فنجان شاي مع النواعم

اتصلت بي صديقتي لتسألني إن كنت أتابع برنامج «كلام نواعم»، وللحقيقة أنا لا أتابعه ولا أعلم عن أي سيدة حولي تتابعه، لكنها ألحت عليّ في متابعة حلقة عند إستضافة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون… اللقاء ضم الوزيرة مع ثلاث نواعم فقط بدلاً من أربع، وتم تنظيمه في رحاب جامعة زايد في الإمارات، بحضور من منسوبي الجامعة وطلابها. افتتاح اللقاء التقليدي كان بتبادل التحيات والمجاملات المعتادة، ثم بتشجيع الجمهور على المشاركة حتى طرحت أسئلة ناعمة خجولة كطبيعة البرنامج على الوزيرة، حول نصائحها للطامحات في العمل السياسي في المنطقة العربية – وكأن ذلك ممكناً على العموم – وللسيدات المترددات في الخروج من حماية المجتمع التقليدي الأبوي، وحول موقف الوزيرة من النقاب، لم تتردد الوزيرة في تشجيع النساء على الخروج من قوقعتهن والتسلح بالتعليم، وأن اختيار الزي حق للمرأة.

«النواعم» أدرن اللقاء بتبادل في طرح الأسئلة التي أتت في معظمها في القالب التقليدي المعتاد طرحه مع الشخصيات السياسية الأميركية بلا أية إضافة جديدة تذكر، كانت هناك أسئلة حول مناصب الوزيرة المتعددة، وموقف المسؤولين في العالم من مقابلة مسؤولة امرأة، ومواقف أميركا من قضايا عالمية مثل «ويكيليكس»، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي الحاضر دوماً على كل ساحة لنا.

تفوقت الديبلوماسية الأميركية البارعة على مضيفاتها الناعمات في نعومة طرح الأجوبة وتفادي مناطق الصراع، ولم تكن هناك نبرة أكثر وضوحاً في خطاب الوزيرة من موقف أميركا من إيران، العقوبات الاقتصادية التي اعتقد العالم عدم جدواها هي في الحقيقة، وبحسب رأي الوزيرة، فعالة في ضبط الطموح الإيراني في الحصول على السلاح النووي، فالخطر، كما أوضحت الوزيرة، لا يهدد أميركا فقط، بل يمتد إلى كل دول المنطقة التي ستتسابق حتماً في التسلح النووي، توجهت الوزيرة إلى الحضور مباشرة تسألهم: إن حصلت إيران على سلاح نووي، هل سيريد كل شخص منكم أن تملك دولته السلاح النووي؟ – شخصياً لن أريد – إحدى النواعم ردت بأن إسرائيل أيضاً تملك سلاحاً نووياً؟ تفادت الوزيرة المأزق برد عام «أن الولايات المتحدة تسعى لمنع التسلح النووي في العالم عموماً»… الموقف الأميركي الرسمي أيضاً يشجع الإصلاح والتقدم وحقوق المرأة في المنطقة، ولكنه هنا بالذات يحترم خصوصيات المنطقة ولا يتدخل، العقوبات الاقتصادية تردع الحصول على السلاح النووي، ولكنها أيضاً غير مرتبطة بسياسات التعاطي مع انتهاكات حقوق الإنسان في حكومات المنطقة.

سردت الوزيرة ببراعة خطورة التطرف الديني في قصة مؤثرة حول طبيبة وابنتيها تديران مشفى في الصومال، على رغم تهديد الميليشيات الإسلامية بهدم المكان، تحكي للحضور عن مواجهة الطبيبة للمرتزقة «أنا هنا لأنفع الناس وأخدمهم، فماذا تفعلون أنتم لخدمة الناس؟»، سؤال منطقي تماماً، يطرح نفسه هنا كالسؤال الأكثر مواءمة الذي ويا للغرابة لم يطرحه أحد من النواعم أو الحضور الخجول «ماذا تفعل الولايات المتحدة الراعية الكبرى في المنطقة لخدمة الناس هنا؟ ولخدمة حقوق الإنسان والمرأة على الأخص؟» الآن وقد وصلت راعية حقوق المرأة إلى المنصب الأكثر أهمية في تاريخ الحركة النسوية؟ تقرر الوزيرة أن دور الولايات المتحدة محوري في حل النزاعات والمشكلات حول العالم، وأن تبرعات أميركا هي الداعم الأكبر للدولة الفلسطينية منذ إنشائها وحتى الآن، وأنه ليس هناك نزاع حول العالم لا يمكن للولايات المتحدة أن تلعب فيه دوراً ما لحله، وهذه بالذات كانت الكلمة الأكثر أهمية في رأيي في برنامج موجه للنساء والتي أهملت النواعم الوقوف عندها ومنحها المزيد من التوضيح والأهمية.

الواجب المنزلي للنواعم قبل الحلقة كان يقتضي مراجعة الخطوات التي قدمتها كبيرة العائلة «الولايات المتحدة» ممثلة في وزيرة خارجيتها لدعم مطالب النساء العادلة في المنطقة، على مدار عامين، ماذا قدمت الوزيرة عبر منصبها لدعم نساء منطقة الخليج سوى الدعم المعنوي بكلمات ناعمة؟ زارت دول المنطقة مراراً وتعارفت على النساء والناشطات، واستمعت لقصص زواج القاصرات، وعضل المحارم، وتابعت مطالبات الناشطات والحقوقيات في اعتبار المرأة مواطنة راشدة وتمكينها من المشاركة الحقيقية، لربما تختلف الصورة لو لم تكن كل لقاءاتها في المنطقة مع نواعم ما، لو لم يكن هذا البرنامج «ناعماً» لربما استمعنا إلى أسئلة أكثر جدية وأكثر ارتباطاً بحياة النساء هنا، لربما خرجنا برؤية أكثر وضوحاً عن موقف الوزيرة الحقيقي من سياسات التمييز ضد النساء، ليس في الصومال فقط، لربما توقفنا عند سؤال طرحته واحدة من النواعم إذ لا يمكن سوى أن تحمله امرأة سعودية «لماذا يواجه المحارم المرافقون للطالبات السعوديات في بعثاتهن المكلّفة للخارج صعوبات لإصدار تأشيرات الدخول لأميركا؟»، ولربما تفهمنا سر دهشة الوزيرة من هذا السؤال وعدم معرفتها بوجود إشكالية للمحارم، وربما كانت أيضاً تسمع بكلمة المحارم «الفيكتورية» للمرة الأولى عبر برنامج النواعم.

لو لم يكن البرنامج ناعماً لربما تحدت المذيعة السلطة المطلقة للذكور على النساء التي ترعاها الحكومات، كنت أتمنى تحلي المذيعات بالقليل من الخشونة وسؤال الوزيرة عن موقف أميركا من نظام الوصاية الممارس على الراشدات في الحصول على حقوقهن؟ وسؤالها عن دور الوساطة الأميركية في الدفع بمشاركة المجتمع المدني بلا تمييز، وعن حظر مشاركة النساء في الانتخابات. لو كانت المذيعة في شجاعة بربارة والترز فلربما طرقت حتى الثورة التونسية الحديثة وظفرت بتعليق خاص من الوزيرة عن السياسات المستبدة.

لكننا في النهاية في حضرة «النواعم» فكان لابد من ختم الحلقة بقصة ناعمة تذكرنا بتجمع «حريمي» في عزومة على الشاي. قصة لقاء الوزيرة «الرومانسي» بزوجها عازف الساكسفون الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في حرم الجامعة، وكم كان ولا يزال وسيماً في عينيها – على رغم خيانته الشهيرة – … هل كان اللقاء على العموم مهماً للمرأة العربية المهمومة بواقعها والمتابعة للقاء؟… مع احترامي للقائمين على البرنامج ورؤيتهم إلا أنه بعيد تماماً عن نسخته الأميركية «ذا فيو: وجهة نظر»، ليس إلا نسخة «فيكتورية» مهذبة لنساء ناعمات بالفعل، حديثهن يداعب أحلام النساء ويشبه نيات التطوير الحكومية في البلاد العربية المختبئة عن الواقع لأجل «غير مسمى»!

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/228744

Advertisements

إهداء لأمانة و بلدية جدة

لأننا عشنا زمناً في جدة وشاهدنا ولا نزال عجباً، ولأنه لا نهاية للخطط المدروسة الفاشلة التي يتعاقب على وضعها لنا أمناؤها استعداداً للتأثير الفتّاك لزخات موسمية ضئيلة من المطر، فقد قررت بصفتي المتواضعة كمواطنة جداوية مقاومة وصامدة بالتبرع وبلا أي مقابل لأمانة جدة بخطتي الخاصّة لمواجهة آثار السيل الموسمي، وأنصح الأمانة بالتفكير بها بجدية لأنها على العكس من الخطط الرسمية المدروسة لا تكلف الأرقام الفلكية التي تمتصها في كل مرة سيول جدة مع التصريحات الموسمية، هي خطة مدفوعة بالأسى لمواطني جدة المنكوبين في أرواحهم وصحتهم وممتلكاتهم بلا أي داع، وبالرغبة الصادقة في حماية أي رؤوس أخرى في الأمانة قد يحين قطافها مع السيل القادم، تتفهم صاحبة الخطة أن هناك كوارث طبيعية لا سبيل للبشر إلى تفاديها، ولذلك فهي لا تتطلب الانتظار حتى تحدث المعجزة المنتظرة منذ 30 عاماً ويتم تركيب شبكة صرف صحي كافية للمدينة، لا تتطلب الخطة سوى عمل خطة تنظيمية للطوارئ من عشرة بنود، أولاً وضع نظام رصد جوي دقيق وإرسال رسائل نصية وتلفزيونية وعبر موقع خاص في الشبكات الاجتماعية للسكان لتنبيههم لأوضاع الطقس وإرشادات السلامة المسبقة والمباشرة، وأهمها:

عدم مغادرة المنازل في حال نزول المطر أو العودة قبل تجمع السيل في الشوارع، استخدام وسائل التكنولوجيا مهم لنشر الرسالة في وقتها وتخفيف الضغط والحصار المتوقع حال انسداد الطرقات، لن نجد عندها أشخاصاً عالقين بمقار مدارسهم أو أعمالهم ليوم أو أكثر بلا كهرباء ولا طعام ولا دواء، وفي السيل الحالي شاهدنا الأهالي بدلاً من المسؤولين يتبادلون أرقام الدفاع المدني والطوارئ وأقرب مكان للهرب من الحصار على الفيسبوك وعبر الهواتف.

ثانياً توضع خريطة عامة لمراكز إيواء عاجلة بكل مناطق جدة، ويتم نشرها إلكترونياً على موقع الأمانة وتوزيعها على المركبات والبيوت مسبقاً وإرسالها في رسائل التحذير، يمكن أن تكون مراكز الإيواء من المدارس الكبرى في كل حي والتي يمكن تجهيزها بصفة سريعة بالحـــاجات الأساسية للسكان، وعندها لن يتهافت أهالي جدة على البحث عن أقرب مأوى للهرب من حصار المياه في منزل محسن من الأهالي أو التوجه لأقرب مركز شرطة عاجز عن مساعدتهم.

ثالثاً يتم اختيار مناطق استراتيجية حول مدينة جدة ويبنى عليها مواقف سيارات من عدة طوابق ويمكن استخدام مواقف السيارات الخاصة ببعض المراكز التجارية إن كانت مرتفعة، يمكن عندها أن يستخدمها الأهالي لإنقاذ مركباتهم في حال إنذارات المطر وتخصيص حافلات خاصة تابعة للأمانة في كل موقف.

رابعاً توزيع عدة صغيرة لكل مركبة ومنزل تشمل إرشادات السلامة وأرقام الاتصال وبطاريات إضاءة يدوية وراديو يعمل على البطارية وبعض الأغذية المعلبة ومركب مطاطي أو حتى سترة سلامة للأمن في حال الغرق، عندها لن نشهد العالقين بمنازلهم وأعمالهم بلا كهرباء أو العالقين بمركباتهم حتى الغرق موتاً كما حدث سابقاً في انتظار وصول الدعم أو مروحيات ومراكب الدفاع المدني.

خامساً وضع غرفة عمليات للتواصل حول مستجدات الأوضاع مع الأهالي وتوحيد جهود الإنقاذ والحصول على المعلومات من جهة واحدة، يمكن لغرفة العمليات استخدام وسائل الاتصال كافة من الانترنت والهواتف المحمولة والتلفزيون لبث مستجدات الأوضاع وأحوال الشوارع وأمنها على مدار الساعة، وذلك بتخصيص قنوات راديو خاصة أو حتى عمل شريط بث تلفزيوني لكل السكان، وقد تطوع بعض المواطنين بعمل خرائط إلكترونية للطرق السالكة أو المسدودة في جدة في السيل الأخير و سهلوا بذلك اختيار الطرق الأفضل للتحرك للسكان.

سادساً عمل قاعدة بيانات خاصة للمتطوعين والمتطوعات يتم فيها جمع أسماء كل الراغبين من سكان جدة بالمساعدة مسبقا، ويتم تدريبهم بصفة رسمية مع منح شهادات على التعامل مع الطوارئ طبياً و ميدانياً وتنظيمياً كل بحسب قدرته وتعليمه، وعمل تدريب وهمي مسبق حتى يتم اختبار التجهيز على المواجهة قبل الحدث، لن نجد وقتها خطوط هاتف رسمية لا يستجيب لها أحد ولا مناطق خالية تماماً من الدعم البشري كما حدث في طرق جدة الرئيسية و الفرعية أخيراً، ولا تزال جدة ممتنة للدعم الكبير الذي قدمه متطوعون ومتطوعات في الكارثة السابقة على الرغم من تنظيمهم المستقل وبلا تدريب يذكر.

سابعاً إغلاق المناطق والشوارع المتوقع تأثرها بالسيل باكراً بوحدات دعم مجهزة مسبقاً، وهو مما يمكن معرفته بسهولة بتوفير نظام معلومات جغرافي آلي بسيط (مثل آركماب أو غيره) وتغذيته بالمعلومات عن الشوارع و المناطق الأضعف و الأكثر عرضة للخطر بحسب المشاهدات السابقة، سيقلل ذلك بالتأكيد من عدد المحاصرين في منتصف الشارع أو في مناطق السيول ومن الوفيات الناتجة عن الحصار والغرق، النظام الآلي سيسمح أيضاً لغرفة العمليات بالتواصل مع إدارات المرور ووحدات الدفاع المدني خلال السيل لتوضيح أي الشوارع و المناطق أكثر خطورة وتوجيه الجهود إليها. ثامناً تحديد وحدات خاصة برش المستنقعات والشوارع مباشرة بعد السيل لتقليل تأثير الحشرات والناموس الناقل للأمراض والتي تفشت في جدة أخيراً.

تاسعاً تخصيص وحدات صحية خاصة أثناء الطوارئ لتقديم الخدمات الطبية العاجلة للمحاصرين، وذلك بتحديد مناوبين مؤهلين في كل مركز صحي وتجهيز عدة طوارئ خاصة بكل وحدة للانتقال لأي موقع قريب وبواسطة مركبات مناسبة في حال الحاجة، لن نجد عندها ولادات تحدث في محطات الوقود أو على مقاعد السيارات أو مرضى في حال خطرة بلا أدوية أو إسعاف حتى الوصول إلى أقرب مركز.

عاشراً – وهو ربما حلم بعيد المنال- منح النساء فرصة لإدارة مدينتهن في الانتخابات البلدية القادمة، المرأة السعودية أثبتت جدارة وهمة و أمانة عالية في كل مجال سمح لها بالعمل فيه، ولا يوجد مكان بحاجة إلى همة وجدارة حقيقية أكثر من جدة المنكوبة في كل عام… أقدم هديتي هذه للمسؤولين عن جدة بلا حاجة للطمع في بنى تحتية مكلفة أو حل سريع و منطقي لمشاريع الشوارع اللانهائية التي تخترق شرايين المدينة في كل مكان، ولا تعليق لوحات الكترونية تعد الأيام حتى الانتهاء من العمل، أهالي جدة واقعيون ولا يطمعون كثيراً بتحقيق الأمنية المبذولة لهم منذ زمن بنقلهم إلى العالم الأول، فقط يريدون القليل من الأمان في هذا العالم.

رائحة الياسمين

السقوط المفاجيء يثير التكهنات، و كما كان السقوط مفاجئا و غامضا أتت التكهنات شبيهة به، ثلاثة و عشرون عاما من الحكم الشمولي الصارم و من السلطة البوليسية لم تنجح تماما في تجفيف منابع التمرد و كسره، انتصر الإنسان من جديد بالرغم من الدعم الغربي لديمقراطية هزيلة و شعارات فارغة، بالرغم من حشد العسكر حتى أصبح هناك رجل أمن في مقابل كل ألفي مواطن، بالرغم من انتشار الفقر و انعدام الوظائف و قمع المعارضين إسلاميين و غيرهم إلى السجون و خارج البلاد، بالرغم من حصار الحريات الدينية ومن بناء الأسوار الحديدية حول الكلمة و محاصرة الفضاء الإعلامي الرسمي و الإلكتروني، بالرغم من كل العوائق أشعلت صورة البوعزيزي وهو يحترق طوفانا من الغضب، أرسلت جموع المتظاهرين يصرخون بالقوة كل ما منعتهم الحكومة من التفوه به، وقف جندي الأمن بزيه المدرّع و خوذته يبكي بينهم بدلا من أن يشهر عليهم سلاحه، اليأس الذي أزهق حياة البوعزيزي في أبلغ صورة أمام بلدية مدينته هو نفسه الذي أحيا همة الشعب للثورة لكرامته و الغضب لخذلانه من حكومته، تونس التي تنبأ لها المحللين السياسيين قبل عقد من الزمان بأنها الواحة القادمة للديمقراطية الحقيقية في الشرق الأوسط خالفت كل التوقعات، أثبتت من جديد فائدة الالتفات إلى دروس التاريخ، في رومانيا سقط تشاوشيسكو بعد أسابيع فقط من التظاهرات بالرغم من القبضة الحديدية المشابهة لقبضة زين العابدين، قوة التظاهر تفوق دائما أي قوة أخرى، تخلق تأثيرا مشابها للدومينو الذي يستمر في التصاعد ولا يهدأ حتى في مواجهة الذخيرة الحية، لم تلتفت الحكومة إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان الداعية إلى إطلاق سجناء الرأي و منح الجموع حرية التعبير و المشاركة في بلادهم، عندما وقف الرئيس أخيرا مقررا “أنا فهمتكم” كان الوقت قد فات، لم تنفع الوعود بخفض الأسعار و توفير الوظائف و إطلاق الحريات و ممارسة الديمقراطية على أرض الواقع و ليس في الشعارات، انتهت المصداقية و حملت الجموع في تظاهرها و رفضها لافتات “أنتهت اللعبة” و صور الجسد المحترق، انتقل الغضب إلى الفضاء الإلكتروني و انتشرت المقاطع المرئية لتحدث أثرا أقوى من صوت التراجع الحكومي و المنح المتأخر بعد منع طويل، علم تونس المضرج بالدماء أصبح شعارا يرفعه ليس فقط كل تونسي في الفضاء الإلكتروني و لكن كل عربي يشعر بالظلم نفسه، وقف الرئيس في خطابه الأخير يستنكر عنف المتظاهرين لكنه لم يستنكر العنف الذي مارسته الدولة ضدهم لعقود، لم يعد كافيا للمتظاهرين أن تمنح الوعود أو يتم التخلص من المسؤولين ككبش فداء، لم تتوقف الثورة حتى رحل الرئيس، مباشرة ازدحم الفضاء بكل المعارضين و أبرزهم المعارضين الإسلاميين، و بدأت مخاوف تحول الحرية الوليدة من استبداد العلمانية إلى استبداد الإخوانجية تظهر بعد توقف البث التلفزيوني التونسي لإذاعة الأذان للمرة الأولى، البعض قرر أن التمسك بمظاهر ممارسة الدين الإسلامي هو ردة فعل لحرية الممارسة المقموعة سابقا، و لكن يقرر كريستوفر كوبلو في السياسة الخارجية أن الثورة لن تتحول إلى إسلامية، القمع الممارس لعقود ضد رموز التيار الديني أضعف قوتهم و أخرجهم من الساحة السياسية، و الإسلاميون في تونس لم يكونوا الخطر الذي يتهدد الرئيس المخلوع بل كان دوما خطر التنويريين من المحامين و المثقفين و الناشطين في حقوق الإنسان، لأن الفكر الحزبي الأقوى الذي تم دعمه على مدار العقود الماضية كان الفكر العلماني و ليس الإسلامي كما هو في مصر مثلا، كتب كريستوفر أليكساندر أيضا في المجلة نفسها عن تحليل الحكم الفردي لبن علي و كيف أن العامل الأساسي في سقوطه كان من حشد المعارضة عبر الفضاء الالكتروني بعد أن ألقى غطاء من الحديد على كافة قنوات التعبير في الدولة، سمح الفضاء الإلكتروني لحوادث متفرقة من الضرب و الاعتقال و الظلم أن لا تبقى في حدود المدن التونسية المعزولة و لكن أن تنتقل لكافة الناس متجاوزة حدود المكان و السلطة، الصورة الأكثر تشاؤما قدمها روبرت فيسك في ذا إندبيندنت، لم يقرأ مثل البقية في الثورة نهاية الدكتاتورية و بداية الديمقراطية، لكنه نبّه إلى أن هناك من لن يسمح بانتشار تأثير الدومينو و تواصله في المنطقة،  الغرب يريد ديمقراطية عربية تحقق استقرارا ما و لكن ليس ديمقراطية كافية بحيث تمنح الناس الاستقلال التام عن مصالح الغرب الاستراتيجية في المنطقة، الغرب و زعماؤه مستعدون للصمت حيال الأنظمة القمعية و ربما يرفضون استقبال الرؤساء المخلوعين بعدها و يهنؤوا الشعوب على الحريات الوليدة و لكنهم سيفعلون ما بوسعهم لدعم الأنظمة القمعية إن أبقت الغوغاء في حالة استقرار بأي وسيلة كانت، الحقيقة القاسية كما يقررها فيسك أن العالم العربي حتى في حال حدوث ثورة يبقى مشتتا غير فعال و فاشل مدنيا و سياسيا تسود جماعاته القسوة و تكسوه ملامح الذل، و تبقى إمكانية نجاحه في خلق مجتمع مدني ديمقراطي حديث قريبة من الصفر، يضرب مثالا على ذلك الصحافة العربية التي احتفت دوما ببن علي و اليوم تجلده مع الساخطين، لذلك يحتاج الغرب إلى زعماء قادرين على ضبط الغوغاء و إحكام الغطاء على جنون ثوراتهم و أن تضمن الولاء للغرب و الكره لإيران، على تشاؤمه لا يحيد فيسك كثيرا عن الحقيقة، و الاستقرار الذي ينشده التونسيون لم يتحقق بعد و ربما لن يتحقق في القريب العاجل، و لكن أن يبدأ التونسيون متأخرين في بناء دولتهم أفضل كثيرا من أن لا يبدؤوا أبدا، الدرس الأهم هنا من ثورة تونس هو القوة الكامنة للشعوب التي تستخف بها الحكومات، مضاعفات الخوف التي تلعب عليها الحكومات القمعية تحت مسميات شتى كالإسلاميون و المتطرفون و الليبراليون و العلمانيون و غيرها لن تستطيع في النهاية أن تحجب الخوف الأعظم من القمع و انتهاك الحقوق الذي جعل رجلا يشعل في جسده النار أمام العالم بلا تردد… لن تستطيع الأنظمة القمعية مهما استبدت أن تمنع مضاعفات اليأس المدمرة مهما ارتفعت أسوار الخوف…

 

الدوائر المغلقة

كانت مصادفة أن يأتي انفجار كنيسة الإسكندرية وأنا على وشك إنهاء رواية «أربعون قاعدة للحب»، الانفجار سلّط الضوء من جديد على الخلاف التقليدي بين الأديان وليس فقط بين أتباع الدين الواحد، تتابعت على إثر الحادث سجالات مثيرة للاهتمام بين طوائف المجتمع المصري، أبرزها بالنسبة إلي هو تخلي بعض القيادات الفكرية الإسلامية التقليدية كالدكتور العوا، أمين عام اتحاد علماء المسلمين، عن حديث أدلى به سابقاً يتهم فيه الكنائس بتخزين الأسلحة ثم يتراجع بعد حدوث التفجيرات عما أورده ويبرر مقولته بأنه لم يذكر في خطابه سوى ما أثبتته قضايا رسمية في ملفات الشرطة ولم يقصد التحريض.

على أن ذلك بالطبع لا يمنع من خطورة تبني موقف إعلامي ضد الكنائس وخصوصاً في مجتمع شديد التدين كالمجتمع المصري. للدكتور العوا أتباع كثيرون وكلماته لا تحمل الوقع نفسه الذي تحمله كلمات محاضر النيابة.

من السهل للمتدينين المتحمسين الاعتقاد بأنهم يملكون الفهم الأصح للعالم ولإرادة الله فيه، ومن اليسير أن يجدوا في خطابات بعض العلماء والمفكرين من يدعمون رؤيتهم للعالم ويطالبونهم بتوسيع مساحاتهم الدينية وفرض صحة اعتقاداتهم؛ لأن هناك من يتآمر على دينهم.

تلك المعضلة الأخلاقية الدينية ليست جديدة تماماً، تتابعت فصولها في كرّ وفرّ بين مختلف الأديان وحتى بين طوائف الدين الواحد.

وتأتي رواية المؤلفة التركية وأستاذة العلوم السياسية الأميركية ومناضلة حقوق الإنسان وباحثة دراسات المرأة إيليف شفك لتعيد خلق عناصر الصراع التقليدي بين طوائف الدين ومستجدات المجتمع في روايتها المبدعة “أربعون قاعدة للحب”

الرواية تحكي عن تحولات متعددة، أولها لسيدة أميركية تقليدية تعمل محررة لمخطوطة مقدّمة للنشر بواسطة مؤلف جديد. في أوراق الرواية يتنقل القارئ بين قصتين، قصة شخصيات المخطوطة وقصة الأثر الذي تحدثه المخطوطة في حياة المحررة والمؤلف.

تحكي المخطوطة عن الحدث الأكثر إثارة في حياة العالم الصوفي التاريخي رومي، عن تحوله من عالم وواعظ تقليدي ينقل صفوة العلوم الدينية بتنظير مثالي بعيد عن واقع بلدته التاريخية الصغيرة إلى عالم صوفي يرى المعنى الروحي الأسمى خلف النصوص الجامدة، للقائه بشخصية شمس الدين التبريزي الفريدة، حيث يبدأ في الاقتراب من الطبقات الغائبة في مجتمعه ويكتشفهم للمرة الأولى بعد حياته الطويلة بينهم، وينقطع عن رواده من صفوة المجتمع وسلاطينه، تحركه للمرة الأولى حاجات الناس الحقيقية للوعظ والحراك الاجتماعي بدلاً من اتباع مطلق للخطوط المرسومة للدعاة من المجتمع، يستلهم المعاني الخفية في الكون التي يكتشفها حديثا ويحيل إلهامه إلى شعر آسر يفيض بالحب والحنين، كشف الدرويش شمس الدين التبريزي لرومي في عبارات وأفعال محدودة وحدة الأرواح في الكون وأهمية الكلمة ومعنى الروحانية الحقيقي وخطأ الاعتقادات الجامدة والنقل الصرف بلا روح ولا حب، رمى الدرويش بكتب رومي القيمة في الماء وألهمه البحث عن المعنى الحقيقي من الوجود بعيداً عن أسر النص. الرسالة التي حملتها الرواية هي رسالة الكاتبة وهي أيضاً الرسالة الأسمى التي يمكن أن يحملها كل إنسان منا، وقد أوردتها في حديثها أمام مؤسسة تيد العالمية: «إن أردت تدمير أي شيء كمرض ما أو حتى روح إنسانية فكل ما تحتاجه هو حصره بداخل أسوار سميكة، كلنا نعيش بداخل دوائر إما اجتماعية أو أسرية أو ثقافية أو دينية لا نختارها غالباً، وإن لم يكن لنا وسيلة ما للتواصل مع ماهو خلف دوائرنا المغلقة فسنتعرض بشكل أو بآخر للانزواء والتلاشي بسبب ذلك الحصار، تتلاشى مخيلتنا، تضيق قلوبنا وتجف إنسانيتنا إن بقينا طويلاً بداخل شرنقتنا الثقافية الخاصة، حيث كل شخص حولنا هو نسخة شبيهة بنا، المجتمع المكوّن من نفس النسخ هو أكبر خطر يهدد عالم اليوم العالمي، حيث يميل الناس لعمل التجمعات المبنية على أوجه التشابه ويبدؤون في إطلاق التصنيفات على من حولهم وخلق الأنماط أو الستيريوتايب، وأحد وسائل خرق هذه الثقافة المحدودة هو عبر القصص».

حديثها بالطبع كان عن أثر الرواية والأدب المتخيّل في صنع معابر وهمية تمكننا نحن قراء الأدب من عبور دوائرنا الضيقة المصمتة والنهل من العالم وحياة شخصياته كما تعرضها الروايات، تمنحنا وسيلة ما لتجربة تلبّس شخصيات خيالية مختلفة عن واقعنا وتمنحنا فرصة لتفهم ورؤية العالم كما تراه تلك الشخصيات، وترفعنا بعيداً عن واقعنا لتوحدنا مع المختلفين عنا، على أمل أن يجعلنا ذلك أكثر تفهماً وروحانية وعقلانية في تعاملنا مع الاختلاف، سواء في الظروف السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو حتى حدود الجنس البيولوجي.

يبقى للكلمات مفعول السحر في خلق الصور النمطية وشحن الجموع معاً، في بلاغة يقرر حسن الشحّاذ في الرواية «لا أتوقف عن الاندهاش من التغيير العظيم الذي يصبغ الناس حين ينضمون إلى جماعة ما، أشخاص عاديون بلا تاريخ في العنف يتحولون إلى عدائيين مستعدين للقتل حتى لأجل جماعتهم»، وتبقى لمواقفنا وأفعالنا أهمية كبرى حتى ولو لم نشعر بها كما يقرر عزيز مؤلف المخطوطة الصوفي في مراسلاته مع المحررة «هل تعرفين أن شمس التبريزي يقول إن العالم كقدر طبخ هائل يضم خليطاً ما يتم إنضاجه؟ لا نعرف بعد ماهو؟ كل ما نفعله أو نشعر به أو نفكر فيه هو مكوّن ما في ذلك الخليط، نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا ماذا نضع في ذلك القدر؟ هل نضيف الاحتقار والعداء والعنف والغضب؟ أم نضيف الحب والانسجام؟»

ماذا يضيف كل فرد منا إلى وطن ممتلئ بطوائف متعددة وطبقات مختلفة وأنماط متغايرة؟

http://www.ted.com/talks/elif_shafak_the_politics_of_fiction.html

ساهر على باب الفضاء الإلكتروني

ثارت الكثير من الأسئلة حول لائحة النشر الإلكتروني الجديدة المطروحة من وزارة الثقافة والإعلام منذ شهور عدة لوجود نظام عام للمطبوعات والنشر – على رغم التحفظات المعروفة عليه – الذي يمكن استخدامه كمظلة عامة لكل أنواع النشر بلا حاجة للوائح جديدة غامضة، وأناقش في هذا المقال أهداف اللائحة الجديدة لا غير بعيداً من تفاصيل أخرى كشرعية الوزارة كجهة تنفيذية لوضع التشريعات واللوائح، أو غموض العقوبات والاستئناءات الواردة في اللائحة، أو مدى مناسبة فكرة الترخيص للمواقع الاجتماعية كالفيسبوك وتويتر المستخدمة بشكل كبير هنا، وأشير بداية إلى الفقرة الأهم في رأيي في اللائحة وهي المادة الـ «13» التي تنصّ على عدم التزام الوزارة بالرقابة على النشر، حيث تقع مسؤولية الرقابة على محتوى النشر على الناشرين أنفسهم، هذا يستبعد تماماً وجود نية الرقابة لدى الوزارة، وهو أمر مفهوم لكل متابع، فوسائل مراقبة النشر الإلكتروني بواسطة برامج خاصة تقوم بفحص الفضاء الإلكتروني دورياً وإبراز كل ما يخالف قوانين النشر والمستخدمة عادة بواسطة الأجهزة الرسمية في كل الدول تقريباً يمكن لها ببساطة أن تنوب عن الوزارة في هذه المهمة الرقابية، كما تشهد بذلك عدد المواقع المحجوبة في المملكة حتى في غياب التراخيص، الهدف الأول في اللائحة هو دعم الإعلام الإلكتروني الهادف.

ولا يلزم لذلك – بحسب تعريف الإعلام الهادف المقصود – أن تقرّ الوزارة أي موقع أو توافق على رؤساء تحرير الصحف الإلكترونية، أول خطوة لدعم الإعلام الهادف هي في منح المجال الكافي لجميع الآراء للعصف الفكري الحر والنقاش غير المقنن حتى يجد كل رأي ما يقويه أو يبرز عيوبه، كما يفترض أن الوزارة معنية بالترخيص كجهة تأديبية مرجعية للإعلام الهادف، ما يدعم الاعتقاد بعدم وجود رقابة ذاتية لدى الناشرين في الفضاء الإلكتروني، وأن الحصول على الترخيص هو الضمان لذلك، وهو افتراض ساذج حقيقة.

الهدف الثاني هو حماية المجتمع من الممارسات الخاطئة ولا يحتاج بالمثل لترخيص، فالفضاء الإلكتروني بداية لا يعمل بمبدأ الملفات الخضراء العلاقية ولا يتطلب في الحقيقة إثباتات حسن السير والسلوك والحصول على تأهيل دراسي لمرحلة الثانوية العامة لاستخدامه، فهو عالم قابل لاستخدامه من كل شخص يستطيع ذلك بلا اختبارات قياس، أما رقابة الحجب والمنع بحسب المخالفة والمخالفة للمادة الثالثة عشرة من اللائحة فهي أيضاً مكفولة باتفاقات الاستخدام الرسمية في كل موقع الكتروني، كما أنها مرصودة في بلاد العالم على الأغلب بواسطة شرطة خاصة لتعقب المخالفات من هذا النوع، إلى أن قررت الوزارة لعب دور شرطة الانترنت هنا بأسلوب فريد من نوعه.

الهدف الثالث هو بيان حقوق وواجبات العاملين في النشر الإلكتروني، وهي في الحقيقة وظيفة غريبة للغاية لأنها تعني أن تكتب الوزارة توصيفاً رسمياً وظيفياً خاصاً يناسب مئات الآلاف من الأهداف التي تدعو إلى استخدام الفضاء الافتراضي بما فيها إرسال رسائل إلى مجموعات بريدية، كما تفي أيضاً اتفاقات الاستخدام الالكترونية ببيان تعليمات الاستخدام وإلغاء الحاجة لهذا الهدف، وهناك هدف حفظ الحقوق في إنشاء وتسجيل أي شكل من أشكال النشر الإلكتروني وتتكفل به هنا أيضا الشركات والمواقع الإلكترونية التي تقدم تلك الخدمات بلا أي داعٍ لأن تجهد الوزارة نفسها في إعداد عقود ملكية، هذا بالإضافة إلى أن الوزارة لا تملك بداية الفضاء الافتراضي لمنح حقوق الملكية أو الحفاظ عليها بأي شكل، وهناك هدف حفظ حقوق الأشخاص في الدعوى لدى الإدارة المعنية في حال الشكوى وهو أيضاً طلب يمكن تقديمه مباشرة للمسؤولين عن استضافة الموقع الإلكتروني بنجاح كبير والوصول إلى المخالفين بلا أي تراخيص وبواسطة وسائل الرصد الحكومية الخاصة السابق ذكرها. وهناك هدف تذكر فيه الوزارة رغبتها في دعم ورعاية المواقع الإلكترونية والعاملين فيها بتقديم تسهيلات تساعدهم في القيام بعملهم، وهي تبدو لي مهمة إنسانية لكن تقع في نطاق وزارة التربية والتعليم أو وزارة الشؤون الاجتماعية، ومن غير المنطقي أن يصبح هدف الوزارة من إصدار تراخيص استخدام الفضاء الإلكتروني هو طرح أجوبة عن الأسئلة الأكثر شيوعاً لاستخدام الفضاء الإلكتروني أو عمل دورات أو تخصيص خط فني ساخن لدعم الاستخدام، ولأن أياً من هذه الأهداف لا يوضح حاجة حقيقية لطلب ترخيص فهناك بالتأكيد هدف ما أو أهداف غامضة لم تذكرها الوزارة بالتفصيل، ويبدو أن أحداً في الوزارة لا يعتقد بعد بتطور وسائل استخدام النشر الإلكتروني وتجاوز العوائق الرسمية حتى في دول شمولية صارمة مثل الصين التي تفرض عزلاً عاماً لمواقع التواصل الاجتماعي عن قاطنيها كافة في بعض الأحيان. سياسات المنع والتقنين لا تؤدي في الحقيقة سوى لتشجيع استخدام وسائل عبور بديلة بأي طريقة كانت، وخلق قوانين غير منطقية يضمن بالتأكيد عدم اتباعها.

كان يمكن الاكتفاء هنا بوضع ضوابط عامة كما هو حادث الآن للاستخدام وتعقب الشكاوي والمخالفات بما لا يتعارض مع مادة الرقابة الواردة في اللائحة. وقد تفضل عبدالرحمن عبدالعزيز الهزاع من وزارة الإعلام مشكوراً بكتابة مقال توضيحي لمن التبس عليهم الأمر نشر بتاريخ الثلثاء «4 يناير» في صحيفة «عكاظ»، ملخص المقال – على قدر ما فهمت – هو أن اللائحة الجديدة تهدف أولاً إلى فتح التواصل مع الوزارة، وهي ثانياً خريطة طريق، وهي ثالثاً تأكيد لمبدأ مسؤولية الكلمة التي أكد عليها خادم الحرمين الشريفين في خطاب مقتبس لمجلس الشورى، وبما أن الهزاع فسر الماء بعد جهد بالماء، وبما أني كمستخدمة للفضاء الإلكتروني بأشكاله كافة أستطيع تبين طريقي بلا خريطة خاصة مصممة من الوزارة كما الملايين سواي. وبما أنني لم أدرك بعد ما العلاقة بين مسؤولية الكلمة وبين تنصيب مسؤولي الوزارة أنفسهم كمفتشي عبور على مستخدمي الفضاء الإلكتروني، إلا إن افترضنا أنهم أكثر وعياً بمسؤولية الكلمة للترخيص لملايين المستخدمين، فيبقى الهدف المفهوم، كما أوضح الهزاع هو التواصل مع الوزارة، فتواصلوا رعاكم الله.

 

متحدين نقف

لم تكن مبادرة كمبادرة مركز الحوار الوطني حول «القبلية والمناطقية والتصنيفات الفكرية وأثرها على الوحدة الوطنية» لتثير لدي كثير اهتمام من قبل، ربما لأنني من سكان جدة ذات الخليط المميز من الأعراق كافة والأجناس، وحيث مشكلة الطائفية لا تبرز كسبب للاختلاف عادة، لكن زيارة أخيرة قمت بها على إثر دعوة كريمة من سيدات لجنة التواصل الوطني بـ«الشرقية» أثارت لدي أكثر من علامة استفهام، مبادرة تواصل تهدف إلى دعم التعارف المباشر بين أبناء المناطق المختلفة في بلادنا، وهي مبادرة بدأت من ناشطات القطيف حتى تزول الصورة النمطية الخاطئة عن هذه المنطقة لدى جميع أبناء الوطن وبناته، هي مبادرة مختلفة لأنها فرصة فريدة لنلتقي كشعب واحد بعيداً من حواجز المذهبية والمناطقية والمنصب والطبقة الاجتماعية.
طفت مع سيدات من سائر مدن المملكة في مدن القطيف «صفوى وسيهات وتاروت ودارين»، حضرنا شعائر «عاشوراء» وتجولنا في الطرق الموشحة بالسواد والحزن، استمعنا إلى علماء دين ومفكرين ونشطاء ورياديات في العملين الاجتماعي والثقافي، أدركنا وقتها أن من سمع ليس كمن رأى، لمست في بنات وأبناء القطيف خصالاً فريدة لم يكن لي أن أعرفها سوى بلقائي بهم، مجتمع متجانس في وحدته وتاريخه ورسالته، يحمل صوراً متعددة من الريادة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي، يرتفع فيه صوت الوعي والتفكير الموضوعي، ويظهر جلياً في منتوجه الثقافي والفكري والأدبي.
توقفت هنا عند معنى الانتماء والولاء الذي كثيراً ما يختلط في أذهان البعض، ثقافة الشك في ولاء المختلف في انتمائه المذهبي أو العرقي أو الجنسي حتى تضرب بجذورها في أطياف المجتمع كافة، على رغم عدم ثباتها أو تأكيدها على أرض الواقع، الشيعة ساندوا الحكومة قلباً وقالباً في حرب العراق، ولم يقدموا انتماءهم الديني على ولائهم الرسمي للدولة، شخصيات رفيعة من أصول عربية وغير عربية، من بخارى وجاوة وباكستان والعراق ومصر وغيرها، استقرت هنا في المملكة منذ عقود وأنتجت لنا أفضل الخبرات التي تخدم الوطن في القطاعات كافة بلا استثناء، لم يلغ انتماؤهم العرقي المختلف ولاءهم لهذا الوطن، سيدات منحن فرصاً نادرة للتعليم والعمل في قطاعات ذكورية طاردة وأبدعن تماماً في أداء رسالتهن بكل اقتدار، على رغم التهميش العام لأهمية مشاركتهن في الوطن، بعد زيارة القطيف بمدنها وأهلها كتبت تدوينة في موقعي الخاص على الانترنت أهل القطيف ومجتمعهم الفريد والمختلف، أثنيت على إبداعهم وإصرارهم على وطن واحد، على رغم مشاعر التخوّف والشك التي يتعرضون لها، لم أكن أتوقع أن تحوز التدوينة على ردود أفعال بهذه الكثرة وكأني أثرت جرحاً غائراً أسكنه الصمت والتجاهل وأعادته الكلمات للحياة.
تعليقات من سنّة يحذرنني من ممارسات الشيعة ويدعونني لمشاهدة ما خفي علي منها، وتعليقات من الشيعة تهنئني بإنصافي لهم وبمحاولة ردم الهوة التاريخية بينهم وبين الوطن كافة، برز لي وقتها أكثر من أي وقت مضى أهمية مفهوم الانتماء والولاء، وهو كما ذكر المفكر محمد آل محفوظ الولاء الواحد للوطن الذي يجمع تحت لوائه أطيافاً متعددة من الانتماءات المذهبية والمناطقية والعرقية.
لن تجتث كلماتي ولا الخطاب الثالث لمركز الحوار الوطني مشاعر الرفض والانقسام التي يتعامل بها عموم الناس مع المختلفين عنهم ولكنها ستحرك بعض العقول للتفكير في مثل تلك المفاهيم، لا نحتاج أن نكون نسخاً متعددة من بعضنا البعض لنثبت ولاءنا للوطن، لا نحتاج لإثبات أن اختلافنا لا يضر غيرنا وأنه لا يشمل عناصر معادية أو مؤذية للغير، وحدها القوانين تكفل ألا يؤذي أي فرد الآخر في مجتمع مدني متطور.
في المجتمع الحديث لا يمكن محاكمة الأفكار، تُحاكم فقط الأفعال المثبتة، وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية لم يكن الاختلاف سبباً لرفع راية الشقاق والرفض بل كان دائماً التهميش من فئة ضد فئة هو العامل المشترك في قيام الفرقة والشقاق، هذه القاعدة الكونية في احتواء الاختلاف مثبتة منذ القدم، أسردها «إيسوب» في إيجاز بديع في القرن الـ «16»: «متحدين نقف، ومتفرقين نسقط».
تضرب في الوقت الذي تخلق الهوية والانتماء الديني مصدراً كبيراً هنا للانتماء وفرقة وحاجزاً من الشك والحذر من الاقتراب، بادر الناشطون في القطيف بإنشاء لجنة التواصل الوطني لرأب هذا الصدع والخلل، المبادرة معنيّة بدعوة شخصيات من أرجاء الوطن كافة لحضور شعائر «عاشوراء» الخاصة والتجول في المنطقة للاطلاع على تاريخها وعلى إبداع أهلها المميز بهذه المناسبة، شملت الدعوات شخصيات من مطارق الوطن وفئاته كافة، في الدعوة والإعلام والتعليم العالي ومعظم مرافق الدولة.
الحدث الأهم كان الزيارة الكريمة للأميرة عادلة بنت عبدالله، التي كانت أفضل دلالة على ترسيخ الانتماء والولاء لوطن واحد بلا تمييز، وكان لزيارة الشيخ سلمان العودة ولقاؤه بالشيخ حسن الصفار الأثر الأفضل في درء دعاوى الفرقة لاختلاف المذهب.
لن أستطيع أن أؤكد على أهمية وحدة الوطن وتساوي الجميع تحت لواء المواطنة بأفضل من كلمات أبناء القطيف، الشيخ محمد الحبيب، والمفكر محمد آل محفوظ، والدكتور توفيق السيف، الرسالة التي أحب أهل القطيف أن تصل أصداؤها إلى سائر مناطق الوطن عبر شخصياته المختلفة، هي رسالة التعايش السلمي والمزج الواعي بين أطياف الوطن، إنهاء الانكفاء والإقصاء الذي يمارسه أبناء الشيعة بأنفسهم، أو يُمارس ضدهم.
تمنى محدثونا إنهاء الرؤية النمطية للشيعة ككيان مختلف يرتبط انتماؤه الديني بولاءات خارجية، تمنوا أن يتم توضيح الفرق بين الولاء والانتماء، أن الشيعة بانتمائهم إلى مذهب مختلف لا يزالون مواطنين تحت لواء واحد مع السنة وأبناء وبنات هذا الوطن كافة، عبر لجنة تواصل ترددت رسالة التسامح والتعايش والاعتراف بالاختلاف، أهمية أن نصنع نسيجاً متماسكاً وإن اختلفت ألوانه وخاماته، نسيجنا السعودي أقوى وأفضل وأكثر صدقاً وانتماءً وولاءً كلما منحناه حقه في الاختلاف والتعبير، كلما مددنا نحن أيضاً أيادينا لتتصل بأياديهم.