الموقع محجوب

هناك واقع افتراضي يمنحني كما ملايين الناس الكثير من الأمل، يحمل لنا الواقع الافتراضي وعداً بتحقيق أهداف السلطة الرابعة المقيّدة غالباً بقيود النشر الرسمية وبتوجهات أباطرة الإعلام بغض النظر عن قوتهم، هذا الواقع الافتراضي حمل لنا تغييرات عدة دفعت بالحريات والعدالة، أوصل للعالم صوت الطلبة الإيرانيين وثوراتهم، على رغم قنوات الإعلام الرسمية ورقابته، نشر تعذيب السجناء العراقيين في سجن أبو غريب، تجاوز قصص الظلم والغرابة في محاكمنا وحرّك بحملاته الافتراضية عجلة الاعتراض على الظلم والعدالة.

في ويكيليكس أو موقع ويكي للتسريب سمح الواقع الافتراضي وللمرة الأولى بتسريب لما يقرب من 400 ملف عالي السرية لحرب العراق، حملت الملفات وثائق مسجلة بين 2004 وحتى 2009 لأحداث قتل سجلها جنود في الجيش الأميركي، جميع الأحداث هي شهادات أدلى بها أفراد من القوات الأميركية لأحداث حضروها أو سمعوا بها.

هناك ما قرابته 109 آلاف حادثة قتل تم سرد تفاصيلها في الوثائق، غالبيتها لمدنيين وأخرى لمقاومين عراقيين وأقلها لأفراد من قوى التحالف، الرقم الرسمي للقتلى من المدنيين بحسب الوثائق يعادل ما معدله 31 قتيلاً كل يوم في خلال الستة أعوام المنشورة. بمقارنة الرقم بما تم نشره في وثائق الحرب الأميركية – الأفغانية في الموقع نفسه وللفترة الزمنية نفسها يتضح أن حرب العراق حصدت خمسة أضعاف عدد القتلى الذين سقطوا في الحرب الأميركية الأفغانية، بالتالي أظهر موقع ويكيليكس أن عدد القتلى في العراق من المدنيين يزيد بما معدله 15 ألفاً على الرقم الذي نشرته السلطات الأميركية.

سارعت بالطبع القوات الأميركية والبريطانية فور نشر الوثائق للتأكيد على اتباعهما لبروتوكول رسمي في التبليغ عن أي حادثة قتل خلال الحرب وأنهما بتسجيل الوثائق يمنعان تكرار الإساءة إلى حقوق الأسرى والمدنيين، بالطبع لا تتفق منظمات حقوق الإنسان مع هذه التصريحات وتتهم السلطات الأميركية بنقل الأسرى المدنيين إلى سجون تعرضوا فيها إلى التعذيب المفضي للقتل.

أما مؤسس الموقع غوليان أسانغ، الذي تعرض بسبب النشر إلى حملة مضادة للتشكيك في صدقيته وعدم اعتباره لما سيلحقه النشر بأخطار على الجنود والأشخاص المعنيين الذين تظهر معلوماتهم بوضوح في الوثائق كنتيجة لردود الأفعال المتوقعة، فقد أكد ما أكده دائماً على الهدف من النشر وهو تحقيق الرسالة الأهم للصحافة بأن تكون سلطة رابعة تدعم وصول الحقيقة كما هي لكل شخص، وأن ما يقدمه كان من المفترض أن تقدمه السلطات الأميركية للصحافة بدلاً من الاضطرار لانتظار ظهور الحقيقة على المواقع غير الرسمية، كما أكد على خلو الوثائق من الأسماء الصريحة للأشخاص المعنيين بالأحداث.

المؤسس – وهو خبير في سياسات اختراق المعلومات والشبكات – يؤمن بتلقي الوثائق المهمة ونشرها بعد تشفير مصادرها وحمايتها من الاختراق على موقعه لدعم حرية النشر والتعبير في الإعلام، كما تسهم هذه الوثائق المنشورة في دعم الدقّة التاريخية وحقوق الإنسان كما أقرها الإعلان العالمي وعلى الأخص بفقرته الـ19، التي تنص على الحق في حمل أي رأي بلا تدخل والسعي للحصول على أي معلومات وأفكار عبر الإعلام بغض النظر عن الحدود والقيود.

أفضل ما يظهر في حادثة تسريب الوثائق هو تفضيل القيمة العليا لحرية الإعلام في نشر الحقيقة كما هي على حماية مصالح المعنيين بالأمر، وهو ما يظهر بوضوح الفرق في التعاطي مع حقوق الإنسان حتى في مواجهة مصالح دولة عظمى كالولايات المتحدة والادعاءات بخطورة النشر على حياة المعنيين بالأمر، فلا قيمة تعلو على قيمة الحقيقة ليس فقط لهذا الجيل ولكن للأجيال المقبلة، هذه القيمة الغائبة كثيراً في الإعلام حول العالم والمقيّدة بقوانين النشر ليست فقط ممكنة عبر الإعلام الحديث ولكن أيضاً مرغوبة لخلق تاريخ أقرب إلى الحقيقة، التاريخ الآن لا يكتبه الأقوياء فقط كما في السابق، نشر الوثائق والمستندات على موقع ويكيليكس هو انتصار للحقيقة وللتاريخ في الإعلام الجديد، الدعوة الأكثر تردداً الآن في أوساط السياسة الأميركية والعالمية هي الدعوة لإزالة قيود النشر عن الوثائق الرسمية وزيادة الشفافية حتى لا تفقد الشعوب الثقة في إداراتها وهو ما يكلف هذه الإدارات الكثير. نشر الوثائق سيدعم في المستقبل السياسات الشفافة والنزيهة في التعامل مع الأزمات وليس فقط حرية التعبير.

تأتي هذه الحادثة متزامنة مع قوانين جديدة نصدرها هنا لتقنين النشر في الإعلام الإلكتروني، كما فعلنا سابقاً في الإعلام الرسمي، وهو درس لقدرة الإنسان على التصدي ومقاومة القيود لإيصال رسالته، فلا فائدة من كل قيد على التعبير سوى في تشجيع اختراع ما يكسره، موقع ويكيليكس محمي بأفضل وسائل التقنية وأمهرها لمقاومة الاختراق، فيما لا أستطيع وأنا أتصفح مواقع رسمية من السعودية أن أتجاوز الحجب الرسمي لها كما في حجب الموقع الرسمي لاتفاق القضاء على التمييز ضد المرأة كمثال، عشرات البرامج المصممة لإزالة الحجب ستساعدني في تجاوز الحجب الرسمي. ثقافة الحجب لم تعد تفيد، ثقافة منح الثقة ودعم الحريات هي الخيار الوحيد لخلق مناخ قادر على تجاوز الأخطاء وتصحيح الأفكار السيئة، السلاح الوحيد لمقاومة الأفكار السيئة هو باستبدالها بأفكار أفضل منها وليس بسجنها ولا عزلها.

 

Advertisements

بدون تعليق

 

أين نودع هذه العورات؟

قضية سمر بدوي الشابة و الأم المسجونة بلا حكم قضائي ليست مجرد قضية عنف أسري تنتظر انفراجة ما من قمة الدولة، هي ليست فقط مجرد سيدة اختار قاض ما أن يضعها في خيار ما بين السجن و بين العودة لوالدها المعنّف، هي قضية تبرز لنا ما أبرزته من قبل قضية الطبيبة الأربعينية المقيمة منذ خمسة سنوات في دار الحماية بالمدينة المنورة بلا خيار أيضا هربا من والدها و عضله، كل هؤلاء النساء علامة على ظاهرة خطيرة في مجتمعنا، ماذا يحدث إن قررت المرأة الانفراد بدخلها أو بحياتها في أمن أو اختيار زوجها أو الاعتراض على ولي أمرها في حال إجبارها على الانصياع لمصلحته ضد مصلحتها؟… تكشف لنا هذه القضايا عوراتنا المؤلمة و التي نتجاهلها بعدة تبريرات غير عقلانية… مثل كون هذه الحالات شذوذ و ليست قاعدة، أو أننا نعود إلى توجيه الدين ولو كان تفسيره هنا يدعم مصالح كل المعنيين فيما عدا المرأة، أو أننا نتجنب هدم نواة المجتمع “الأسرة”، وكل مالا يقبله في هذا العصر منطق ولا مصلحة، بينما نتجنب مواجهة هذه المشكلات جميعا بالحل المنطقي الأيسر و الأكثر تفضيلا للمصلحة الخاصة و العامة، بأن نعتبر المرأة إنسانا مساويا للذكر في حقوقها وواجباتها، مما يفرض هنا أن نمنحها حق الأهلية الذاتية لاختيار مصلحتها أسوة بالتوجيه الربّاني و الإنساني العادل… في تقرير “قاصرات مدى الحياة” الصادر عن منظمة حقوق الإنسان تبرز آثار تعاملات مختلف أجهزة الدولة مع النساء، في تعامل المؤسسة الدينية مع المرأة مثلا “ربما ليس من المدهش أنه في غالبية الحسابات، إذا وجب المفاضلة بين حق المرأة وحق الآخرين، يطالب أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء دائماً بأن تتحمل المرأة عبء خسارة الحق”… وفي التعاطي مع حالات العنف المنزلي فيورد التقرير الآتي “إن فرض ولاية الرجل على المرأة تجعل من شبه المستحيل على ضحايا العنف المنزلي السعي بشكل مستقل إلى الحصول على الحماية أو التعويض القانوني. وكثيراً ما تطلب الشرطة من النساء والفتيات الحصول على إذن أولي الأمر قبل التقدم بشكوى جنائية، حتى لو كانت الشكوى ضد ولي الأمر… غياب تشريع محدد يُجرم كل أشكال العنف الأسري وشبه استحالة إلغاء الولاية الممنوحة للأقارب الذين يسيئون إلى المرأة يمكن أن تتسبب في خوض النساء والأطفال حياة من العنف. وطبقاً لمحامية تعمل مع الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان (منظمة حقوق الإنسان الوحيدة شبه المستقلة في البلاد)، فإن إلغاء ولاية الأب، حتى لو كان مسيئاً، هي إحدى أصعب القضايا التي يمكن توليها. ولا تتعدى نسبة النجاح فيها 1 إلى 2%.. غياب الأهلية القانونية الكاملة يؤثر على المطلقات والأرامل على وجه الخصوص، والعديدات منهن يجدن الحياة في السعودية صعبة دون وجود ولي أمر مستعد وقادر على الذهاب إلى المكاتب الحكومية بالنيابة عنهن. وقالت امرأة لـ هيومن رايتس ووتش: “أحتاج لولي أمر في كل شيء، والفقر يصعب من هذا الوضع. فالنساء يضعن في غياب ولي الأمر. حياتها كلها تتوقف. لا يمكنها فعل أي شيء”. وقالت امرأة أخرى لـ هيومن رايتس ووتش إن أمها قررت التزوج ثانية بسبب المشكلات الناجمة عن غياب ولي الأمر. وقالت: “اضطرت للتزوج لكي تنجز ما تريد إنجازه، وقالت لي: بعت جسدي كي أتمكن من إتمام معاملاتي الإدارية. لقد أضررت بسمعتي وكرامتي، لكنني تمكنت من تصريف أموري… ورأيت كم عانت أمي من الولاية. لا يمكننا اتخاذ خطوة واحدة دون موافقة ولي الأمر”…

نظام الولاية بالضرورة يتطلب وجود تبعات قانونية و صحية و اجتماعية على النساء هنا، واضعي النظام لم يتعاملوا بوضوح مع مثل هذه التبعات و إمكانية حدوث الضرر للنساء بسببه، تعطلت أمور هامة مثل اعتبار المرأة أهلا للتقاضي و مباشرة مصالحها و الحصول على عمل يمنع عنها عضل الرجال و استغلالهن و قيامها على تربية أطفالها باستقلال و بكرامة كمواطنة كاملة الأهلية تم تعطيلها بالحاجة للذكر، إن كان نظام الولاية مقبول تاريخيا لتحقيق أمن و رعاية للنساء بسبب حبسهن في المنازل و سعي الرجال عليهن و عزلهن عن الحياة العامة، فهو لا يخدم المرأة اليوم وهي قادرة متعلمة راشدة و تعيش في كنف دولة حديثة بها أنظمة أمن وقضاء و أجهزة مدنية يفترض أنها تقوم على خدمة كافة المواطنين و المواطنات بلا تمييز… تزداد مشكلة نظام الولاية تعقيدا لصعوبة نزع الولاية عن الراشدات لتعطل مصالحهن في القضاء و أجهزة الدولة التي لا تعترف باستقلال النساء قانونيا ولا اجتماعيا حتى مع العضل و العنف، و بالتالي تصبح المرأة المواطنة هنا قاصرا بالفعل مدى الحياة و إن كانت قادرة وراشدة و إن كان وليّها الذكر غير قادر ولا عدل…

إصلاح الخلل في القضاء و كتابة أنظمة و أحكام واضحة للتقاضي و الحقوق بالرغم من أهميتها العظيمة لحفظ الحقوق،  إلا أن ذلك لن يحل مشكلة المرأة القاصر هنا في شيء طالما لم يتم اعتبار استقلاليتها القانونية و التشريعية، لأنها لا زالت تعاني من الحياة في وضع تبعية لا يمكن تجنب الأذى فيه سوى بافتراض عدالة الولي، تصبح أمورا مثل التقاضي و برامج الحماية الاجتماعية التي اقتصرت على توفير سجونا بديلا للنساء المتضررات عن سجونهن الأبدية حلولا غير مقبولة ولا فعالة، لن توقف سيل القضايا التي تهز المجتمع هنا من وقت لآخر، بل قد تدفع النساء إلى سلوك المحظور نفسه الذي تحاول حمايته مثل تلك الأنظمة الواهية هربا من حياة فيها استغلال واضح و إهدار لآدميتهن بلا رقيب، الحل الأكثر منطقية وعدالة هو منح الأهلية الذاتية الكاملة لنصف المجتمع هنا و إلغاء نظام الولاية المقيّد لحقوقهن… من المؤسف بالفعل أننا لا نزال هنا ندور و نبحث كما العصور الوسطى الظلامية حول نفس السؤال “هل المرأة إنسان؟”…

 

نعمل لأجلكم و نأسف لإزعاجكم

أقترح أن يتم استعارة هذا الشعار من أمانات المدن و تثبيته على الكتب المدرسية لوزارة التربية و التعليم، أخلت أمانات المدن مسؤوليتها عن الإزعاج المستمر لأعمال الطرق التي لا تنتهي بوضع هذا الشعار، تستطيع أيضا وزارة التربية و التعليم أن تبريء ذمتها عن كل الذي تسببه مناهجها المكتوبة للقرون الوسطى لآلاف الأطفال و الأمهات و و الآباء من قلق و ضغط… لنأخذ مثلا كتاب الإملاء للصف السادس الابتدائي و الذي يورد درسا للتحذير من وضع الإحسان في غير مواضعه، تقول القطعة بالنص الحرفي ” خرج فتيان يتصيدون فصادوا ضبعا لجأت إلى مأوى امريء يسكن تلك النواحي، فأقبل عليهم بالسيف مسلولا ليبعدهم، فقالوا له: لماذا تمنعنا من صيدنا؟ قال: لئن لم تنتهوا عن صيدها لأسفكن دمائكم فتركوها و انصرفوا و جعل يسقيها اللبن و يعطيها مؤونة جيدة حتى حسنت هيئتها فبينما هو ذات يوم نائم عدت عليه صؤولة بأنيابها و شقت بطنه و شربت دمه و هذا جزاء الذي يفعل المعروف في غير أهله”… توضح هذه القطعة بجلاء أي عصر يتحدث عنه المؤلف، أي انفصال تمثله عن جميل اللغة العربية و أدبها أو حسن التربية أو عقلانية المنطق و قربه من أطفال العصر الألكتروني؟… هل يمكن أن تبرر لطفل في الحادية عشر غرابة أن يخرج فتية لاصطياد ضبع من بين كل الحيوانات؟ أو أن يلجأ الضبع لإنسان ليأويه و هو الهارب من البشر؟ أو أن يكون الشخص على استعداد لقتلهم بالسيف المسلول لإبعادهم عن ضبع شرس؟ أو أن يطعم الضبع لبنا و مؤونة حتى تكبر، أو بشاعة تصوير قتلته، أو حتى مفردة “صؤولة” التي لا أدري من أي معجم تم اصطيادها؟… إن لم تكف هذه القطعة لسد ذائقة الطفل تماما فيمكن أن نقلب الصفحة للقطعة التالية، و تقول بنص حرفي أيضا ” دخل غلام غرفته فرأى قطا، فبادر بإغلاق النوافذ و جعل يعدو وراء القط و يضربه بالعصا وهو يموء و يقفز حتى كسر بعض الأدوات فاغتاظ الغلام و ازداد في الضرب المؤلم من غير شفقة فتألم القط كثيرا ولم يجد مفرا قاستجمع قواه ووثب على الغلام ففقأ عينه ففتح الغلام الباب مستغيثا ففر القط و نجا و بقي الغلام مفقوء العين مشوه الوجه طوال حياته و عرف أن الظلم يوجب لصاحبه البلاء و يوقعه في الشقاء”… هل تستطيع أن تحزر عزيزي الراشد أي درس مستفاد من القطعة؟ ربما تظن الرحمة بالحيوان؟ أو التريث قبل العمل؟… الدرس المستفاد في الحقيقة هو عاقبة الظلم!… كان لا بد لدى التربوي واضع النص من استجلاب شناعة وصف الضرب و التكسير و فقأ الأعين حتى يدرك الصغير معنى الرأفة وعاقبة الظلم… هناك ماهو أسوأ بالطبع وهذا هو ما بدا لي حتى الآن، و أغلب منهج الإملاء بعدها هو نصوص دينية من الأحاديث أو التراث الإسلامي، نحن نقيم اللجان و نقعدها لإصلاح المناهج الذي لا يتم، و تقوم الدنيا حولنا بسبب 11 إرهابيا من مخرجات تعليمنا، بينما مبدأ درهم وقاية خير من قنطار علاج معلّق حتى إشعار آخر و لم يدخل حيز التطبيق بعد، هذان النصّان هما فقط ما وقعت عليهما يداي و ما خفي كان أعظم… ما تفضّل به وزير التعليم السابق الدكتور محمد الرشيد من توضيح لنقص تأهيل التربويين و فشل محاولات التطوير يستحق الإشادة، النقص في العقول و التأهيل بالتأكيد ظاهر في هذه النصوص و غيرها في الكتب مما اكتشفته الوزارة و سحبته متأخرة بعد توزيعه، و لكنه لا يكفي ذريعة للصمت تجاه هذا الاستمراء في تجاهل المناهج… حتى متى يبذل أطفالنا أوقاتهم و عقولهم في هذا التغييب المؤذي، لو أنه متروك في خانة ما لا يضر و لا ينفع لكان مقبولا كما غيره من الغث في مدخلات التعليم هنا، لكن لا يمكن تجاهل استياء طفل في الحادية عشرة من مجرّد الاطلاع على كلمات النصوص المقززّة فكيف بحفظه و التدرب عليه، متى نخرج من ثقافة الغزو و السيف و الترهيب إلى رحابة العقل و الأدب و المنطق و العلم؟… حتى متى نؤجل تهيئة الصغار و نستسلم لبيانات رجعية كارثية يصدرها من لا يمثلنا نحن الشريحة الأكبر الصامتة هنا؟… مؤشرات ارتفاع العنف في المجتمع مقلقة لكل مراقب و مخيفة و لا سبيل للتحكّم في كل ما يهبط على عقول صغارنا و وعيهم عبر الإعلام و الألعاب الإلكترونية، في وسط هذه الغابة من العنف لا يوجد الكثير مما يمكن فعله سوى تلك المساحات المكانية المحدودة بين السابعة و الواحدة ظهرا، نستطيع أن نقرر فيها ماذا يدخل في عقولهم، نريد لهم تعايشا مسالما مع شعوب الأرض و حجة مبنية على علم و منطق تحليلي سليم في خطاب عصري… أذكر هنا بحسرة تجربة لي كمتطوعة للقراءة في مدارس الأطفال في أسبوع البيئة بالولايات المتحدة الأمريكية، أتذكر كم كان ممتعا أن أقرا للأطفال قصة لطيفة عن البطل الذي ينقذ مدينتهم من النفايات بشكل كوميدي جذّاب و كيف ساعده الأطفال في تحويل الخراب إلى جنّة حقيقية على الأرض و ليس فقط في السماء، كم تحمّس الأطفال للتفكير في طرق لتحويل بيئتهم إلى أماكن حضارية بعيدا عن السيف و الدم المسفوح، لم يكن في الكتاب سوى الكثير من الصور و القليل من الكلمات، لم يكن مطلوبا من الأطفال أن يبتلعوا وعورة كلمة كصؤولة و غيرها من الكلمات النشاز… الخطاب الآن موجّه ليس للوزارة التي لا يبدو أنها تستجيب سوى لبيانات التطرف و لكن إلى الأغلبية الصامتة هنا من العائلات التي ترسل ملايين الطلاب إلى المدارس كل يوم، أدعوهم هنا إلى عدم الانتظار حتى يفيق أحد ما في الوزارة إلى الخلل، و التأمل معي في كلمات الشاعر م. نيموللر قبل أن تستوطن بيانات الظلام أبناءهم و بناتهن: “أتوا أولا خلف الشوعيين و لم أعترض لأنني لست شيوعيا، أتوا بعدها خلف العمال و لم أتحدث لأنني لست عاملا، ثم خلف اليهود ولم أتحدث لأنني لست يهوديا، و أتوا خلفي في النهاية، ولكن لم يبق أحد عندها ليتحدث”…فتحدثوا و املؤوا الدنيا ضجيجا قبل أن يقضي على المستقبل حامل السيف المسلول…

 

 

 

 

خمس سنوات من التغيير

صدر أخيراً عن منظمة حقوق الإنسان العالمية تقويم لأوضاع حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية في السنوات الخمس الماضية، التقرير تناول ستة جوانب رئيسة بالبحث والتقويم، المنظمات الحقوقية العاملة في المملكة، أوضاع المرأة وتخفيف القيود المفروضة عليها، حرية التعبير وآليات النشر، العدالة والقضاء، التسامح الديني داخل المملكة، وملف العمالة الوافدة.

بدأ التقرير ببيان التقدم الذي شهدته الحقوق منذ مجيء الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى الحكم ونيته الجادة في الإصلاح، لكن يخشى واضعو التقرير من بقاء نيات الإصلاح في الصدور وغياب مؤسستها في أنظمة الدولة واعتمادها كقوانين ولوائح دستورية، في مجال حقوق المرأة يثني واضعو التقرير على تخفيف القيود الممارسة ضد النساء بمنحهن مجالاً أوسع للعمل وتقليل شروط الفصل بين الجنسين المقيدة لفرص العمل، كما أوضح الاستثناء الوحيد الذي منحته القوانين للنساء هنا في تأجير غرف بالفنادق بلا شرط الولي، على أن زيادة فرص العمل والتعليم مازالت رهناً باشتراط موافقة الولي التي تعد شرطاً لازماً في كل ممارسات المرأة السعودية المدنية، وهو ما يتحفظ عليه تقرير الحقوق نظراً للوعود الكثيرة المبذولة في كل عام بإزالة نظام الوصاية على المرأة الراشدة في كل محفل دولي.

تحفظ التقرير أيضاً على استمرار وجود الخطوط الحمر المقيدة لحرية التعبير في الإعلام، على رغم زيادة الطرح الإعلامي الناقد أخيراً لكل مؤسسات الدولة، إلا أن حدود النقد لا تصل إلى المؤسسة الدينية والمسؤولين في المناصب الرفيعة، ويبقى تقرير حدود الخطوط الحمر مناطاً بهوى المسؤولين عن الرقابة بلا وجود قوانين واضحة وآليات تنظم حق التعبير، ويذكر أن نظام المطبوعات والنشر، الذي تنوي وزارة الإعلام تطبيقه، على رغم معارضة ذلك النظام لحقوق التعبير ووجود نظام عام يمكن الرجوع إليه في المملكة يقنن المطبوعات والنشر سابقاً.

نظرة المسؤول لمهام المؤسسة المدنية كمؤسسة أبوية تفرض وصاية على التعبير يتطلب أمرين:

أولهما: أن يتم توضيح حدود المسموح بالتعاطي معه بالتعبير بشكل تفصيلي ممل، وهو ما يستلزم بالضرورة تقنين التفكير لأنه في الحقيقة لا شيء يجب أن يكون فوق النقد في مجتمع صحي، هذا عدا أن التعبير عملية من اثنين مرسل ومستقبل وما يفهمه شخص من نص ما قد لا يكون المقصود من مرسله، هذا يجعل وضع آلية لتفصيل المسموح والممنوع التعبير عنه مشكلة مستعصية لدى واضعي القرار. الأمر الثاني: هو أن الوصاية تفترض كنظام غياب الرقابة الذاتية لدى الناس، وهي مشكلة أن يقنن التعبير وهو إحدى وسائل التطوير والكشف والتغيير بتحديد ما يمكن التفكير فيه والتعبير عنه وما لا يمكن، يقتضي ذلك غياب المفكر الحقيقي والناقد الصريح ومن دونهما لا يمكن صنع أي تغيير ودفع حقيقي.

أثنى التقرير على إصلاح القضاء المزمع من الحكومة والبذل الواضح في التدريب والتطوير وزيادة عدد القضاة، وأشار إلى عدم التعاطي بعدالة مع بعض القضايا وأبرز محاكمة مجموعة من المتهمين بالإرهاب كمثال على غياب الآليات الكفيلة بتحقيق العدالة. وأشار أيضاً إلى أكثر النقاط أهمية وهي ليس فقط سد العجز القضائي في المنشآت والآليات والعاملين ولكن في نصوص وأحكام القضاء التي ما زالت بدائية في التعاطي مع مشكلات المجتمع، على رغم سندها الديني، فغياب تبني رؤية حديثة وتفسيرات متماشية مع مصالح الناس وتطور الحياة هي العقبة الحقيقية في النظام القضائي، وقد أشرت في مقال سابق إلى غموض وبدائية التعامل القضائي مع أكثر المشكلات الحياتية شيوعاً هنا وهي قضايا الأسرة، ما يبرز الفشل في تطبيق مدونة للأسرة تشمل دستوراً واضحاً وعادلاً للمشكلات الأسرية في المحاكم السعودية. مبادرة الملك عبدالله الشهيرة عالمياً لحوار الأديان حظيت أيضاً بثناء واضعي التقرير وعلى الأخص لتضمين الحوار الوطني لمواضيع حوار الأديان وتقريب وجهات النظر بين أطياف المجتمع السعودي، لكن كان تأثير تلك المبادرات محدوداً في تفعيل آليات إزالة التمييز الطائفي والمذهبي في الدولة، وهو مفهوم بالنظر إلى عمق الشعور الديني لدى السعوديين وغياب الوعي العام في التعاطي مع رؤية تعلي من شأن الهوية الوطنية ولا تقيدها بالانتماء المذهبي، حقوق العمال والوافدين كانت النقطة الأهم التي رصدها التقرير وكذلك التي أبرزتها تقارير وأخبار عالمية شتى بعد حوادث عدة مؤلمة في السعودية للعمال، وبالأخص بالنظر إلى أوضاع العاملات المنزليات وإمكان الإساءة الدائمة لهن حتى القتل بلا ضمانات آمنة.

يطالب التقرير بإلغاء نظام الكفالة ومنح العمال والوافدين المزيد من الضمانات من استغلال أرباب العمل، ويرصد في نهايته جهتين معارضتين للإصلاحات المستديمة بالمملكة التي ينادي بها الليبراليون وهي دستور وبرلمان منتخب ومساواة المواطنين من دون التمييز بناء على الجنس أو المذهب، المؤسسة الدينية وهي المسيطرة على التعليم والقضاء، ومؤسسة الأمن لتقنين العملين السياسي والحقوقي، وهو بذلك يختصر الوضعين السياسي والمدني في المملكة بقيادة حكيمة متطلعة للتقدم والرخاء ومجتمع يحاول الخروج من أسر السلطة التقليدية الأبوية إلى الدولة المدنية الحديثة، لا نختلف بالطبع هنا عن وضع الكثير من الدول الناشئة حولنا التي تصنع التيارات والقيم التقليدية فيها حاجزاً من الرهبة والشك يمنع القفز فوقه والعبور للتقدم.

رصد التقرير في نهايته أصواتاً مستقلة وتجمعات حقوقية تهدف إلى كسر حاجز الخوف والرهبة والدفع بالمجتمع إلى تبني ثقافة الحقوق والدفاع عنها، الأصوات الواردة في التقرير لا تحظى في الغالب بالدعم الحكومي، على رغم محاولة الكثير من النشطاء الحصول على تراخيص رسمية بالعمل، إلا أن ذلك لم يكن سبباً لتوقف التجمعات والنشطاء عن السعي الحقوقي في العمل وإصدار الأبحاث والتقارير حول المطالبات المدنية والسياسية للإصلاح. الكثير من التقارير المهمة تمت العودة إليها ورصدها في تقرير منظمة حقوق الإنسان التي منح الفضاء الإلكتروني لها الفرصة للتواصل والعرض.

في خمس سنوات فقط كسبت الحقوق هامشاً أوسع ومكاسب أقل، يعني كل ذلك أن الوصاية على المجتمع المدني ومحاولة إيقاف عجلة الإصلاح لن تنجح في الغالب إلا في تطويل المسافة والوهم وليس في إلغاء الأفكار أو بناء الحواجز الحقيقية.

و لكن أين الأسرة


بالرغم من التغييرات الإيجابية الكثيرة التي حملها التغيير الوزاري الأخير في المملكة إلا أن أمرا واحدا كنت أنتظره كغيري لم يتحقق بعد، الوزارة الأهم و التي كنت أنتظر الإعلان عنها  هي وزارة لشؤون الأسرة، فالتغيرات المتعددة التي يواجهها مجتمعنا و التي تظهر لنا كل يوم في أخبار تنبيء عن تحولات مخيفة في العلاقات الأسرية و تعاملات القضاء معها هي ما يؤكد أهمية هذه الوزارة، برنامج الأمان الأسري مثلا الذي انطلق بمبادرة من جهات صحية أولا لمحاربة انتشار العنف المنزلي لا يزال متأرجحا بعيدا عن تحقيق أهدافه الكبيرة لضآلة صلاحيات القائمين عليه و عدم وجود تشريعات قانونية ملزمة للجهات المعنية بالتعاون معهم، فالعنف لا يظهر فقط لدى المعنفين حال إصابتهم إصابة تستدعي التوجه للمستشفيات -هذا إذا تم اكتشافها- بل هو حدث يمكن ملاحظته في المدارس و مراكز الشرطة والجمعيات الخيرية و الأهلية، و في ظل عدم وجود أنظمة موحدة و مدروسة لاكتشافها و للتعامل مع البلاغات و تنظيم الإجراءات المتبعة في حالات العنف الأسري فلن يثمر برنامج المكافحة الكثير من أهدافه، و ينطبق الأمر نفسه على قضايا الطلاق و الحضانة و التي تعاني بسببها الكثير من الأسر، و الحاجة هنا كبيرة لإعادة النظر في التشريعات القانونية و الأحكام القضائية التي تنظم قوانين الزواج والطلاق و الحضانة و النفقة بما تتحقق معه المصلحة العامة، و ليس بعيدا عنا التفريق بسبب النسب و عدم تبليغ الزوجة بوقوع الطلاق و استمرار معاشرة الزوج للزوجة بلا أي وسيلة لتبليغها بوقوع الطلاق، و قضايا تزويج الصغيرات والفوضى الحادثة في أمور الحضانة و النفقة هي من أولى الأمور  بالمتابعة و التنظيم، كما لا يبتعد عن أي متابع الواقع المرير لمطالبات الطلاق و التي تتحول إلى خلع بالتقسيط لطول مدة نظر القضايا و تعنت الأزواج، كما يمكن تقنين تعدد الزوجات كنظام ووضع الأحكام و القوانين الكفيلة بعدم استغلال النساء و إهمال الأطفال و من ذلك النظر في التعامل مع الفتاوي المتعددة التي تشوه كيان الأسرة و تلحق ضررا دائما بالزوجات و الأطفال كزواج المسيار و غيره، أحكام الوراثة هي قضية أخرى تحتاج إلى إعادة نظر في آليات تنفيذ الأحكام، ونظرا لطبيعة نظام الأولياء لدينا فهي تنتهي في الكثير من الأحيان بعضل النساء و القصر و إن توفرت العدالة قانونا، و هناك الكثير مما يمكن لمثل تلك الوزارة النظر فيه كقضايا هروب الفتيات و المراهقين و تنظيم آليات استخراج الأوراق الرسمية و الالتحاق بالمدارس أو الوظائف أو النظر في تزويج الفتيات للمتنازعين في الأسرة سواء كانوا في المملكة أو خارجها، و كذلك النظر في إدخال وسائل الفحص الحديثة في إثبات النسب و هي مشكلة متكررة في الآونة الأخيرة، فلا يوجد ما يمنع من استخدام آليات الفحص العلمي الحديثة كبينات للفصل بين المتنازعين و حفظ الحقوق، قضية التعامل مع جنوح الأحداث و الأطفال يمكن أيضا أن تكون ضمن مهام الوزارة الجديدة، و هي هنا تهيء الطريق نحو إعداد أفراد أفضل في بيئات أكثر أمنا و عدالة بعيدا عن تطبيق قوانين الراشدين على مراهقين يضطرهم الإهمال و غياب الرعاية إلى الانحراف، كما يمكن أن تتولى الوزارة الناشئة  عمليات التنسيق بين الوزارات المختلفة و الجهات البحثية و الأكاديمية فيما يخص دراسة و تطوير الإجراءات المتبعة في القضايا التي تمس كيان الأسرة، و ما يتضمنه ذلك من نقل لوسائل المعرفة و تقنيات العمل مع الفئات الأضعف، و لا شك أن الوزارة الجديدة ستصبح مسؤولة عن مهام مشتتة حاليا بين كل الوزارات، مما يؤدي إلى ضعف نتائج التعامل مع قضايا الأسرة، و إعطاء الأمر لوزارة واحدة للنظر في مختلف المحاور التي تمس أفراد الأسرة و تؤثر على استقرارهم سينعكس بالتأكيد على مصلحة أكبر لأفرادها و على خلق بيئات أكثر أمنا و استقرارا، و لنا أسوة في ذلك بمختلف الدول المتقدمة التي خصصت للأسرة -هذه النواة الهامة للمجتمع- وزارة تعنى بشؤونها، و يمكن تشكيل العاملين فيها من المتخصصين بعلوم النفس و الاجتماع و القانون و الإدارة للحصول على أفضل النتائج الممكنة، و يمكن أيضا البدء في الإعداد لمثل هذه الوزارة بتبني برامج عمل متطورة و تطبيقها مبدئيا في بيئة مصغرة قبل تعميمها على مختلف المناطق، و لا يخفى على أي مشاهد للساحة المحلية و الخارجية الحاجة الكبيرة لسد الخلل في تشريعات التعامل مع الأسرة والمرأة و الطفل و التي تواجه بسببها سياسات المملكة الكثير من الانتقادات محليا و خارجيا، و التي لا يستطيع تبريرها في الكثير من الأحيان الوفود المعدة لهذا الغرض بالرغم من تدخل الجهات العليا و السامية في حالات كثيرة للحد من آثارها السيئة على أفراد المجتمع، و ليس هناك سبب رئيسي لمثل تلك الحالات سوى غياب التشريعات أو سوء تطبيقها لسبب أو لآخر، الوزارة الجديدة هي أمل يمكن أن ينتشل الأسر من تلك الأحداث التي تواجهها المحاكم و المستشفيات و المجتمع ككل و من الحلقة المفرغة المخيفة للعنف المنزلي و للجنوح و لزواج الصغيرات و لمشكلات الطلاق و الحضانة و غيرها، و تشجعني هنا التطورات الحديثة في التشكيلات الوزارية لدى صانعي القرار باقتراح هذه الوزارة الهامة و التي -على العكس من بقية الوزارات- لن تعمل فقط لسد جزئيات صغيرة من حياة المواطن السعودي بل ستشكل الجزء الأهم و الأولى بالرعاية في حياته الخاصة و التي تتشكل بناء على جهودها بناؤه الشخصي و عطاؤه في المجتمع ككل، و إذا كنا في طور التغيير و التطوير فليس هناك ما هو أجدر منها بالجهد، و إن كنا بحاجة إلى الإعلام و الثروات المادية و الصحية و االتعليم فكلها ليست شيئا بلا أفراد أسوياء مكتفين اجتماعيا في أسرصحية تعدهم لإثراء هذا الوطن…