التنمية و أسئلتها الستة

في منظومته الشعرية اللطيفة “طفل الفيل”، يورد كيبلنج مبدأ عاما للتفكير الشامل: أحتفظ بستة أصدقاء أمناء و مخلصين، علموني كل ما اعرفه، أسماءهم ماذا و لماذا و متى و كيف و أين و من؟… أسترجع هذه المقولة كلما قرأت تقريرا رسميا  ما عن الأداء الحكومي هنا، مثل أهداف المملكة الألفية للتنمية و الموضوعة في 2009 بتعاون بين منظمة الأمم المتحدة للتنمية و وزارة التخطيط و الاقتصاد السعودية، و لتوضيح ما أقصده لنأخذ مثالا واحدا من أهداف التقرير، الهدف الثالث من أهداف التننمية الواردة فيه تنص على ترويج مبدأ المساواة بين الجنسين و تمكين النساء، استخدم التقرير معدل التحاق الفتيات بالتعليم في مراحله المختلفة كأساس للمقارنة بين الجنسين، أورد إحصائيات تثبت انخفاض الهوة بين تعليم البنات و الأولاد و خلص إلى تحقيق مبدأ المساواة و أهدافها في الالتحاق بالتعليم، و في نهاية الإحصاء أقر التقرير فجأة بأن هذا الإنجاز التعليمي للنساء لم يواكبه إشراك فعلي للنساء في سوق العمل، و التي لم تراوح نسبة إسهام النساء فيها 11.5% في العام 2008، و ربما يتفاجأ القاريء مثلي بأن أمورا قانونية و مؤسساتية تعيق المساواة بين الجنسين هنا لم يتم ذكرها أبدا، وجد واضعو التقرير مخرجا ذهبيا للخروج من ورطة تفسير الفجوة الهائلة بين نجاح تعليم الفتيات لإعدادهم للمساهمة في التنمية و بين نسبة مشاركتهن الفعلية، أورد التقرير أن السعودية هنا تتشابه  في وضعها مع أوضاع الدول العربية عموما و التي تضعف فيها مشاركة النساء و أن غالبية النساء في سوق العمل يحملن شهادات ثانوية أو أعلى و أن حداثة تعليم الفتيات ربما يفسر عدم ظهورهن -بعد- في سوق العمل بنسبة ملحوظة،  لكن السعوديات يدركن الأسباب الحقيقية لغيابهن (أو إجابة لماذا) و لهذه الفجوة، يدركن أنهن لن يستطعن التنافس بداية بإعدادهن العلمي البسيط غالبا على الوظائف الأكثر نفوذا و تطلبا، و أن الوظائف المتاحة لهن إن وجدت لن تتعدى وظائف بدائية بلا مهارات حقيقية تسمح بالتقدم الوظيفي، آلاف الموظفات في البنوك مثلا و المدرسات في التعليم يمكثن لسنوات طويلة في نفس المكان بلا تطوير لمهاراتهن أو تقدم وظيفي ملحوظ لمستويات صناعة القرار حتى مع تأهيلهن، و هناك القوانين الرسمية التي تعيق مساهمتهن و التي لا توجد في أي دولة عربية سوى هنا، كاشتراط موافقة الولي بداية على التوظيف وتوفر شخص ما للتوصيل، و كاشتراط بيئة عمل لا يشوبها اختلاط مع الرجال بالرغم من نجاح النساء السعوديات في العمل المختلط تحت المظلات الرسمية، شرط مثل هذا يقضي تقريبا على 80% من فرص توظيف النساء في المؤسسات الحكومية العامة و الأهلية و في قطاع التجارة و الصناعة،  و يتيح فقط قلة من الفرص التي تسمح باختلاط  تفرضه طبيعة العمل كالمؤسسات الصحية و البنوك، و ربما نكون الدولة الأكثر اعتمادا على العمالة الأجنبية هنا لسد الحاجة في الوظائف الأكثر شيوعا كنقاط البيع و التوزيع و التي يسهل ببساطة توفير أيدي محلية سعودية لها إن انتفى شرط عدم الاختلاط الرسمي، في معظم الدول العربية و حتى الخليجية المجاورة لا تحتاج التنمية إلى تبرير، تطالعك الوجوه النسائية في مكاتب الجوازات و الشرطة و البيع و التجارة و كل مكان و لا يبقى سؤال “لماذا” مستعصيا على الفهم، و على ذلك لا تبدو المشكلة “عربية” بقدر ماهي “سعودية” في تعاطي قوانين العمل هنا مع توظيف النساء، و حتى لا يأتي من يطرح سؤال لماذا أو أحد الأسئلة الأكثر عمقا من الأمم المتحدة ربما فقد أورد التقرير خطة عمل موضوعة من مجلس الوزراء في العام 2004، و هي خطة جديرة بالتأمل بالفعل، فقد كان على وزارة العمل ووزارة التخطيط و الخدمة المدنية عمل دراسة استقصائية في خلال عام واحد (بحلول 2005) للخروج بكل فرص العمل الممكنة للنساء السعوديات في مختلف الميادين، أما صندوق تنمية الموارد البشرية فكان عليه دعم تدريب و توظيف السعوديات، كما تم توجيه وزارة العمل و التجارة و الصناعة والغرف التجارية لدراسة تمديد إجازات الأمومة للسعوديات كخطوة تساعد في احتفاظ النساء بوظائفهن و لا تؤثر بشكل سلبي على سير العمل، التنسيق لهذه المبادرة كان واقعا على عاتق المجلس الأعلى للغرف التجارية و الذي كان عليه العمل مع القطاع الأهلي على دعم تدريب و توظيف السعوديات، كان على عاتق المؤسسات الحكومية أيضا أن تسهل إجراءات منح التصاريح و التراخيص للنساء –بحسب اللوائح و القوانين المعمول بها- و جميعنا نعلم ما هو معنى العبارة الأخيرة، و كان على الجهات المعنية تخصيص أراض بداخل المدن لإنشاء مدن صناعية للنساء بغض النظر عن مدى خيالية و كلفة مثل هذه التوصية، و كان على وزارة العمل ووزارة الخدمة المدنية و وزارة الشؤون الاجتماعية توفير فرص عمل بواسطة الهواتف للنساء، أما التوصية الأخيرة والأكثرغرابة فكانت موجهة لكل المؤسسات الحكومية المعنية بالتعامل مع النساء بتوفير “أماكن للعمل مقتصرة على النساء فقط” في خلال عام واحد…

بداية يبدو أن وزارة التخطيط غاب عنها التكلفة المادية في صناعة عالم موازي “للنساء فقط” في مختلف ميادين سوق سوق العمل لتشغيلهن و مدى عدم معقولية هذه الفكرة لتحقيق أي أرباح تبرر الاستثمار في العالم الموازي، ككلفة شراء الأراضي و بناء المباني و ترتيبات الأمن و باختصار التكلفة المزدوجة للتنمية التي تتطلبها مثل هذه التوصيات…  ربما كنا بحاجة إلى استعارة عقول عربية لحل مشكلة المرأة السعودية، فمن صنعوا مشكلتنا من السعوديين لن يمكن أن يساهموا في حلها، و الإحصائيات المرصودة بدقة في التقرير تثبت أن كل فرص التعليم المتاحة أفادت النساء و أن الزواج لم يكن عائقا لما نسبته 67% منهن من المشاركة في التنمية ككل، طرح التقرير إجابة وحيدة لسؤال (ماذا) حدث لمشاركة النساء في التنمية في السنوات الأخيرة و غابت الإجابة عن بقية الأسئلة، لم يكن هناك إجابة منطقية و لا ممكنة لأسئلة “لماذا و لا كيف و لا متى و لا أين و لا من”، أتكفل نيابة عن واضعي التقرير بوضع إجابة تقريبية لكل سؤال منهم، لماذا لم تشارك المرأة في التنمية؟ لاشتراط تخصص لا يتوفر تأهيل لها فيه أو وظائف ممنوعة عن المشاركة فيها بسبب الاختلاط أو موافقة الولي أو عدم تمكنها من القيادة، كيف تشارك المرأة في التنمية؟ بإزالة العوائق الأساسية أعلاه، متى تشارك المرأة في التنمية؟ الآن بإتاحة كل الفرص الممكنة و بلا عالم خيالي موازي للنساء، أين تشارك المرأة في التنمية؟ يفضل أن يكون ذلك في بلادها و في كل مجال حصلت على تأهيل أساسي فيه، من المسؤول عن تأخر مشاركة المرأة في التنمية؟ و الجواب هنا معروف للجميع…

 

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s