مطالبات السلام و أجراس الخوف

في زمن الثورات و الغضب و على مفترق طريق الصراع هناك فرصة للسلام، يقتنصها فقط من يحسن قراءة واقعه بلا ضبابية الشعارات المستهلكة و تغييب الواقع، المطالبة بقيم الحرية و الحقوق و العدالة الاجتماعية و مشاركة الجميع في أوطانهم ليس بالضرورة أن تجلبها ثورة ما بل يمكن أن تتحول إلى واقع بإرادة سياسية واعية… أن يستمر تدوير مطالبات الناس و الضعفاء و النساء في معاريض تختزلها أو تنفيها أو تعود بها إلى خانة الصفر من جديد بدلا من أن تتحول إلى أدوات تنبيه لصانعي القرار هو أمر يدعو إلى الخوف، الشعب هنا الذي أصبحت حاجاته أكبر و أوسع من ممارسات إداراته الحالية يتيح الفرصة الآن عبر سلسلة من المطالبات العادلة لصانعي القرار لسماع صوته، اليوم تحضرنا بين مشاهد الغضب الشعبي و صراع السلطات العربي الدامي كيانات غامضة تحمل لقب المجتمع الدولي، تستحضرها نداءات استغاثة من جانب السلطات أحيانا و الشعوب أحيانا أخرى، كل منهما يعتقد بأن هناك جهة ما في الخارج تحمي مطالبه و تدعم موقفه، لو بذل المجتمع الدولي كل الجهود و أصدر البيانات و البعثات الدبلوماسية لمصلحة شعب ضد سلطة أو بالعكس فلن يتجاوز دوره المرسوم له في دروس التاريخ و في الواقع وهو الوقوف مع المنتصر أو مع من يحقق له مصلحة ما، في مقالته الأخيرة في النيويورك تايمز يشير توماس فريدمان إلى نفس المفهوم في خطأ السياسة الخارجية الأمريكية في تعاملها مع دول النفط، على مدى عقود كانت رسالة أمريكا لدول المنطقة هي أن يبقوا أسعار النفط منخفضة و أن يضمنوا استمرار تصديره و أن يبتعدوا عن إسرائيل، في المقابل كانت السياسة الأمريكية تتغاضى عن السياسات العربية المحلية، لم يعنيها كثيرا أو قليلا خروقات حقوق الإنسان أو الاستبداد السياسي أو خلق شعوب كاملة تعيش على الدعم و الضمان الحكومي أو تهميش النساء و الضعفاء، لم يعن السياسة الأمريكية ما أبرزته تقارير التنمية العربية الصادرة عن باحثين مستقلين بواسطة الأمم المتحدة، و التي أبرزت تهالك معدلات التنمية البشرية العربية، ولكنها يجب أن تدق لنا أجراس الخوف، في التقرير الصادر في العام 2002 كانت سياسات ثلاثة تهدد معدلات التنمية البشرية بشكل خطير، نقص الحريات و نقص التعليم و ضعف سياسات تمكين النساء، العام 2009 رصد تقرير الخبراء من جديد الأثر الأهم للنقص في النواحي الثلاثة السابقة وهو نقص الأمن، يتساءل واضعو التقرير: لماذا كانت العقبات التي تعترض سبيل التنمية البشرية في المنطقة عصيّة على الحل؟ و تكمن الإجابة بحسب التقرير إلى الهشاشة التي تجتاح عالمنا العربي في كل ناحية، هشاشة البنى السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و البيئية، و عدم تمحور السياسات حول الإنسان، و بالتأكيد فغياب التنظيمات السياسية القوية العادلة و الممثلة لرغبات الشعوب ستجلب المزيد من الاستبداد و ستصنع لبنة الثورة، ستصنع واقعا بديلا عن البرلمانات المنتخبة في الخفاء و على الشبكة العنكبوتية كما حدث مؤخرا، و ستتحول اللبنة الأولى للسخط إلى الكرة الثلجية الضخمة التي تجرف أمامها كل شيء، غياب السياسات الاجتماعية سيفاقم مشكلاتنا و سنصحو يوما على كوارث تتعدى قدراتنا الإنسانية على الإصلاح، البطالة هي التهديد الأكبر مع وجود أكثر من 50% من الثروة البشرية تحت سن العشرين سيحتاجون كلهم احتواء ما في سوق العمل بحلول 2025 بخلق ملايين الوظائف، هذا في الوقت الذي لم يتم فيه توظيف واحد من كل خمسة خريجين هنا و ليس في المستقبل بحسب أكثر التقديرات تفاؤلا، أوضاع الاقتصاد لن تصلحها إصلاحات تجميلية و ضخ أموال مؤقتة في وزارات غير فعالة، لن يختلف أداءها بمنح الأموال بلا تغيير أساليب الإدارة و العمل، ما تم منحه على مدار عقود لم يسهم سوى في خلق الواقع المتهالك في الصحة و العمل و البلديات و التعليم، شخصيا لا أمانع أن أتحول إلى عضو منتج يدفع الضرائب إن كانت ستنمحني تعليما أفضل و علاجا أجود و أمنا أكبر في بلادي، أفضل أن اكون منتجة على بطالة مقنعة أو على أن أن أتلقى زيادة ما في مبلغ الضمان الاجتماعي الهزيل الذي يقرره لي شخص ما منفصل عن واقعي بسنوات ضوئية،  المشاركة السياسية وحدها تضمن لنا كمواطنين تحويل هذه البنى التحتية في كل مجال من وضعها الحالي الهش إلى وضع عادل متناسب مع موارد بلادنا، السؤال الأهم هو نفسه التي سألته المواطنة و الصحافية لميس ضيف لولي عهد البحرين أثناء أزمة البحرين الحالية، ماهي أسباب سوء الظن بين السلطة و الشعب و لماذا تخشى السلطة رفع مستوى مشاركة الشعب السياسية و الرقابية و الاجتماعية؟… تلك التساؤلات هي محور المطالبات التي ظهرت مؤخرا بمناسبة عودة خادم الحرمين الشريفين إلى الوطن مؤخرا، أبرز هنا أفضلها وهي ثلاثة عشر مطالبة للشباب بالإصلاح، و بالرغم من تحفظي على تبني رمزية الشباب كجهة معينة للمطالبة، و تحفظي على اتخاذ السن معيارا لكفاءة الوزراء، إلا أنني أضم لهم صوتي كمواطنة قبل كل شيء و أدعو القائمين هنا إلى انتهاز فرصة السلام و رفع مستوى التعاطي مع المواطنين إلى سقف توقعاتهم، و إلى تمكين النساء الذين ننادي دوما بتكريمهن، فالسياسة بمنطق القبيلة قد تجاوزها الزمن،و إلى استقبال المطالبات بجدية و تفعيلها لأنها صمام الأمان الوحيد، و أدعوهم إلى تحويل منعطف التاريخ هنا للمستقبل بدلا من حشره في قوالب جامدة و سياسة الانتظار تحت مختلف الذرائع لن تقدم لنا سوى فاتورة أكبر ثمنا لمشكلات لم نتلافاها في المهد، هل نلتقط أجراس الخوف و ننتهز فرصة السلام؟…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/238414

Advertisements

رسالة حب

أريج شابة سعودية تحب وطنها، نشرت فيديو قصير فيه رسالة مقتضبة، أريج تحب وطنها بالرغم من ممارساته المؤلمة، وطنها يشوّه معاني الدين، و يعنّف النساء و تغرق فيه أحلام أصدقاءها و ينتزع صفحات من الكتب و يمنعها من ممارسة فرديتها، و لكنها بالرغم من ذلك كله تحبه… المأزق الذي تعاني منه أريج في ولائها لوطن لا يسمح لها بممارسة مواطنتها هو بالضبط هاجس النساء هنا، تحت شعار “ثورة المرأة السعودية” على موقع تويتر و الفيسبوك تتداول سيدات سعوديات تساؤلات من نفس النوع و المنشأ، هل مشكلة المرأة السعودية في عجزها الشخصي أم في المجتمع و القوانين التي تهمّشها؟… النسوية هنا- كما في مواقع متعددة من العالم- تحمل سمعة سيئة، تلاحق المناديات بها تهم التغريب و الانفصال عن الواقع المحلي و تبني نماذج غربية كمرجعية، لا تعود النسوية فكرة إصلاحية بقدر ما تغدو تهمة تغريبية أخرى تلحق بكل محاولة إصلاح، لكن النسوية التي تطالب بها النساء هنا مرجعها الإساءات المتعددة الممارسة ضد النساء تحت غطاء رسمي و شرعي، النسوية هنا ليست مجرد بحث عن عدالة اجتماعية أو أسرية أو حقوقية أو مالية، هي مطالبة نسوية شاملة لأن التمييز ضد المرأة يشمل كل نواحي حياتها الخاصة و العامة، في السعودية تبدو النسوية مشكلة مفاهيم و مرجعية، لا يزال لدينا خلاف واضح حول مفاهيم حقوق المرأة رسميا و شعبيا، و لا يزال لدينا خلاف حول مرجعية هذه الحقوق هل تدعمها الأنظمة و القوانين المحلية أم تعيدها إلى الولي ليقرر حقوق المرأة من عدمها؟…

مفاهيم حقوق المرأة غامضة كمعظم الحقوق الإنسانية هنا، تتجاذب هذه المفاهيم تناقضات بين تعريفها في الشرع و المواثيق الدولية و العرف و بين الطبقات الاجتماعية السعودية، إن أخذنا زواج القاصرات كمثال فهو ممارسة تجرّمها و تحرّمها القوانين الدولية التي وقعتها المملكة و أقرّتها في مواثيقها الدولية و مع ذلك يمارسها بعض المواطنون هنا بحق بناتهن بلا تدخل حقيقي و رسمي من الأنظمة المحلية، يقف بعض رجال الدين و القضاء عائقا أمام منع مثل تلك الممارسة و يقف القطاع الصحي و الاجتماعي عاجزا أمامها، عند الحديث عن المرجعية الدينية في زواج الصغيرات تتكمم الأفواه فلا تعود أي مرجعية أخرى صحية أو اجتماعية أو اقتصادية حتى قادرة على مواجهة المرجعية الدينية، النظرة القاصرة لأي شأن من شؤون حياة المرأة من الناحية الشرعية فقط هي خلل حقيقي لا يوجد من يتصدى له بجدية على المستوى الرسمي، التفسير الشرعي التقليدي للأحكام لا يضع في الاعتبار الظروف الزمانية و المكانية و الاجتهادات الشخصية لأي حكم خصوصا فيما يتعلق بالمرأة الغائبة دوما عن الفقه الإسلامي و قراءاته، لا يفترض الحكم الشرعي أهمية لتغير ظروف الحياة اليوم و مستجدات الواقع عما كانت عليه قبل أكثر من 1400 عام، و لا يستوحي المصلحة العامة لأفراد المجتمع ككل، كما يقدّم الحكم الشرعي التقليدي قبل الدليل العلمي و الطبي و الاجتماعي في تقدير الضرر في أي ممارسة، و هذا بالضبط ما يضع العصا في عجلة التغيير و الإصلاح…

اعتبار الأسرة مرجعية أهم من القانون الرسمي و التشريع في تقرير مصير النساء و الأطفال أمر شديد الخطورة، ليس فقط لأنه يفترض سلامة النية و القدرة على التصرف السليم لدى كل ولي فقط لأنه رجل، و لكن لأن ترك كل حق بدون ضوابط قانونية تقنن استخدامه هو مدعاة لاستغلال السلطة بلا رادع، التأسيس لممارسات وقائية هو دائما أفضل من مكافحة عواقب استغلال السلطة كما تشهد بذلك حالات العنف الأسري المتعددة و المتزايدة، لم يكن لمثل تلك القضايا أن تتفشى على الأقل في حياة الراشدات إن كانت هناك تشريعات و أحكام فعّالة تحمي و تحفظ الأطفال و النساء من التعنيف و الإساءة و الاستغلال، تمر بنا حوادث الإساءة للنساء و عضلهن عاما بعد عام و تنتهي بعد مطالبات إعلامية مطوّلة بحلول فردية لا تضع أي حل جذري و شامل للمشكلة و تترك الآلاف معرّضات لنفس الاستغلال و الإساءة، الأحكام القضائية لا زالت مخزية حيث تكتفي بإعادة الكرة من جديد للولي بعد شد أذنه …

المطالب الأساسية للنساء هنا هي الحق في الأمن الإنساني و الاجتماعي و المادي، الخروقات الأساسية التي تخالف المواثيق الدولية تتمثل في نظام الولي المعمول به هنا، و نظام القضاء الغامض الذي يرسّخ المظالم في حق النساء و أطفالهن،  و سياسات التمييز ضد النساء في التنقل و العمل و التعليم حذرا من الاختلاط،  توفير التعليم و فرص العمل للنساء و إتاحة وسائل التنقل لن تسهم فقط في تمكين النساء بل في تمكين أسرهن و أطفالهن و رفع العبء الاقتصادي عن ميزانية الضمان الاجتماعي الهزيلة بتحويل النساء من عالة على الأسر إلى منتجات و قادرات على العناية بأنفسهن و بأطفالهن كراشدات قادرات، هذه المطالب ليست لرفاهية النساء فقط بل لرفاهية الدولة ككل و رفع معدل التنمية البشرية فيها، تمكين المرأة وهو أحد الأهداف الأساسية لخطط التنمية الرسمية لا بد من أن تتجاوز عقبة إرضاء التيار الديني و التقليدي المحافظ، لا بد من أن تستوعب الضرر الحادث من تجنب المواجهة و سياسة التأجيل المستمر، ليس هناك بديل عن اعتبار المرأة كائنا راشدا يتمتع بحقوق الانتساب إلى وطن تحكمه القوانين و ليس إلى الولي كما الرجل الراشد تماما، الحقوق الإنسانية للنساء لا يجب ربطها بشرط موافقة أو منع الولي،  كما لا يجب منطقيا و إنسانيا خلق عالم موازي لاحتواء النساء هنا في التعليم و العمل و الحياة العامة قبل السماح لهن بممارسة حياتهن… نريد وطنا يحتوينا بكرامة و لا يهمّش حقوقنا أو يقصينا لانتماءنا البيولوجي و لا يضفي غطاء شرعيا على التمييز ضدنا أو إقصاءنا، نريد وطنا يبادلنا الحب أيضا

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/235968

الشعب يريد إسقاط النظام

الانتشار الشعبي الواسع لمظاهر ثورة الياسمين في الشرق الأوسط أبلغ من أي مؤشر على حالة الاستقرار السياسي في المنطقة، نجاح مظاهرات تونس بإطاحة النظام السياسي ألهمت شعوب المنطقة للأثر العارم للاجتماع ضد قوة النظام والاستمرار في المطالبة بالإصلاح حتى و إن لم يتحقق، وسائل تعامل الأنظمة مع القلق الشعبي المتوقع هي بالضبط الانعكاس للأسباب الحقيقية للقلق الشعبي، أربعة وسائل ترفعها الأنظمة السياسية محليا في مواجهة التظاهر و الرفض الشعبي، أولا التخويف بهدم استقرار الدولة و ثانيا اتهام المتظاهرين بالعمالة لأجندات خارجية و ثالثا استخدام القمع الأمني المتماشي مع القمع السياسي المنهجي لدول المنطقة وأخيرا استخدام المؤسسات الدينية الرسمية و رموزها لتحذير الناس من التظاهر،  القمع الأمني للغضب الشعبي أثبت بالتجربة عدم جدواه و تبرؤ المسؤولين منه بعد اقترافه لأنه لا يفرز سوى المزيد من الغضب و هو لا يعدو أن يكون مسكنا مؤقتا لمشكلة مزمنة،  أما التخويف من هدم استقرار الدول بممارسة الاعتراض بأشكاله المختلفة و أهمها هنا هو التظاهر السلمي فليس بالتأكيد حجة مقنعة، فقط الدولة تملك أن تمنح حق التعبير بكافة الوسائل السلمية للشعب و تملك أيضا أن تجعله وسيلة هدم و زعزعة للاستقرار، في العام 2003 خرجت شخصيا في تظاهرة مليونية في العاصمة البريطانية لندن مع مواطنين بريطانيين و طلبة جامعات و أشخاص من مختلف الملل و الجنسيات نطالب جميعا الدول العظمى بوقف قرار الحرب على العراق، سارت التظاهرة المليونية في شوارع العاصمة المحددة لها برعاية رجال الأمن و طائرات الهليكوبتر وعربات الإسعاف، و غطت وسائل الإعلام بكل حرية مطالبات المتظاهرين، و انتهى اليوم بلا إصابات و لا زعزعة للاستقرار و لكن بمنحى مختلف سياسيا و إعلاميا يجعل رأي الشعوب موازيا لتأثير القرار السياسي، حدث هذا في دولة يملك أفرادها كافة وسائل التعبير السلمي الأخرى المكفولة بالدستور و القوانين كمجلس الشعب المنتخب و الأحزاب السياسية و الإعلام الحر ومع ذلك لم تعارض السلطة السياسية المظاهرات كوسيلة إضافية للتعبير، حجب وسائل الاتصالات و مهاجمة المتظاهرين و إجبار الناس على تقبل واقع مرفوض بقوة الرصاص و التعذيب لا تخدم سوى زعزعة الاستقرار و تأجيل المواجهة الحتمية، في مقابل كل حجب رسمي للمواقع و تضليل للعامة باستخدام الإعلام تظهر آلاف المصادر الأخرى للمعلومات، و من الطريف ملاحظة سرعة التقاط محاولات الحجب و التضليل من الناس بتكرار ممارستها، على المواقع الاجتماعية يتداول الناشطون هنا تقييم الآراء الإعلامية الرسمية في التعاطي مع الثورات المحلية و وضع رؤاهم الخاصة لشفافية الإعلام المحلي بلا حاجة لأي مؤشرات، و الحجب الإعلامي لقنوات معينة تقابله آلاف الوسائل لتجاوزه، أما استخدام رجال الدين للتحذير من ممارسات حرية التعبير فهي حيلة تجاوزتها الشعوب هنا منذ زمن، وهي تضر بممارسة الدين و الثقة بمؤسساته أكثر مما تفيد، مؤشرات الأداء السياسي و الفساد التي كان يتم حظر تداولها بين الناس عبر فلاتر الرقابة الرسمية لم يعد ممكنا حجبها بعد ظهور العالم الافتراضي، محركات البحث تظهر في دقائق كافة معلومات الأداء الحكومي بالأرقام و الإحصائيات و تخلق وسائل للتواصل بين الناس حتى في غياب الجمعيات و المؤسسات المدنية،  في مواجهة عالم متسارع التغيير و التأثير لم تعد وسائل الحكومات السياسية التقليدية نافعة في إدارة شعوبها، الحجب و القمع و مصادرة الحقوق الرسمية لم تعد خيارا نافعا للبقاء، والسباق الحالي في مطالبات الإصلاح في المنطقة هو سباق وقت ليس إلا،  كتب مروان معشر وهو نائب رئيس الحكومة الأردنية السابقة مقالا هاما في الواشنطن بوست عن الإصلاح الحقيقي في العالم العربي، الوضع السياسي و الاقتصادي الغير مستقر لن يستمر طويلا، و أمام الزعماء خيارين لا بديل لهما إما الإصلاح الذاتي أو انتظارالشعب ليخرج إلى الشوارع  و ينفّذه، يحكي مروان عن فترة رئاسته للحكومة الأردنية المحدودة و كيف وضع خطة زمنية واضحة من عشرة سنوات للإصلاح السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي، و بحسب خطته كان على القوانين الرسمية في الأردن أن تتغير لمنح الفرصة في انتخابات شعبية نزيهة تحمل الأكفأ إلى المشاركة في صناعة القرار، كان على القوانين أن تكفل حرية التعبير كوسيلة للرقابة العامة على الأداء الرسمي، كان عليها أن تزيل التمييز الرسمي ضد النساء في مؤسسات الدولة و تمنح الوظائف و المناصب للأكفأ بغض النظر عن اعتبارات الجنس أو القبيلة، ببساطة كان على القوانين أن تضمن اختيار الأشخاص بناء على مزاياهم الوظيفية و ليس لأي اعتبارات أخرى، و كما كان متوقعا لم يتم تفعيل الخطة لمعارضة النخب السياسية و التي أجهضتها في وقتها… يلخص مروان حصيلة خبرته السياسية العربية فيما نعرفه جميعا، يعاني العالم العربي من النخب السياسية المستبدة، و التي أنشأتها الأنظمة الحاكمة لدعم بقاءها، عملت هذه النخب على جمع الريع المادي و شراء الولاء بالخدمات الخاصة، و هي التي تحارب الإصلاح بكافة أشكاله و تحارب حتى القيادات السياسية في محاولتهم لأي إصلاح جاد حتى تستمر في بقاءها و حصد مكاسبها، هي التي تخبر الزعماء بألا يقلقوا لأن دولهم ليست تونس  و بأن بعض الإصلاحات الطفيفة و التجميلية كفيلة بإسكات أصوات الغضب الشعبية و حل المشكلات المزمنة… الحكومات العربية على مفترق طرق الآن، يمكنها أن تختار أن تبدأ بطريق الإصلاح طويل المدى و يمكنها أن تتجاهل الواقع و تستمر باتجاه الهاوية، البرلمانات الممثلة لطموحات و رغبات الشعوب و التي تعمل لخدمة مصالح الناس و مراقبة أداء مؤسسات الدولة هي الخطوة الأولى، إزاحة الاستئثار الحادث حاليا بالقرارات من المسؤولين هي الخطوة الثانية بخلق أنظمة و مؤسسات و قوانين تحمي من عواقب الفساد، التعليم من أهم عوامل الإصلاح، ليس فقط في توفيره للناس بل في نوعيته، لن ينفع أن تتم تربية الأطفال على ربط مفهوم المواطنة الجيدة بالولاء للحكومة، على التعليم أن يخلق تقبلا للاختلاف و تقديرا للنقد و التحليل المنطقي، التنمية الاقتصادية وحدها بلا منح حقوق سياسية متساوية للجميع تعني تداول القوة المادية في نخب بعينها، لا يمكن خلق تنمية مستدامة بلا إصلاح سياسي، وهو يعني المشاركة السياسية الكاملة و لا يعني الخطابات و الوعود الفارغة و التي ستحمل بالتأكيد شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” عبر دول المنطقة…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/233404

رسالة لم يقرأها أحد

أهم ما نواجهه في جدة في موسم المطر النادر هو تكرار مواجهتنا مع ثقافتين غائبتين بالرغم من الوعود المبذولة من المسؤولين في كل عام، أقصد هنا ثقافة التعاطي مع البيئة و ثقافة تخطيط المدن، صنع غياب هاتين الثقافتين واقع جدة الحالي، حيث الأهالي مشغولين بعد الكارثة بتداول الرسائل بحثا عن المواد الغذائية و الإعاشية و مستلزمات الأطفال و الأدوية،  و الدفاع المدني بالاستغاثة لقلة موارده البشرية و الفنية في مواجهة الأضرار الناتجة عن ستة ساعات من المطر، فلا قوارب كافية و لا طائرات إخلاء و لا أفراد مؤهلين للتعاطي مع حجم الكارثة التي ضربت آلاف المنازل و 90% من طرق المدينة،  و اللجان الرسمية تتباحث لازالت بعد أسبوع من الكارثة عن كيفية التصرف و توزيع المسؤوليات بلا اي خطط طواريء و لا أواجل،  نعرف كلنا أن ماحدث أمر ليس فيه تجديد، منذ السبعينات الميلادية يتم التخطيط لشبكة صرف صحي ويتم بعدها وقف الخطة أيضا للتكلفة المهولة،  في العام 2003 كتب بيتر فينسنت وهو محاضر و باحث مستقل في الجغرافيا بحثا قيما عن مشكلات جدة البيئية و ما تمثله من تهديد خطير للسكان،  باختصار يعزو الباحث العجز الكبير في التجهيز العام لمدينة جدة بالزيادة السريعة للغاية في عدد سكانها و عدم توفر شبكة مجاري، كانت جدة قبل ستين عاما موطنا لما يقارب 35000 شخص و كانت تمتد على مساحة إثنين و نصف كيلومتر مربع تقريبا، اليوم تمتد جدة على مساحة 50 كم و يقيم فيها رسميا 2.5 مليون شخص عدا الأرقام الغير معروفة للمواطنين بصفة غير شرعية و أغلبهم يقطن في عشوائيات مترامية في جنوب جدة، التوسع الطولي في مدينة جدة نحو الشمال استمر مع طفرة النفط و مع تركز سكن الطبقة الأعلى دخلا في مدينة جدة في شمال المدينة بدأ الضغط يزيد على الأراضي في تلك المنطقة، و يذكر الكاتب وجود مخططات ممنوحة بهبات ملكية و مجهزة بالكامل بالإضاءة و خدمات الطرق و مع ذلك بقيت على حالها بلا بناء، بالرغم من وجود قانون عام يمنع عمل اي مخطط للبناء بمعزل عن التخطيط العام للمدينة و إلا فإنه يتعرض للإزالة، و مع ذلك لم يتم تنفيذ أي من هذه القوانين في حالة مخططات جدة الشمالية، يحكي أيضا عن جنوب جدة المتدهور بيئيا و المختلف للغاية عن شمالها، حيث نشأ كمنطقة صناعية بالأساس قبل زحف العشوائيات و المهاجرين الفقراء إليه، و يذكر البحيرات الساحلية في جنوب جدة و الملوثة تماما بقنوات المجاري المحمولة من المنازل و التي تفوق سعة مصنع معالجة المجاري البدائي الموجود هناك، و لفت النظر إلى الكارثة الصحية الخطيرة على الحياة البحرية من المجاري الغير معالجة و المخلفات السامة التي تلفظها المصانع بلا أي رقابة، في السبعينات كانت شبكة المجاري المتصلة بمصنع صغير لمعالجة المجاري تخدم 70% من أحياء جدة القديمة، و لكن التوسع في شمال المدينة لم يرافقه توسع في شبكات المجاري التي توقفت فجأة بسبب الكلفة و للاعتقاد بكفاية خزانات المجاري الأرضية كحل، في العام 2000 كان 21% من مساحة جدة فقط متصلة بشبكة المجاري، المياه الجوفية المالحة “السبخة” تحت جدة وصلت حتى 60 سنتيمتر تحت الأرض حتى أصبحت ظاهرة على السطح في بعض مناطق شمال جدة، تجف السبخات بسبب الحرارة و تخلف طبقة ملحية كبرى فوق الأرض تبلغ خمسة سنتيمترات و يبقى تحتها طبقة طينية لزجة لا تتحمل البناء، و بالتالي مناطق السبخات غير مناسبة للتوسع المدني، و الأسوأ أن المياه الجوفية المالحة تحت سطح جدة ترتفع سنويا بمعدل سريع يمثل النصف سنتيمتر، و من أسباب هذه الزيادة السريعة عدم وجود شبكة مجاري و تسرب مياه الشرب المتزايد من الشبكات القديمة و من خزانات المجاري و من بحيرات تصريف المجاري الضخمة في شرق جدة، جدة تقع في موقع خطير لتجمع المياه الجوفية المالحة و زيادة معدل مياه البحر الزاحفة عليها كل عام،  المياه المحتجزة تحت الأرض من التصريف و المياه الجوفية ترتفع عبر جدران المباني لتترسب بينها و تؤدي بالنهاية إلى انفجار البناء الحجري مع الوقت، و لا يوجد بيت في جدة لم نشهد فيه تشققات الجدران المذكورة، المقاولين في جدة تعلموا أن يعالجوا البناء بوضع مقاومات في البنى التحتية لامتصاص الماء و لا تشمل هذه المعالجات المباني القديمة، مشكلة تسرب الكبريت من المياه الجوفية مسؤولة أيضا عن تشققات الأسفلت في الشوارع و عدم مقاومته طويلا بعد تجهيز الطرق، لا عجب هنا من الحفر الشهيرة و النسبة العالية من الطرق المدمرة في جدة، خزانات المجاري المستخدمة في جدة و التي يفترض أن يتم تصريفها في الأرض و عبر المياه الجوفية مباشرة أصبحت تمتليء بسرعة بالمياه الجوفية المرتفعة كل عام حتى اضطر السكان لسحبها عبر ناقلات خاصة بكلفة عالية و بشكل دوري، عمدت الناقلات إلى رمي هذه المخلفات في بحيرات مخصصة لذلك في شرق جدة، و لكن تكونت أودية من كثرة عمليات التصريف حتى غطت سطح الأرض و خصوصا حول نطاق المطار حتى تأثرت مناطق استلام و تجهيز العفش في المطار، و تم تحويل كل ناقلات المجاري إلى واد آخر نشأت بسببه بحيرة بريمان، و البحيرة تتوسع سريعا بمحاولات بعض العمال مخالفة رمي حمولة المجاري حول الوادي و قبل الوصول إلى البحيرة مع الأخطار الصحية المتوقعة، و هكذا نشأت سبخات جديدة في شمال شرق جدة و حول طريق مكة-المدينة الدائري، و بتعميد من الملك أيضا في العام 2002 و بواسطة شركة بن لادن تم بناء معمل لمعالجة المجاري و بناء سد حول بحيرة بريمان لكن هذا الحل لن يغني على المدى الطويل، تحمل جدة أكبر معدل إصابة بالتهاب الكبد الوبائي أ في المملكة وهو الذي ينتقل عبر تلوث الطعام و الماء،  مشكلة جدة هي بالفعل كثرة الماء، الحل كما يتضح مرارا خلال هذا الحديث هو إنشاء شبكة صحية حديثة للمجاري تغطي كل المدينة، ما يوقف الأمانة مكررا هو التكلفة العالية بمعدل6 بليون دولار على مدى ثمانية عشر عاما، أي يحتاج كل منزل إلى ما يقارب الخمسة ألاف دولار بتقدير العام 2002 لإتمام العمل فيه، و قد بدأت شركة القابضة بالعمل على المشروع المهول في تكلفته و لكن توقف فجأة لأسباب فنية، و غني عن القول أن التكلفة على عظمها على مدى العشرين عاما القادمة لن تكون بتكلفة أن لا نفعل شيئا، من القراءة لهذا التحليل البيئي فقط أستطيع أن ألخص الحل المنطقي في ثلاث خطوات، العمل على خطة المجاري بكل سرعة و جدية مهما تكلفت و البحث عن وسائل التمويل السريعة لإنقاذ المدينة و تنفيذ سياسات صارمة لإيقاف زيادة السكان، إما بإعادة التوطين في مدن أخرى أو ترحيل المقيمين بشكل غير شرعي بصورة أكثر جدية، بدون ذلك و في غضون أعوام سنصحو يوما و قد أحاط بنا الماء حتى في غير موسمه، و الرسالة التي لم نقرأها و المشكلة التي لم نحلها و الكارثة التي لم نستجيب لها سترسم لنا سريعا خط النهاية…

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/231228