ماذا تقول لنا قصة شرعا؟


عرض موقع إسلامي معروف على الشبكة الإلكترونية تعدادا دقيقا لإحصائيات العنف تجاه المرأة والطفل في الدول الغربية بالتفصيل بحسب طبيعة العنف (قتل، ضرب، اغتصاب) و بحسب البلد، وربما اعتقد من وضع هذا الموضوع أنه يقوم فيه بالترويج لفضائل الدين الإسلامي و المجتمعات الإسلامية بإبراز مدى العنف الذي يواجه المجتمعات الغربية، و لكن ربما فات عليه أن هناك من سيسأل إذا كان الغرب قد اهتم كل هذا الاهتمام و أخرج كل تلك الدراسات و التوصيات لرصد و متابعة و تحليل حالات العنف بكل هذه الدقة فهل يعني ذلك أن العنف بضاعة غربية؟ أم أنه يعني أننا و ببساطة لم نقدم جهدا مماثلا لرصد العنف في مجتمعاتنا؟… العنف لدينا ليس هو تلك الحوادث القليلة التي تبرز في وسائل الإعلام لدينا و تدعونا للتعجب من قسوتها و من إمكانية أن يحدث ذلك بيننا، و لكن العنف هنا يحميه تراث من ثقافة التربية بالتهديد و الضرب و التخويف و التحكم، و تعمل بكل جهد على تكميمه اعتقادات بالية بالحرص على السمعة و طاعة الولي و كلام الناس و تعريف العيب، و تعالج نتائجه قوانين و أحكام مؤلمة توزع العقوبة بالعدل على من يتعرض للعنف كما من يسومه، و لا توجد هنا ثقافة الوقاية خير من العلاج فلا زلنا نناقش الجدوى من الثقافة الجنسية في مناهجنا التربوية و هل يعتبر العنف لدينا ظاهرة أم لا و كأننا لن نقدم شيئا سوى إذا تحول إلى ظاهرة!!!… يبدو كل ذلك واضحا للغاية من متابعة قصة الطفلة شرعا التي عذبها والدها لسنوات حتى أفضى الضرب إلى موتها، و الداعي للتوقف في قصة الطفلة هو مدى الفشل في تعامل المؤسسات الرسمية و في محاولات المحيطين بالطفلة في وقف العنف على الطفلة بالرغم من ظهور كافة علاماته و آثاره على تصرفاتها، فشلت المدرسة ممثلة في معلمة الطفلة و المشرفة الاجتماعية و إدارة المدرسة في التعرف على ملامح العنف و اتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايتها مبكرا كما فشلت محاولات الأهل المحيطين بالطفلة من حمايتها ممثلا في التسعة بلاغات التي تقدمت بها جدة الطفلة لنفس مركز الشرطة و التي لم يتم التفاعل معها كما يجب، كما فشلت الطفلة نفسها و أخيها في التعرف على وسيلة للوصول إلى مساعدة ما، الطفلة بداية كانت تظهر عليها كافة ملامح العنف مثل تدني المستوى الدراسي و العزلة و الخوف و الذي ظهر واضحا عليها في يومها الأخير بالمدرسة حيث رفضت و بكل شدة العودة للبيت، إلا أن أحدا في المدرسة لم يتخذ موقفا واضحا لمساعدتها بل قامت المدرسة بتسليمها لأبيها في آخر يوم في حياتها رغما عنها بدون اتخاذ أي احتياطات، وهناك الموقف من أخ الطفلة الذي شهد وفاة أخته و بقي وحده معها حتى وفاتها، هذا الطفل استجوبته الشرطة وأعادته للأب و لنفس المنزل حتى انتهاء الإجراءات القانونية و توجيه التهمة للأب قبل تسليمه بعدها بفترة لجدته والتي طالبت بالطفلين سابقا بلا أي نتيجة، كما توضح لنا قصة شرعا أن العنف يأتي في معظم الأحيان من الأهل و ممن يفترض بهم رعاية الشخص و حمايته، تتوزع هنا مسؤولية وفاة الطفلة بين أبيها و بين الشرطة التي لم تتخذ أي موقف لحمايتها و بين المدرسة التي لم تقدم أي دعم  أو جهد لبحث مشكلتها، قصة شرعا تتبدى فيها و بكل قسوة وحدة العاجز و المعنّف في صراعه ضد العنف و صعوبة حصوله على الدعم الذي يحتاجه بالرغم من وجود القوانين و المسؤولين عنها فأين يكمن الخلل؟… هل يكمن الخلل في عدم وجود ثقافة واضحة بالعنف لدى عموم الناس أو في عدم فعالية القوانين التي تمكّن المعنّف من الحصول على الحماية أو ربما في سوء تقدير القائمين على تطبيق القوانين لأهميتها و تهاونهم في اتخاذ إجراءات الحماية، قصة شرعا تحكي السلطة المطلقة للأولياء لدينا على القصّر و الضعفاء و مقدار الحصانة الني تمتّع بها هذا الأب و غيره في ممارسة تسلطه و قسوته حتى قتل ابنته في النهاية، و العتف الذي يعتقد الكثيرون بأنه بضاعة غربية والذي يشمل تبعا لمنظمات حقوق الإنسان الإساءة المعنوية و اللفظية و الجسدية لا يرتبط فقط بسلوك منحرف كتعاطي المخدرات أوالكحول بل يوجد في كل المستويات الاجتماعية و الاقتصادية و إن كان الضعفاء من الطبقة الأدنى اجتماعيا و تعليميا كالأطفال هم الأكثر تعرضا له و الأجهل بكيفية مقاومته، والعنف لدينا هو الإبن الشرعي لموروث العشوائية و التقليد فلا يرى الأهل بأسا من ممارسة أشكال متعددة من العنف بدافع التأديب وشقاوة الأولاد، وليس من غير المعتاد أن نرى مجموعة من المراهقين أو المراهقات يتشاتمون و يتضاربون بكل عنف مع بعضهم البعض في المدارس إلى حد الطعن و الإيذاء أو أما تلطم صغيرها في مكان عام لكثرة صياحه أو خادمة أو سائق يتعرضون إلى السب و الضرب و التعدي من كفلائهم، أين دور المؤسسات العامة كالمدارس و المستشفيات و مراكز الشرطة في التعرف على مظاهر العنف و رصده، و أين دور الإعلام في القيام بحملات التوعية بمظاهر العنف، و أين دور العلماء و الباحثين في إصدار الدراسات و التوصيات عن واقع المعنّفين، وماهو دور القائمين على تنفيذ القوانين و إصدار الأحكام في قضايا العنف بمختلف أشكالها في تخفيف حدة العنف و محاربته؟… هناك الكثير من الأسئلة و القضايا المطروحة أمام هيئة حقوق الإنسان، و التي يقتصر دورها حاليا على استلام البلاغات و مخاطبة و تبليغ الجهات المعنية و التي قد لا تستجيب في الكثير من الأحيان، وقضية العنف ليست واحدة من تلك القضايا التي تحتمل الصبر و التأجيل و المماطلة و إعداد اللجان لرفع التوصيات و إصدار البيانات، و التي تأتي بعد ذلك مخيبة لمستوى التوقعات كما في تصريح ممثل الخدمات الاجتماعية بأن العنف لدينا لا يمثل ظاهرة بعد، فكم شرعا ينبغي أن نفقد حتى يتم التصدي بجدية للعنف بكل مظاهره؟…


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s