عودة الإمام


انبهر الإمام محمد عبده اثناء رحلته الشهيرة إلى فرنسا كمشرف على أول فوج مصري من الطلبة المبتعثين بمظاهرحضارة الغرب في مدنهم و باختلاطهم الإنساني و كانت تجربة الحياة في فرنسا عامل أساسي في دعوته الإصلاحية عند عودته إلى مصر و تشجيعه لأبناء بلاده على تعلم فنون و علوم الحضارة الحديثة، وبالطبع كان ذلك التغيير في الاتجاه و الفكر متوقعا من الإمام الذي نشأ في أوساط يكثر فيها الجهل و تقل فيها مظاهر التقدم والمدنية… و لكن هناك شيئ ما في عصرنا الحديث من الانفتاح على الغرب و سهولة الحصول على المعلومات يجعل مثل صدمة الإمام بمعرفة حضارة الغرب أمرا شبه مستبعد من أي شخصية عربية في عصرنا الحديث، و المتأمل لما ما كتبه عالمنا الجليل الشيخ عائض القرني أثناء رحلته إلى باريس تغمره الدهشة لقراءة انطباعاته عن الغرب، لقد شمل الشيخ نفس الشعور الذي شمل الإمام محمد عبده وتبدى له نفس الاكتشاف الذي توصل إليه والفارق هنا أن الشيخ يعيش في القرن الواحد والعشرين ولا يعدم وسيلة من اطلاع على إعلام أو استخدام للتكنولوجيا أو وسائل لسفر ميسر أو مؤتمرات للتعرف والتوصل إلى ثقافة الغرب ومظاهر حضارته بينما عاش الإمام محمد عبده في القرن التاسع عشرالذي تميز بمحدودية و صعوبة التنقل والتوصل إلى العلم والمعرفة بالآخر، وهذا في الحقيقة  واقع يكشف انعزال علماؤنا في هذا العصرعن مستجدات الحياة وانغماسهم في دوائر مغلقة… يكتشف الشيخ بكثير من الصدمة و الحذر أيضا أن الغرببيين قد جملتهم رقة الحضارة بلطف المشاعر وحفاوة اللقاء وأدبيات المخالطة، ويرى ويلاحظ آداب التعامل لدى الفرنسيين و إيثارهم له في زحام المداخل و مساعدتهم له في البحث عن وجهته فيتأثر بذلك كثيرا و يقدم اعترافه بتقدمهم حضاريا و إنسانية تعاملهم والذي يخشى أن يلقى عليه من متابعيه اتهاما بالولاء للغرب، والشيخ يعزو مظاهر الرقي في التعامل الإنساني الذي لحظه إلى قوة حضارة الغرب التي أفلحت في تقويم وتهذيب طباع البشر، كما يغمره اكتشاف الآخر(الغرب) بصدمة اكتشاف ما تفقده النفس (الواقع العربي) والتي باغتت أيضا الإمام محمد عبده عند إقامته في باريس، و لأن الضد بالضد يعرف فالشيخ أصبح الآن أكثر إدراكا لغلاظة و جفوة الخلق و البشر في مجتمعه الملحوظة حتى في رجال الدين “وهو منهم” كما ذكر، وهو يأسف على تجهم رجال الدين و غلاظة رجال الشرطة والجنود و قسوة الأزواج و لؤم الزوجات وتكبر المسؤولين و تفاخرهم على من يراجعوهم، فيحمل نفس الدعوة الإصلاحية التي حملها الإمام محمد عبده من قبل و يدعو أيضا إلى تطبيق “صارم” للشريعة لتغيير خلق الناس و تعاملهم لإعادة توجيههم إلى نفس مستوى اللطافة و الرقي في التعامل الذي لمسه في الغرب والذي حث عليه الإسلام واختفى من سلوك أتباعه مع الزمن وهو يقترح اقتراحا لطيفا -وبالطبع غير قابل للتطبيق لأن لا أحد يرى عيبا في نفسه وبالتالي لن ينفذه أحد- أن تكون هناك معاهد لتعليم الناس آداب التهذيب و التعامل كمسؤولين وعلماء وكأزواج….وقد قرأت بكثير من التقدير اعتراف الشيخ بجفائه و جفاء رجال العلم و الدين و لذلك أحترم كثيرا الشيخ عائض لاعترافه بالحق ولو على نفسه ولشجاعته الأدبية في ملاحظة و ظهار القصور في نفسه وفي مجتمعه وهو هنا نفس الباحث المصلح الذي عهدناه دائما، و ربما كان عدم جموده و نشاطه الفكري المتجدد في البحث في طبائع النفوس و سلوك المجتمعات و بعده عن مظاهر الأمور إلى مضامينها هو ما يميزه عن كثير من العلماء التقليديين ، وهو بذلك يخالف كثيرا التفكير النمطي المتعارف عليه من الشيوخ وطلبة العلم، والشيخ أيضا قد تعرض بسبب “تجدده” إلى كثير من الهجوم من مراقبيه ممن يرون في تصريحاته كثيرا من التردد والعودة عن آراء سابقة له في الفتوى كقضية قيادة المرأة للسيارة و غيرها، وللشيخ مقولة شهيرة في ذلك ” تلقيت اتهامات عديدة فالحداثيون يعتبروننا خوارج، والتكفيريون يشنعون علينا بأننا علماء سلطة، بينما ما زال بعض السياسيين مرتابين منا، وهناك من يرى أننا مجرد راكبي موجة، وأننا غيرنا جلودنا لكي نحقق بعض المكاسب، متناسين أننا ندفع الثمن غالياً”… و العجيب أن تغيير الجلود الذي أشار إليه الشيخ و مارسه في بعض الأحيان في فتاويه و آرائه هو سنة الحياة فلا شيء يبقى على حاله وليس هناك خير أو شر مطلق والأمور نسبية تتغير في أهميتها بحسب الزمان و المكان و مستجدات الأمور، و التغيير على النمط السائد في الفكر و العمل هو أيضا ما يقاومه وبشدة التيار التقليدي من العلماء و طلبة العلم خشية الفتنة والغزو الفكري وغيرها من المسميات وهم بذلك يحصرون أنفسهم في نفس الخانة الضيقة التي عاش فيها الإسلام و المسلمين في العصور السابقة “المظلمة” ويفوتون على أنفسهم وعلى أتباعهم التنافس مع الحضارات وتبادل الثقافات الذي ينقح بالضرورة الفكر و يثري المجتمع… و تجدد “الاكتشاف” و تغيير القناعات لدى العلماء و المفكرين ليس دليلا على تغيير المباديءالأساسية ولكنه دليل على تغير الملامح وعلى زيادة وضوح الفكرة و تبين المعرفة وهو سلوك طبيعي يصاحب الإنسان خلال مراحل نضجه ولذلك تتجدد دعوات كثير من المفكرين والعلماء بتجدد و تطور تجاربهم واطلاعهم كما هو ملحوظ من سير العديد منهم في التاريخ الإسلامي… والنظرة إلى الغرب كمجتمع إنساني يمتلك حضارة تستحق التوقف و الإعجاب و ربما أيضا الاقتباس تنافي بالطبع مبدأ الولاء والبراء الذي شهدنا العديد من تفسيراته المغلوطة بسبب قصور الفهم والجهل بطبيعة الآخر و الذي تمت إزالته مؤخرا من المقررات المدرسية… والأهم في انطباعات الشيخ عن رحلة باريس هو كونها تمثل رد فعل متجدد و إعادة نظر في قضية التعامل مع غير المسلمين و التي شكلت معضلة في الفكر الإسلامي الحديث كثيرا ما انتهت بالانعزالية و الابتعاد عن التعاطي مع الغرب ربما نتيجة لقلة الوعي بالآخر، كما تمثل انطباعات الشيخ دعوة بالفعل لإعادة النظر في تعامل العلماء و المفكرين مع مستجدات الحياة و الاطلاع على العالم خارج محيطهم اليومي الضيق خصوصا مع سهولة الوصول على المعلومات حاليا، و تمثل أيضا دعوة للعلماء للبدء بالإصلاح الذاتي فالجيل القادم من العلماء لن يغفر له عموم الناس عودته عن تصريحاته و آرائه لعدم اتصاله و قلة معرفته بالآخر خصوصا مع توفر وسائل التكنولوجيا و الاطلاع، و العلم و الخطاب الديني الذي يؤثر في فكر وسلوك الناس هو الأولى بقراءة الواقع الحديث و معرفة الثقافات و الحضارات السائدة ليصبح أقدر على التعامل معها و تطوير خطابه و مواقفه عن وعي و علم، وعندها فقط لن نشهد أزمة عودة الأئمة عن آرائهم…


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s