خمسمائة نداء


عندما يتوقف القانون و المجتمع عن حماية الحقوق و فرض الأنظمة الكفيلة  بالحياة الكريمة لأبناء و بنات هذا الوطن فما هو الداع إذا لوجوده؟ وهل نلوم بعدها الناس ممن فقدوا الثقة بأنظمتهم على ممارستهم للتطرف و العنف و التحايل و النصب للحصول بطرق ملتوية على حقوقهم التي لم يضمنها لهم القانون؟… الخبر المنشور في جريدة الرياض مؤخرا حول خمسمائة حالة لسيدات لجأن إلى لجنة الحماية الأسرية و التي تشكلت مؤخرا بضغط من الهيئات الدولية المعنية بالمرأة للتخلص من ظلم الأولياء لهن و لأطفالهن يؤكد الخلل الموجود في الأنظمة المعنية بالتعاطي مع قوانين الأسرة و المرأة، سواء كانت أنظمة تشريعية أو تنفيذية، لم تجد أي من هذه الحالات وسيلة ممكنة لإثبات خلل ما في الوصي عليها بالطرق القانونية و في وقت زمني يحترم كرامتها و إنسانيتها، و البعض منهن فشلن في التخلص من ولاية أزواج و آباء بالرغم من لجوئهن للهيئات الدينية و الشرطة، و الحالات التي أوردها الخبر تصورنساء تتم استباحتهن من الأولياء بشتى الطرق و يعرضن على الأطباء لتقديم أدلة على خللهن النفسي و تهدر حقوق أبنائهن فلا تستصدر أي أوراق ثبوتية لهم و يتم تداولهن بين أزواج معنفين و إخوة رافضين في واقع مرير أشبه بأسواق النخاسة أو حياة العبيد، و هو أمر يثير الاستغراب حقيقة في الوقت الذي أصبحت فيه مطالبات النساء تدور في مزيد من فرص العمل و التعلم و القيادة والمشاركة و التمثيل الدبلوماسي و الرياضي و حقوق المشاركة في صناعة القرار في بلادهن، فكم هي مفارقة أن من النساء من لا يستطعن التخلص من عضل الولي بينما نطالب بأهلية كاملة للنساء في الدولة، و الغريب أن كل الحالات التي أوردها التقرير هي لسيدات راشدات فوق سن التمييز و مع ذلك تضطرهن القوانين إلى تقديم إثباتات ما للعيش بكرامة بعيدا عن تسلط الولي، و كأن المرأة كائن لا يستطيع الحياة سوى بولي يسير لها كافة شؤونها حتى و هي بالغة راشدة قادرة، و كأنها لا تحمل أي أهلية سواء ذاتية أو مكتسبة من المجتمع للحياة وحدها بكرامة بلا حاجة للولي، و أتساءل هنا هل لو علم كل رجل أعضل ابنته أو زوجته أو أخته بأنها تملك اختيار الرحيل و العيش بكرامة بعيدا عنه تحت حماية القانون فهل سنشهد خمسمائة حالة عضل ممن امتلكن الشجاعة للمواجهة و التبليغ؟… التقرير الصادر عن لجنة مكافحة التمييز ضد المرأة و المنبثقة عن هيئة الأمم المتحدة  يؤكد في المسح الأخير لأوضاع النساء لدينا خطورة نظام الولي الذي يجعل مصالح المرأة بغض النظر عن أهليتها معلقة بيد رجل قد يحسن و قد يسيء و قد يهملها تماما كما هو حادث الآن في الكثير من الحالات، و المرأة في الشرع تحتاج إلى إذن الولي للزواج أو السفر لدواع الحماية و الأمن ومع ذلك فالوقائع في السيرة النبوية العطرة تؤكد قدرة و استطاعة النساء على رفض وصاية الولي في حال الإساءة، و الإجراءات التي تطفو على سطح الأخبار و التي تقدمها أجهزة الدولة من وقت لآخركإعطاء المرأة صلاحيات استخراج بطاقة الأحوال لأولادها بعد الطلاق مثلا في حال رفض الزوج توفيرها للأولاد أو استخراج بطاقة أحوال خاصة بالمرأة لا تعترف بها أي جهة إذا لم تكن مصحوبة بموافقة الولي أو حتى الإقامة في الفنادق، و التي تأتي استجابة لبعض حالات العضل و لبعض المعاريض المرفوعة إلى أولي الأمر لا تمثل حقيقة حلا كريما للنساء، لا تعدو تلك الإجراءات عن كونها تأكيدا لوجود مشكلة حقيقية في حياة النساء بسبب نظام الوصاية، و النساء الآن في المملكة قد بلغن سن الرشد سواء من ناحية مستوى التعليم أو التأهيل للعمل و الحياة الاجتماعية، و لم يعد التحجج بعدم الأهلية أو القدرة على التصرف في شؤون حياتهن عائقا حقيقا أمام إعطاء حقوق المواطنة للمرأة تماما كالرجل، و الحل الأمثل للنساء اللواتي يشكين من عضل أوليائهن أن يستطعن الحياة وحدهن بكرامة وبلا حاجة للولي بدلا من الاختباء في بيوت الحماية الاجتماعية انتظارا لقرارات المحاكم المزمنة و التي تأتي غالبا على عكس ما يأملن، فضلا عن عدم توفير الحماية بمعناها الحقيقي  في تلك البيوت من أجهزة الشرطة و الأمن، مما يضطر القائمين على تلك الدور إلى التحايل لإخراج أي سيدة أو حتى فرض أنظمة المراقبة على المقيمات خوفا من تعنيف الأولياء المتربصين خارج هذه الدور، تعطيل أكثر من نصف المجتمع و تسليم صلاحيات تصريف شؤون حياته كاملة للأولياء بلا أي أنظمة أو قوانين تحدد صلاحيات الأولياء و لا تحديد العمر الذي تمارس خلاله الوصاية على النساء من أكبر الأسباب التي تعطل حياة النساء، و يزيد الوضع تعقيدا غياب تفعيل القوانين الحاسمة التي تعيد للمرأة حقوقها و تضمن حقوق أولادها بعد انفصالها عن الزوج، كل ذلك يجعل النساء أسرى مدى الحياة لأولياء معنفين أو متعنتين، يمارسون بإسم الولاية شتى أنواع العضل تحت أعين القانون بل و مباركته في أحيان كثيرة،  ليست الخمسمائة حالة التي استقبلتها دار الحماية الاجنماعية سوى قمة لجبل من حالات التعنت و العضل في هذا المجتمع، إنها خمسمائة إثبات على تهاوي الأنظمة المعنية بالأسرة و المرأة وخمسمائة نداء للقائمين على شؤون هذه البلاد بسرعة معالجة هذه الأوضاع البائسة و إدراك القصور في نظام الولاية و الوصاية المعمول به على حياة النساء…


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s