ليتها ما كانت

آلاف الفتيات الصغيرات يولدن هنا لآباء سعوديين، لكن أحدا من هؤلاء الآباء لم يلخص بأمانة وصدق كيف يشعر الأب السعودي تجاه مولودته الأنثى كما فعل مؤخراً أشرف فقيه في مقالته الرائعة المنشورة على موقعه الشخصي.

بكلماته الصادقة رسم ملامح الواقع السعودي الذي تعيش فيه ملايين النساء هنا، لم يتصنع ولم يدّع أن مجيء البنات بركة ورزق للعائلة، صرّح تماما بكل ما يخفيه أي أب سعودي اليوم داخل قلبه: “أعتقد أن مشاعر الخوف والقلق تتغلب على مشاعر الفرح عندي”. رجل مستنير مثله أوضح بدقة في عباراته سبب تخوفه “مجتمع لن يرحمها وسيحكم عليها في كل حال… رجل أو وغد صغير قد يكون أكبر خطر يتهدد سعادتها… مولودة في عالم معاد لها… كائن ناقص الأهلية…”.

يقرر أشرف هنا أن سبب تخوفه ليس فقط من الرجل الذي سيتزوجها يوما ولكن المجتمع الذي يعاديها في كل حال، والـ25 من نوفمبر يوافق اليوم العالمي لإزالة العنف ضد المرأة، وهو اليوم الذي تم اختياره في الأمم المتحدة تخليدا لذكرى ثلاث أخوات قتلن نتيجة لنضالهن السياسي على يد رئيس دولة الدومينيكان، ولأهمية مشكلة العنف ضد المرأة فقد تبنتها الأمم المتحدة كقضية مهمة للمتابعة حول العالم وأطلقت حملة ضخمة لمراقبة تطبيق الدول الأعضاء لبنود اتفاقية إزالة أشكال التمييز ضد المرأة، تهدف حملة الأمم المتحدة لتمكين المرأة من حماية نفسها وأطفالها من العنف سواء من جانب شخص في الأسرة أو العنف الممارس ضدها بسبب تشريعات وقوانين الدولة، المرأة المعنّفة أكثر عرضة للمشاكل الصحية والنفسية والتي تشمل الحمل الغير مرغوب والإجهاض والولادة المبكرة أو وفاة الجنين، كما أن أطفالها أكثر عرضة للمشكلات الصحية أيضا نتيجة لقلة الرعاية والفقر، والعنف ظاهرة عالمية تتعرض بسببها بحسب الدراسات أكثر من 70 في المئة من النساء في العالم للمشكلات.

وفي دراسة وحيدة هنا تمت في المدينة المنورة ظهر أن هناك واحدة من كل خمس نساء حوامل يتعرضن للعنف النفسي والجسدي من الزوج مع تأثير ذلك على زيادة حالات الإجهاض والولادة المبكرة وخطورة مضاعفات الحمل، أما تقرير مبعوثة الأمم المتحدة للسعودية فقد انتقد القوانين العامة التي تميز ضد المرأة وتجعلها عرضة للعنف المنزلي والمجتمعي.

وعلى رغم تعاون الحكومة هنا مع المؤسسات الدولية وتوقيعها على القوانين والاتفاقيات الدولية فببعض القوانين تجعل النساء عمليا أقل من الرجال في المكانة داخل الأسرة، وتميز بين الجنسين في فرص التوظيف وحرية التنقل والقيادة والسفر، ولا تمنح أطفال السعوديات المتزوجات من أجنبي الجنسية كما تنمحها لأطفال السعودي المتزوج من أجنبية، كما انتقدت الدراسة ممارسات التمييز ضد المرأة في رفع الشكاوي وفي تعامل الشرطة الدينية معها.

وانتقدت لجنة سيداو المعنية بمتابعة تطبيق اتفاقية إزالة أشكال التمييز ضد المرأة نظام الفصل بين الجنسين ونظام الولي المعمول به هنا في المؤسسات الرسمية، بوصفه مضعفا من حقوق المرأة وخياراتها في الزواج والعمل والتعلم وحضانة الأطفال والميراث والتملك ومكان الإقامة، كما انتقدت سيداو ارتفاع عدد حالات العنف وغياب قوانين التعامل معه، لخصت المبعوثة العامة أهم عوائق المرأة هنا والتي تجعلها عرضة للعنف المستمر “غياب الاكتفاء الذاتي والمادي، وعدم استقلالية المرأة، والممارسات التي تحيط بالطلاق وبحضانة الطفل، وغياب قانون يجرم العنف ضد المرأة، وعدم الاتساق في تطبيق القوانين والإجراءات، كل ذلك يحول دون قدرة إفلات المرأة من بيئة الإيذاء التي تتعرض لها. وفي هذا الصدد فإن الإفتقار إلى القوانين المدونة التي تنظم الحياة الخاصة يشكل عقبة رئيسية تحول دون وصول المرأة إلى العدالة. علاوة على ذلك فإن عدم وجود رقابة كافية للممارسات القضائية من قبل السلطات المعنية يسمح بصدور أحكام تقديرية في المحاكم وهذا بدوره يسمح بإجراءات تعسفية تكرس السيطرة على المرأة في الحياة العامة والخاصة”.

أدرك أشرف ببساطة أن ابنته لن تنشأ هنا في عالم يدعم خياراتها ويمنحها الحق في التعامل الإنساني العادل والأمن الكافي كما يمنح الرجل. توقفت عند كلمة قالها: “هناك أزمة رجال… لذا فإننا خائفون على نسائنا وبناتنا ونتمنى لو لم يكن خلقن”.

وعلى رغم قسوة هذه الكلمة إلا أنها حقيقية، تتداولها أمثالنا “هم البنات للممات”، وتعكسها ممارسات إخفاء المرأة والتشديد عليها خوفا من الذكور حولها ومن تعرضها لخداعهم وتلاعبهم بمصيرها. لذلك أقول لأشرف ولكل رجل يحب ابنته وأخته وزوجته لا تقف مرددا ما يقوله القدماء. اعمل معنا حتى تكون ابنتك قوية وآمنة، اعمل معنا على خلق بيئة صديقة للنساء هنا. امنح اتفاقيات وقوانين تمكين المرأة الدعم لتعيش تحت ظل قوانين عادلة تمكنها من نيل حقوقها بكرامة وعدالة وتمنع التمييز والعنف ضدها وضد أولادها، اعمل معنا حتى لا يقتل خوفك من أنوثة مطاردة هنا منذ الأزل فرحتك بقدوم ابنتك.

 

من أطفأ الضوء

يصادف أحيانا أن تأتيني رسائل من قرّاء و قارئات تحكي سطورها معاناة و قلة حيلة، يسالني كاتبو و كاتبات الرسائل أن أنشر عن معاناتهم و الظلم الذي تعرضوا له حتى يستيقظ مسؤول ما غافل في تصورهم فيعيد لهم حقوقهم الضائعة، مدرّسات و موظفات تعرضن للظلم الوظيفي و التحيّز، شباب غدر بهم مسؤولون كبار في وعود وهمية لابتزاز أموالهم و جهودهم، مرضى و أهاليهم يبحثون عن سرير أو عناية طبية شحيحة، زوجات معلّقات و معنّفات يستغيثون من تعنّت القضاة و صدّ الأهل، و بالرغم من تعاطفي الشديد مع أصحاب الرسائل إلا أنني لا أستطيع في العادة نشر معاناتهم، يوقفني في العادة مبدأ تحرّي الأمانة في النشر و الذي يقضي بنشر وجهة نظر الخصوم وهم في العادة أبعد من المريخ، من يستطيع هنا أن يصل إلى قاض غاشم أو مسؤول فاسد أو وليّ أمر متعدّ؟ من يستطيع أن يتطاول و يطالب بنقض مباديء و قوانين ألبستها عقول ضحلة قدسية فوق النقد أو المساءلة؟ اعتدت عند استلام مثل هذه الرسائل أن أعد أصحابها بعرض المشكلة بشكل عام بدون الدخول في تفاصيلهم الخاصة، و أنا أعلم أن المسؤول في العادة لا يقرأ و إن قرأ لا يفهم و إن فهم لا يعمل، على الأقل كما نأمل و يأمل صاحب المشكلة… لكني توقفت عند ما صنعه فهد الجخيدب في مواجهة مطالبات الأهالي له بنصرتهم… حمل فهد معاناة أهل مدينته و صنع ثورة ما إيجابية في العمل المدني تكسر حلقة إهمال و استبداد الشركة و التي استمرت لمدة خمسة عشر عاما، نشر فهد تعنت شركة الكهرباء مع سكان مدينته و قطعها المستمر للكهرباء عن السكان بلا حياء تستجيب معه لشكاوي انقطاع التيار ولا تتوقف فيه عن مقاضاتهم عن أيام الانقطاع، و لأن شركة الكهرباء هي مونوبولي احتكاري عظيم لا يمكن الحصول على الخدمة من سواها فلا يمكن تبديل مصدر الخدمة أيضا، و إزاء هذا الوضع المتردي الذي تسبب في معاناة السكان و تلف مقتنياتهم الكهربائية و تضرر مرضاهم قرر فهد أن يدعو السكان للتجمهر و الاعتراض –السلمي- أمام مقر الشركة، و كانت المفاجأة أن استجابت الشركة بتزويد المدينة بمحركات إضافية تمنع انقطاع التيار للمرة الأولى بعد عقد ونصف، هذا التحرك الإيجابي السعيد تبعته كارثة الحكم عليه بالحبس شهرين و الجلد خمسين جلدة، خمس و عشرين منها أمام شركة الكهرباء، يستأنف فهد الحكم حاليا مصرّحا “فرق بين أن تذهب لتطالب بحقك الذي يموت كل يوم كما هو الحال مع الإنقطاعات الكهربائية بقبة وبين تذهب لإحداث فوضىى و تخريب أنا ذهبت مع الأهالي لأني أريد معالجة وضع خاطيء والحمد لله نجحت بذلك لكن المصيبة أن يعتبر ذلك نوعا من نوع التجمهر”… ما صرّح به الصحفي و مدير المدرسة فهد الجخيدب هو بالضبط ما يدور في نفوس كل من قرأ الحكم، كيف أصدر القاضي حكما بجلده و حبسه لمطالبة مشروعة و سلمية برفع معاناة جماعية تتقاضى على إثرها الشركة فواتير غير منقوصة، ولماذا لم يحكم بالتعويض للمتضررين من أداء الشركة؟ ما فائدة أن يستمع القاضي لشهادة خمسة و أربعين شخصا من الأهالي إن كان ينوي معاقبة فهد في النهاية؟ و كما هو متوقع فقد التقطت منظمة حقوق الإنسان العالمية هذه القصة و نشرت تقريرا تستنكر فيه ماحدث للصحفي بعد مطالبته المشروعة و التي كفلها له ميثاق حقوق الإنسان الدولي و العربي و الذي أقرّته حكومة المملكة العربية السعودية، وهو يقضي بالحق في التجمع السلمي و التعبير عن الرأي طالما لم يؤثر ذلك في حقوق الاخرين و سلامتهم أو في الأمن القومي، و عليه فماهو المبرر القانوني الذي استند عليه القاضي في حكمه على فهد الجخيدب بالحبس و الجلد أمام شركة الكهرباء المتسببة في معاناة المواطنين من الأصل، وماهي مصداقية مبدأ و سياسة الباب المفتوح الذي تتغنى به مؤسساتنا الرسمية و مسؤلينا إن كان التعبير الحر و السلمي عن الرأي جالبا للحبس و الجلد؟ يتساءل كريستوف ويلك واضع تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان العالمية عن أي الأمرين كان أكثر استحقاق للعقوية في نظر القاضي؟ هل هو التجمهر العام للمطالبة بالكهرباء المدفوع ثمنها للشركة بالرغم من سوء الخدمة؟ أم هو الإعلان عن التجمهر في الإعلام؟ تعيدنا هذه القضية للتناقض الواضح الذي نعيشه هنا بين ما أقرته حكومتنا من مباديء و مواثيق دولية لحقوق الإنسان و بين ما نمارسه هنا من تقييد و حبس و قوانين كارثية، لا يوجد في الحقيقة أي مبدأ ديني أو عالمي أو إنساني تم خرقه هنا من الصحفي حتى يتم جلده أمام شبكة الكهرباء سوى ردع المطالبين في المستقبل عن سلوك نفس المسلك في المطالبة و منح القداسة للمسؤول حتى مع تقصيره الذي يستحق أن يدفع ثمنه تعويضا عادلا للمتضررين، إن كان هذا الجزاء القاسي بإلحاق الذل و المهانة بمدير المدرسة المربّي و الصحفي عن مطالبة و تجمع سلمي واحد بعد سنتين من تداول القضية فمن سيحبس مسؤولي شركة الكهرباء و يجلدهم أمام بيوت المتضررين حتى تتحقق نفس مباديء العدالة؟ و الأهم من سيضع الضمانات التي تتكفل بإيصال الخدمات العامة لمستحقيها بلا تجمعات و لا مطالبات يعاقب عليها القانون هنا لحماية مواطنينا الباحثين عن حقوقهم من المصير نفسه؟ أما الهيئة العامة للصحافيين فأهديها هذه المقولة الشهيرة: ربما تكون هناك أوقات لا نستطيع فيها أن نمنع الظلم و لكن لا يجب أن يكون هناك أي وقت لا نستطيع فيه الاعتراض عليه…


بين الصحوة و الاختلاط

أتيح لي في الأيام القليلة السابقة قراءة ثلاثة بحوث معدّة عن الواقع السعودي و التغيرات المتلاحقة التي أثّرت في مجتمعنا على مدار عدة عقود، تناولت الأبحاث الثلاثة مفهوم المرأة السعودية و تقبّلها للاختلاط أو عدمه في العمل و الفضاء العام و تطور المجتمع المدني السعودي والنقاش الفكري في السعودية، كان من المثير أن ألاحظ تأثير الصحوة الإسلامية و التخوّف لدى صانعي القرار من مشاركة المجتمع المدني بأفراده ككل في بناء حراك يذكر، تأثير الفكر الديني علامة مشتركة في البحوث الثلاثة في صنع الواقع الحالي بعقباته و مشكلاته سواء في واقع المرأة السعودية أو تطور المجتمع المدني أو الصراع الفكري الدائر حاليا في السعودية، و بغض النظر عن العوامل التي أسهمت في خلق الحالة الدينية الحالية التي رصدتها الأبحاث الثلاثة في المجتمع السعودي فواقع المجتمع هنا بأفراده و فكره بالتأكيد أقل كثيرا من المأمول، و التأثير السلبي الذي خلّفته  سلطة التيار الديني سواء بدعم رسمي أم لا على تفكير و خيارات الأفراد و تطور المؤسسات هنا لا يمكن إغفاله، التساؤل المطروح هو ما الذي جعل الدين في حالة مواجهة مع تطور المجتمع و أفراده و ما الذي أخرج أجيالا من الصحويين تضع المرأة و اختلاطها مع الرجال من عدمه في قمة اهتمامها بينما يبقى المجتمع المدني و الحراك الفكري متأخرا عدة قرون؟ ما الذي عطّل الاستفادة من تعليم الفتيات هنا و جعله مجرد أداة تجميلية لا تصب في مصلحة الوطن ككل و عطّل طاقات النساء فلم يفدهن في استقلال مادي أو تأثير مجتمعي، ماالذي نتج عن مجلس الشورى من قرارات إصلاحية و تقويمية لمؤسسات المجتمع و فعاليتها، ما الذي حصر النقاش الفكري و الجدل هنا حول المفاهيم و الممارسات الدينية، و كيف انتهينا بتأسيس سلطات دينية رسمية عليا و فرعية لمراقبة ممارسات العبادة بل و صدّرناها لكل بلد و صبغنا بمفاهيمنا الخاصة كل ملّة و تركنا التنمية المدنية و الإنسانية و الاجتماعية و الفكرية بلا أي رقابة فعّالة، كان من المؤلم أن يستطيع باحثون غربيون رصد المجتمع السعودي بتاريخه و خفاياه و أن تبرز في أبحاثهم أسماء أشخاص دخلوا التاريخ السعودي هنا عنوة كرضوى يوسف مثلا و حملتها العجيبة “ولي أمري أدرى بأمري”، بينما تنحّى عن البحث و الرصد علامات لامعة لم تجد لها منفذا شعبيا للتأثير كحركات نسوية فعاّلة لفوزية العيوني ووجيهة الحويدر و غيرهن، كيف لازلنا بعد ثمانين عاما من الوحدة و التأسيس نناقش أمورا أساسية في المواطنة مثل حقوق النساء و الأقليات الدينية بينما كفلتها الدولة كأهداف ضرورية للتنمية و الاستثمار في المواطن و إن لم تحظ بدعم رسمي من صانع القرار، ليست المشكلة أن نحمل كأي مجتمع آخر هموم وتحديات و لكن المشكلة أن يقرأنا الآخر أفضل كثيرا مما نقرأ أنفسنا و أن يرصد بدقة مشكلاتنا و تحولات مجتمعنا فيعرضها للمهتمين للبحث و التجقيق بينما ندور نحن في فلك الثانويات و نهمل الأساسيات، لا ألوم هنا الفكر الصحوي و لا العاملين في الرقابة الدينية على الآخرين كثيرا فهذه وظيفتهم الرسمية التي تم تدريبهم على ممارستها و إقناعهم بجدواها بالرغم من الفشل العام، ولكن ألوم هنا كل فرد من هذا المجتمع الذي تجاوز أفراده بالتأكيد مرحلة التأسيس و البناء على الهرب أو التعايش السلبي مع الوضع العام، الأصوات التي تعلو للأسف هي أصوات نشاز و الأصوات التي يحتاجها المجتمع هنا تختفي في تأثيرها تحت سيف الرهبة أو الإجبار أو الفشل في صنع جذور و فروع تقوي تأثيرها، العامل المشترك في نتائج الأبحاث الثلاثة هو ضعف تأثير المجتمع المدني هنا أو الأفراد الغير رسميين في إحداث تأثير قوي، و بما أن الأمل المعقود على العاملين في المواقع الرسمية محدود جدا لضآلة صلاحياتهم أواهتمامهم بالصالح العام، فلا مفر من التثقيف العام في مجال العمل المدني للمجتمع هنا، عن طريق بناء حركة شعبية قوية تعكس رغبات الناس و مطالبهم، الحاجة لحركة شعبية تنشأ من المجتمع هنا أكثر من ضروري لأن القوانين ديناصورية لا تلبي حاجة الناس و ترغمهم على التحايل على أي قانون بدلا من اتباعه، و لأن معظم القوانين هنا إلحاقية لتعديل قانون عام مطاطي، تفترض في الغالب سوء النية كمبدأ عام لوضع القانون و نتائجها بالتالي كارثية كقوانين العقوبات و المواطنة و الأسرة و غيرها، لعل المثال الأفضل منع النساء من العمل إلا في عدم وجود اختلاط بالرغم من حاجة الكثيرات للكسب وعدم قدرتهن على متابعة التعليم، الخوف هنا من عواقب الاختلاط أكبر من الخوف من عواقب الفقر وكلاهما يؤديان لنفس النتيجة، كما أن المشرّع وواضع القوانين العامّة يتذرع بعدم البتّ في شأن عام يطالب به الجميع بتعليق البتّ فيه برغبة المجتمع، فهو هنا لا يستجيب للمجتمع في تحقيق مصلحة عامة ولا يصنع مواجهة لا تفيده مع التيارات الدينية الأكثر تسلطا هنا، حالة عدم البت هذه في قضايا المجتمع الملحّة لا تفيد أي طرف، المسؤول لا يعود يعمل لخدمة مصالح العامة بل العكس هو الصحيح، و مجلس الشورى ليس سوى مظهرا رسميا فقط بلا فاعلية في المساءلة أو الرقابة، الإعلام الشفاف و المسؤولين المنتخبين بشكل دوري تحت رقابة و سلطات كافية و تحجيم نفوذ التيار الديني أو غيره لصالح المصلحة العامة وتوفير منافذ رسمية مقننة للتعبير عن رغبة المجتمع عوامل هامة لتجنب الصدامات المجتمعية و حل العوائق و تقويمها بطرق سلمية، بدونها سيصبح الإصلاح مجرد كلمة مطاطية كقوانينا لا تفارق الحناجر ولا الأوراق…

 

السعودية عريفة للنساء

كانت لي معلمة غير تقليدية في المرحلة الابتدائية، كان العرف وقتها يقتضي بترسيم إحدى الطالبات كعريفة على الصف، هذه الطالبة هي في العادة شخصية منضبطة وحازمة ومقبولة دراسياً، مهمتها مقصورة على التبليغ بصورة رسمية للمدرسة عن المخالفات لما تعارف عليه، غياب أو تأخير أو صدامات أو تشويه لممتلكات المدرسة وما إلى ذلك، في مقابل انغماس «العريفة» في المراقبة فإنها تحظى بأفضلية في نقطتين، تملك سلطة تهديد وترهيب تجعل طلب رضاها غاية سامية لدى بقية الصف، ولا يراقبها شخصياً أي أحد في المقابل ولا يبلغ عن مخالفاتها الخاصة، معلمتنا غير التقليدية كسرت هذه القاعدة المثالية، قامت بتدوير منصب العريفة للمرة الأولى على جميع الطالبات، وبالتالي أتيحت الفرصة لأنماط الطالبات كافة بالتسلط والشعور بالأهمية، كانت النتائج عجيبة، اختفت السلطة المطلقة المسبغة على منصب العريفة، لأننا جميعنا صرنا أقدر على المحاسبة وأدرى بخفايا التبليغ والقوانين، كما أصبحت أقل أهمية، فهناك حرص الآن على عدم المبالغة في التهديد بما أن كل عريفة ستصبح مراقبة في الدورة المقبلة، انضبط الصف وقتها حتى عندما تخلّت العريفات عن الرقابة الحثيثة… الشاهد هنا أن العناصر الضعيفة للقيادة التي لا تمثل أي مثل أعلى لغيرها قد تنضبط إن وضعت في مقام القيادة بشكل يسهم في تدريبها ومشاركتها للعناصر الأقوى في المهمات والرؤى.

حالياً هناك جدل أكثر من مثير يدور في أروقة الأمم المتحدة حول أحدث إدارة تنضم للأمم المتحدة، وهي إدارة الأمم المتحدة للنساء، يعود إنشاء هذه الإدارة إلى سنوات من العمل المدني مع جمعيات مدنية ومنظمات خاصة بالمرأة أدت إلى إرساء القرار رقم 1325، وينص على التنبيه على الآثار الجسيمة التي تلحق بالنساء والفتيات في الصراعات المسلحة وأيضاً استبعادهن من أي تسويات لاحقة وقرارات خاصة بالسلام، المأمول من هذه الإدارة الجديدة أن تصبح جسداً مشرفاً على آليات مراقبة أوضاع النساء وتمكينهن في الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ورصد العوائق والمخالفات التي تمنع هذا التمكين… منذ العام 2000 قامت الكثير من الدول الأعضاء بخطوات جادة لتنفيذ القرار 1325 كإشراك النساء في قرارات التنمية وإدراجهن في الخطط الوطنية وصناعة القرار والعمل مع الجمعيات المدنية المحلية لدعم النساء والفتيات وتمكينهن ورفع تقارير الأداء للأمم المتحدة، ومن أفضل الأمثلة تكوين مجموعة من 25 دولة بقيادة كندا التي أنشأت مجموعة «أصدقاء المرأة والسلام والأمن» لدعم الجهود المشتركة والعمل على تنفيذ هذا القرار على أرض الواقع… وخرجت الدول الأعضاء من سياسات العمل المشترك باستراتيجية مهمة لتصنيف النشاطات كافة المتعلقة بتمكين المرأة تحت واحد من المحاور الخمسة الآتية: الوقاية، المشاركة، الحماية، الإغاثة والإنعاش، وتقويم النشاطات.

سبب الجدل المثار حالياً هو أن إيران والسعودية تتنافسان على مقاعد في مجلس هذه الإدارة الجديدة، وبالنظر إلى السجل غير المقبول لكل من الدولتين في دعم وتمكين النساء والتمييز ضدهن، فهناك تخوف دولي كبير من انضمام أي منهما إليها، ما يعنيني هنا هو انضمام السعودية لهذه الإدارة، من المنطقي أن يكون هناك تخوف أو عدم تحمس لنتائج انضمام السعودية لإدارة المرأة، وهو ما ينطبق على انضمامنا سابقاً لمعاهدات إلغاء أشكال التمييز كافة ضد المرأة بلا أي تقدم يذكر في أوضاع النساء هنا منذ أعوام عدة، أو انضمامنا وتوقيعنا على اتفاقات حقوق الإنسان التسعة سابقاً ومع ذلك لم يحدث أي تطور حقيقي في التزامنا محلياً بها، المتشائمون يصرون على أن الشق أكبر من الرقعة، وأن قوانيننا المحلية غير مهيأة بعد لاستيعاب المطالبات العالمية بتمكين النساء، يضربون أمثلة بزواج الصغيرات المخالفة لاتفاق حقوق الطفل والمرأة ومنع النساء من الكسب والعمل، على رغم حاجتهن الواضحة في مهن مقنّنة كالكاشيرات حديثاً ومأسسة قوانين التمييز ضد المرأة كقانون الولي والفصل العنصري في أجهزة الدولة كعوائق حقيقية لتمكين النساء هنا.

في الحقيقة أتفهم كل ذلك، لكني وبعد فشل وإحباط المحاولات الأخرى كافة هنا للتوعية بحقوق النساء وحاجاتهن أرى أن انضمام السعودية لمقعد الإدارة الجديدة يمكن أن يكون تحت خانة ما لا يضر وقد ينفع، ويمكن أن يقدّم سيناريو شبيهاً بتدوير منصب «العريفة» سابقاً في مدرستي، السيناريو المتوقع من انضمامنا هو أن يعمل وفد سعودي عالي المستوى مع وفود رائدة من الدول الأعضاء على صياغة استراتيجيات تمكين النساء ورصدها، وحتى مع افتراضي المسبق بأن الوفد المعين قد لا يكون أكثر من موظفين أو موظفات حكوميين لا يخرجون عن الدور المرسوم والمتوقع لهم أو لهن، إلا أنني أؤمن بأن احتكاكهم بوفود الدول الأكثر تقدماً سيجبرهم على إعادة النظر في السياسات المحلية وربما نقل التجارب الرائدة إلينا، وضعهم في موقع القيادة سيؤدي أيضاً إلى زيادة مساءلتهم ورقابتهم الذاتية على آليات تمكين النساء هنا، سيصبحون تحت أعين الفحص والإعلام، وستبرز كل التصريحات للعلن، وسترهقهم مطالبات الناشطين وأسئلتهم عن تناقض الواقع مع التصريح، وفي محاولة لتلميع الصورة العامة وكسب التأييد سيضطرون إلى وضع آليات ولو أقل من المأمول لتمكين النساء، وستصبح تلك الآليات وسيلة مهمة لمقاومة تهميش النساء هنا، وذريعة يتخذها الناشطون هنا للتسريع في نيل الحقوق، في كل الأحوال ستستمر عجلة التغيير التي بدأت هنا ولن تتوقف، وستثبت سياسة تدوير المناصب وإشراك الأعضاء الأضعف مرة أخرى جدواها في إحداث الأثر المطلوب، لذلك كله أؤيد الخطوة غير التقليدية في أن تصبح السعودية «عريفة» استثنائية أملاً في تحريك العجلة العالقة هنا، ولو جلب لنا ذلك الترشيح سخط الدول الأكثر جدارة بالمنصب.