عالم رقمي


يعمل مجموعة من الباحثين الأمريكيين الآن برعاية إدارات أمريكية متعددة كالدفاع و الصحة و الشؤون الاجتماعية على تطوير شريحة إلكترونية “كبطاقة ذكية” يتم زرعها تحت الجلد لكل مواطن و تعمل كمرجع عام لمعلوماته الحكومية و الضريبية و الصحية، وتهدف هذه التجارب إلى إيجاد وسيلة دقيقة و موحدة و آمنة و محفوظة من الضياع للتعامل في الجهات الحكومية و المالية و الصحية و للتنقل بين الموانيء و الحدود، و الشريحة التي أصبحت الآن في مرحلة التجربة و تم بالفعل زراعتها في بعض المتطوعين تعني أيضا “تشفير” الأشخاص و إمكانية ملاحقة الناس أمنيا و التعرف على معلوماتهم كاملة من الجهات الحكومبة حال الحاجة إلى ذلك، و من المتوقع أن تساهم التقنية الجديدة في تحكم أمني أفضل من الجهات الرسمية في حالات مخالفات قوانين الهجرة و التنقل والتعاملات البنكية و الغش الضريبي و تقليل الأخطاء الطبية الناتجة عن عدم معرفة التاريخ الطبي للفرد و اختصار الوقت و الجهد و المال في عمل فحوصات جديدة حال الطواريء الطبية، و كل ما سيحتاجه الشخص هو المرور أمام كاشف للمعلومات المخزنة على الشريحة في ذراعه في الجهات الرسمية و المصحات و غيرها، بلا حاجة لتذكر أي أرقام سرية أو تواريخ صلاحية و ما إلى ذلك… و المدهش بالفعل هو مدى اتساع الآفاق و لا محدوديتها التي يشهدها العصر الرقمي في الأنظمة ووسائل الحياة، حيث يعيش المزيد و المزيد من الناس معظم حياتهم و أوقاتهم بالفعل في العالم الافتراضي و يعتمدون عليه لتسيير معاملاتهم و مصالحهم العامة وحتى لقضاء أوقات فراغهم و للتواصل و البحث عن الأصدقاء، و في مثل هذا العصر هل أصبح مقبولا أن نقوم بتشفير الناس بدلا من تشفير بطاقات الهوية و بطاقات البنوك و بطاقات المستشفيات و جوازات السفر وغيرها، وهل يتقبل إنسان العصر الحديث أن يتم التعامل معه كبطاقة ذكية؟… المروجون لفكرة الشرائح الالكترونية المزروعة يؤكدون أن لها العديد من المزايا كالقدرة على سرعة تحديد أماكن الأطفال الضائعين أو المختطفين أو المرضى العقليين أو كبار السن المصابين بالخرف أو البحث عن المفقودين بسهولة، كما ستمنح القائمين على الأماكن السرية كمصانع الأسلحة و المفاعلات النووية و المناطق العسكرية وسيلة لتتبع العاملين ومعرفة أماكنهم بلا حاجة للبطاقات الممغنطة وما يماثلها من آليات للتحكم في صلاحيات الدخول و التحرك في أماكن العمل السرية، و أيضا تفكر الشركة المنتجة بإضافة نظام الملاحة العالمي للشريحة حتى يتمكن الشخص من تحديد موقعه و الوصول إلى أي موقع يحتاجه، باختصار لا حدود لإمكانيات الخدمات التي يمكن إضافتها للشريحة تماما كما لا حدود الآن للخدمات التي تقدمها الأجهزة الالكترونية لإنسان العصر الحديث للعمل و التنقل و الصحة و تخزين المعلومات و الترفيه و التعلم و غير ذلك، و فكرة الشرائح المزروعة ذات جاذبية كبييرة على الأقل في المجال الطبي الذي ستقل فيه الأخطاء الطبية بسبب عدم التعرف على المشكلة و سيصبح الاتصال فيه عن طريق إرسال إشارات تنبيه إلى المصحات سريعا و فعالا في حال وجود حالة طبية طارئة و كذلك في المجال الأمني و المالي الذي لا يمكن فيه الحصول على المعلومات المالية سوى للشخص بنفسه، و الدكتور جوزيف فيلدمان وهو أحد المتبرعين الأوائل الحاملين لشريحة إلكنترونية مزروعة لغرض طبي يذكر أن الشريحة ستقدم معلومات هامة عن علاماته البيولوجية الحيوية و أماكن تجواله و الحصول على معلوماته الطبية في حال عدم قدرته على التحدث أو التواصل مع الفريق الطبي في الطواريء، وتصبح الفكرة مثيرة للشك في حال استخدام المعلومات كوسيلة للسيطرة على الأشخاص و التجسس على تعاملاتهم و تحركاتهم، و هنا لا توجد حدود لما يمكن كشفه و استخدامه ضد الشخص و مصالحه بدلا مما يمكن استخدامه لتيسير تعاملاته، والكثيرون الآن يرفضون أن تتم ملاحقتهم و تتبعهم من الأنظمة كمبدأ مهما كانت نبالة الهدف الأمني الذي تسعى إليه الجهات الحكومية، كما أن مسألة التشفير مثلها مثل أي تقنية أخرى يمكن أن يتم التلاعب برموزها والاستيلاء على شرائح بعض الأشخاص ذوي الأهمية و سرقة “هوياتهم” أو إعادة برمجتها و زرعها في غيرهم للوصول إلى مصالح و أهداف غير مشروعة كما في حالات التجسس و السرقات مثلا، وإساءة استخدام التكنولوجيا شيء وارد و متوقع لدى كل جهة تستخدم التكنولوجيا الآن، أما غير المتوقع و الأمر الذي لا يمكن التنبؤ به هو نتائج تحويل الإنسان إلى شريحة إلكترونية،  و تحول أفراد المجتمع إلى خلايا ضوئية متحركة تراقبها الجهات الحكومية… وبالرغم من توقع الباحثين أن الكثير من الناس سيسعدهم الحصول على التقنية الجديدة كما أسعدهم من قبل التعامل مع أجهزة الصرف الآلي و بطاقات الهوية و العمل المشفرة إلا أن ذلك في الحقيقة أمر مستبعد، فالعديد من الناس سيسوؤهم أن يتم زرع تقنية ما في أجسادهم كما كان رد الفعل الأولي في عدد من الناس و ذلك أمر متوقع للطبيعة البشرية التي تنفر من التتبع و الملاحقة، أتخيل الآن أن هناك من سيبحث عن وسائل تقنية متطورة لكشف المعلومات على الشرائح المزروعة في المتقدمين للزواج أو في المرشحين للمناصب البلدية أو العامة أو في السياسيين مثلا و معرفة حقائقهم و معلوماتهم التي لم يصرحوا بها قصدا أو بغير قصد، و ربما تكون للتقنية الجديدة بالرغم من إمكانياتها المخيفة بعض المزايا الجذابة بعد كل شيء…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s