بين الصحوة و الاختلاط

أتيح لي في الأيام القليلة السابقة قراءة ثلاثة بحوث معدّة عن الواقع السعودي و التغيرات المتلاحقة التي أثّرت في مجتمعنا على مدار عدة عقود، تناولت الأبحاث الثلاثة مفهوم المرأة السعودية و تقبّلها للاختلاط أو عدمه في العمل و الفضاء العام و تطور المجتمع المدني السعودي والنقاش الفكري في السعودية، كان من المثير أن ألاحظ تأثير الصحوة الإسلامية و التخوّف لدى صانعي القرار من مشاركة المجتمع المدني بأفراده ككل في بناء حراك يذكر، تأثير الفكر الديني علامة مشتركة في البحوث الثلاثة في صنع الواقع الحالي بعقباته و مشكلاته سواء في واقع المرأة السعودية أو تطور المجتمع المدني أو الصراع الفكري الدائر حاليا في السعودية، و بغض النظر عن العوامل التي أسهمت في خلق الحالة الدينية الحالية التي رصدتها الأبحاث الثلاثة في المجتمع السعودي فواقع المجتمع هنا بأفراده و فكره بالتأكيد أقل كثيرا من المأمول، و التأثير السلبي الذي خلّفته  سلطة التيار الديني سواء بدعم رسمي أم لا على تفكير و خيارات الأفراد و تطور المؤسسات هنا لا يمكن إغفاله، التساؤل المطروح هو ما الذي جعل الدين في حالة مواجهة مع تطور المجتمع و أفراده و ما الذي أخرج أجيالا من الصحويين تضع المرأة و اختلاطها مع الرجال من عدمه في قمة اهتمامها بينما يبقى المجتمع المدني و الحراك الفكري متأخرا عدة قرون؟ ما الذي عطّل الاستفادة من تعليم الفتيات هنا و جعله مجرد أداة تجميلية لا تصب في مصلحة الوطن ككل و عطّل طاقات النساء فلم يفدهن في استقلال مادي أو تأثير مجتمعي، ماالذي نتج عن مجلس الشورى من قرارات إصلاحية و تقويمية لمؤسسات المجتمع و فعاليتها، ما الذي حصر النقاش الفكري و الجدل هنا حول المفاهيم و الممارسات الدينية، و كيف انتهينا بتأسيس سلطات دينية رسمية عليا و فرعية لمراقبة ممارسات العبادة بل و صدّرناها لكل بلد و صبغنا بمفاهيمنا الخاصة كل ملّة و تركنا التنمية المدنية و الإنسانية و الاجتماعية و الفكرية بلا أي رقابة فعّالة، كان من المؤلم أن يستطيع باحثون غربيون رصد المجتمع السعودي بتاريخه و خفاياه و أن تبرز في أبحاثهم أسماء أشخاص دخلوا التاريخ السعودي هنا عنوة كرضوى يوسف مثلا و حملتها العجيبة “ولي أمري أدرى بأمري”، بينما تنحّى عن البحث و الرصد علامات لامعة لم تجد لها منفذا شعبيا للتأثير كحركات نسوية فعاّلة لفوزية العيوني ووجيهة الحويدر و غيرهن، كيف لازلنا بعد ثمانين عاما من الوحدة و التأسيس نناقش أمورا أساسية في المواطنة مثل حقوق النساء و الأقليات الدينية بينما كفلتها الدولة كأهداف ضرورية للتنمية و الاستثمار في المواطن و إن لم تحظ بدعم رسمي من صانع القرار، ليست المشكلة أن نحمل كأي مجتمع آخر هموم وتحديات و لكن المشكلة أن يقرأنا الآخر أفضل كثيرا مما نقرأ أنفسنا و أن يرصد بدقة مشكلاتنا و تحولات مجتمعنا فيعرضها للمهتمين للبحث و التجقيق بينما ندور نحن في فلك الثانويات و نهمل الأساسيات، لا ألوم هنا الفكر الصحوي و لا العاملين في الرقابة الدينية على الآخرين كثيرا فهذه وظيفتهم الرسمية التي تم تدريبهم على ممارستها و إقناعهم بجدواها بالرغم من الفشل العام، ولكن ألوم هنا كل فرد من هذا المجتمع الذي تجاوز أفراده بالتأكيد مرحلة التأسيس و البناء على الهرب أو التعايش السلبي مع الوضع العام، الأصوات التي تعلو للأسف هي أصوات نشاز و الأصوات التي يحتاجها المجتمع هنا تختفي في تأثيرها تحت سيف الرهبة أو الإجبار أو الفشل في صنع جذور و فروع تقوي تأثيرها، العامل المشترك في نتائج الأبحاث الثلاثة هو ضعف تأثير المجتمع المدني هنا أو الأفراد الغير رسميين في إحداث تأثير قوي، و بما أن الأمل المعقود على العاملين في المواقع الرسمية محدود جدا لضآلة صلاحياتهم أواهتمامهم بالصالح العام، فلا مفر من التثقيف العام في مجال العمل المدني للمجتمع هنا، عن طريق بناء حركة شعبية قوية تعكس رغبات الناس و مطالبهم، الحاجة لحركة شعبية تنشأ من المجتمع هنا أكثر من ضروري لأن القوانين ديناصورية لا تلبي حاجة الناس و ترغمهم على التحايل على أي قانون بدلا من اتباعه، و لأن معظم القوانين هنا إلحاقية لتعديل قانون عام مطاطي، تفترض في الغالب سوء النية كمبدأ عام لوضع القانون و نتائجها بالتالي كارثية كقوانين العقوبات و المواطنة و الأسرة و غيرها، لعل المثال الأفضل منع النساء من العمل إلا في عدم وجود اختلاط بالرغم من حاجة الكثيرات للكسب وعدم قدرتهن على متابعة التعليم، الخوف هنا من عواقب الاختلاط أكبر من الخوف من عواقب الفقر وكلاهما يؤديان لنفس النتيجة، كما أن المشرّع وواضع القوانين العامّة يتذرع بعدم البتّ في شأن عام يطالب به الجميع بتعليق البتّ فيه برغبة المجتمع، فهو هنا لا يستجيب للمجتمع في تحقيق مصلحة عامة ولا يصنع مواجهة لا تفيده مع التيارات الدينية الأكثر تسلطا هنا، حالة عدم البت هذه في قضايا المجتمع الملحّة لا تفيد أي طرف، المسؤول لا يعود يعمل لخدمة مصالح العامة بل العكس هو الصحيح، و مجلس الشورى ليس سوى مظهرا رسميا فقط بلا فاعلية في المساءلة أو الرقابة، الإعلام الشفاف و المسؤولين المنتخبين بشكل دوري تحت رقابة و سلطات كافية و تحجيم نفوذ التيار الديني أو غيره لصالح المصلحة العامة وتوفير منافذ رسمية مقننة للتعبير عن رغبة المجتمع عوامل هامة لتجنب الصدامات المجتمعية و حل العوائق و تقويمها بطرق سلمية، بدونها سيصبح الإصلاح مجرد كلمة مطاطية كقوانينا لا تفارق الحناجر ولا الأوراق…

 

2 Responses to بين الصحوة و الاختلاط

  1. Hala قال:

    تم نشر المقال بعد حذف نهايته و تغيير عنوانه من “الإصلاح الاجتماعي مدخلا للتغيير” إلى “بين الصحوة و الاختلاط”، للاطلاع على النص المنشور:
    http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/202294

  2. تنبيه: Tweets that mention بين الصحوة و الاختلاط « هالة الدوسري -- Topsy.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s