حكومة للمواطن


كان من المثير للتأمل بالفعل الاستماع لردود مجموعة من الطلبة الأمريكيين في مادة الاقتصاد الصحي على سؤال افتراضي حول ما يجب أن يكون له الأولوية في الإنفاق الحكومي الأمريكي على الصحة، هل هو العلاج الوقائي لأسنان الأطفال لمنع التسوس أو تقديم العلاج المجاني للمشردين، الطلبة الأمريكيين الذين يعتبرون أن ما تنفقه الحكومة على أي قطاع خدمي هو من أموالهم التي جمعتها هيئة الضرائب اختاروا الخيار الأول على الأغلب بالرغم من تعاطفي مع المشردين الذين يندر تواجدهم في بلادنا، و كان تبرير ذلك أن الوقاية المبكرة لأسنان الأطفال ستؤدي إلى تقليل الخسائر المستقبلية في علاج الأسنان من التسوس و مضاعفاته وهو من أكثر أصناف العلاج تكلفة، بينما تقديم الأموال للمشردين وهم من الفئات الغير مسؤولة من المواطنين لن يفيد الدولة بشيء يذكر و لن يصب في مصلحة أحد بما فيهم المشردين بأنفسهم، ولأنك بذلك تحمي عضوا غير فعال في المجتمع ستؤدي به طبيعة حياته التي اختارها لنفسه شخصيا عاجلا أو آجلا للهلاك أو لأمراض أشد فتكا لن يفيده معها توفير العلاج له فهو على الأغلب لن يواظب عليه ولن يتبع إرشادات العلاج للقضاء على المشكلة… و للقادم مثلي من أنظمة ووزارات تقليدية و أبوية ولم يشارك يوما في إعطاء القرار أو صياغته و لا حتى في اختيار طبق اليوم في كافيتيريا العمل ناهيك عن المشاركة في تقريركافة شؤون و قرارات و سياسات العمل في بلاده و التي على الأغلب يتم تقريرها بالنيابة عنه من أحد المسؤولين فقد توقفت عند ذلك التبرير الأمريكي الذي يضع المسؤولية على المواطن بدلا من الحكومة وحدها لاستحقاق أي من حقوق المواطنة حتى في العلاج، و بالرغم من توفر الخدمات الصحية و الأمنية و التعليمية في بلادنا لكل مواطن بلا أي ضرائب -رسمية على الأقل- من جانبه إلا أنها خدمات متهاوية نظرا لسوء الإدارة و ضعف آليات العمل في العموم، و الفساد الإداري المستشري في مؤسساتنا المدنية و الحكومية إما بسبب الجهل و عدم التأهيل أو لفساد الذمم و قلة المراقبة يجعل كل جهود الحكومة الساعية لتوفير حقوق ما للمواطن غير مؤثرة في النهاية للوصول إليه بالشكل المطلوب وهو ما يتضح من المخالفات العديدة التي يرصدها المواطنون في كل جهة حكومية تقدم خدمات ما للمواطن كوزارة الصحة و التعليم و أمانة البلديات و العدل و غيرها، فهل يمكن أن نعيد صياغة المعادلة بحيث يصبح المواطن “مستحقا” لحقوقه بدلا من مستقبل سلبي فقط؟…إذا احتل المواطن دورا رئيسيا في اختيار من يمثله في مجلس الشورى و البلديات والوزارات المختلفة للقيام بشؤون حياته ستتغير بالتأكيد الكيفية التي يتعامل بها المسؤول مع المواطن و الذي سيتحول هنا من مستقبل لخدمات الوزارة إلى متحكم  بتعيين المسؤول أو إبقائه بحسب جودة الخدمات المقدمة إليه من الوزارة أو الجهة الحكومية، و التصاريح التي يدلي بها المسؤولون أحيانا تدل في حقيقتها على مدى ابتعاد نظرة المسؤول عن الهدف الوحيد -المواطن- الذي يفترض فيه العمل لأجله، فنرى مثلا من يصرح من المسؤولين بأنه ليس من حق أي جهة التحدث بشأن الوزارة أو خدماتها و كأن النقد و المطالبة بالتطوير و تحسين القصور في الأداء حقا مطلقا للوزير أو لوزارته و ليس   للمعنيين مباشرة و المتلقيين لتلك الخدمات، و ليس من المستغرب أن يجد المواطن نفسه أمام العديد من المفاجآت اليومية في حياته و التي لم يتم التمهيد لها ولو إعلاميا أو طرحها للاستفتاء العام قبل تفعيلها، و من المعتاد الآن أن يفاجأ المواطن بارتفاع أسعار المواد الغذائية او الاستهلاكية و حتى الأساسية منها بلا أي تصريح ما من المسؤولين حول أسباب الارتفاع،  أو أن يترقب تفعيل قرار ما صادر بالفعل عن أحد المسؤولين كقرار وزارة العمل باقتصار بيع المستلزمات النسائية على السيدات ثم يختفي القرار هكذا فجأة بلا أي أسباب، وهناك مسالة انعدام ثقافة الشفافية في الرد على ملاحظات المواطنين حول الخدمات و المثال الأفضل مؤخرا هو الأخطاء الطبية و ضعف مستوى الخدمات الصحية و توفرها حتى في المدن الكبرى المكتظة بالسكان و عدم صدور تبرير أو تصريح ما حول تلك الحالات من المسؤولين، و لا أعتقد أن أي وزارة قد اعتمدت جهازا ما أو لجنة من بين لجانها العديدة للبحث في القضايا الطارئة أو المستجدة و للتعاطي معها بصورة فعالة و تبريرالقصور في الأداء لوسائل الإعلام و المواطنين كواجب و حق للمواطن لتحسين أساليب تقديم الخدمات و تطويرها، و يختلف الأمر بالطبع إذا كانت مساءلة الوزارات من جهات عليا فهنا يصبح الرد و التبرير حتميا مما يتجلى معه ابتعاد الرؤية في أداء الوزارات عن الهدف الحقيقي الذي نشأت لأجله، و ربما كانت الميزة الوحيدة للتردي العام هو إيجاد الدافع أخيرا لنشوء ثقافة المواطنة الحقيقية التي يصبح فيها كل مواطن عاملا هاما في صياغة أساليب الأداء و تقديم الخدمات بدلا من مستقبل سلبي، و المواطنة التي نحاول إدخالها قسرا في الكتب التعليمية عبر بعض النصوص و الشعارات لا يمكن إقحامها هكذا بساطة في شعور المواطن و كيانه و سلوكه سوى  بتفعيل معانيها الحقيقية في حياته اليومية، و باعتبار رأيه و تلمس آرائه في اختيار و تقييم المسؤولين و تشجيعه على المشاركة الواعية في صياغة سياسات بلاده و تقرير مساراتها في جميع المجالات، ولن نحتاج عندها إلى تذكير المواطنين بواجب المواطنة و آدابها، لأنهم سيصبحون بآرائهم و مشاركاتهم لبنة في بناء هذا الوطن و جزءا منه بلا حاجة لكل النصوص و الشعارات…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s