و لكن أين الأسرة


بالرغم من التغييرات الإيجابية الكثيرة التي حملها التغيير الوزاري الأخير في المملكة إلا أن أمرا واحدا كنت أنتظره كغيري لم يتحقق بعد، الوزارة الأهم و التي كنت أنتظر الإعلان عنها  هي وزارة لشؤون الأسرة، فالتغيرات المتعددة التي يواجهها مجتمعنا و التي تظهر لنا كل يوم في أخبار تنبيء عن تحولات مخيفة في العلاقات الأسرية و تعاملات القضاء معها هي ما يؤكد أهمية هذه الوزارة، برنامج الأمان الأسري مثلا الذي انطلق بمبادرة من جهات صحية أولا لمحاربة انتشار العنف المنزلي لا يزال متأرجحا بعيدا عن تحقيق أهدافه الكبيرة لضآلة صلاحيات القائمين عليه و عدم وجود تشريعات قانونية ملزمة للجهات المعنية بالتعاون معهم، فالعنف لا يظهر فقط لدى المعنفين حال إصابتهم إصابة تستدعي التوجه للمستشفيات -هذا إذا تم اكتشافها- بل هو حدث يمكن ملاحظته في المدارس و مراكز الشرطة والجمعيات الخيرية و الأهلية، و في ظل عدم وجود أنظمة موحدة و مدروسة لاكتشافها و للتعامل مع البلاغات و تنظيم الإجراءات المتبعة في حالات العنف الأسري فلن يثمر برنامج المكافحة الكثير من أهدافه، و ينطبق الأمر نفسه على قضايا الطلاق و الحضانة و التي تعاني بسببها الكثير من الأسر، و الحاجة هنا كبيرة لإعادة النظر في التشريعات القانونية و الأحكام القضائية التي تنظم قوانين الزواج والطلاق و الحضانة و النفقة بما تتحقق معه المصلحة العامة، و ليس بعيدا عنا التفريق بسبب النسب و عدم تبليغ الزوجة بوقوع الطلاق و استمرار معاشرة الزوج للزوجة بلا أي وسيلة لتبليغها بوقوع الطلاق، و قضايا تزويج الصغيرات والفوضى الحادثة في أمور الحضانة و النفقة هي من أولى الأمور  بالمتابعة و التنظيم، كما لا يبتعد عن أي متابع الواقع المرير لمطالبات الطلاق و التي تتحول إلى خلع بالتقسيط لطول مدة نظر القضايا و تعنت الأزواج، كما يمكن تقنين تعدد الزوجات كنظام ووضع الأحكام و القوانين الكفيلة بعدم استغلال النساء و إهمال الأطفال و من ذلك النظر في التعامل مع الفتاوي المتعددة التي تشوه كيان الأسرة و تلحق ضررا دائما بالزوجات و الأطفال كزواج المسيار و غيره، أحكام الوراثة هي قضية أخرى تحتاج إلى إعادة نظر في آليات تنفيذ الأحكام، ونظرا لطبيعة نظام الأولياء لدينا فهي تنتهي في الكثير من الأحيان بعضل النساء و القصر و إن توفرت العدالة قانونا، و هناك الكثير مما يمكن لمثل تلك الوزارة النظر فيه كقضايا هروب الفتيات و المراهقين و تنظيم آليات استخراج الأوراق الرسمية و الالتحاق بالمدارس أو الوظائف أو النظر في تزويج الفتيات للمتنازعين في الأسرة سواء كانوا في المملكة أو خارجها، و كذلك النظر في إدخال وسائل الفحص الحديثة في إثبات النسب و هي مشكلة متكررة في الآونة الأخيرة، فلا يوجد ما يمنع من استخدام آليات الفحص العلمي الحديثة كبينات للفصل بين المتنازعين و حفظ الحقوق، قضية التعامل مع جنوح الأحداث و الأطفال يمكن أيضا أن تكون ضمن مهام الوزارة الجديدة، و هي هنا تهيء الطريق نحو إعداد أفراد أفضل في بيئات أكثر أمنا و عدالة بعيدا عن تطبيق قوانين الراشدين على مراهقين يضطرهم الإهمال و غياب الرعاية إلى الانحراف، كما يمكن أن تتولى الوزارة الناشئة  عمليات التنسيق بين الوزارات المختلفة و الجهات البحثية و الأكاديمية فيما يخص دراسة و تطوير الإجراءات المتبعة في القضايا التي تمس كيان الأسرة، و ما يتضمنه ذلك من نقل لوسائل المعرفة و تقنيات العمل مع الفئات الأضعف، و لا شك أن الوزارة الجديدة ستصبح مسؤولة عن مهام مشتتة حاليا بين كل الوزارات، مما يؤدي إلى ضعف نتائج التعامل مع قضايا الأسرة، و إعطاء الأمر لوزارة واحدة للنظر في مختلف المحاور التي تمس أفراد الأسرة و تؤثر على استقرارهم سينعكس بالتأكيد على مصلحة أكبر لأفرادها و على خلق بيئات أكثر أمنا و استقرارا، و لنا أسوة في ذلك بمختلف الدول المتقدمة التي خصصت للأسرة -هذه النواة الهامة للمجتمع- وزارة تعنى بشؤونها، و يمكن تشكيل العاملين فيها من المتخصصين بعلوم النفس و الاجتماع و القانون و الإدارة للحصول على أفضل النتائج الممكنة، و يمكن أيضا البدء في الإعداد لمثل هذه الوزارة بتبني برامج عمل متطورة و تطبيقها مبدئيا في بيئة مصغرة قبل تعميمها على مختلف المناطق، و لا يخفى على أي مشاهد للساحة المحلية و الخارجية الحاجة الكبيرة لسد الخلل في تشريعات التعامل مع الأسرة والمرأة و الطفل و التي تواجه بسببها سياسات المملكة الكثير من الانتقادات محليا و خارجيا، و التي لا يستطيع تبريرها في الكثير من الأحيان الوفود المعدة لهذا الغرض بالرغم من تدخل الجهات العليا و السامية في حالات كثيرة للحد من آثارها السيئة على أفراد المجتمع، و ليس هناك سبب رئيسي لمثل تلك الحالات سوى غياب التشريعات أو سوء تطبيقها لسبب أو لآخر، الوزارة الجديدة هي أمل يمكن أن ينتشل الأسر من تلك الأحداث التي تواجهها المحاكم و المستشفيات و المجتمع ككل و من الحلقة المفرغة المخيفة للعنف المنزلي و للجنوح و لزواج الصغيرات و لمشكلات الطلاق و الحضانة و غيرها، و تشجعني هنا التطورات الحديثة في التشكيلات الوزارية لدى صانعي القرار باقتراح هذه الوزارة الهامة و التي -على العكس من بقية الوزارات- لن تعمل فقط لسد جزئيات صغيرة من حياة المواطن السعودي بل ستشكل الجزء الأهم و الأولى بالرعاية في حياته الخاصة و التي تتشكل بناء على جهودها بناؤه الشخصي و عطاؤه في المجتمع ككل، و إذا كنا في طور التغيير و التطوير فليس هناك ما هو أجدر منها بالجهد، و إن كنا بحاجة إلى الإعلام و الثروات المادية و الصحية و االتعليم فكلها ليست شيئا بلا أفراد أسوياء مكتفين اجتماعيا في أسرصحية تعدهم لإثراء هذا الوطن…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s