مطالبات السلام و أجراس الخوف

في زمن الثورات و الغضب و على مفترق طريق الصراع هناك فرصة للسلام، يقتنصها فقط من يحسن قراءة واقعه بلا ضبابية الشعارات المستهلكة و تغييب الواقع، المطالبة بقيم الحرية و الحقوق و العدالة الاجتماعية و مشاركة الجميع في أوطانهم ليس بالضرورة أن تجلبها ثورة ما بل يمكن أن تتحول إلى واقع بإرادة سياسية واعية… أن يستمر تدوير مطالبات الناس و الضعفاء و النساء في معاريض تختزلها أو تنفيها أو تعود بها إلى خانة الصفر من جديد بدلا من أن تتحول إلى أدوات تنبيه لصانعي القرار هو أمر يدعو إلى الخوف، الشعب هنا الذي أصبحت حاجاته أكبر و أوسع من ممارسات إداراته الحالية يتيح الفرصة الآن عبر سلسلة من المطالبات العادلة لصانعي القرار لسماع صوته، اليوم تحضرنا بين مشاهد الغضب الشعبي و صراع السلطات العربي الدامي كيانات غامضة تحمل لقب المجتمع الدولي، تستحضرها نداءات استغاثة من جانب السلطات أحيانا و الشعوب أحيانا أخرى، كل منهما يعتقد بأن هناك جهة ما في الخارج تحمي مطالبه و تدعم موقفه، لو بذل المجتمع الدولي كل الجهود و أصدر البيانات و البعثات الدبلوماسية لمصلحة شعب ضد سلطة أو بالعكس فلن يتجاوز دوره المرسوم له في دروس التاريخ و في الواقع وهو الوقوف مع المنتصر أو مع من يحقق له مصلحة ما، في مقالته الأخيرة في النيويورك تايمز يشير توماس فريدمان إلى نفس المفهوم في خطأ السياسة الخارجية الأمريكية في تعاملها مع دول النفط، على مدى عقود كانت رسالة أمريكا لدول المنطقة هي أن يبقوا أسعار النفط منخفضة و أن يضمنوا استمرار تصديره و أن يبتعدوا عن إسرائيل، في المقابل كانت السياسة الأمريكية تتغاضى عن السياسات العربية المحلية، لم يعنيها كثيرا أو قليلا خروقات حقوق الإنسان أو الاستبداد السياسي أو خلق شعوب كاملة تعيش على الدعم و الضمان الحكومي أو تهميش النساء و الضعفاء، لم يعن السياسة الأمريكية ما أبرزته تقارير التنمية العربية الصادرة عن باحثين مستقلين بواسطة الأمم المتحدة، و التي أبرزت تهالك معدلات التنمية البشرية العربية، ولكنها يجب أن تدق لنا أجراس الخوف، في التقرير الصادر في العام 2002 كانت سياسات ثلاثة تهدد معدلات التنمية البشرية بشكل خطير، نقص الحريات و نقص التعليم و ضعف سياسات تمكين النساء، العام 2009 رصد تقرير الخبراء من جديد الأثر الأهم للنقص في النواحي الثلاثة السابقة وهو نقص الأمن، يتساءل واضعو التقرير: لماذا كانت العقبات التي تعترض سبيل التنمية البشرية في المنطقة عصيّة على الحل؟ و تكمن الإجابة بحسب التقرير إلى الهشاشة التي تجتاح عالمنا العربي في كل ناحية، هشاشة البنى السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و البيئية، و عدم تمحور السياسات حول الإنسان، و بالتأكيد فغياب التنظيمات السياسية القوية العادلة و الممثلة لرغبات الشعوب ستجلب المزيد من الاستبداد و ستصنع لبنة الثورة، ستصنع واقعا بديلا عن البرلمانات المنتخبة في الخفاء و على الشبكة العنكبوتية كما حدث مؤخرا، و ستتحول اللبنة الأولى للسخط إلى الكرة الثلجية الضخمة التي تجرف أمامها كل شيء، غياب السياسات الاجتماعية سيفاقم مشكلاتنا و سنصحو يوما على كوارث تتعدى قدراتنا الإنسانية على الإصلاح، البطالة هي التهديد الأكبر مع وجود أكثر من 50% من الثروة البشرية تحت سن العشرين سيحتاجون كلهم احتواء ما في سوق العمل بحلول 2025 بخلق ملايين الوظائف، هذا في الوقت الذي لم يتم فيه توظيف واحد من كل خمسة خريجين هنا و ليس في المستقبل بحسب أكثر التقديرات تفاؤلا، أوضاع الاقتصاد لن تصلحها إصلاحات تجميلية و ضخ أموال مؤقتة في وزارات غير فعالة، لن يختلف أداءها بمنح الأموال بلا تغيير أساليب الإدارة و العمل، ما تم منحه على مدار عقود لم يسهم سوى في خلق الواقع المتهالك في الصحة و العمل و البلديات و التعليم، شخصيا لا أمانع أن أتحول إلى عضو منتج يدفع الضرائب إن كانت ستنمحني تعليما أفضل و علاجا أجود و أمنا أكبر في بلادي، أفضل أن اكون منتجة على بطالة مقنعة أو على أن أن أتلقى زيادة ما في مبلغ الضمان الاجتماعي الهزيل الذي يقرره لي شخص ما منفصل عن واقعي بسنوات ضوئية،  المشاركة السياسية وحدها تضمن لنا كمواطنين تحويل هذه البنى التحتية في كل مجال من وضعها الحالي الهش إلى وضع عادل متناسب مع موارد بلادنا، السؤال الأهم هو نفسه التي سألته المواطنة و الصحافية لميس ضيف لولي عهد البحرين أثناء أزمة البحرين الحالية، ماهي أسباب سوء الظن بين السلطة و الشعب و لماذا تخشى السلطة رفع مستوى مشاركة الشعب السياسية و الرقابية و الاجتماعية؟… تلك التساؤلات هي محور المطالبات التي ظهرت مؤخرا بمناسبة عودة خادم الحرمين الشريفين إلى الوطن مؤخرا، أبرز هنا أفضلها وهي ثلاثة عشر مطالبة للشباب بالإصلاح، و بالرغم من تحفظي على تبني رمزية الشباب كجهة معينة للمطالبة، و تحفظي على اتخاذ السن معيارا لكفاءة الوزراء، إلا أنني أضم لهم صوتي كمواطنة قبل كل شيء و أدعو القائمين هنا إلى انتهاز فرصة السلام و رفع مستوى التعاطي مع المواطنين إلى سقف توقعاتهم، و إلى تمكين النساء الذين ننادي دوما بتكريمهن، فالسياسة بمنطق القبيلة قد تجاوزها الزمن،و إلى استقبال المطالبات بجدية و تفعيلها لأنها صمام الأمان الوحيد، و أدعوهم إلى تحويل منعطف التاريخ هنا للمستقبل بدلا من حشره في قوالب جامدة و سياسة الانتظار تحت مختلف الذرائع لن تقدم لنا سوى فاتورة أكبر ثمنا لمشكلات لم نتلافاها في المهد، هل نلتقط أجراس الخوف و ننتهز فرصة السلام؟…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/238414

2 Responses to مطالبات السلام و أجراس الخوف

  1. هاشم قال:

    أن أي اصلاح لن يحصل لسبب بسيط هو ألاعتقاد أن البلد هو ملك للمتنفذين!!!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s