في ذكرى محمد و العنود


في غضون أشهر معدودة فقدت عائلة صديقة اثنين من أبنائها محمد و العنود في حوادث مرورية مفجعة، باغتت نهايتهما المفجعة عائلتهما كما باغتت عائلات أخرى واجه أبناؤهم نفس المصير، وكان من الممكن لمثل تلك البراعم أن تنجو في مجتمع يحترم و يطبق قوانين الأمن و السلامة في الطرق، و قضية الحوداث المرورية في المملكة و التي تحصد عددا مهولا من الأرواح كل يوم من أبناء و بنات الوطن في كل يوم من أهم الأولويات، وليس ذلك فقط بسبب العدد المؤسف لضحايا الحوداث المرورية سواء من الوفيات أو المصابين بإعاقات أوقفت حياتهم الطبيعية كما عهدوها للأبد، و لكن لأن السبب في الحوداث المرورية هو الفشل في تطبيق معايير بسيطة للغاية للأمان و السلامة في القيادة و المركبات و الطرق، كم هو أمر  مخز أن نترك البشرنهبا للموت و للإعاقة الدائمة لأسباب يمكن ببساطة منعها، و أتذكر قيام إدارة مرور جدة قبل عدد من السنوات بإنشاء معرض إرشادي في واحد من أكبر المجمعات التجارية، المعرض الذي قدم صورا مؤلمة من مواقع عدد من الحوداث المرورية مصحوبا بإرشادات السلامة التي تم تجاهلها في كل حادثة أثار الكثير من ردود الأفعال الساخطة لعرض صور الموت و أجزاء الجثث و المركبات المتفحمة في مكان عام بلا مراعاة لشعور العابرين و العابرات، و مع احترامي لوجهة النظر تلك إلا أنني ساندت المعرض، و كلي يقين بأن عرض مثل تلك المشاهد للشباب و للسائقين الجدد كإجراء إلزامي قبل منح الرخص سوف يجعلهم أكثر حذرا ووعيا على الطرقات، و القيادة في طرقاتنا تشبه لعبة إلكترونية مخيفة مدعمة بسلسلة من المفاجآت المستمرة، الناجي منها هو من يقرأ لغة السائقين الخاصة من حوله و التي تحتاج للقدرة على التنبؤ بالأمور قبل حدوثها، فيتحسب مثلا لمن يقرر أن يحيد بلا إنذار عن مساره أو يظل سائرا بكل سرعته بالرغم من توقف السيارات أمامه و بالرغم من توقف الإشارة، و أما استخدام إدارات المرور لتلك العبارات التي تزين بها شوارعنا مثل “القيادة فن و ذوق و اخلاق” فذلك أمر غير مجد على الإطلاق و الأفضل منه منع الإعلانات الملونة و الشاشات المتلفزة التي تصرف انتباه الكثير من السائقين عن الطريق، حيث تشير الدراسات التي صدرت عن سلوك قائدي المركبات و عن أسباب الحوداث المرورية لدينا  أن الأمر بالفعل بحاجة لما هو أكثر من استنفار النوايا الطيبة و الذوق و الأخلاق، ففي  دراسة ميدانية لمعرفة نسبة انتشار حوداث الطرق بين فئة الشباب من طلبة إحدى الكليات الصحية، كان أكثر من نصف الطلبة قد تعرضوا إلى حوداث مرورية كما أصيب ثلثهم في تلك الحوادث، و اثنين من كل عشرة ممن أصيبوا قد تم تنويمهم في المستشفى لفترة تزيد عن تسعة أيام، و بالرغم من أن معظم هؤلاء الطلبة كانوا على معرفة عالية أو معقولة بالأنظمة المرورية إلا أن السرعة كانت عاملا أساسيا في إصابتهم، و إذا كانت قلة الوعي في اتباع قوانين السلامة واردة في قائدي المركبات فهي بالتأكيد أمرا مستبعدا من أفراد شرطة المرور، إلا أن دراسة منشورة عن مدى معرفة رجال المرور لدينا بالإسعافات الأولية في واحد من أكثر الطرق السريعة ارتيادا و تعرضا للحوادث، أوضحت أن غالبيتهم و بالرغم من تدريبهم المسبق على الإسعافات الأولية يفتقدون إلى المعرفة و المهارة الكافية بأساسيات الإسعافات الأولية، مما يؤثر سلبا على حالة المتعرضين للحوادث على الطريق، وتمثل الوفيات بسبب حوادث الطرق ما نسبته ثمانون بالمائة من بين كل الوفيات المسجلة في مستشفيات وزارة الصحة السعودية، و هناك ما نسبته عشرون بالمائة من الأسرة في المستشفيات ذاتها مشغولة بضحايا تلك الحوداث، و تقدر إحصائية منشورة مؤخرا أننا نفقد في كل ساعة قتيلا واحدا و أربعة مصابين بسبب حوداث الطرق، تلك النسب و الأرقام  ليست مجرد إحصائيات على ورق ولكنها أرواح غالية لأبناء و بنات و أزواج و زوجات و إخوة و أخوات انطفأت بموتهم و إصابتهم شيئا من شعلة الحياة في قلوب أحبائهم، أرواح فقدناها بسبب غياب إجراءات القيادة الآمنة أو عدم صرامتها و بسبب تهاون قائدي المركبات و سوء تدريبهم، كان من الممكن أن تنقذها حملات مكثفة للتوعية بإجراءات السلامة و الأمن، أو المزيد من التخطيط و التنظيم للطرق و أنظمة منح رخص القيادة و وسائل فحص المركبات، حفظ الأرواح يحتاج إلى ماهو أكثر من ثلاثون يوما من الحبس أو غرامة مالية ما لا تزيد عن تسعمائة ريال، وهي العقوبة المنصوص عليها لمعظم مخالفات المرور كما وردت في الموقع الرسمي لوزارة الداخلية، سواء لمن يشترك في حوادث تؤدي إلى إصابات جسدية و يختفي من موقع الحادث بلا تبليغ أو للقيادة المسرعة أو للتفحيط أو عدم اتباع إشارات المرور و أنظمة السير وغيرها من المخالفات، وليس هناك أي عقوبات بسحب الرخص أو الإيقاف عن القيادة لمثل تلك الجرائم، ولا بد أن كل من فقد له حبيبا أو حبيبة على الطرقات يتساءل لماذا تبقى أرواحهم أرقاما و أخبارا في صفحات الحوداث، و لماذا مع امتلاكنا للموارد و الإمكانيات نفتقد للسلامة في الطرق؟…


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s