الشعب يريد إسقاط النظام

الانتشار الشعبي الواسع لمظاهر ثورة الياسمين في الشرق الأوسط أبلغ من أي مؤشر على حالة الاستقرار السياسي في المنطقة، نجاح مظاهرات تونس بإطاحة النظام السياسي ألهمت شعوب المنطقة للأثر العارم للاجتماع ضد قوة النظام والاستمرار في المطالبة بالإصلاح حتى و إن لم يتحقق، وسائل تعامل الأنظمة مع القلق الشعبي المتوقع هي بالضبط الانعكاس للأسباب الحقيقية للقلق الشعبي، أربعة وسائل ترفعها الأنظمة السياسية محليا في مواجهة التظاهر و الرفض الشعبي، أولا التخويف بهدم استقرار الدولة و ثانيا اتهام المتظاهرين بالعمالة لأجندات خارجية و ثالثا استخدام القمع الأمني المتماشي مع القمع السياسي المنهجي لدول المنطقة وأخيرا استخدام المؤسسات الدينية الرسمية و رموزها لتحذير الناس من التظاهر،  القمع الأمني للغضب الشعبي أثبت بالتجربة عدم جدواه و تبرؤ المسؤولين منه بعد اقترافه لأنه لا يفرز سوى المزيد من الغضب و هو لا يعدو أن يكون مسكنا مؤقتا لمشكلة مزمنة،  أما التخويف من هدم استقرار الدول بممارسة الاعتراض بأشكاله المختلفة و أهمها هنا هو التظاهر السلمي فليس بالتأكيد حجة مقنعة، فقط الدولة تملك أن تمنح حق التعبير بكافة الوسائل السلمية للشعب و تملك أيضا أن تجعله وسيلة هدم و زعزعة للاستقرار، في العام 2003 خرجت شخصيا في تظاهرة مليونية في العاصمة البريطانية لندن مع مواطنين بريطانيين و طلبة جامعات و أشخاص من مختلف الملل و الجنسيات نطالب جميعا الدول العظمى بوقف قرار الحرب على العراق، سارت التظاهرة المليونية في شوارع العاصمة المحددة لها برعاية رجال الأمن و طائرات الهليكوبتر وعربات الإسعاف، و غطت وسائل الإعلام بكل حرية مطالبات المتظاهرين، و انتهى اليوم بلا إصابات و لا زعزعة للاستقرار و لكن بمنحى مختلف سياسيا و إعلاميا يجعل رأي الشعوب موازيا لتأثير القرار السياسي، حدث هذا في دولة يملك أفرادها كافة وسائل التعبير السلمي الأخرى المكفولة بالدستور و القوانين كمجلس الشعب المنتخب و الأحزاب السياسية و الإعلام الحر ومع ذلك لم تعارض السلطة السياسية المظاهرات كوسيلة إضافية للتعبير، حجب وسائل الاتصالات و مهاجمة المتظاهرين و إجبار الناس على تقبل واقع مرفوض بقوة الرصاص و التعذيب لا تخدم سوى زعزعة الاستقرار و تأجيل المواجهة الحتمية، في مقابل كل حجب رسمي للمواقع و تضليل للعامة باستخدام الإعلام تظهر آلاف المصادر الأخرى للمعلومات، و من الطريف ملاحظة سرعة التقاط محاولات الحجب و التضليل من الناس بتكرار ممارستها، على المواقع الاجتماعية يتداول الناشطون هنا تقييم الآراء الإعلامية الرسمية في التعاطي مع الثورات المحلية و وضع رؤاهم الخاصة لشفافية الإعلام المحلي بلا حاجة لأي مؤشرات، و الحجب الإعلامي لقنوات معينة تقابله آلاف الوسائل لتجاوزه، أما استخدام رجال الدين للتحذير من ممارسات حرية التعبير فهي حيلة تجاوزتها الشعوب هنا منذ زمن، وهي تضر بممارسة الدين و الثقة بمؤسساته أكثر مما تفيد، مؤشرات الأداء السياسي و الفساد التي كان يتم حظر تداولها بين الناس عبر فلاتر الرقابة الرسمية لم يعد ممكنا حجبها بعد ظهور العالم الافتراضي، محركات البحث تظهر في دقائق كافة معلومات الأداء الحكومي بالأرقام و الإحصائيات و تخلق وسائل للتواصل بين الناس حتى في غياب الجمعيات و المؤسسات المدنية،  في مواجهة عالم متسارع التغيير و التأثير لم تعد وسائل الحكومات السياسية التقليدية نافعة في إدارة شعوبها، الحجب و القمع و مصادرة الحقوق الرسمية لم تعد خيارا نافعا للبقاء، والسباق الحالي في مطالبات الإصلاح في المنطقة هو سباق وقت ليس إلا،  كتب مروان معشر وهو نائب رئيس الحكومة الأردنية السابقة مقالا هاما في الواشنطن بوست عن الإصلاح الحقيقي في العالم العربي، الوضع السياسي و الاقتصادي الغير مستقر لن يستمر طويلا، و أمام الزعماء خيارين لا بديل لهما إما الإصلاح الذاتي أو انتظارالشعب ليخرج إلى الشوارع  و ينفّذه، يحكي مروان عن فترة رئاسته للحكومة الأردنية المحدودة و كيف وضع خطة زمنية واضحة من عشرة سنوات للإصلاح السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي، و بحسب خطته كان على القوانين الرسمية في الأردن أن تتغير لمنح الفرصة في انتخابات شعبية نزيهة تحمل الأكفأ إلى المشاركة في صناعة القرار، كان على القوانين أن تكفل حرية التعبير كوسيلة للرقابة العامة على الأداء الرسمي، كان عليها أن تزيل التمييز الرسمي ضد النساء في مؤسسات الدولة و تمنح الوظائف و المناصب للأكفأ بغض النظر عن اعتبارات الجنس أو القبيلة، ببساطة كان على القوانين أن تضمن اختيار الأشخاص بناء على مزاياهم الوظيفية و ليس لأي اعتبارات أخرى، و كما كان متوقعا لم يتم تفعيل الخطة لمعارضة النخب السياسية و التي أجهضتها في وقتها… يلخص مروان حصيلة خبرته السياسية العربية فيما نعرفه جميعا، يعاني العالم العربي من النخب السياسية المستبدة، و التي أنشأتها الأنظمة الحاكمة لدعم بقاءها، عملت هذه النخب على جمع الريع المادي و شراء الولاء بالخدمات الخاصة، و هي التي تحارب الإصلاح بكافة أشكاله و تحارب حتى القيادات السياسية في محاولتهم لأي إصلاح جاد حتى تستمر في بقاءها و حصد مكاسبها، هي التي تخبر الزعماء بألا يقلقوا لأن دولهم ليست تونس  و بأن بعض الإصلاحات الطفيفة و التجميلية كفيلة بإسكات أصوات الغضب الشعبية و حل المشكلات المزمنة… الحكومات العربية على مفترق طرق الآن، يمكنها أن تختار أن تبدأ بطريق الإصلاح طويل المدى و يمكنها أن تتجاهل الواقع و تستمر باتجاه الهاوية، البرلمانات الممثلة لطموحات و رغبات الشعوب و التي تعمل لخدمة مصالح الناس و مراقبة أداء مؤسسات الدولة هي الخطوة الأولى، إزاحة الاستئثار الحادث حاليا بالقرارات من المسؤولين هي الخطوة الثانية بخلق أنظمة و مؤسسات و قوانين تحمي من عواقب الفساد، التعليم من أهم عوامل الإصلاح، ليس فقط في توفيره للناس بل في نوعيته، لن ينفع أن تتم تربية الأطفال على ربط مفهوم المواطنة الجيدة بالولاء للحكومة، على التعليم أن يخلق تقبلا للاختلاف و تقديرا للنقد و التحليل المنطقي، التنمية الاقتصادية وحدها بلا منح حقوق سياسية متساوية للجميع تعني تداول القوة المادية في نخب بعينها، لا يمكن خلق تنمية مستدامة بلا إصلاح سياسي، وهو يعني المشاركة السياسية الكاملة و لا يعني الخطابات و الوعود الفارغة و التي ستحمل بالتأكيد شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” عبر دول المنطقة…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/233404

2 Responses to الشعب يريد إسقاط النظام

  1. Hala قال:

    منشور في صبيحة انتصار الثورة الشعبية المصرية في الإطاحة بالنظام الحاكم… عاشت بلادنا حرة كريمة قوية

  2. هاشم قال:

    “اتهام المتظاهرين بالعمالة لأجندات خارجية”

    ان ذلك ليجرحني ألف مرة أكثر من أي شيء.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s