لماذا يحتاج العالم لويكيليكس؟


في “حصار مكة” يسرد المؤلف ياروسلاف تروفيموف قصة حصار جهيمان العتيبي للحرم في مكة في شكل روائي مثير حمل كتابه إلى مصاف العالمية، و للحصول على القصة الكاملة لهذا الحدث أمضى الكاتب وقتا طويلا لجمع ثلاثين تقريرا استخباراتيا و إعلاميا من عدد من السفارات ووكالات الإعلام العالمية، و أجرى عددا لا يحصى من اللقاءات مع المعنيين بالحدث وقتها، رجال المباحث و الشرطة و وجهاء الدولة و الإعلاميين، حتى خرج بحصيلة لم تتوفر من قبل للعامة عن دقائق الحادثة التي تركت أثرا عميقا على مجريات الواقع السعودي الحديث، و بالرغم من ذلك خرج الكتاب الذي ربح العديد من الجوائز بعدد من التكهنات التي لم يمكن معها معرفة الحقيقة الكاملة، مثل لماذا اختار السعوديين فرنسا أخيرا و ليس أي دولة أخرى للمساعدة؟ ضمن غيرها من التكهنات، تساءلت بعد قراءة هذا الكتاب إن كان التعاطي مع الإعلام وقتها بشفافية مع أحداث الحصار أفضل في ترك الكلمة الأخيرة لنا بدلا من تأويل جهات أخرى قد لا تحمل نفس القيم ولا المصالح؟… عادت لي قصة كتاب “حصار مكة” على خلفية تسريب المراسلات الأمريكية مع الحكومات العربية مؤخرا، كانت هناك حقيقة تفرض نفسها في قصة التسريبات، فالشفافية هي الخيار الأفضل أمام المسؤولين ردءا للحرج و لفقد المصداقية، و حتى في اختفاء مصادر يعوّل عليها للمعلومات الدقيقة بلا تعديل ولا تحريف كالويكيليكس فالقراءة السياسية الموضوعية هي البديل الأكثر وضوحا، شخص باجتهاد كاتب حصار مكة قدم رؤية مشابهة للحدث نفسه تقريبا، و بالتالي فالمعلومات بأنواعها و على الأخص تلك التي تثير اهتمام الناس لن تبق طويلا تحت غطاء السرية حتى في غياب ويكليكس، وهو ما أبرزه مقال ديفيد روثكوف المنشور مؤخرا في الأوبينينوتير التابعة لنيويورك تايمز، قلّل في مقاله من أهمية ما نشر مؤخرا و ذكر أن التحليل السياسي العام حتى قبل ظهور الوثائق للعلن يكشف بأن من يقومون على إدارة العالم هم بالضبط كما اعتقدناهم، فيما يخصنا هنا كان الخطر الإيراني الأكثر تداولا سياسيا في تاريخنا الحديث، و بالرغم من تفضيل الإدارة الأمريكية للجوء للمفاوضات و الخيارات الدبلوماسية للتعامل معه و على الأخص بعد كوارث المنطقة في العراق و اليمن إلا أن حيازة إيران للقوة النووية ربما كان دافعا وراء التصريحات، القراءات السياسية المتعددة لصفقة الأسلحة السعودية الأمريكية الضخمة ذكرت احتمالا في هذا الاتجاه، أما ما الذي يمكن الخروج به بعد الضجة الهائلة التابعة للنشر فهو أهمية التعاطي بشفافية مع الإعلام، موجات الرفض و التكذيب الرسمية التي تبعت نشر الوثائق لم تعد سياسات مجدية للتعاطي مع الإعلام، تقنيات الإعلام الجديد تعني أن لاشيء يمكن حجبه و أن أفضل سياسة للتعاطي مع الناس هي احترام عقولهم أو الصمت، مبدأ حرية الحصول على المعلومات مضمون في دساتير أكثر من 85 دولة حول العالم، و لا يعني ذلك أن هذه الدول تمارس شفافية مطلقة في التعاطي مع شعوبها، لكنه يعني حق أي مواطن في الحصول على اي وثيقة حكومية رسمية بلا تبرير لطلبه بينما تتم مطالبة الحكومة بتبرير إخفاء أي معلومة، بالطبع فهكذا قوانين لا يمكن ان توضع أو تطبق إلا في دول تشيع فيها سيادة القانون فوق الجميع و تحترم فيها حقوق المواطنين بلا تمييز ولا استثناء لأنهم من يدير الدولة و سياساتها، و حول ما يثار حاليا عن خطورة تسريب الوثائق الرسمية فأعود لمقابلة مؤسسة تيد العالمية مع جوليان اسانج العقل المدبر خلف ويكيليكس في الصيف الماضي، صرح أسانج بأن للشعوب حق معرفة الحقائق و أن مهمة الصحافة على مر التاريخ كانت تسليط الضوء على كل ما تحاول الحكومات و المنظمات الرسمية إخفاءه و كل ما تبذل في سبيل إخفائه الجهد و المال، و حول تساؤل المحاور عن مدى الضرر الذي قد يلحق بجندي أمريكي مثلا بعد نشر ما يدين الأمريكيين في حروبهم بالشرق الأوسط؟ حيث سيراه العالم مجردا من أي إنسانية أو تقدير لحياة غيره؟ رد أسانج قائلا بأن المعنيين بالحرب في العراق و أفغانستان يعلموا بمشاهداتهم الحية على أرض الواقع كل ما تحاول ويكيليكس كشفه، و أن المعلومات المسرّبة هنا ليست موجهة لهؤلاء العالمين بكل مجريات الأمور عن طريق معايشتها شخصيا في مواقع الحدث، بل موجهة لمن يجهلها و تبقيه وسائل الإعلام الرسمية جاهلا بها حتى يعرف الحقيقة و يتصرف بناء عليها، دور الإعلام لم يكن يوما صناعة الانطباع العام عن أي شخص أو سياسة ما أو حماية الأمن بل فقط عرض المعلومات كيفما كانت، المسؤولية الفعلية عن ردود الأفعال الشعبية تعود على من يقرر بداية هذه الأفعال وليس على من اختار أن ينشرها


 

3 Responses to لماذا يحتاج العالم لويكيليكس؟

  1. Hala قال:

    لم يتم نشر هذا المقال

  2. Saad Al Dosari قال:

    عزيزتي هالة … على الرغم من إشارات وخطابات الحرية التي أعقبت تسريبات الويكيليكس فإن أحد الدروس التي ربما لم نناقشها كثيراً هو أن الحرية قد تكون ذات ثمن باهظ وبالأخص في السياسة!! في عالم تحكمه المصالح وتتضارب فيه النوايا تبدو الشفافية السياسية عبثاً لا يليق إلا بالمدينة الفاضلة! وربما لا يناسب أجوائنا السياسية إلا مبدأ ميكافيللي في أن الغايات قد تبرر الوسائل. فليس كل ما يعرف يقال … وليست كل الأسرار خطط ودسائس تحاك في الظلام ضد الشعوب!

    آقول هذا و أنا من مناصري الحرية … ولكن الحرية كغيرها في هذه الحياة … ليست مطلقة!

    أما الجانب المظلم من الحكاية … فهو أن كل هذه الضجة تبدو لي كلعبة استخباراتية كبرى … فمهما بدا هذا الفتى “آسانج” في ثياب البطل مرتدياً قبعة روبن هود ومناصراً للحق والضعفاء … يحمل سيفه الأسطوري في الخفاء ويحارب قوى الشر المتمثلة في أكبر دول العالم … فإن الوضع يبدو لي أكثر شبهاً بأفلام الخيال العلمي منه إلى واقع معاش!

    لا أقول بأن ليس هناك دروس من الواجب استخلاصها من كل الحكاية … على العكس … فبعض الحقائق من الأفضل أن تكشف وبعضها من الأفضل أن يبقى ضمن أوراق المفاوضات والمصالح المشتركة! آوليس العالم وسياساته كرقعة الشطرنج التي من الأفضل أن نحتفظ فيها ببعض القطع واستراتيجيات الحركة في طي الكتمان حتى اللحظات الأخيرة؟

    مازلت أرى العالم بعد ويكيليكس هو نفسه العالم من قبلها … متمنياً ألا تكون تسريباتها سبباً في الإسراع في وقوع مصائب كان يمكن تداركها وهي في طي الكتمان!

    سعد

    • Hala قال:

      سعد دعني أحكي لك قصة حقيقية:
      اعتدنا في العمل أن نصدر تقريرا عن أداء قسمنا كل شهر و كل عام، في هذا التقرير اعتدنا أن نسرد فيه كل مايخص العمل و أهم جزء كانت الأخطاء التي تمت و كيفية حدوثها و الخطوات المأخوذة لتلافيها في المستقبل، أو بمعنى أفضل تقرير الجودة، في اجتماع مع رئيس الأقسام طلب منا أن نقدم هذا التقرير لكل المستشفى كضمان على أننا سنتعامل مع الوارد فيه بشيء من الجدية، حيث سيحاسبنا الآن ليس المسؤولين عن توقيع التقرير من الإداريين الغير عالمين بتفاصيل الموضوع بل الأطباء و الممرضات و الفنيين ممن يتعاملون مع خدماتنا
      لك الآن أن تتخيل كيف أرعبتني الفكرة وقتها، لم أستطع أن أستوعب أن يصبح التقرير مكشوفا و منشورا للعلن، أن يقرأ الأطباء عن أخطائنا و قصورنا في الأداء و أن يعلموا ما أعددناه لتجاوز هذه الخطوات و لا أستطيع أن أضمن لهم أن خطة التجاوز هذه ستتحقق أو أن الخطأ نفسه لن يتكرر ببساطة لأن الأخطاء واردة لكل الأسباب و لأننا لا نحب أن يطلع أي شخص على قصورنا بلا داع، ثم بعد تفكير أدركت أن رئيس الأقسام محق تماما، بالفعل من المفترض أن نكون في خدمة الأطباء و العاملين و من المفترض أن تتاح للجميع مراقبة أداءنا بلا تجميل و لا تبرير و لا إخفاء لبعض الحقيقة و إبراز البعض الآخر، هذه مسؤوليتنا تجاه العمل، و ما كان يخيفني حقيقة هو سوء الفهم و التعاطي مع هذه الشفافية في التعامل، أن يتخذها أحدهم ذريعة ليثبت قصورنا أو خطأنا فتختفي آلاف العمليات الناجحة بسبب بعض الأخطاء
      و رغم موافقتي على النشر إلا أن بقية الأقسام رفض رؤساءها تماما مسألة الشفافية
      الجمهور يحب أن يعتقد أننا بلا أخطاء و أننا ندرك تماما كيف نؤدي أعمالنا بلا أي مساءلة فلا نفقد الثقة و يستمرون هم في أعمالهم مطمئنين
      هل تدرك الآن مدى التشابه بين وضعنا ذاك و بين كشف الوثائق السياسية للعامة؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s