رسالة حب

أريج شابة سعودية تحب وطنها، نشرت فيديو قصير فيه رسالة مقتضبة، أريج تحب وطنها بالرغم من ممارساته المؤلمة، وطنها يشوّه معاني الدين، و يعنّف النساء و تغرق فيه أحلام أصدقاءها و ينتزع صفحات من الكتب و يمنعها من ممارسة فرديتها، و لكنها بالرغم من ذلك كله تحبه… المأزق الذي تعاني منه أريج في ولائها لوطن لا يسمح لها بممارسة مواطنتها هو بالضبط هاجس النساء هنا، تحت شعار “ثورة المرأة السعودية” على موقع تويتر و الفيسبوك تتداول سيدات سعوديات تساؤلات من نفس النوع و المنشأ، هل مشكلة المرأة السعودية في عجزها الشخصي أم في المجتمع و القوانين التي تهمّشها؟… النسوية هنا- كما في مواقع متعددة من العالم- تحمل سمعة سيئة، تلاحق المناديات بها تهم التغريب و الانفصال عن الواقع المحلي و تبني نماذج غربية كمرجعية، لا تعود النسوية فكرة إصلاحية بقدر ما تغدو تهمة تغريبية أخرى تلحق بكل محاولة إصلاح، لكن النسوية التي تطالب بها النساء هنا مرجعها الإساءات المتعددة الممارسة ضد النساء تحت غطاء رسمي و شرعي، النسوية هنا ليست مجرد بحث عن عدالة اجتماعية أو أسرية أو حقوقية أو مالية، هي مطالبة نسوية شاملة لأن التمييز ضد المرأة يشمل كل نواحي حياتها الخاصة و العامة، في السعودية تبدو النسوية مشكلة مفاهيم و مرجعية، لا يزال لدينا خلاف واضح حول مفاهيم حقوق المرأة رسميا و شعبيا، و لا يزال لدينا خلاف حول مرجعية هذه الحقوق هل تدعمها الأنظمة و القوانين المحلية أم تعيدها إلى الولي ليقرر حقوق المرأة من عدمها؟…

مفاهيم حقوق المرأة غامضة كمعظم الحقوق الإنسانية هنا، تتجاذب هذه المفاهيم تناقضات بين تعريفها في الشرع و المواثيق الدولية و العرف و بين الطبقات الاجتماعية السعودية، إن أخذنا زواج القاصرات كمثال فهو ممارسة تجرّمها و تحرّمها القوانين الدولية التي وقعتها المملكة و أقرّتها في مواثيقها الدولية و مع ذلك يمارسها بعض المواطنون هنا بحق بناتهن بلا تدخل حقيقي و رسمي من الأنظمة المحلية، يقف بعض رجال الدين و القضاء عائقا أمام منع مثل تلك الممارسة و يقف القطاع الصحي و الاجتماعي عاجزا أمامها، عند الحديث عن المرجعية الدينية في زواج الصغيرات تتكمم الأفواه فلا تعود أي مرجعية أخرى صحية أو اجتماعية أو اقتصادية حتى قادرة على مواجهة المرجعية الدينية، النظرة القاصرة لأي شأن من شؤون حياة المرأة من الناحية الشرعية فقط هي خلل حقيقي لا يوجد من يتصدى له بجدية على المستوى الرسمي، التفسير الشرعي التقليدي للأحكام لا يضع في الاعتبار الظروف الزمانية و المكانية و الاجتهادات الشخصية لأي حكم خصوصا فيما يتعلق بالمرأة الغائبة دوما عن الفقه الإسلامي و قراءاته، لا يفترض الحكم الشرعي أهمية لتغير ظروف الحياة اليوم و مستجدات الواقع عما كانت عليه قبل أكثر من 1400 عام، و لا يستوحي المصلحة العامة لأفراد المجتمع ككل، كما يقدّم الحكم الشرعي التقليدي قبل الدليل العلمي و الطبي و الاجتماعي في تقدير الضرر في أي ممارسة، و هذا بالضبط ما يضع العصا في عجلة التغيير و الإصلاح…

اعتبار الأسرة مرجعية أهم من القانون الرسمي و التشريع في تقرير مصير النساء و الأطفال أمر شديد الخطورة، ليس فقط لأنه يفترض سلامة النية و القدرة على التصرف السليم لدى كل ولي فقط لأنه رجل، و لكن لأن ترك كل حق بدون ضوابط قانونية تقنن استخدامه هو مدعاة لاستغلال السلطة بلا رادع، التأسيس لممارسات وقائية هو دائما أفضل من مكافحة عواقب استغلال السلطة كما تشهد بذلك حالات العنف الأسري المتعددة و المتزايدة، لم يكن لمثل تلك القضايا أن تتفشى على الأقل في حياة الراشدات إن كانت هناك تشريعات و أحكام فعّالة تحمي و تحفظ الأطفال و النساء من التعنيف و الإساءة و الاستغلال، تمر بنا حوادث الإساءة للنساء و عضلهن عاما بعد عام و تنتهي بعد مطالبات إعلامية مطوّلة بحلول فردية لا تضع أي حل جذري و شامل للمشكلة و تترك الآلاف معرّضات لنفس الاستغلال و الإساءة، الأحكام القضائية لا زالت مخزية حيث تكتفي بإعادة الكرة من جديد للولي بعد شد أذنه …

المطالب الأساسية للنساء هنا هي الحق في الأمن الإنساني و الاجتماعي و المادي، الخروقات الأساسية التي تخالف المواثيق الدولية تتمثل في نظام الولي المعمول به هنا، و نظام القضاء الغامض الذي يرسّخ المظالم في حق النساء و أطفالهن،  و سياسات التمييز ضد النساء في التنقل و العمل و التعليم حذرا من الاختلاط،  توفير التعليم و فرص العمل للنساء و إتاحة وسائل التنقل لن تسهم فقط في تمكين النساء بل في تمكين أسرهن و أطفالهن و رفع العبء الاقتصادي عن ميزانية الضمان الاجتماعي الهزيلة بتحويل النساء من عالة على الأسر إلى منتجات و قادرات على العناية بأنفسهن و بأطفالهن كراشدات قادرات، هذه المطالب ليست لرفاهية النساء فقط بل لرفاهية الدولة ككل و رفع معدل التنمية البشرية فيها، تمكين المرأة وهو أحد الأهداف الأساسية لخطط التنمية الرسمية لا بد من أن تتجاوز عقبة إرضاء التيار الديني و التقليدي المحافظ، لا بد من أن تستوعب الضرر الحادث من تجنب المواجهة و سياسة التأجيل المستمر، ليس هناك بديل عن اعتبار المرأة كائنا راشدا يتمتع بحقوق الانتساب إلى وطن تحكمه القوانين و ليس إلى الولي كما الرجل الراشد تماما، الحقوق الإنسانية للنساء لا يجب ربطها بشرط موافقة أو منع الولي،  كما لا يجب منطقيا و إنسانيا خلق عالم موازي لاحتواء النساء هنا في التعليم و العمل و الحياة العامة قبل السماح لهن بممارسة حياتهن… نريد وطنا يحتوينا بكرامة و لا يهمّش حقوقنا أو يقصينا لانتماءنا البيولوجي و لا يضفي غطاء شرعيا على التمييز ضدنا أو إقصاءنا، نريد وطنا يبادلنا الحب أيضا

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/235968

2 Responses to رسالة حب

  1. Hala قال:

    المقال بعد نشره في جريدة الحياة بعد حذف الفقرات باللون الأحمر:
    http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/235968

  2. اهلا هاله ..

    انا فتاه عمري الان 26سنه وانا اجهل مصيري ..لاوظيفه =لاامان مادي ولامعنوي , كل يوم انام فيه افكر ماذا ينتظرني ؟؟
    فتاه ككل الفتيات السعوديات جامعيات مثقفات موهوبات ومدفونات بالبيت ياكلون وينامون وقد يكون الاكل في الغالب ليس عالكيف ..

    تهميش المراه السعوديه تتشارك فيه كل الجوانب وهذه هي المعضله الكبرى : مجتمع -دوله-اسره
    اعتقد البدايه للتصحيح وتحسين الاوضاع ان يكون للمراه نفسها موقف تجاه تهميشها وهنا دور المتعلمات في توعيتهن عبر الاعلام والحملات عبر الشبكه
    العنكبوتيه ..

    تحياتي لك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s