من أطفأ الضوء

يصادف أحيانا أن تأتيني رسائل من قرّاء و قارئات تحكي سطورها معاناة و قلة حيلة، يسالني كاتبو و كاتبات الرسائل أن أنشر عن معاناتهم و الظلم الذي تعرضوا له حتى يستيقظ مسؤول ما غافل في تصورهم فيعيد لهم حقوقهم الضائعة، مدرّسات و موظفات تعرضن للظلم الوظيفي و التحيّز، شباب غدر بهم مسؤولون كبار في وعود وهمية لابتزاز أموالهم و جهودهم، مرضى و أهاليهم يبحثون عن سرير أو عناية طبية شحيحة، زوجات معلّقات و معنّفات يستغيثون من تعنّت القضاة و صدّ الأهل، و بالرغم من تعاطفي الشديد مع أصحاب الرسائل إلا أنني لا أستطيع في العادة نشر معاناتهم، يوقفني في العادة مبدأ تحرّي الأمانة في النشر و الذي يقضي بنشر وجهة نظر الخصوم وهم في العادة أبعد من المريخ، من يستطيع هنا أن يصل إلى قاض غاشم أو مسؤول فاسد أو وليّ أمر متعدّ؟ من يستطيع أن يتطاول و يطالب بنقض مباديء و قوانين ألبستها عقول ضحلة قدسية فوق النقد أو المساءلة؟ اعتدت عند استلام مثل هذه الرسائل أن أعد أصحابها بعرض المشكلة بشكل عام بدون الدخول في تفاصيلهم الخاصة، و أنا أعلم أن المسؤول في العادة لا يقرأ و إن قرأ لا يفهم و إن فهم لا يعمل، على الأقل كما نأمل و يأمل صاحب المشكلة… لكني توقفت عند ما صنعه فهد الجخيدب في مواجهة مطالبات الأهالي له بنصرتهم… حمل فهد معاناة أهل مدينته و صنع ثورة ما إيجابية في العمل المدني تكسر حلقة إهمال و استبداد الشركة و التي استمرت لمدة خمسة عشر عاما، نشر فهد تعنت شركة الكهرباء مع سكان مدينته و قطعها المستمر للكهرباء عن السكان بلا حياء تستجيب معه لشكاوي انقطاع التيار ولا تتوقف فيه عن مقاضاتهم عن أيام الانقطاع، و لأن شركة الكهرباء هي مونوبولي احتكاري عظيم لا يمكن الحصول على الخدمة من سواها فلا يمكن تبديل مصدر الخدمة أيضا، و إزاء هذا الوضع المتردي الذي تسبب في معاناة السكان و تلف مقتنياتهم الكهربائية و تضرر مرضاهم قرر فهد أن يدعو السكان للتجمهر و الاعتراض –السلمي- أمام مقر الشركة، و كانت المفاجأة أن استجابت الشركة بتزويد المدينة بمحركات إضافية تمنع انقطاع التيار للمرة الأولى بعد عقد ونصف، هذا التحرك الإيجابي السعيد تبعته كارثة الحكم عليه بالحبس شهرين و الجلد خمسين جلدة، خمس و عشرين منها أمام شركة الكهرباء، يستأنف فهد الحكم حاليا مصرّحا “فرق بين أن تذهب لتطالب بحقك الذي يموت كل يوم كما هو الحال مع الإنقطاعات الكهربائية بقبة وبين تذهب لإحداث فوضىى و تخريب أنا ذهبت مع الأهالي لأني أريد معالجة وضع خاطيء والحمد لله نجحت بذلك لكن المصيبة أن يعتبر ذلك نوعا من نوع التجمهر”… ما صرّح به الصحفي و مدير المدرسة فهد الجخيدب هو بالضبط ما يدور في نفوس كل من قرأ الحكم، كيف أصدر القاضي حكما بجلده و حبسه لمطالبة مشروعة و سلمية برفع معاناة جماعية تتقاضى على إثرها الشركة فواتير غير منقوصة، ولماذا لم يحكم بالتعويض للمتضررين من أداء الشركة؟ ما فائدة أن يستمع القاضي لشهادة خمسة و أربعين شخصا من الأهالي إن كان ينوي معاقبة فهد في النهاية؟ و كما هو متوقع فقد التقطت منظمة حقوق الإنسان العالمية هذه القصة و نشرت تقريرا تستنكر فيه ماحدث للصحفي بعد مطالبته المشروعة و التي كفلها له ميثاق حقوق الإنسان الدولي و العربي و الذي أقرّته حكومة المملكة العربية السعودية، وهو يقضي بالحق في التجمع السلمي و التعبير عن الرأي طالما لم يؤثر ذلك في حقوق الاخرين و سلامتهم أو في الأمن القومي، و عليه فماهو المبرر القانوني الذي استند عليه القاضي في حكمه على فهد الجخيدب بالحبس و الجلد أمام شركة الكهرباء المتسببة في معاناة المواطنين من الأصل، وماهي مصداقية مبدأ و سياسة الباب المفتوح الذي تتغنى به مؤسساتنا الرسمية و مسؤلينا إن كان التعبير الحر و السلمي عن الرأي جالبا للحبس و الجلد؟ يتساءل كريستوف ويلك واضع تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان العالمية عن أي الأمرين كان أكثر استحقاق للعقوية في نظر القاضي؟ هل هو التجمهر العام للمطالبة بالكهرباء المدفوع ثمنها للشركة بالرغم من سوء الخدمة؟ أم هو الإعلان عن التجمهر في الإعلام؟ تعيدنا هذه القضية للتناقض الواضح الذي نعيشه هنا بين ما أقرته حكومتنا من مباديء و مواثيق دولية لحقوق الإنسان و بين ما نمارسه هنا من تقييد و حبس و قوانين كارثية، لا يوجد في الحقيقة أي مبدأ ديني أو عالمي أو إنساني تم خرقه هنا من الصحفي حتى يتم جلده أمام شبكة الكهرباء سوى ردع المطالبين في المستقبل عن سلوك نفس المسلك في المطالبة و منح القداسة للمسؤول حتى مع تقصيره الذي يستحق أن يدفع ثمنه تعويضا عادلا للمتضررين، إن كان هذا الجزاء القاسي بإلحاق الذل و المهانة بمدير المدرسة المربّي و الصحفي عن مطالبة و تجمع سلمي واحد بعد سنتين من تداول القضية فمن سيحبس مسؤولي شركة الكهرباء و يجلدهم أمام بيوت المتضررين حتى تتحقق نفس مباديء العدالة؟ و الأهم من سيضع الضمانات التي تتكفل بإيصال الخدمات العامة لمستحقيها بلا تجمعات و لا مطالبات يعاقب عليها القانون هنا لحماية مواطنينا الباحثين عن حقوقهم من المصير نفسه؟ أما الهيئة العامة للصحافيين فأهديها هذه المقولة الشهيرة: ربما تكون هناك أوقات لا نستطيع فيها أن نمنع الظلم و لكن لا يجب أن يكون هناك أي وقت لا نستطيع فيه الاعتراض عليه…


2 Responses to من أطفأ الضوء

  1. بنت النور قال:

    اختي الكاتبة يامن حملت بقلمها الأمانة ةالانسانية ومناشدة الحق

    شكراُ لهذه الصفحة المشعة بنور الطهر والجماااااال ومناصرة الصحفي الاستاذ الجخيدب ..

    ووقفتك الكريمة معه اولاً ومع القراء واصحاب الرسائل …

    قصة رائعة هزت العالم وجمال العنوان “من اطفا الضوء”؟؟؟؟

    جما التأمل ,,,تشكرين عليه .

    بارك الله فيك عزيزتي

  2. تنبيه: Qwaider Planet

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s