أين نودع هذه العورات؟

قضية سمر بدوي الشابة و الأم المسجونة بلا حكم قضائي ليست مجرد قضية عنف أسري تنتظر انفراجة ما من قمة الدولة، هي ليست فقط مجرد سيدة اختار قاض ما أن يضعها في خيار ما بين السجن و بين العودة لوالدها المعنّف، هي قضية تبرز لنا ما أبرزته من قبل قضية الطبيبة الأربعينية المقيمة منذ خمسة سنوات في دار الحماية بالمدينة المنورة بلا خيار أيضا هربا من والدها و عضله، كل هؤلاء النساء علامة على ظاهرة خطيرة في مجتمعنا، ماذا يحدث إن قررت المرأة الانفراد بدخلها أو بحياتها في أمن أو اختيار زوجها أو الاعتراض على ولي أمرها في حال إجبارها على الانصياع لمصلحته ضد مصلحتها؟… تكشف لنا هذه القضايا عوراتنا المؤلمة و التي نتجاهلها بعدة تبريرات غير عقلانية… مثل كون هذه الحالات شذوذ و ليست قاعدة، أو أننا نعود إلى توجيه الدين ولو كان تفسيره هنا يدعم مصالح كل المعنيين فيما عدا المرأة، أو أننا نتجنب هدم نواة المجتمع “الأسرة”، وكل مالا يقبله في هذا العصر منطق ولا مصلحة، بينما نتجنب مواجهة هذه المشكلات جميعا بالحل المنطقي الأيسر و الأكثر تفضيلا للمصلحة الخاصة و العامة، بأن نعتبر المرأة إنسانا مساويا للذكر في حقوقها وواجباتها، مما يفرض هنا أن نمنحها حق الأهلية الذاتية لاختيار مصلحتها أسوة بالتوجيه الربّاني و الإنساني العادل… في تقرير “قاصرات مدى الحياة” الصادر عن منظمة حقوق الإنسان تبرز آثار تعاملات مختلف أجهزة الدولة مع النساء، في تعامل المؤسسة الدينية مع المرأة مثلا “ربما ليس من المدهش أنه في غالبية الحسابات، إذا وجب المفاضلة بين حق المرأة وحق الآخرين، يطالب أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء دائماً بأن تتحمل المرأة عبء خسارة الحق”… وفي التعاطي مع حالات العنف المنزلي فيورد التقرير الآتي “إن فرض ولاية الرجل على المرأة تجعل من شبه المستحيل على ضحايا العنف المنزلي السعي بشكل مستقل إلى الحصول على الحماية أو التعويض القانوني. وكثيراً ما تطلب الشرطة من النساء والفتيات الحصول على إذن أولي الأمر قبل التقدم بشكوى جنائية، حتى لو كانت الشكوى ضد ولي الأمر… غياب تشريع محدد يُجرم كل أشكال العنف الأسري وشبه استحالة إلغاء الولاية الممنوحة للأقارب الذين يسيئون إلى المرأة يمكن أن تتسبب في خوض النساء والأطفال حياة من العنف. وطبقاً لمحامية تعمل مع الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان (منظمة حقوق الإنسان الوحيدة شبه المستقلة في البلاد)، فإن إلغاء ولاية الأب، حتى لو كان مسيئاً، هي إحدى أصعب القضايا التي يمكن توليها. ولا تتعدى نسبة النجاح فيها 1 إلى 2%.. غياب الأهلية القانونية الكاملة يؤثر على المطلقات والأرامل على وجه الخصوص، والعديدات منهن يجدن الحياة في السعودية صعبة دون وجود ولي أمر مستعد وقادر على الذهاب إلى المكاتب الحكومية بالنيابة عنهن. وقالت امرأة لـ هيومن رايتس ووتش: “أحتاج لولي أمر في كل شيء، والفقر يصعب من هذا الوضع. فالنساء يضعن في غياب ولي الأمر. حياتها كلها تتوقف. لا يمكنها فعل أي شيء”. وقالت امرأة أخرى لـ هيومن رايتس ووتش إن أمها قررت التزوج ثانية بسبب المشكلات الناجمة عن غياب ولي الأمر. وقالت: “اضطرت للتزوج لكي تنجز ما تريد إنجازه، وقالت لي: بعت جسدي كي أتمكن من إتمام معاملاتي الإدارية. لقد أضررت بسمعتي وكرامتي، لكنني تمكنت من تصريف أموري… ورأيت كم عانت أمي من الولاية. لا يمكننا اتخاذ خطوة واحدة دون موافقة ولي الأمر”…

نظام الولاية بالضرورة يتطلب وجود تبعات قانونية و صحية و اجتماعية على النساء هنا، واضعي النظام لم يتعاملوا بوضوح مع مثل هذه التبعات و إمكانية حدوث الضرر للنساء بسببه، تعطلت أمور هامة مثل اعتبار المرأة أهلا للتقاضي و مباشرة مصالحها و الحصول على عمل يمنع عنها عضل الرجال و استغلالهن و قيامها على تربية أطفالها باستقلال و بكرامة كمواطنة كاملة الأهلية تم تعطيلها بالحاجة للذكر، إن كان نظام الولاية مقبول تاريخيا لتحقيق أمن و رعاية للنساء بسبب حبسهن في المنازل و سعي الرجال عليهن و عزلهن عن الحياة العامة، فهو لا يخدم المرأة اليوم وهي قادرة متعلمة راشدة و تعيش في كنف دولة حديثة بها أنظمة أمن وقضاء و أجهزة مدنية يفترض أنها تقوم على خدمة كافة المواطنين و المواطنات بلا تمييز… تزداد مشكلة نظام الولاية تعقيدا لصعوبة نزع الولاية عن الراشدات لتعطل مصالحهن في القضاء و أجهزة الدولة التي لا تعترف باستقلال النساء قانونيا ولا اجتماعيا حتى مع العضل و العنف، و بالتالي تصبح المرأة المواطنة هنا قاصرا بالفعل مدى الحياة و إن كانت قادرة وراشدة و إن كان وليّها الذكر غير قادر ولا عدل…

إصلاح الخلل في القضاء و كتابة أنظمة و أحكام واضحة للتقاضي و الحقوق بالرغم من أهميتها العظيمة لحفظ الحقوق،  إلا أن ذلك لن يحل مشكلة المرأة القاصر هنا في شيء طالما لم يتم اعتبار استقلاليتها القانونية و التشريعية، لأنها لا زالت تعاني من الحياة في وضع تبعية لا يمكن تجنب الأذى فيه سوى بافتراض عدالة الولي، تصبح أمورا مثل التقاضي و برامج الحماية الاجتماعية التي اقتصرت على توفير سجونا بديلا للنساء المتضررات عن سجونهن الأبدية حلولا غير مقبولة ولا فعالة، لن توقف سيل القضايا التي تهز المجتمع هنا من وقت لآخر، بل قد تدفع النساء إلى سلوك المحظور نفسه الذي تحاول حمايته مثل تلك الأنظمة الواهية هربا من حياة فيها استغلال واضح و إهدار لآدميتهن بلا رقيب، الحل الأكثر منطقية وعدالة هو منح الأهلية الذاتية الكاملة لنصف المجتمع هنا و إلغاء نظام الولاية المقيّد لحقوقهن… من المؤسف بالفعل أننا لا نزال هنا ندور و نبحث كما العصور الوسطى الظلامية حول نفس السؤال “هل المرأة إنسان؟”…

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s