ما الذي أحرقهم في بريدة؟


الأخبار المنشورة مؤخرا عن حريق مستشفى الصحة النفسية في بريدة تعكس مستوى التخبط و العشوائية في تعامل المسؤولين مع المشكلات الصحية و الذي أفرز و لا يزال مثل تلك الحوادث، البيان الصادر عن المسؤولين في وزارة الصحة عبر عن الأسف لذوي القتلى و عن تشكيل لجان لبحث أسباب الحريق، أما البيان الناتج عن الدفاع المدني فهو يظهر أن القتلى تعرضوا في غضون خمس دقائق و خلال نومهم لدخان الحريق السام مما أدى للوفاة، و هو أمر مستبعد كثيرا حيث كان ثلاثة من المتوفين من طاقم التمريض و لا يمكن افتراض أنهم قتلوا كما حدث للمرضى أثناء نومهم، و الأمر الأهم بغض النظر عن أسباب التأخير في إطفاء الحريق في الوقت المناسب هو في استعدادات السلامة في أجنحة المرضى و التي يفترض خضوعها للتفتيش الدوري كما تقضي وسائل العمل في كافة المنشآت الصحية، و ذلك يعني التحقق من وجود أجهزة إنذار مبكر على اتصال بمراكز الدفاع المدني و وسائل إخلاء و احتواء آلية للحريق في حال اندلاعه و على الأخص في مستشفى للعلاج النفسي حيث يفترض حدوث مثل تلك الحوادث لطبيعة المرض النفسي لدى النزلاء، أما المؤلم حقيقة فهو أن 88 مريضا قد تمت إعادتهم للمستشفى بعد إخماد الحريق مباشرة بلا أي توقف للبحث في عوامل استعداد المستشفى و مناسبتها لسكنى النزلاء و العاملين، فالمفترض أن التحقيق في أسباب الحريق جاريا و المفترض أيضا أن ما سبب الحريق بداية لم يتم بعد احتواءه سواء كان واحدا من المرضى الهاربين بعد الحريق كما ألمحت الأخبار المنشورة أو نتيجة لسوء تجهيز المبنى كما هو ظاهر من بعض الصور المنشورة،  وكان متوقعا و في خلال الفترة المبدئية لحدوث الحريق أن يتم إصدار بيان مشترك من وزارة الصحة و وزارة الدفاع المدني بنتائج بحث اللجان المعنية بأسباب الحريق و ليس نقل التعازي و التمنيات القلبية فلا زال هناك نزلاء و عاملين معرضين لنفس المصير في ظل استمرار غموض الوضع حول أسباب الحريق وأوضاع السلامة و الأمن في المستشفى، و من المؤكد أن جمهور المتابعين ينتظرون نشر صور للمسؤولين وهم يقيمون أوضاع المستشفى و أجنحة النوم و ليس صور المسؤولين وهم محاطين بموظفين المستشفى لإطهار تضامنهم معهم و شكر المسؤولين على اهتمامهم، فليس ما حدث كارثة طبيعية تستدعي التضامن و لكن خطأ و قصور يستدعي البحث و التعديل، و المثير للتعجب هو مقدارالتركيز على المسؤول و ليس على المريض وهو محور العملية العلاجية في ثقافة العمل الصحي لدينا، و هو ما أوضحه الخبر المنشور على موقع مستشفى الصحة النفسية ببريدة حول زيارة وزير الصحة للمستشفى بعد الحادثة، الخبر يذكر أن رؤساء الأفسام و مدير المستشفى قاموا باستقبال وزير الصحة و أنه بعد أن أخذ موقعه من “الحفل” قدم مدير المستشفى كلمة لشكر الوزير على اهتمامه و لتوضيح أوجه النقص و الاحتياج، كما يتضح من الخبر أن هناك طلبا لإنشاء مبنى نموذجي للصحة النفسية تتداول الوزارة أوراقه منذ عشرين عاما، و يذكر الخبر أن الوزير أثنى على افتتاح الموقع الإلكتروني للمستشفى و عبر عن سعادته بهذه الخطوة “الجبارة” – و غني عن القول أن الموقع بمعلوماته الهائلة لا يحوي أي خبر عن الحريق الأخير- و انتهى الخبر بالتأكيد على مغادرة معالي الوزير مبنى المستشفى مصحوبا بمثل ما استقبل به من حفاوة و تكريم، كما سلطت الصحف الضوء على الزيارة التي قامت بها رئيسة التمريض لأهالي الممرضين المتوفيين و ليس لأهالي المرضى بالرغم من كثرة انشغالها و ارتباطاتها و تكبدها مشقة السفر برا من الرياض إلى بريدة لأداء واجب التعزية، و القصة الرسمية التي تحكيها بيانات الوزارة و لجان الدفاع المدني تختلف كثيرا عن تلك التي يحكيها أكثر المعنيين بالحادث وهم أهالي الممرضين المتوفيين، فاستنكر أحدهم عدم الشفافية في التعامل مع المشكلات حيث تلقى و غيره من الأهالي خبرا يفيد بأن الممرضين كانوا نائمين وقت وقوع الحريق بينما كان فقدان الممرضين لمفاتيح الأبواب الخارجية و عدم وجود مفاتيح بديلة كان السبب في مصرعهم، كما يؤكد أن الممرضين جميعا أدوا صلاة الفجر جماعة مع حراس الأمن بالمستشفى قبل الحريق مباشرة فكيف يناموا وقت الحريق؟ و يتساءل والد ممرض آخر عن وسائل السلامة “أين كاميرات و صافرات الإنذار و المفاتيح الاحتياطية؟”، و التساؤلات التي يضعها ذوي المرضى أمام المسؤولين هي الأمر الوحيد المنطقي في التعامل مع مثل تلك الحوادث، و لا أعتقد أن وعود المسؤولين و تفقدهم للمستشفى ستكون بديلا كافيا لدى الأهالي و العاملين لغض النظر عن الحادثة المروعة، و هي تجلب للأذهان حوادث مماثلة في مؤسسات تعليمية و طبية نشأت للأسباب ذاتها من الإهمال و عدم التحقق من السلامة و الأمن و التخبط وقت وقوع الحوادث سواء من النزلاء أو من المسؤولين و عدم التدريب على مواجهتها في مثل تلك المنشآتـ،، و من المفترض الآن أن تصدر الجهات المعنية تقارير منطقية لا تحصي فيها عدد القتلى و الجرحى فقط بل الوسائل المزمع اتخاذها لمنع تلك الحوادث مستقبلا و ماهي خطط السلامة في المستشفى و التي يمكن تحقيقها بميزانية أبسط كثيرا من انتظار إنشاء مبنى جديد، و حتى صدور هذا التقرير لا زال المتابعين لهذه الحادثة ينتظرون من المسؤولين ردا على تساؤلهم “ما الذي قتل المرضى و الممرضين في مستشفى الصحة النفسية ببريدة”؟…

في تقرير “أطلس” الصادر عن منظمة الصحة العالمية يظهر عبء الأمراض النفسية و العصبية العام على أي مجتمع أكبر كثيرا من عبء أي مرض آخر بما فيها أمراض القلب و السكر و غيرها، و ذلك لسببين أـساسيين و هما محدودية الخدمات الصحية المقدمة للمرضى بثل تلك الأمراض و ثانيها لطبيعة المرض بالتحديد،

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s