مونوبولي

كنا 20 شخصاً متطلعين لحضور ورشة عمل مع أستاذة معروفة في العلوم السياسية، توقعنا درساً عميقاً عن تركيب المجتمعات والعلاقات السياسية، محشواً بالمصطلحات الفنية المعقدة، ولكننا فوجئنا بألواح لعبة «المونوبولي» الشهيرة موزعة في القاعة، وبالأستاذة تطلب منا التوزع على مجموعات من أربعة أشخاص لبدء اللعب، اللعبة الشهيرة أخذت اسمها بداية من الكلمة اليونانية «مونوبولي»، وتعني احتكار جهة أو شخص لشيء ما، وبالتالي تحديده لشروط استخدام الشيء كافة من الآخرين بلا منافس أو بديل، نشأت اللعبة بداية بواسطة سيدة متدينة قديماً لتعليم الناس كيفية التعاطي مع الأنظمة المالية والضرائب، في اللعبة الحديثة يتم توزيع مبلغ متساوٍ من المال على اللاعبين، ويُلقى «النرد» بالتناوب ليحدد عدد مرات تحرك كل لاعب على لوحة اللعبة، وهي مربع مرسوم على محيطه عدد من الممتلكات، كالفنادق والمنازل والمنتجعات مختلفة القيمة، وبحسب إدارة كل شخص لأمواله يمكن له شراء أي منشأة على لوحة اللعب بحسب حظه في رمية النرد وذكائه في اختيار المنشأة الأكثر قيمة، يتقاضى بعد ذلك مالك كل منشأة مبلغاً من المال يتناسب مع المنشأة وقيمتها كلما مرّ فوقها أحد اللاعبين أو توقف عليها، يمر اللاعبون أيضاً بالسجن ويضطرون أحياناً للتوقف في مناطق تشانس أو فرصة، إذ يتم سحب بطاقة تحدد غرامة ما كالحبس أو الدفع أو التوقف عن اللعب لدور أو أكثر، وقد تمنح الفرصة اللاعب مكسباً ما مفاجئ، تنتهي اللعبة بانتهاء أموال المشاركين تدريجياً، أو بفوز الرابح الأكبر في مدة زمنية محددة، في لعبتنا الصفيّة توزعت الأموال بداية بيننا بالتساوي، ولكننا انتهينا بعد نصف ساعة وقد أصبحت الأموال في معظمها مع من أدار بذكاء ممتلكاته واختياراته.

النصف ساعة الثانية حكمتنا فيها قوانين مختلفة للعب، بدأنا هنا مختلفين، رمينا «النرد» ليصبح كل واحد منا، بحسب الحظ، منتمياً إلى واحدة من أربع طبقات اجتماعية، هناك الحكام، الطبقة العليا من أصحاب رؤوس الأموال، الطبقة الوسطى من الموظفين، والطبقة الكادحة من العمال، وبالتالي كانت هناك امتيازات من البداية لكل طبقة، وأحكام مختلفة لحصص التملك المسموحة، وللغرامات المفروضة، إن كنت من طبقة الموظفين أو العمال فأنت تملك بداية مبالغ أقل لتتملك أي شيء، وأنت بالتالي غير قادر على شراء أي شيء ذي قيمة ليضمن عائداً ما كريماً لك، ومن كل الممتلكات الممكن شراؤها لا يسمح للطبقات الدنيا سوى بتملك منشآت محدودة لا تدر العائد نفسه كما الممتلكات المتاحة للطبقات العليا، أنت أيضاً محكوم بقوانين مختلفة فلن تخرج من السجن إن دخلت فيه بسرعة خروج الطبقات الأعلى نفسها، ولن تستطيع دفع الغرامة التي تتجاوز أموالك الضئيلة بداية، تعكس الامتيازات الممنوحة للطبقات هنا تأثير الطبقة الاجتماعية في تيسير الفرص الاقتصادية والعلاقات وسن القوانين وتنفيذها للمنتمين لها.

نتيجة الجولة الثانية بالطبع كانت في استحواذ الطبقات العليا على الربح التام، ظفروا بالمنشآت الأفضل بلا أي جهد، سطوا على الأموال القليلة للطبقات الدنيا قبل أن يتاح لهم تملك أي شيء على رداءته، ببساطة انتهت اللعبة بالمزيد من الأموال والامتيازات لمن يملكها أصلاً، وبالمزيد من الفقر لمن يملك القليل، الأسوأ أن عدداً من اللاعبين في الطبقات الدنيا لم يستطع الانسحاب من اللعبة وإعلان إفلاسه أو خسارته لأنه كان محتجزاً في السجن بلا أموال متوفرة لإخراجه، الدرس بالطبع كان عن صعوبة التحرّك الاجتماعي بين الطبقات، المجتمعات الرأسمالية والمحكومة من الأعلى إلى الأسفل تعني أن تحديد القوانين والامتيازات هي مهمة الطبقات الأعلى فقط، يعني ذلك أن ضمان بقاء الأفراد في الطبقات على اختلافها محكوم ومحدد مسبقاً.

في النهاية عبّرت سيدة عن صدمتها في «الاكتشاف» بأنها لا تتحمل أن تكون من طبقة العمال، تقول إن الخسارة وحدها لم تهمها بقدر اكتشافها لوجه مختلف لزملائها في اللعبة، وجه قاسٍ وأناني لم تتوقعه، اجتاحت نشوة الانتصار والتملك اللاعبين من الحكام وأصحاب رؤوس الأموال، وتعاونا معاً في إصرار وتحالف ناجح لاجتياح المنشآت الرخيصة أولاً لعلمهما بأن الموظفين والعمال لن يستطيعا شراء سواها، وتألمت لأن أحداً من الطبقات العليا لم يسهم في إخراجها من السجن عندما احتجزت فيه، على رغم قدرتهما على تطويع القوانين.

كانت التجربة حقيقية وقاسية تقمّص فيها اللاعبون الأدوار الحقيقية للحكام وأصحاب رؤوس الأموال، ظهرت شخصيات مختفية خلف قناع الزمالة واللطف، وتغلبت غرائز أساسية كحب التملك والانتصار على الإيثار والتضحية للمصلحة العامة، تماماً كالصورة الحقيقية في العالم اليوم، العالم الذي يمتلك فيه 5 في المئة من سكانه 90 في المئة من الموارد، ويرزح الغالبية منه تحت حكم الأقلية في طبقات اجتماعية لا يفارقوها كسجن كبير.

كان من المفزع لي أن أشاهد الغضب والتأثر في عيون اللاعبين من العمال والموظفين وهم مشحونون بالسلبية تجاه الحكام والملاك، موجات من السخط والثورة توالت بعد نهاية اللعبة… لكن كانت هناك مجموعة واحدة منحتني الأمل، كنت ألعب طبقة العمال في مجموعتي وحظيت بتحالف فريد، اتفق اللاعبون من الحكام وأصحاب رؤوس الأموال على التحالف لدعمي ودعم لاعب الموظفين، واستطاع كلانا، على رغم بداياتنا المتواضعة، أن نتملك شيئاً ما، استطعنا أن نتجاوز السجن بعفو خاص، لم تنتهِ أموالنا بنهاية اللعبة، كنا المجموعة الوحيدة التي لم يشبها الغضب والثورة والتمزق، كنا صورة مختلفة عن الجميع في نهاية اللعبة… كنا كلنا رابحين.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s