الموقع محجوب

هناك واقع افتراضي يمنحني كما ملايين الناس الكثير من الأمل، يحمل لنا الواقع الافتراضي وعداً بتحقيق أهداف السلطة الرابعة المقيّدة غالباً بقيود النشر الرسمية وبتوجهات أباطرة الإعلام بغض النظر عن قوتهم، هذا الواقع الافتراضي حمل لنا تغييرات عدة دفعت بالحريات والعدالة، أوصل للعالم صوت الطلبة الإيرانيين وثوراتهم، على رغم قنوات الإعلام الرسمية ورقابته، نشر تعذيب السجناء العراقيين في سجن أبو غريب، تجاوز قصص الظلم والغرابة في محاكمنا وحرّك بحملاته الافتراضية عجلة الاعتراض على الظلم والعدالة.

في ويكيليكس أو موقع ويكي للتسريب سمح الواقع الافتراضي وللمرة الأولى بتسريب لما يقرب من 400 ملف عالي السرية لحرب العراق، حملت الملفات وثائق مسجلة بين 2004 وحتى 2009 لأحداث قتل سجلها جنود في الجيش الأميركي، جميع الأحداث هي شهادات أدلى بها أفراد من القوات الأميركية لأحداث حضروها أو سمعوا بها.

هناك ما قرابته 109 آلاف حادثة قتل تم سرد تفاصيلها في الوثائق، غالبيتها لمدنيين وأخرى لمقاومين عراقيين وأقلها لأفراد من قوى التحالف، الرقم الرسمي للقتلى من المدنيين بحسب الوثائق يعادل ما معدله 31 قتيلاً كل يوم في خلال الستة أعوام المنشورة. بمقارنة الرقم بما تم نشره في وثائق الحرب الأميركية – الأفغانية في الموقع نفسه وللفترة الزمنية نفسها يتضح أن حرب العراق حصدت خمسة أضعاف عدد القتلى الذين سقطوا في الحرب الأميركية الأفغانية، بالتالي أظهر موقع ويكيليكس أن عدد القتلى في العراق من المدنيين يزيد بما معدله 15 ألفاً على الرقم الذي نشرته السلطات الأميركية.

سارعت بالطبع القوات الأميركية والبريطانية فور نشر الوثائق للتأكيد على اتباعهما لبروتوكول رسمي في التبليغ عن أي حادثة قتل خلال الحرب وأنهما بتسجيل الوثائق يمنعان تكرار الإساءة إلى حقوق الأسرى والمدنيين، بالطبع لا تتفق منظمات حقوق الإنسان مع هذه التصريحات وتتهم السلطات الأميركية بنقل الأسرى المدنيين إلى سجون تعرضوا فيها إلى التعذيب المفضي للقتل.

أما مؤسس الموقع غوليان أسانغ، الذي تعرض بسبب النشر إلى حملة مضادة للتشكيك في صدقيته وعدم اعتباره لما سيلحقه النشر بأخطار على الجنود والأشخاص المعنيين الذين تظهر معلوماتهم بوضوح في الوثائق كنتيجة لردود الأفعال المتوقعة، فقد أكد ما أكده دائماً على الهدف من النشر وهو تحقيق الرسالة الأهم للصحافة بأن تكون سلطة رابعة تدعم وصول الحقيقة كما هي لكل شخص، وأن ما يقدمه كان من المفترض أن تقدمه السلطات الأميركية للصحافة بدلاً من الاضطرار لانتظار ظهور الحقيقة على المواقع غير الرسمية، كما أكد على خلو الوثائق من الأسماء الصريحة للأشخاص المعنيين بالأحداث.

المؤسس – وهو خبير في سياسات اختراق المعلومات والشبكات – يؤمن بتلقي الوثائق المهمة ونشرها بعد تشفير مصادرها وحمايتها من الاختراق على موقعه لدعم حرية النشر والتعبير في الإعلام، كما تسهم هذه الوثائق المنشورة في دعم الدقّة التاريخية وحقوق الإنسان كما أقرها الإعلان العالمي وعلى الأخص بفقرته الـ19، التي تنص على الحق في حمل أي رأي بلا تدخل والسعي للحصول على أي معلومات وأفكار عبر الإعلام بغض النظر عن الحدود والقيود.

أفضل ما يظهر في حادثة تسريب الوثائق هو تفضيل القيمة العليا لحرية الإعلام في نشر الحقيقة كما هي على حماية مصالح المعنيين بالأمر، وهو ما يظهر بوضوح الفرق في التعاطي مع حقوق الإنسان حتى في مواجهة مصالح دولة عظمى كالولايات المتحدة والادعاءات بخطورة النشر على حياة المعنيين بالأمر، فلا قيمة تعلو على قيمة الحقيقة ليس فقط لهذا الجيل ولكن للأجيال المقبلة، هذه القيمة الغائبة كثيراً في الإعلام حول العالم والمقيّدة بقوانين النشر ليست فقط ممكنة عبر الإعلام الحديث ولكن أيضاً مرغوبة لخلق تاريخ أقرب إلى الحقيقة، التاريخ الآن لا يكتبه الأقوياء فقط كما في السابق، نشر الوثائق والمستندات على موقع ويكيليكس هو انتصار للحقيقة وللتاريخ في الإعلام الجديد، الدعوة الأكثر تردداً الآن في أوساط السياسة الأميركية والعالمية هي الدعوة لإزالة قيود النشر عن الوثائق الرسمية وزيادة الشفافية حتى لا تفقد الشعوب الثقة في إداراتها وهو ما يكلف هذه الإدارات الكثير. نشر الوثائق سيدعم في المستقبل السياسات الشفافة والنزيهة في التعامل مع الأزمات وليس فقط حرية التعبير.

تأتي هذه الحادثة متزامنة مع قوانين جديدة نصدرها هنا لتقنين النشر في الإعلام الإلكتروني، كما فعلنا سابقاً في الإعلام الرسمي، وهو درس لقدرة الإنسان على التصدي ومقاومة القيود لإيصال رسالته، فلا فائدة من كل قيد على التعبير سوى في تشجيع اختراع ما يكسره، موقع ويكيليكس محمي بأفضل وسائل التقنية وأمهرها لمقاومة الاختراق، فيما لا أستطيع وأنا أتصفح مواقع رسمية من السعودية أن أتجاوز الحجب الرسمي لها كما في حجب الموقع الرسمي لاتفاق القضاء على التمييز ضد المرأة كمثال، عشرات البرامج المصممة لإزالة الحجب ستساعدني في تجاوز الحجب الرسمي. ثقافة الحجب لم تعد تفيد، ثقافة منح الثقة ودعم الحريات هي الخيار الوحيد لخلق مناخ قادر على تجاوز الأخطاء وتصحيح الأفكار السيئة، السلاح الوحيد لمقاومة الأفكار السيئة هو باستبدالها بأفكار أفضل منها وليس بسجنها ولا عزلها.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s