الذرائع في فقه المحتاطين و أحجية في تخطيط المسؤولين و معضلة في بنية المجتمع، أنت مادة خصبة للنقاش فكل شؤون حياتك سيقررها بالنيابة عنك أوصياء، سيختفي مع الوقت صوتك، و سيرتفع مع الوقت خوفك، كل طرقك تحدد ملامحها ضمائر الذكور حولك، ستسيرين قسرا في متاهات الولي و الزواج و الطلاق و الميراث و النسب و التعليم و العمل و التنقل و محاولة بناء حياة ما بالرغم من معالم الطريق الغامضة، بالرغم من السدود، متاهاتك بلا علامات طريق، قد تضيعين بين سردايبها للأبد…

في العام 2011 لا زلنا و أنت نسير في أماكننا لا نراوحها، تزول عروش و تسقط ممالك و تقوم ثورات و تصنع عوالم جديدة على أنقاض العوالم القديمة…إلا أنت و أنا هنا ماكثون… أنت تعليقا يظهر في مدونتي لحقوق المرأة و يتساءل بخوف إن كان من حقك النجاة من تعنيف زوجك و أنت حامل و من تفويضه لنفسه أن يكون حامي الحمى على بوابة الحياة، تتساءلين إلى من تذهبي و هل يمكن أن ينصفك أحد و هل يضعونك في سجن جديد و مع سجان أكثر رحمة؟ ماذا يحل بقطع منك تتعلق بشرايينك طلبا للحياة؟… أعرض أمامك أرقام هواتف و فاكسات لموظفين قد لا يجيبون أبدا و إن استجابوا قد لا يملكوا لك شيئا، أنت قضية هنا لا زلت في انتظار إثبات ما بأن لك حق الوجود و حرية ممارسة الحياة بلا تمييز، ماذا صنعنا لك و ماذا قدمنا؟ أنشأنا كعادتنا لجانا و وفودا تأتي و تروح، تقابل وفودا أخرى و تناقش أرقاما و تشكّك في أهميتها و تؤلف أوراقا و تنتج تقاريرا بينما تبقين أنت سؤالا يلوح في خوف على موقعي و خلف الأبواب الموصدة، تظلين فرعا أخضر غير مكتمل يهدده انقطاع شريان الحياة… “ماذا أفعل و هل ينقذني أحد؟”… لا أدري حبيبتي أي الطرق أقل إيلاما على عودك و روحك، و لكني أتمنى في يأس واقعي مبرر أن لا تكوني رقما جديدا في إحصاء ما أليم للجرحى و المعاقين و الوفيات و أن لا تنطوي السنون و نحن هنا ماكثون… نتقدم خطوة و نتعثر خطوات و نفرّ تخبطا و همسا و فزعا من عفاريت الظلام بلا خارطة طريق…

أنت مطالب تخترق الصفوف و تتجاوز الموانع، أنت صورة أنثى قادرة لا زالت حلما بعيد المنال لشابة متفائلة، أنت صوتا شجاعا نادرا يعلو قليلا فوق قيد الخوف و يجازف باستحضار الغضب، أنت ساكنة في خيال محب يبحث عن فارسة تباريه و حضن يحتويه، أنت شجرة وارفة في قلوب أطفالك، أنت ظل يؤويهم و خضرة  تجمّلهم و ثمرات تقوى بها أعوادهم الطرية، أنت أمل لوطن في غد منتج يتجاوز عقدة و خصوصية وجودك و يفتح لك ذراعيه، أنت نفسي الأنثى التي أحتار دوما في لغز وجودها المثير للخوف و الشك و الهم المتعلّق بعالمها حتى الممات، أنت ذاتي التي أزيل من حول حقيقتها الحجب و قيود النوع و المجتمع و الثقافة البالية حتى أصل إليها، أنت ماض مظلم حملناه معنا لقرون حتى انكسرت ظهورنا، أنت حاضر تتعثر فيه خطواتنا، أنت غد تعلّقت على أبوابه أحلامنا، أنت وعد ينتظر الوفاء، أنت نصف الكون و منبع الحياة و حامية الوجود… إليك أنت التي تنتظر الخلاص و اكتمال العود أهدي آمالي في يوم المرأة المستجدية لحقوقها من حرّاس الأبواب، يا صاحبة السعادة و مانحة الحياة، بسمتك انفراج و ضحكتك فرح، ووجودك الآمن السعيد كوكب دري ينتظره العالم ليبدأ الحياة، أنت نور على نور…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/243381

الإنسانية الجديدة

بقلم دايفيد بروكس/ النيويورك تايمز

مقال قمت بترجمته

على مدار سنوات عملي، قمت بتغطية العديد من السياسات الفاشلة.  عند سقوط الاتحاد السوفييتي أرسلنا فرقا من الاقتصاديين الغافلين عن انعدام الثقة الاجتماعية التي شوّهت ذلك المجتمع.  عند غزو العراق كان قادتنا الأمريكيين غير مدركين للتعقيد الثقافي في العراق و انتشار الصدمات النفسية من تأثير رعب حكم صدام.  كان لدينا نظام مالي يقوم على فكرة أن المصرفيين هم مخلوقات عقلانية لن تفعل أي شيء غبي بشكل جماعي. على مدى السنوات ال 30 الماضية حاولنا العديد من الطرق المختلفة لإعادة هيكلة نظامنا التعليمي — نحاول المدارس الكبيرة والمدارس الاصغر، والمواثيق والقسائم —  ، لسنوات تجنبنا القضية الأساسية: العلاقة بين المعلم و الطالب      ا

انتهيت إلى الإيمان بأن كل فشلنا يعود إلى شيء واحد: الاعتماد على وجهة نظر شديدة التبسيط للطبيعة البشرية. لدينا ذلك الرأي السائد في مجتمعنا — وليس فقط في عالم السياسة ، ولكن في العديد من المجالات — أننا مخلوقات مقسّمة. العقل، الذي هو جدير بالثقة ، منفصل عن العواطف ، و هي المشتبه بها، أن المجتمع تطور إلى الحد الذي يمكن فيه للعقل أن يتحكم بالمشاعر. 

وقد خلق هذا تشويه في ثقافتنا… قمنا بالتشديدعلى أهمية العقلانية، و لم نهتم بما سواها، نحن نجيد الحديث عن الأمور المادية ولكن لا نتقن الحديث عن العاطفة. عندما نربّي أطفالنا ، نركز على تدريبهم على المهارات و الصفات التي يمكن قياسها بسهولة كدرجات المدرسة و امتحانات دخول الجامعة، ولكن عندما يتعلق الأمر بأهم الأشياء مثل الشخصية و كيفية بناء العلاقات لا نملك الكثير لنقوله.  و الكثير من قوانيننا و سياساتنا العامة يتم اقتراحها بواسطة خبراء في الأشياء التي من الممكن قياسها بوسائل إحصائية و تقديرها و هم غير معنيين بما سواها.

ومع ذلك ، و بينما نحن محاصرون داخل هذا الرأي الذي يبتر الطبيعة البشرية ، يأتينا رأي أكثر ثراء وعمقا  من قبل الباحثين في مجموعة واسعة من مختلف المجالات : علم الأعصاب وعلم النفس وعلم الاجتماع ، والاقتصاد السلوكي وهلم جرا.  هذا الرأي الجديد الناشيء في أماكن بحث متفرقة ينبّهنا إلى مجموعة اكتشافات أساسية:  أولا ، أن أجزاء العقل اللاواعي هي الأكثر انتشارا في العقل ، حيث يكمن العديد من عمليات التفكير الأكثر إثارة للإعجاب. ثانيا ، لا تعارض بين العقل و العاطفة، حيث تقوم عواطفنا بتعيين قيمة ما للأشياء وهي أساس تكوين العقل. وأخيرا ، نحن الأفراد لا نشكّل العلاقات بل العلاقات تشكّلنا. نحن كائنات اجتماعية ، في تواصل عميق مع بعضها البعض ، هذا التواصل ينتج شخصياتنا و أنماط تفكيرنا.

هذه المجموعة من البحوث تشير إلى خطأ وجهة نظر حركة التنوير الفرنسية للطبيعة البشرية ، والتي شددت على الفردية والعقل، و إلى صحّة حركة التنوير البريطانية ، والتي شدّدت على المشاعر الاجتماعية ، وكانت أكثر دقة في وصف طبيعتنا البشرية.  وتقترح  حركة التنوير البريطانية أننا لا نتقدّم بتقدم سيطرة العقل على العواطف فقط و لكن أيضا بمعرفة طبيعة مشاعرنا و عواطفنا.

و بالتالي بتلخيص هذه الآراء عن حقيقة الطبيعة البشرية تحصل على وجهات نظر مختلفة عن السائد في كل شيء من الأعمال التجارية للعائلة وحتى السياسة. نصبح أقل اهتماما بتحليل الناس للعالم حولهم و لكن بكيفية رؤيتهم للعالم بحسب طبيعتهم البشرية و مفهومهم الخاص.  نصبح أقل اهتماما بالصفات الخاصة للناس و لكن أكثر اهتماما بالعلاقات بينهم. 

يصبح لدينا وجهة نظر مختلفة عن طبيعة رأس المال البشري. على مدى العقود القليلة الماضية ، قمنا بتحديد رأس المال البشري بشكل ضيق، بالتركيز على معدل الذكاء ، والدرجات ، والمهارات المهنية.  وهذه كلها مهمة ، كما هواضح ، ولكن هذا الاتجاه الجديد في البحث يكشف عن مجموعة أعمق المواهب ، والتي تمتد عبرالعقل والعاطفة وتربطهما :

التناغم : القدرة على الدخول إلى عقول الآخرين ومعرفة ما يمكن لهم تقديمه.

التوازن : القدرة على مراقبة الشخص لأفكاره وتصحيحه لمظاهر تحيزه و إدراكه لأوجه القصور.

ميتس : القدرة على التعرّف على الأنماط في العالم من حوله و استخلاص المعنى البسيط من المواقف المعقّدة

التعاطف : القدرة على التناغم مع الأفراد و المجتمع من حوله والنمو و التعايش في مجموعات.

التعطش لحب آخر : هذه ليست موهبة بقدر ما هي الدوافع. يتحرق العقل الواعي إلى المال والنجاح ، ولكن العقل اللاواعي متعطش لتلك اللحظات التي تتجاوز العقل و الجسد  و تغرق في حب آخر ، كالغرق في تحدي إنهاء مهمة ما أو في محبة الله. بعض الناس كما يبدو يمتلكون هذه الموهبة أكثر من غيرهم.

عندما أوجد سيجموند فرويد رأيه عن العقل اللاواعي، كان له تأثير كبير على المجتمع وعلى الأدب، الآن يخرج علينا مئات الآلاف من الباحثين بوجهة نظر أكثر دقة تفسّر من نحن بشكل أدقّ.  ومع أن نتائجهم كانت عبر البحث العلمي، إلا أنها  تنبّهنا إلى قيم الإنسانية الجديدة.  كيف تترابط و تتّصل العاطفة مع العقل.
أتوقع أن يكون لعملهم تأثيرا ضخما على الثقافة، لأنه سيغيّر الطريقة التي نرى بها أنفسنا. و من يدري ، قد يأتي يوم ما فتتغير حتى الطريقة التي يتعاطى بها صناع السياسة لدينا مع العالم.

المصدر

http://www.nytimes.com/2011/03/08/opinion/08brooks.html?smid=fb-nytimes&WT.mc_id=OP-SM-E-FB-SM-LIN-TNH-030911-NYT-NA&WT.mc_ev=click

حول مطالب الإصلاح

الحراك الجاري حاليا بوتيرة متسارعة طلبا للإصلاح يكشف الكثير، أولها أن هناك شبه اتفاق عام لدى المثقفين و الناشطين على اختلاف توجهاتهم الفكرية و الاجتماعية على أهمية توحيد الخطاب و الدفع بمطالب حيوية أساسية لا زالت هنا في طور المخاض، الخطابات و البيانات المنشورة و التي تتولى جهة ما حجب مواقعها في مناورات عبثية غير مفهومة تتفق في جوهرها على أمرين أساسيين، الحاجة لمأسسة حقيقية لمشاركة شعبية على كل مستويات الدولة و الحاجة إلى دعم الحريات بلا تمييز، و الدرس الذي أظهرته أحداث المنطقة الأخيرة هو أن قراءة الواقع بشفافية و حسن تقدير يبدو و كأنه من أصعب الأمور على مستوى صانعي القرار، وهو ليس أمرا مستغربا في غياب أو ضعف المؤسسات الشعبية التي تقرأ الواقع بصدق و تنقله  لصانع القرار باحتراف، المؤسسات الشعبية التي تقوم بعملها باستقلالية بلا أي دافع سوى تلمس رغبات مستفيديها هي شبه غائبة عن واقعنا المحلي، و لا تعمل المؤسسات الحكومية الرسمية سوى بتوجيه رسمي من الأعلى مما يجعل من عملية صناعة أي تغيير على مستوى السياسات المحلية أو حتى الرسمية أمرا شبه حصري على صانعي القرار في القمة و يستثني تماما الجماعات الفاعلة القريبة من المجتمع كالجمعيات الأهلية و المؤسسات الغير حكومية الغير مسموح بها هنا، في غياب تلك المؤسسات لا يمكن تشكيل سياسات العمل المحلي بشراكة حقيقية من الناس أو المحترفين كالمهتمين من الأطباء و المحامين و الإعلاميين، و لا يمكن الدفع لأي تغيير مالم يكن مدعوما و بقوة من أعلى الهرم الرسمي، الوزير فقط أو أعضاء مجلس الشورى المعينين و الغير منتخبين في ظل الواقع الحالي هم من يستطيعون إقرار أي تحديث أو تغيير أو تعديل على فقرات أي مادة رسمية، مما يعني أن مؤسسات المجتمع المدني الرقابية كالإعلام أو الجمعيات الأهلية المتخصصة في شأن ما كالطفولة أو الأسرة أو القوانين المدنية لن تستطيع أن تقدم أي شيء لخدمة أهدافها و مستفيديها من المواطنين في ظل هذا النظام سوى الدفع بالإعلام لعرض المشكلة و انتظار استجابة ما قد لا تأتي من صناع القرار الحصريين هنا، و ربما تصل المطالبات إلى الإعلام الغربي و المنظمات الدولية للضغط على صانعي القرار كما في قضايا شهيرة هنا في حقوق النساء و الأطفال، و عندها تزداد الهوة و سوء النوايا و تحتشد الصدور بين صانعي القرار الحصريين و العاملين على المستوى الشعبي من الناشطين و المهتمين للزج بالإعلام و النافذين لحل أزمة ما، و لا يوجد مخرج حقيقي لتفادي مأزق الصراع لتحقيق مطالب شعبية سوى فتح المجال بكل صدق و أريحية و استحداث نوافذ للجمعيات الأهلية و الشعبية للمشاركة في صناعة القرار، لا يجوز أن يستثنى الشعب بكافة طوائفه و مثقفيه و ناشطيه من عملية الحراك الاجتماعي و المدني كما هو بشكله الحالي، و المطالب التي وقعها الناس هنا مؤخرا ليست مجرد رد فعل مؤقت لأحداث المنطقة الملتهبة، هي بالفعل امتداد لمطالب مستمرة و تأكيد لاستعداد المجتمع و ترقبه لفرصة المشاركة على كافة الأصعدة، مشكلة البحث الدائم عن شخص واحد في الأعلى لإنقاذ ما و للخروج من عنق الزجاجة و تجاوز مؤسسات كاملة ليس لها من الأمر شيء هو أمر مؤلم و معجز و يقضي كثيرا على جهود الإصلاح و التغيير، في البيان الوطني للإصلاح مثلا كانت هناك سبعة مطالب كاملة تصب مباشرة في خانة المطالبة بمشاركة شعبية في صناعة القرار أو الرقابة على إصداره… و هناك أزمة الحريات التي تظهر في بيانات الإصلاح كلها، و بالرغم من الخطوات المبشرة التي اتخذتها المملكة بتوقيعها على عدد من الاتفاقيات العالمية لحقوق الإنسان و حماية المرأة من التمييز و إقرار حقوق الطفل إلا أن الاتفاقيات لم تصل بعد إلى مرحلة التفعيل الكافي، ولا زال غياب القوانين المكتوبة و غموض القضاء و أساليب الضبط و الإحضار و العودة الغامضة لنصوص الشريعة بانتقائية مختلفة في كل موقف وحالة و البحث عن مبرر ديني دوما في نصوص حمالة أوجه ينسف آليات الأمن الفردي و الاجتماعي هنا، و النموذج الأفضل هو آليات عمل الهيئات الرقابية كهيئة الأمر بالمعروف و نظام النشر الإلكتروني مثلا، هناك مسبب أساسي للتعثر في نقل أي اتفاقية توقعها المملكة للحقوق هنا، وهي إخضاعها لمعايير محلية أولا قد تنسفها تماما، و المعايير المحلية لا تصب دائما في صالح المواطنين التي وضعت الاتفاقيات من الأصل لحمايتهم، و الدليل هو خروج فقرات كاملة تبحث عن هذه الحريات بثوب إسلامي ضمن بيانات الإصلاح، فالمعيار الديني المعمول به إذن غير متفق عليه و لا يحظى بشعبية حتى بين المنتسبين إليه، و هناك معيار خصوصية المجتمع السعودي و التخوف من أثر أي تغيير اجتماعي كتوظيف الكاشيرات حلا لبطالة النساء أو القيادة مثلا، و معظم بيانات الإصلاح اتفقت على دعم حقوق النساء في مواطنة متساوية من موقعين ذكور و إناث فلم يعد التحجج بالخصوصية و العرف مقنعا كعثرة أمام الإصلاح، المجتمع المستقر هو الذي يحظى بالأمن ولا نعني هنا وجود مؤسسات الأمن و لكن سيادة القانون و دعمه الكامل بلا تمييز بين المواطنين للحقوق العامة و الخاصة،  الأمن هو الوجه الآخر لدعم الحريات، و وسائل القمع و الحجب و حشد التأييد لن تثمر كثيرا عن أي استقرار حقيقي، التغييب و التخويف لم يعد ممكنا في هذا العصر و استخدام الرموز الدينية و المنابر و الأقلام الشهيرة للتخويف من زعزعة الاستقرار لن يجدي بالمثل، أمران ينشدهما الجميع بلا تمييز هو دعم الحريات و المشاركة في صناعة القرار و الرقابة على كل المستويات، تحقيقهما يحقق معادلة الأمن و الاستقرار و النمو و غيابهما يصنع واقعنا المضطرب بكل ملامحه المعدة للانفجار في أي لحظة، ليس هناك أي جديد في هذه المعادلة، عندما يخشى الناس الحكومة يظهرالاستبداد و عندما تخشى الحكومة الناس تتحقق الحرية…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/240853