رسالة لم يقرأها أحد

أهم ما نواجهه في جدة في موسم المطر النادر هو تكرار مواجهتنا مع ثقافتين غائبتين بالرغم من الوعود المبذولة من المسؤولين في كل عام، أقصد هنا ثقافة التعاطي مع البيئة و ثقافة تخطيط المدن، صنع غياب هاتين الثقافتين واقع جدة الحالي، حيث الأهالي مشغولين بعد الكارثة بتداول الرسائل بحثا عن المواد الغذائية و الإعاشية و مستلزمات الأطفال و الأدوية،  و الدفاع المدني بالاستغاثة لقلة موارده البشرية و الفنية في مواجهة الأضرار الناتجة عن ستة ساعات من المطر، فلا قوارب كافية و لا طائرات إخلاء و لا أفراد مؤهلين للتعاطي مع حجم الكارثة التي ضربت آلاف المنازل و 90% من طرق المدينة،  و اللجان الرسمية تتباحث لازالت بعد أسبوع من الكارثة عن كيفية التصرف و توزيع المسؤوليات بلا اي خطط طواريء و لا أواجل،  نعرف كلنا أن ماحدث أمر ليس فيه تجديد، منذ السبعينات الميلادية يتم التخطيط لشبكة صرف صحي ويتم بعدها وقف الخطة أيضا للتكلفة المهولة،  في العام 2003 كتب بيتر فينسنت وهو محاضر و باحث مستقل في الجغرافيا بحثا قيما عن مشكلات جدة البيئية و ما تمثله من تهديد خطير للسكان،  باختصار يعزو الباحث العجز الكبير في التجهيز العام لمدينة جدة بالزيادة السريعة للغاية في عدد سكانها و عدم توفر شبكة مجاري، كانت جدة قبل ستين عاما موطنا لما يقارب 35000 شخص و كانت تمتد على مساحة إثنين و نصف كيلومتر مربع تقريبا، اليوم تمتد جدة على مساحة 50 كم و يقيم فيها رسميا 2.5 مليون شخص عدا الأرقام الغير معروفة للمواطنين بصفة غير شرعية و أغلبهم يقطن في عشوائيات مترامية في جنوب جدة، التوسع الطولي في مدينة جدة نحو الشمال استمر مع طفرة النفط و مع تركز سكن الطبقة الأعلى دخلا في مدينة جدة في شمال المدينة بدأ الضغط يزيد على الأراضي في تلك المنطقة، و يذكر الكاتب وجود مخططات ممنوحة بهبات ملكية و مجهزة بالكامل بالإضاءة و خدمات الطرق و مع ذلك بقيت على حالها بلا بناء، بالرغم من وجود قانون عام يمنع عمل اي مخطط للبناء بمعزل عن التخطيط العام للمدينة و إلا فإنه يتعرض للإزالة، و مع ذلك لم يتم تنفيذ أي من هذه القوانين في حالة مخططات جدة الشمالية، يحكي أيضا عن جنوب جدة المتدهور بيئيا و المختلف للغاية عن شمالها، حيث نشأ كمنطقة صناعية بالأساس قبل زحف العشوائيات و المهاجرين الفقراء إليه، و يذكر البحيرات الساحلية في جنوب جدة و الملوثة تماما بقنوات المجاري المحمولة من المنازل و التي تفوق سعة مصنع معالجة المجاري البدائي الموجود هناك، و لفت النظر إلى الكارثة الصحية الخطيرة على الحياة البحرية من المجاري الغير معالجة و المخلفات السامة التي تلفظها المصانع بلا أي رقابة، في السبعينات كانت شبكة المجاري المتصلة بمصنع صغير لمعالجة المجاري تخدم 70% من أحياء جدة القديمة، و لكن التوسع في شمال المدينة لم يرافقه توسع في شبكات المجاري التي توقفت فجأة بسبب الكلفة و للاعتقاد بكفاية خزانات المجاري الأرضية كحل، في العام 2000 كان 21% من مساحة جدة فقط متصلة بشبكة المجاري، المياه الجوفية المالحة “السبخة” تحت جدة وصلت حتى 60 سنتيمتر تحت الأرض حتى أصبحت ظاهرة على السطح في بعض مناطق شمال جدة، تجف السبخات بسبب الحرارة و تخلف طبقة ملحية كبرى فوق الأرض تبلغ خمسة سنتيمترات و يبقى تحتها طبقة طينية لزجة لا تتحمل البناء، و بالتالي مناطق السبخات غير مناسبة للتوسع المدني، و الأسوأ أن المياه الجوفية المالحة تحت سطح جدة ترتفع سنويا بمعدل سريع يمثل النصف سنتيمتر، و من أسباب هذه الزيادة السريعة عدم وجود شبكة مجاري و تسرب مياه الشرب المتزايد من الشبكات القديمة و من خزانات المجاري و من بحيرات تصريف المجاري الضخمة في شرق جدة، جدة تقع في موقع خطير لتجمع المياه الجوفية المالحة و زيادة معدل مياه البحر الزاحفة عليها كل عام،  المياه المحتجزة تحت الأرض من التصريف و المياه الجوفية ترتفع عبر جدران المباني لتترسب بينها و تؤدي بالنهاية إلى انفجار البناء الحجري مع الوقت، و لا يوجد بيت في جدة لم نشهد فيه تشققات الجدران المذكورة، المقاولين في جدة تعلموا أن يعالجوا البناء بوضع مقاومات في البنى التحتية لامتصاص الماء و لا تشمل هذه المعالجات المباني القديمة، مشكلة تسرب الكبريت من المياه الجوفية مسؤولة أيضا عن تشققات الأسفلت في الشوارع و عدم مقاومته طويلا بعد تجهيز الطرق، لا عجب هنا من الحفر الشهيرة و النسبة العالية من الطرق المدمرة في جدة، خزانات المجاري المستخدمة في جدة و التي يفترض أن يتم تصريفها في الأرض و عبر المياه الجوفية مباشرة أصبحت تمتليء بسرعة بالمياه الجوفية المرتفعة كل عام حتى اضطر السكان لسحبها عبر ناقلات خاصة بكلفة عالية و بشكل دوري، عمدت الناقلات إلى رمي هذه المخلفات في بحيرات مخصصة لذلك في شرق جدة، و لكن تكونت أودية من كثرة عمليات التصريف حتى غطت سطح الأرض و خصوصا حول نطاق المطار حتى تأثرت مناطق استلام و تجهيز العفش في المطار، و تم تحويل كل ناقلات المجاري إلى واد آخر نشأت بسببه بحيرة بريمان، و البحيرة تتوسع سريعا بمحاولات بعض العمال مخالفة رمي حمولة المجاري حول الوادي و قبل الوصول إلى البحيرة مع الأخطار الصحية المتوقعة، و هكذا نشأت سبخات جديدة في شمال شرق جدة و حول طريق مكة-المدينة الدائري، و بتعميد من الملك أيضا في العام 2002 و بواسطة شركة بن لادن تم بناء معمل لمعالجة المجاري و بناء سد حول بحيرة بريمان لكن هذا الحل لن يغني على المدى الطويل، تحمل جدة أكبر معدل إصابة بالتهاب الكبد الوبائي أ في المملكة وهو الذي ينتقل عبر تلوث الطعام و الماء،  مشكلة جدة هي بالفعل كثرة الماء، الحل كما يتضح مرارا خلال هذا الحديث هو إنشاء شبكة صحية حديثة للمجاري تغطي كل المدينة، ما يوقف الأمانة مكررا هو التكلفة العالية بمعدل6 بليون دولار على مدى ثمانية عشر عاما، أي يحتاج كل منزل إلى ما يقارب الخمسة ألاف دولار بتقدير العام 2002 لإتمام العمل فيه، و قد بدأت شركة القابضة بالعمل على المشروع المهول في تكلفته و لكن توقف فجأة لأسباب فنية، و غني عن القول أن التكلفة على عظمها على مدى العشرين عاما القادمة لن تكون بتكلفة أن لا نفعل شيئا، من القراءة لهذا التحليل البيئي فقط أستطيع أن ألخص الحل المنطقي في ثلاث خطوات، العمل على خطة المجاري بكل سرعة و جدية مهما تكلفت و البحث عن وسائل التمويل السريعة لإنقاذ المدينة و تنفيذ سياسات صارمة لإيقاف زيادة السكان، إما بإعادة التوطين في مدن أخرى أو ترحيل المقيمين بشكل غير شرعي بصورة أكثر جدية، بدون ذلك و في غضون أعوام سنصحو يوما و قد أحاط بنا الماء حتى في غير موسمه، و الرسالة التي لم نقرأها و المشكلة التي لم نحلها و الكارثة التي لم نستجيب لها سترسم لنا سريعا خط النهاية…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/231228

One Response to رسالة لم يقرأها أحد

  1. هاشم قال:

    لقد أسمعت لو ناديت حياً .. ولكن لا حياة لمن تنادي
    ولو ناراً نفخت بها أضاءت .. ولكن أنت تنفخ في رماد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s