رائحة الياسمين

السقوط المفاجيء يثير التكهنات، و كما كان السقوط مفاجئا و غامضا أتت التكهنات شبيهة به، ثلاثة و عشرون عاما من الحكم الشمولي الصارم و من السلطة البوليسية لم تنجح تماما في تجفيف منابع التمرد و كسره، انتصر الإنسان من جديد بالرغم من الدعم الغربي لديمقراطية هزيلة و شعارات فارغة، بالرغم من حشد العسكر حتى أصبح هناك رجل أمن في مقابل كل ألفي مواطن، بالرغم من انتشار الفقر و انعدام الوظائف و قمع المعارضين إسلاميين و غيرهم إلى السجون و خارج البلاد، بالرغم من حصار الحريات الدينية ومن بناء الأسوار الحديدية حول الكلمة و محاصرة الفضاء الإعلامي الرسمي و الإلكتروني، بالرغم من كل العوائق أشعلت صورة البوعزيزي وهو يحترق طوفانا من الغضب، أرسلت جموع المتظاهرين يصرخون بالقوة كل ما منعتهم الحكومة من التفوه به، وقف جندي الأمن بزيه المدرّع و خوذته يبكي بينهم بدلا من أن يشهر عليهم سلاحه، اليأس الذي أزهق حياة البوعزيزي في أبلغ صورة أمام بلدية مدينته هو نفسه الذي أحيا همة الشعب للثورة لكرامته و الغضب لخذلانه من حكومته، تونس التي تنبأ لها المحللين السياسيين قبل عقد من الزمان بأنها الواحة القادمة للديمقراطية الحقيقية في الشرق الأوسط خالفت كل التوقعات، أثبتت من جديد فائدة الالتفات إلى دروس التاريخ، في رومانيا سقط تشاوشيسكو بعد أسابيع فقط من التظاهرات بالرغم من القبضة الحديدية المشابهة لقبضة زين العابدين، قوة التظاهر تفوق دائما أي قوة أخرى، تخلق تأثيرا مشابها للدومينو الذي يستمر في التصاعد ولا يهدأ حتى في مواجهة الذخيرة الحية، لم تلتفت الحكومة إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان الداعية إلى إطلاق سجناء الرأي و منح الجموع حرية التعبير و المشاركة في بلادهم، عندما وقف الرئيس أخيرا مقررا “أنا فهمتكم” كان الوقت قد فات، لم تنفع الوعود بخفض الأسعار و توفير الوظائف و إطلاق الحريات و ممارسة الديمقراطية على أرض الواقع و ليس في الشعارات، انتهت المصداقية و حملت الجموع في تظاهرها و رفضها لافتات “أنتهت اللعبة” و صور الجسد المحترق، انتقل الغضب إلى الفضاء الإلكتروني و انتشرت المقاطع المرئية لتحدث أثرا أقوى من صوت التراجع الحكومي و المنح المتأخر بعد منع طويل، علم تونس المضرج بالدماء أصبح شعارا يرفعه ليس فقط كل تونسي في الفضاء الإلكتروني و لكن كل عربي يشعر بالظلم نفسه، وقف الرئيس في خطابه الأخير يستنكر عنف المتظاهرين لكنه لم يستنكر العنف الذي مارسته الدولة ضدهم لعقود، لم يعد كافيا للمتظاهرين أن تمنح الوعود أو يتم التخلص من المسؤولين ككبش فداء، لم تتوقف الثورة حتى رحل الرئيس، مباشرة ازدحم الفضاء بكل المعارضين و أبرزهم المعارضين الإسلاميين، و بدأت مخاوف تحول الحرية الوليدة من استبداد العلمانية إلى استبداد الإخوانجية تظهر بعد توقف البث التلفزيوني التونسي لإذاعة الأذان للمرة الأولى، البعض قرر أن التمسك بمظاهر ممارسة الدين الإسلامي هو ردة فعل لحرية الممارسة المقموعة سابقا، و لكن يقرر كريستوفر كوبلو في السياسة الخارجية أن الثورة لن تتحول إلى إسلامية، القمع الممارس لعقود ضد رموز التيار الديني أضعف قوتهم و أخرجهم من الساحة السياسية، و الإسلاميون في تونس لم يكونوا الخطر الذي يتهدد الرئيس المخلوع بل كان دوما خطر التنويريين من المحامين و المثقفين و الناشطين في حقوق الإنسان، لأن الفكر الحزبي الأقوى الذي تم دعمه على مدار العقود الماضية كان الفكر العلماني و ليس الإسلامي كما هو في مصر مثلا، كتب كريستوفر أليكساندر أيضا في المجلة نفسها عن تحليل الحكم الفردي لبن علي و كيف أن العامل الأساسي في سقوطه كان من حشد المعارضة عبر الفضاء الالكتروني بعد أن ألقى غطاء من الحديد على كافة قنوات التعبير في الدولة، سمح الفضاء الإلكتروني لحوادث متفرقة من الضرب و الاعتقال و الظلم أن لا تبقى في حدود المدن التونسية المعزولة و لكن أن تنتقل لكافة الناس متجاوزة حدود المكان و السلطة، الصورة الأكثر تشاؤما قدمها روبرت فيسك في ذا إندبيندنت، لم يقرأ مثل البقية في الثورة نهاية الدكتاتورية و بداية الديمقراطية، لكنه نبّه إلى أن هناك من لن يسمح بانتشار تأثير الدومينو و تواصله في المنطقة،  الغرب يريد ديمقراطية عربية تحقق استقرارا ما و لكن ليس ديمقراطية كافية بحيث تمنح الناس الاستقلال التام عن مصالح الغرب الاستراتيجية في المنطقة، الغرب و زعماؤه مستعدون للصمت حيال الأنظمة القمعية و ربما يرفضون استقبال الرؤساء المخلوعين بعدها و يهنؤوا الشعوب على الحريات الوليدة و لكنهم سيفعلون ما بوسعهم لدعم الأنظمة القمعية إن أبقت الغوغاء في حالة استقرار بأي وسيلة كانت، الحقيقة القاسية كما يقررها فيسك أن العالم العربي حتى في حال حدوث ثورة يبقى مشتتا غير فعال و فاشل مدنيا و سياسيا تسود جماعاته القسوة و تكسوه ملامح الذل، و تبقى إمكانية نجاحه في خلق مجتمع مدني ديمقراطي حديث قريبة من الصفر، يضرب مثالا على ذلك الصحافة العربية التي احتفت دوما ببن علي و اليوم تجلده مع الساخطين، لذلك يحتاج الغرب إلى زعماء قادرين على ضبط الغوغاء و إحكام الغطاء على جنون ثوراتهم و أن تضمن الولاء للغرب و الكره لإيران، على تشاؤمه لا يحيد فيسك كثيرا عن الحقيقة، و الاستقرار الذي ينشده التونسيون لم يتحقق بعد و ربما لن يتحقق في القريب العاجل، و لكن أن يبدأ التونسيون متأخرين في بناء دولتهم أفضل كثيرا من أن لا يبدؤوا أبدا، الدرس الأهم هنا من ثورة تونس هو القوة الكامنة للشعوب التي تستخف بها الحكومات، مضاعفات الخوف التي تلعب عليها الحكومات القمعية تحت مسميات شتى كالإسلاميون و المتطرفون و الليبراليون و العلمانيون و غيرها لن تستطيع في النهاية أن تحجب الخوف الأعظم من القمع و انتهاك الحقوق الذي جعل رجلا يشعل في جسده النار أمام العالم بلا تردد… لن تستطيع الأنظمة القمعية مهما استبدت أن تمنع مضاعفات اليأس المدمرة مهما ارتفعت أسوار الخوف…

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s