التنوّع و الكروت المشوّشة

من بين كل المحاضرات وورش العمل والدورات التي حضرتها لم أتوقف يوماً عند شيء أكثر أهمية ولا إنسانية من دورة «التنوع»، وهي دورة مجانية قدمتها الجامعة الأميركية، إذ أدرس لمنتسبيها كمساهمة في خلق مجتمع متعايش على رغم اختلافه، إذ تضم الجامعة أطيافاً من عشرات الملل والدول والفئات، بدأت فكرة الدورة بعد حضور أحد منسوبي الجامعة لدورة مماثلة تنظمها شركة مستقلة للاستشارات لأعضاء الشركات والمنظمات الكبرى التي تحوي اختلافاً كبيراً بين موظفيها وتخدم عملاءً من خلفيات متباينة.

كان الهدف خلق بيئات عمل تحترم التنوع بين البشر وتشجع التعاطي معه، تأثر موظف الجامعة بفكرة الدورة وبمقدار ما تبذله الشركات الكبرى من وقت وجهد في تنبيه موظفيها إلى التنوع وإلى أهمية احتوائه واحترامه، وقرر نقل التجربة إلى رحاب الجامعة إسهاماً منه في إعداد الطلاب قبل تخرجهم ومواجهة بيئات العمل المتنوعة، الجلسة الأولى كانت عاصفة شملت المتقدمين والمتقدمات من خلفيات فكرية وثقافية شديدة التباين. كان هناك نقاش ساخن حول مفاهيم التعايش وفرض القوانين المناسبة للتعامل بين الناس على اختلافهم، ظهرت مفاهيم مختلفة بين الطلاب للصواب والخطأ ومعنى الاختلاف، وتنازع الجميع في إثبات صحة معتقده ورأيه، مفهوم التنوع والتباين كان أيضاً مفاجأة للكثيرين، المفهوم الأكثر وضوحاً هو التنوع المبني على الجنس والدين والمذهب والانتماء العرقي، ظهرت أطياف أخرى للمفهوم، هناك التنوع في القدرات الشخصية ما يخلق أفراداً متباينين في القدرات ومهارات التفكير بناء على اختلافهم النفسي والجسدي.

التعليم العام مثلاً يدعم مهارات التعلم التحليلية واللغوية ولا يقدم الدعم الكافي لأصحاب المهارات الحركية والنظرية والسمعية بالقدر نفسه، وبحسب تصنيف حديث لمهارات الذكاء إلى تسعة أصناف، فكل فرد يحمل بالضرورة تميزاً في بعضها وضعفاً في البعض الآخر، ما يفسر سبب فشل الكثيرين في التعليم الرسمي وتميزهم في مهارات أخرى خارجه، لشرح هذا التنوع في البشر قدمت لنا المحاضرة «كروتاً» مشوشة الأحرف وطلبت من أحدنا قراءتها فلما فشل انتابها الغضب وأشارت إلى زميل له ليقرأ ما هو مكتوب بصورة صحيحة في كارت آخر، تعرض زميلنا إلى التمييز والتحقير من المحاضرة وشعوره بالإهانة نفسها التي يشعر بها آلاف الأطفال المصابين بصعوبات التعلم الذي لا يلتفت له كثيراً نتيجة لأن أسلوب التعليم الرسمي كان صادماً، يقضي هؤلاء الأطفال الوقت في صراع بين الضغط على أنفسهم لتعلم المطلوب منهم ما يخالف قدراتهم ومداراة ضعفهم في التعلم حتى مرحلة التسرب من المدارس، وهناك التنوع المبني على القدرة الجسدية.

كانت مفاجأة للكثيرين أن قانون الإعاقة الأميركي لم يتم تبنيه بصفة رسمية في الكونغرس الأميركي سوى في منتصف التسعينات، ونتيجة لجهود رائعة من جندي أعاقته قذيفة ما في حرب فيتنام، مطالب الجندي البسيطة في منح تسهيلات للمعوقين حركياً في المرافق لتسهيل إشراكهم في الحياة العامة أحدثت نقلة نوعية في مفهوم الإعاقة ومعالم الحياة المتاحة للمعوقين حركياً بعد إصابتهم، بسبب القانون تلزم جهات التوظيف الآن بعدم التمييز بين المتقدمين بناءً على الإعاقة ويتم تجهيز مداخل خاصة ومواقف سيارات قريبة من معظم المرافق قبل الترخيص لها، ولا يقتصر الأمر على الإعاقة الحركية فقط، بل يمتد تعريف الإعاقة ليشمل المصابين بالأمراض المزمنة وإعاقات الحواس الأخرى كالسمع والنطق والرؤية.

بسبب قانون الإعاقات الرسمي لم تعد حياة المعوق محدودة بإعاقته بل منحته آفاقاً تجعل التغيير في حياته من أثر الإعاقة شبه محدود ولا تعطله كعضو منتج في المجتمع، التنوع المبني على الجنس كان مفاجأة للكثيرين، على رغم الاختلاف البيولوجي إلا أن التنشئة المبنية على وضع تصورات مسبقة لأدوار كل من الجنسين في الحياة العامة تؤثر كثيراً على كل منهما، ضريت المحاضرة مثالاً لنمط تربية الرجل على عدم التعبير عن مشاعره واعتبار التصريح بألمه أو عدم معرفته نقصاً في رجولته وكم يؤثر ذلك على تقديمه بصورة حقيقية لمن حوله. كما ضربت مثالاً لنساء وضعن في اختيار حاد بين أمومتهن وعطائهن العملي بلا أي روافد تمنح المرأة دعماً لأداء أدوارها المتعددة والمتجددة في المجتمع، يؤدي ذلك إلى نقص وجود المرأة في الوظائف القيادية أو تضحيتها بحياتها الخاصة في سبيل عملها العام، ويخلق مجتمعاً ذكورياً يقرر بالنيابة عنها كل ما يخدم فهمه ونظرته ومصالحه في المجتمع.

التنوع العرقي كان في أميركا بالذات مجالاً كبيراً للصراع والانتهاكات، ليس فقط بين البيض والسود ولكن بين الأعراق المختلفة كافة كالمعاملة مع السكان الأصليين من الهنود الحمر وإجبارهم على التخلي عن ثقافتهم الخاصة للاندماج في المجتمع الأبيض الجديد وكالمعاملة مع المهاجرين اليابانيين بعد الحرب مع اليابان بعزلهم في معسكرات اعتقال وتجريدهم من ممتلكاتهم خوفاً من ردود أفعالهم على ضرب أميركا النووي، الحركات المدنية التي تطالب ولا تزال بحقوق الملونين في أميركا كسبت الكثير ولكن التمييز بناء على العرق لا يزال لصيقاً بالثقافة والممارسات الشعبية وإن أسهمت القوانين في تحجيمه وتجريمه، التنوع يخلق ثراء إنسانياً بالضرورة، يحول النمط المتفق عليه والروتيني إلى نمط متجدد بالأفكار والثقافات ويحرك ركود الفكر والمجتمع، في بوتقة واحدة يعيش في المجتمعات الحديثة المهاجرين والمختلفين وأصحاب الملل على اختلافها ويمارس كل منهم علناً اختلافه العقائدي والشخصي بلا أي صراع حقيقي.

نحتاج لاختلاف الأفراد لفهم أفضل لواقعنا وحقيقتنا ولتطوير معرفتنا بالحياة، يشبه التنوع في أهميته لنا قصة الفيل في غرفة مظلمة وقد أحاط به مجموعة من الأشخاص وسئل كلٌّ منهم أن يصف ما تلمسه يداه، فوصف كل شخص منهم جزء من الحقيقة، إن جمعتها عرفت حقيقة الفيل الكاملة، وإن وضعتهم جميعاً أمام المنطقة نفسها أو إن لم يلتق أي منهم مع الآخر ولم يتحاوروا حول ما وجدوه لبقيت معرفتهم ناقصة لا يصلوا بها إلى حقيقة الفيل، نحتاج إلى احتواء تنوعنا العقلي والمذهبي والمناطقي والعرقي والعمري والجنسي، نحتاج جميعاً إلى أن نعرف حقيقة الفيل في الغرفة.

 

Advertisements

شركاء في الوطن

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

في يومين فريدين زال حاجزا وهميا يفصل بيني و بين الوطن، كنت أجلس للمرة الأولى بين سيدات شيعيات غائبات عن بقية الوطن، كن يحملن ملامحي و  يتحدثن لغتي و يأسرنني بلطفهن و بساطتهن، أجلس بينهن في مسجد الرسول الأعظم في ليلة عاشوراء، أحيي القادمات معهن: مأجورة، و أردد خلفهن: مثابة، أحتضن البعض و أقبل رأس البعض تماما كما أفعل مع غيرهن في مجلس حجازي أو نجدي، أستمع معهن إلى  صوت الشيخ فوزي السيف ينشد سيرة كربلاء، يتوقف مرارا بين كل مشهد صوتي: واااااااحسيناااااااه، و يتردد صدى ندائه في عشرات الأصوات الحية حوله، أشعر بقوتها في قلبي، تصل الكلمات إلى الذروة في مقتل الحسين و يصل المجلس إلى قمة حزنه، تقف بعض الحاضرات  و يسدلن  أغطيتهن على وجوههن، يتعالى النواح و أشعر بالحزن متجسدا و شريكا لنا في مجلسنا، نعيش كل التفاصيل الحزينة في ولاء حي متجدد يمتد منذ مئات السنين، تخفت المشاعر مع الوقت و أقف أمام المسجد الذي يحل عليه هدوء ثقيل بعد عاصفة الحزن، تتقبل مضيفاتي بسعة صدر و طيبة تشبثي بتصوير المكان و يمنحنني عرضا بدخول قاعة الرجال لأخذ لقطة أفضل، لكنني أتراجع احتراما لهم، يجري نحونا شخصين من الرجال يعرفني أحدهم بإسمي و يبتسم في سعادة و هو يحكي لي عن قراءته لمقالاتي، يتلبسني التعجب -كالعادة- من كلماتي التي تعبر الحدود، تخرجني ابتساماتهما و ترحيبهما من جو الحزن الثقيل، أفيق على تأكيد مرافقاتي أن الشعائر تهدف لتأصيل الصراع الذي تمثله مأساة كربلاء بين الحق و الباطل، و ان الحسين رمزا أبديا لثورة الحق على الظلم، تتأكد لي كلمة إيمان فلاتة رفيقتي في الرحلة: القطيف هي العاصمة الحقوقية للملكة، بها أنشط العاملين في الحقوق و أكثرهم وعيا، هل منحتهم سيرة الحسين المكونات الأساسية لحمل هذا الدور؟….

أجواء العزاء تشمل المدينة و تلفها بالسواد و يسير أهلها لإحياء العزاء جماعات و افرادا، لا يوجد صخب بعد تبني الناشطين لمبادرة التبرع بالدم السلمية بديلا لمظاهر العنف، سيارات الشرطة و أفرادها يقفون أيضا حول مفارق المدينة، لا يخيفون بتواجدهم الثقيل الناس بل يتضاحكون معهم بنفس الروح المتسامحة وهم يحاولون المرور من بين السدود

إحياء الماضي ليس دائما سلبيا، في إعجاب و انبهار شاهدت تظاهرة خطابية و فنية و إبداعية حافلة للتعبير يندر أن نلاحظ مثلها في مكان آخر بالمملكة حتى في الجنادرية، حول وقائع كربلاء يرسم فنانو القطيف بريشتهم و ألوانهم لوحات بديعة و يقيموا مجسدات المعركة و أحداث اليوم، يجد الخطباء و الشعراء مادة خصبة للإلهام، هل هو غريب إذن هذا الكم من الأدباء هنا و خطباء الذاكرة؟تقودهم عاطفة جياشة و لغة شعرية بديعة بلا ورقة أو قلم؟ حتى المسرحيين وجدوا في الملحمة مادة ثرية لإبداعهم، توقفت عند شاب وضع مهره لإنتاج عملا وثائقيا مغامرا في بادرة لا تصدر سوى عن عاشق للمسرح و لرسالة مجتمعه، يقف الفنان أمام لوحته مصورا سبي بنات الرسول بعد المعركة في قافلة تعبر رمال الصحراء نحو الشمس، تشمل عين ما القافلة، المعنى: تخليد الصراع بين الحق و الباطل و النور الذي ينتظر من يرفع الراية في نهاية الطريق تحت عين الحق

أجلس إلى يمين الشيخ محمد حسن الحبيب في بيته البسيط النظيف وهو يشير لابنته بتقديم الضيافة لنا في إصرار، يحكي بصوته الهاديء اللطيف عن مكانة الحسين المشتركة و الحاجة لتجاوز الاختلافات و الالتقاء، يدعو لنا في جلسته اللطيفة المتسامحة و هو يشير إلى أصل الخلاف في التاريخ و عدم منطقية استمراره في الوقت الحالي، ذهولي من بساطة و قرب و منطق الشيخ السليم لم يتبدد حين جلست إلى الشيخ محمد المحفوظ بطلي الخاص بين كل من قابلت، أحببت منطقه في الترفع عن سرد الجوانب الدينية و تبرير الاختلافات بين السنة و الشيعة و أحببت قراءته الاجتماعية الدقيقة لواقع مجتمعه و إصراره الجميل للغاية على مفهوم المواطنة المتساوية، أوضح بكلمات مباشرة و بسيطة الفرق بين الولاء للدولة و الانتماء لمذهب أو معتقد مغاير، لا ينفي الاختلاف في الانتماء ولاء الشيعة للوطن، لا بد أنه لاحظ إعجابي لأنه أكد لي بابتسامة أنه سيتواصل معي على هاتفه و بريده الإلكتروني المدون لدي بكل حرص:)

مفكري الشيعة مذهلين بوعيهم، ربما ساهمت في تشكيل وعيهم العالي بالحقوق ثقافة الإقصاء و التهميش التي عانوا منها على مدار السنين، ربما كان سعيهم الدائم لإحياء العزاء سببا في إبداعهم المتجدد و احتضانهم له، و الرغبة في إبقاء تاريخهم حيا بشتى الوسائل، نسيجهم المتجانس صنع حالة فريدة من التكافل الاجتماعي يندر أن نشاهدها بيننا، مبادراتهم المدنية مذهلة و لا تتفاوت كثيرا طبقاتهم الاجتماعية، كم نحرم أنفسنا من هذا العطاء الواعي بتحيزنا ضدهم، لا احتاج سوى للتأمل في مشايخهم لأدرك رقي الحوزة الدينية التي صنعت أمثال هؤلاء،  القطيف بمدنها المختلفة صفوى و سيهات و تاروت و دارين تحمل عبق التاريخ و جمال ملاحمه و تحوي شريان الوطن الذي منح أرامكو ثروتها البشرية، القطيف ليست مجرد ملف أمني أمام السلطة و ليست شعبا مختلفا يسكن حدودا مغلقة بين جوانبنا، تهميش الشيعة يعني إضفاء الشرعية على التمييز و الفرقة، لا تنام الفتنة بعزلها و إقصائها

و تجريمها، بل تصحو و تستعر

يستحق أهل القطيف لوعيهم و جدارتهم و كفاءتهم أن يكونوا شركاء في الوطن، يستحقون أن يمنحوا الحق في الوصول لأعلى المناصب، أن لا تحرم النساء من الترقّي لمناصب المشرفات و الموجهات التربوية أن لا يحرم الرجال في مدينتهم من رئاسة البلدية و المؤسسات الحكومية، أن يحصلوا على فندق لمنطقتهم و على مدارس أهلية ابتدائية لبناتهم، أن يمنحوا الحق في المناصب الحكومية العليا كافة

ففي النهاية لا يلزم المذهب الشيعي أتباعه بالخروج على الحاكم إن لم يكن مسلما و ليس فقط من نفس الملّة كما تنص المذاهب السنية

الشيعة يستحقون إعادة الاعتبار و المواطنة الكاملة، و على عاتق هذا الوطن أن يلم شتاته و يزيل معايير القبول الصارمة في نسيجه الاجتماعي

القطيف مدت يدها لبنات و أبناء الوطن في مبادرة تواصل، منحتنا خلالها نكهة فريدة لتذوق ثقافة جميلة و مثيرة للتأمل، منحتنا فرصة للقاء رائعات و رائعون، أشكر هنا فوزية الهاني بعطائها الشبيه بأمومتها الفيّاضة و مريم و سعاد من مركز الأسرة و مكتب الشيخ الصفار لإحاطتهن لنا بالرعاية و الاهتمام و الضيافة و محمد الخياط لمتابعته و كرمه و أستاذي الكريم الملهم دوما جعفر الشايب لكل ما يمثله لنا، أشكر أيضا المهندس نبيه من المجلس البلدي لدعمه لمشاركة النساء في الترشيح و الانتخابات البلدية، و كل من قابلناه من كبار و صغار، تحية و اعتزاز بالقطيف و أهلها

 

التنمية و أسئلتها الستة

في منظومته الشعرية اللطيفة “طفل الفيل”، يورد كيبلنج مبدأ عاما للتفكير الشامل: أحتفظ بستة أصدقاء أمناء و مخلصين، علموني كل ما اعرفه، أسماءهم ماذا و لماذا و متى و كيف و أين و من؟… أسترجع هذه المقولة كلما قرأت تقريرا رسميا  ما عن الأداء الحكومي هنا، مثل أهداف المملكة الألفية للتنمية و الموضوعة في 2009 بتعاون بين منظمة الأمم المتحدة للتنمية و وزارة التخطيط و الاقتصاد السعودية، و لتوضيح ما أقصده لنأخذ مثالا واحدا من أهداف التقرير، الهدف الثالث من أهداف التننمية الواردة فيه تنص على ترويج مبدأ المساواة بين الجنسين و تمكين النساء، استخدم التقرير معدل التحاق الفتيات بالتعليم في مراحله المختلفة كأساس للمقارنة بين الجنسين، أورد إحصائيات تثبت انخفاض الهوة بين تعليم البنات و الأولاد و خلص إلى تحقيق مبدأ المساواة و أهدافها في الالتحاق بالتعليم، و في نهاية الإحصاء أقر التقرير فجأة بأن هذا الإنجاز التعليمي للنساء لم يواكبه إشراك فعلي للنساء في سوق العمل، و التي لم تراوح نسبة إسهام النساء فيها 11.5% في العام 2008، و ربما يتفاجأ القاريء مثلي بأن أمورا قانونية و مؤسساتية تعيق المساواة بين الجنسين هنا لم يتم ذكرها أبدا، وجد واضعو التقرير مخرجا ذهبيا للخروج من ورطة تفسير الفجوة الهائلة بين نجاح تعليم الفتيات لإعدادهم للمساهمة في التنمية و بين نسبة مشاركتهن الفعلية، أورد التقرير أن السعودية هنا تتشابه  في وضعها مع أوضاع الدول العربية عموما و التي تضعف فيها مشاركة النساء و أن غالبية النساء في سوق العمل يحملن شهادات ثانوية أو أعلى و أن حداثة تعليم الفتيات ربما يفسر عدم ظهورهن -بعد- في سوق العمل بنسبة ملحوظة،  لكن السعوديات يدركن الأسباب الحقيقية لغيابهن (أو إجابة لماذا) و لهذه الفجوة، يدركن أنهن لن يستطعن التنافس بداية بإعدادهن العلمي البسيط غالبا على الوظائف الأكثر نفوذا و تطلبا، و أن الوظائف المتاحة لهن إن وجدت لن تتعدى وظائف بدائية بلا مهارات حقيقية تسمح بالتقدم الوظيفي، آلاف الموظفات في البنوك مثلا و المدرسات في التعليم يمكثن لسنوات طويلة في نفس المكان بلا تطوير لمهاراتهن أو تقدم وظيفي ملحوظ لمستويات صناعة القرار حتى مع تأهيلهن، و هناك القوانين الرسمية التي تعيق مساهمتهن و التي لا توجد في أي دولة عربية سوى هنا، كاشتراط موافقة الولي بداية على التوظيف وتوفر شخص ما للتوصيل، و كاشتراط بيئة عمل لا يشوبها اختلاط مع الرجال بالرغم من نجاح النساء السعوديات في العمل المختلط تحت المظلات الرسمية، شرط مثل هذا يقضي تقريبا على 80% من فرص توظيف النساء في المؤسسات الحكومية العامة و الأهلية و في قطاع التجارة و الصناعة،  و يتيح فقط قلة من الفرص التي تسمح باختلاط  تفرضه طبيعة العمل كالمؤسسات الصحية و البنوك، و ربما نكون الدولة الأكثر اعتمادا على العمالة الأجنبية هنا لسد الحاجة في الوظائف الأكثر شيوعا كنقاط البيع و التوزيع و التي يسهل ببساطة توفير أيدي محلية سعودية لها إن انتفى شرط عدم الاختلاط الرسمي، في معظم الدول العربية و حتى الخليجية المجاورة لا تحتاج التنمية إلى تبرير، تطالعك الوجوه النسائية في مكاتب الجوازات و الشرطة و البيع و التجارة و كل مكان و لا يبقى سؤال “لماذا” مستعصيا على الفهم، و على ذلك لا تبدو المشكلة “عربية” بقدر ماهي “سعودية” في تعاطي قوانين العمل هنا مع توظيف النساء، و حتى لا يأتي من يطرح سؤال لماذا أو أحد الأسئلة الأكثر عمقا من الأمم المتحدة ربما فقد أورد التقرير خطة عمل موضوعة من مجلس الوزراء في العام 2004، و هي خطة جديرة بالتأمل بالفعل، فقد كان على وزارة العمل ووزارة التخطيط و الخدمة المدنية عمل دراسة استقصائية في خلال عام واحد (بحلول 2005) للخروج بكل فرص العمل الممكنة للنساء السعوديات في مختلف الميادين، أما صندوق تنمية الموارد البشرية فكان عليه دعم تدريب و توظيف السعوديات، كما تم توجيه وزارة العمل و التجارة و الصناعة والغرف التجارية لدراسة تمديد إجازات الأمومة للسعوديات كخطوة تساعد في احتفاظ النساء بوظائفهن و لا تؤثر بشكل سلبي على سير العمل، التنسيق لهذه المبادرة كان واقعا على عاتق المجلس الأعلى للغرف التجارية و الذي كان عليه العمل مع القطاع الأهلي على دعم تدريب و توظيف السعوديات، كان على عاتق المؤسسات الحكومية أيضا أن تسهل إجراءات منح التصاريح و التراخيص للنساء –بحسب اللوائح و القوانين المعمول بها- و جميعنا نعلم ما هو معنى العبارة الأخيرة، و كان على الجهات المعنية تخصيص أراض بداخل المدن لإنشاء مدن صناعية للنساء بغض النظر عن مدى خيالية و كلفة مثل هذه التوصية، و كان على وزارة العمل ووزارة الخدمة المدنية و وزارة الشؤون الاجتماعية توفير فرص عمل بواسطة الهواتف للنساء، أما التوصية الأخيرة والأكثرغرابة فكانت موجهة لكل المؤسسات الحكومية المعنية بالتعامل مع النساء بتوفير “أماكن للعمل مقتصرة على النساء فقط” في خلال عام واحد…

بداية يبدو أن وزارة التخطيط غاب عنها التكلفة المادية في صناعة عالم موازي “للنساء فقط” في مختلف ميادين سوق سوق العمل لتشغيلهن و مدى عدم معقولية هذه الفكرة لتحقيق أي أرباح تبرر الاستثمار في العالم الموازي، ككلفة شراء الأراضي و بناء المباني و ترتيبات الأمن و باختصار التكلفة المزدوجة للتنمية التي تتطلبها مثل هذه التوصيات…  ربما كنا بحاجة إلى استعارة عقول عربية لحل مشكلة المرأة السعودية، فمن صنعوا مشكلتنا من السعوديين لن يمكن أن يساهموا في حلها، و الإحصائيات المرصودة بدقة في التقرير تثبت أن كل فرص التعليم المتاحة أفادت النساء و أن الزواج لم يكن عائقا لما نسبته 67% منهن من المشاركة في التنمية ككل، طرح التقرير إجابة وحيدة لسؤال (ماذا) حدث لمشاركة النساء في التنمية في السنوات الأخيرة و غابت الإجابة عن بقية الأسئلة، لم يكن هناك إجابة منطقية و لا ممكنة لأسئلة “لماذا و لا كيف و لا متى و لا أين و لا من”، أتكفل نيابة عن واضعي التقرير بوضع إجابة تقريبية لكل سؤال منهم، لماذا لم تشارك المرأة في التنمية؟ لاشتراط تخصص لا يتوفر تأهيل لها فيه أو وظائف ممنوعة عن المشاركة فيها بسبب الاختلاط أو موافقة الولي أو عدم تمكنها من القيادة، كيف تشارك المرأة في التنمية؟ بإزالة العوائق الأساسية أعلاه، متى تشارك المرأة في التنمية؟ الآن بإتاحة كل الفرص الممكنة و بلا عالم خيالي موازي للنساء، أين تشارك المرأة في التنمية؟ يفضل أن يكون ذلك في بلادها و في كل مجال حصلت على تأهيل أساسي فيه، من المسؤول عن تأخر مشاركة المرأة في التنمية؟ و الجواب هنا معروف للجميع…

 

 

مونوبولي

كنا 20 شخصاً متطلعين لحضور ورشة عمل مع أستاذة معروفة في العلوم السياسية، توقعنا درساً عميقاً عن تركيب المجتمعات والعلاقات السياسية، محشواً بالمصطلحات الفنية المعقدة، ولكننا فوجئنا بألواح لعبة «المونوبولي» الشهيرة موزعة في القاعة، وبالأستاذة تطلب منا التوزع على مجموعات من أربعة أشخاص لبدء اللعب، اللعبة الشهيرة أخذت اسمها بداية من الكلمة اليونانية «مونوبولي»، وتعني احتكار جهة أو شخص لشيء ما، وبالتالي تحديده لشروط استخدام الشيء كافة من الآخرين بلا منافس أو بديل، نشأت اللعبة بداية بواسطة سيدة متدينة قديماً لتعليم الناس كيفية التعاطي مع الأنظمة المالية والضرائب، في اللعبة الحديثة يتم توزيع مبلغ متساوٍ من المال على اللاعبين، ويُلقى «النرد» بالتناوب ليحدد عدد مرات تحرك كل لاعب على لوحة اللعبة، وهي مربع مرسوم على محيطه عدد من الممتلكات، كالفنادق والمنازل والمنتجعات مختلفة القيمة، وبحسب إدارة كل شخص لأمواله يمكن له شراء أي منشأة على لوحة اللعب بحسب حظه في رمية النرد وذكائه في اختيار المنشأة الأكثر قيمة، يتقاضى بعد ذلك مالك كل منشأة مبلغاً من المال يتناسب مع المنشأة وقيمتها كلما مرّ فوقها أحد اللاعبين أو توقف عليها، يمر اللاعبون أيضاً بالسجن ويضطرون أحياناً للتوقف في مناطق تشانس أو فرصة، إذ يتم سحب بطاقة تحدد غرامة ما كالحبس أو الدفع أو التوقف عن اللعب لدور أو أكثر، وقد تمنح الفرصة اللاعب مكسباً ما مفاجئ، تنتهي اللعبة بانتهاء أموال المشاركين تدريجياً، أو بفوز الرابح الأكبر في مدة زمنية محددة، في لعبتنا الصفيّة توزعت الأموال بداية بيننا بالتساوي، ولكننا انتهينا بعد نصف ساعة وقد أصبحت الأموال في معظمها مع من أدار بذكاء ممتلكاته واختياراته.

النصف ساعة الثانية حكمتنا فيها قوانين مختلفة للعب، بدأنا هنا مختلفين، رمينا «النرد» ليصبح كل واحد منا، بحسب الحظ، منتمياً إلى واحدة من أربع طبقات اجتماعية، هناك الحكام، الطبقة العليا من أصحاب رؤوس الأموال، الطبقة الوسطى من الموظفين، والطبقة الكادحة من العمال، وبالتالي كانت هناك امتيازات من البداية لكل طبقة، وأحكام مختلفة لحصص التملك المسموحة، وللغرامات المفروضة، إن كنت من طبقة الموظفين أو العمال فأنت تملك بداية مبالغ أقل لتتملك أي شيء، وأنت بالتالي غير قادر على شراء أي شيء ذي قيمة ليضمن عائداً ما كريماً لك، ومن كل الممتلكات الممكن شراؤها لا يسمح للطبقات الدنيا سوى بتملك منشآت محدودة لا تدر العائد نفسه كما الممتلكات المتاحة للطبقات العليا، أنت أيضاً محكوم بقوانين مختلفة فلن تخرج من السجن إن دخلت فيه بسرعة خروج الطبقات الأعلى نفسها، ولن تستطيع دفع الغرامة التي تتجاوز أموالك الضئيلة بداية، تعكس الامتيازات الممنوحة للطبقات هنا تأثير الطبقة الاجتماعية في تيسير الفرص الاقتصادية والعلاقات وسن القوانين وتنفيذها للمنتمين لها.

نتيجة الجولة الثانية بالطبع كانت في استحواذ الطبقات العليا على الربح التام، ظفروا بالمنشآت الأفضل بلا أي جهد، سطوا على الأموال القليلة للطبقات الدنيا قبل أن يتاح لهم تملك أي شيء على رداءته، ببساطة انتهت اللعبة بالمزيد من الأموال والامتيازات لمن يملكها أصلاً، وبالمزيد من الفقر لمن يملك القليل، الأسوأ أن عدداً من اللاعبين في الطبقات الدنيا لم يستطع الانسحاب من اللعبة وإعلان إفلاسه أو خسارته لأنه كان محتجزاً في السجن بلا أموال متوفرة لإخراجه، الدرس بالطبع كان عن صعوبة التحرّك الاجتماعي بين الطبقات، المجتمعات الرأسمالية والمحكومة من الأعلى إلى الأسفل تعني أن تحديد القوانين والامتيازات هي مهمة الطبقات الأعلى فقط، يعني ذلك أن ضمان بقاء الأفراد في الطبقات على اختلافها محكوم ومحدد مسبقاً.

في النهاية عبّرت سيدة عن صدمتها في «الاكتشاف» بأنها لا تتحمل أن تكون من طبقة العمال، تقول إن الخسارة وحدها لم تهمها بقدر اكتشافها لوجه مختلف لزملائها في اللعبة، وجه قاسٍ وأناني لم تتوقعه، اجتاحت نشوة الانتصار والتملك اللاعبين من الحكام وأصحاب رؤوس الأموال، وتعاونا معاً في إصرار وتحالف ناجح لاجتياح المنشآت الرخيصة أولاً لعلمهما بأن الموظفين والعمال لن يستطيعا شراء سواها، وتألمت لأن أحداً من الطبقات العليا لم يسهم في إخراجها من السجن عندما احتجزت فيه، على رغم قدرتهما على تطويع القوانين.

كانت التجربة حقيقية وقاسية تقمّص فيها اللاعبون الأدوار الحقيقية للحكام وأصحاب رؤوس الأموال، ظهرت شخصيات مختفية خلف قناع الزمالة واللطف، وتغلبت غرائز أساسية كحب التملك والانتصار على الإيثار والتضحية للمصلحة العامة، تماماً كالصورة الحقيقية في العالم اليوم، العالم الذي يمتلك فيه 5 في المئة من سكانه 90 في المئة من الموارد، ويرزح الغالبية منه تحت حكم الأقلية في طبقات اجتماعية لا يفارقوها كسجن كبير.

كان من المفزع لي أن أشاهد الغضب والتأثر في عيون اللاعبين من العمال والموظفين وهم مشحونون بالسلبية تجاه الحكام والملاك، موجات من السخط والثورة توالت بعد نهاية اللعبة… لكن كانت هناك مجموعة واحدة منحتني الأمل، كنت ألعب طبقة العمال في مجموعتي وحظيت بتحالف فريد، اتفق اللاعبون من الحكام وأصحاب رؤوس الأموال على التحالف لدعمي ودعم لاعب الموظفين، واستطاع كلانا، على رغم بداياتنا المتواضعة، أن نتملك شيئاً ما، استطعنا أن نتجاوز السجن بعفو خاص، لم تنتهِ أموالنا بنهاية اللعبة، كنا المجموعة الوحيدة التي لم يشبها الغضب والثورة والتمزق، كنا صورة مختلفة عن الجميع في نهاية اللعبة… كنا كلنا رابحين.

 

لماذا يحتاج العالم لويكيليكس؟


في “حصار مكة” يسرد المؤلف ياروسلاف تروفيموف قصة حصار جهيمان العتيبي للحرم في مكة في شكل روائي مثير حمل كتابه إلى مصاف العالمية، و للحصول على القصة الكاملة لهذا الحدث أمضى الكاتب وقتا طويلا لجمع ثلاثين تقريرا استخباراتيا و إعلاميا من عدد من السفارات ووكالات الإعلام العالمية، و أجرى عددا لا يحصى من اللقاءات مع المعنيين بالحدث وقتها، رجال المباحث و الشرطة و وجهاء الدولة و الإعلاميين، حتى خرج بحصيلة لم تتوفر من قبل للعامة عن دقائق الحادثة التي تركت أثرا عميقا على مجريات الواقع السعودي الحديث، و بالرغم من ذلك خرج الكتاب الذي ربح العديد من الجوائز بعدد من التكهنات التي لم يمكن معها معرفة الحقيقة الكاملة، مثل لماذا اختار السعوديين فرنسا أخيرا و ليس أي دولة أخرى للمساعدة؟ ضمن غيرها من التكهنات، تساءلت بعد قراءة هذا الكتاب إن كان التعاطي مع الإعلام وقتها بشفافية مع أحداث الحصار أفضل في ترك الكلمة الأخيرة لنا بدلا من تأويل جهات أخرى قد لا تحمل نفس القيم ولا المصالح؟… عادت لي قصة كتاب “حصار مكة” على خلفية تسريب المراسلات الأمريكية مع الحكومات العربية مؤخرا، كانت هناك حقيقة تفرض نفسها في قصة التسريبات، فالشفافية هي الخيار الأفضل أمام المسؤولين ردءا للحرج و لفقد المصداقية، و حتى في اختفاء مصادر يعوّل عليها للمعلومات الدقيقة بلا تعديل ولا تحريف كالويكيليكس فالقراءة السياسية الموضوعية هي البديل الأكثر وضوحا، شخص باجتهاد كاتب حصار مكة قدم رؤية مشابهة للحدث نفسه تقريبا، و بالتالي فالمعلومات بأنواعها و على الأخص تلك التي تثير اهتمام الناس لن تبق طويلا تحت غطاء السرية حتى في غياب ويكليكس، وهو ما أبرزه مقال ديفيد روثكوف المنشور مؤخرا في الأوبينينوتير التابعة لنيويورك تايمز، قلّل في مقاله من أهمية ما نشر مؤخرا و ذكر أن التحليل السياسي العام حتى قبل ظهور الوثائق للعلن يكشف بأن من يقومون على إدارة العالم هم بالضبط كما اعتقدناهم، فيما يخصنا هنا كان الخطر الإيراني الأكثر تداولا سياسيا في تاريخنا الحديث، و بالرغم من تفضيل الإدارة الأمريكية للجوء للمفاوضات و الخيارات الدبلوماسية للتعامل معه و على الأخص بعد كوارث المنطقة في العراق و اليمن إلا أن حيازة إيران للقوة النووية ربما كان دافعا وراء التصريحات، القراءات السياسية المتعددة لصفقة الأسلحة السعودية الأمريكية الضخمة ذكرت احتمالا في هذا الاتجاه، أما ما الذي يمكن الخروج به بعد الضجة الهائلة التابعة للنشر فهو أهمية التعاطي بشفافية مع الإعلام، موجات الرفض و التكذيب الرسمية التي تبعت نشر الوثائق لم تعد سياسات مجدية للتعاطي مع الإعلام، تقنيات الإعلام الجديد تعني أن لاشيء يمكن حجبه و أن أفضل سياسة للتعاطي مع الناس هي احترام عقولهم أو الصمت، مبدأ حرية الحصول على المعلومات مضمون في دساتير أكثر من 85 دولة حول العالم، و لا يعني ذلك أن هذه الدول تمارس شفافية مطلقة في التعاطي مع شعوبها، لكنه يعني حق أي مواطن في الحصول على اي وثيقة حكومية رسمية بلا تبرير لطلبه بينما تتم مطالبة الحكومة بتبرير إخفاء أي معلومة، بالطبع فهكذا قوانين لا يمكن ان توضع أو تطبق إلا في دول تشيع فيها سيادة القانون فوق الجميع و تحترم فيها حقوق المواطنين بلا تمييز ولا استثناء لأنهم من يدير الدولة و سياساتها، و حول ما يثار حاليا عن خطورة تسريب الوثائق الرسمية فأعود لمقابلة مؤسسة تيد العالمية مع جوليان اسانج العقل المدبر خلف ويكيليكس في الصيف الماضي، صرح أسانج بأن للشعوب حق معرفة الحقائق و أن مهمة الصحافة على مر التاريخ كانت تسليط الضوء على كل ما تحاول الحكومات و المنظمات الرسمية إخفاءه و كل ما تبذل في سبيل إخفائه الجهد و المال، و حول تساؤل المحاور عن مدى الضرر الذي قد يلحق بجندي أمريكي مثلا بعد نشر ما يدين الأمريكيين في حروبهم بالشرق الأوسط؟ حيث سيراه العالم مجردا من أي إنسانية أو تقدير لحياة غيره؟ رد أسانج قائلا بأن المعنيين بالحرب في العراق و أفغانستان يعلموا بمشاهداتهم الحية على أرض الواقع كل ما تحاول ويكيليكس كشفه، و أن المعلومات المسرّبة هنا ليست موجهة لهؤلاء العالمين بكل مجريات الأمور عن طريق معايشتها شخصيا في مواقع الحدث، بل موجهة لمن يجهلها و تبقيه وسائل الإعلام الرسمية جاهلا بها حتى يعرف الحقيقة و يتصرف بناء عليها، دور الإعلام لم يكن يوما صناعة الانطباع العام عن أي شخص أو سياسة ما أو حماية الأمن بل فقط عرض المعلومات كيفما كانت، المسؤولية الفعلية عن ردود الأفعال الشعبية تعود على من يقرر بداية هذه الأفعال وليس على من اختار أن ينشرها